﻿بدائع الفوائد (2)
ابن قيم الجوزية

فصل في قوله تعالى : وادعوه خوفاً وطمعاً وبيان حكمة تكرار الأمر بالدعاء 
وقوله تعالى : وادعوه خوفاً وطمعاً [ الأعراف : 56 ] ، إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع . فأمر أولا بدعائه تضرعاً وخفية ، ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضاً خوفاً وطمعاً ، وفصل بين الجملتين بجملتين إحداهما خبرية ومتضمنة للنهي ، وهي قوله : إنه لا يحب المعتدين والثانية طلبية وهي قوله : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها [ الأعراف : 56 ، 85 ] ، والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها ، ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفاً وطمعاً ، ثم قرر ذلك وأكد مضمونه بجملة خبرية وهي قوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] ، فتعلق هذه الجملة بقوله وادعوه خوفاً وطمعاً كتعلق قوله إنه لا يحب المعتدين بقوله : ادعوا ربكم تضرعاً وخفية [ الأعراف : 56 ] . 
ولما كان قوله تعالى : وادعوه خوفاً وطمعاً [ الأعراف : 56 ] مشتملاً على جميع مقامات الإيمان والإحسان وهي الحب والخوف والرجاء عقبها بقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] ، أي إنما ينال من دعاه خوفاً وطمعاً فهو المحسن ، والرحمة قريب منه لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة . ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية . عقب ذلك بقوله : إنه لا يحب المعتدين ، وانتصاب قوله تضرعاً وخفية وخوفاً وطمعاً قيل هو على الحال أي ادعوه متضرعين مخفين خائفين طامعين ، وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره وقيل : هو نصب على المفعول له وهذا قول كثير من النحاة . وقيل : هو نصب على المصدر وفيه على هذا تقديران أحدهما أنه منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر والمعنى تضرعوا إليه تضرعاً وأخفوا خفية الثاني أنه منصوب بالفعل المذكور نفسه ، لأنه في معنى المصدر فإن الداعي متضرع طامع في حصول مطلوبه خائف من فواته ، فكأنه قال تضرعوا تضرعاً . والصحيح في هذا أنه منصوب على الحال والمعنى عليه فإن المعنى ادعوا ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين ويكون وقوع المصدر موقع الاسم على حله قوله : ولكن البر من آمن بالله [ البقرة : 177 ] ، وقولهم : رجل عدل ورجل صوم قال الشاعر ، فإنما هي إقبال وأدبار ، وهو أحسن من أن يقال ادعوه متضرعين خائفين ، وأبلغ والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع ، فالمقصود تقييد المأمور به بتلك الصفة وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها . فأتى بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته ، لأن يكون صفة للفاعل وصفة للفعل المأمور به . فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت : اذكر ربك تضرعاً فإنك تريد اذكره متضرعاً إليه ، واذكره ذكر تضرع فأنت مريد للأمرين معاً ، ولذلك إذا قلت : ادعه طمعاً أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعاً في فضله ، وكذلك إذا قلت : ادعه رغبة ورهبة كقوله تعالى : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً [ الأنبياء : 9 ] ، كان المراد ادعه راغباً وراهباً وادعه دعاء رغبة ورهبة ، فتأمل هذا الباب تجده كذلك ، فأتى فيه بالمصدر الدال على وصف المأمور به بتلك الصفة ، وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال ، ومما يدل على هذا . إنك تجد مثل هذا صالحاً وقوعه جواباً لكيف فإذا قيل : كيف أدعوه ؟ قيل : تضرعاً وخفية وتجد اقتضاء كيف لهذا أشد من اقتضاء لم ولو كان مفعولاً له لكان جواباً للم ولا تحسن هنا . ألا ترى أن المعنى ليس عليه فإنه لا يصح أن يقال: لم أدعوه فيقول تضرعاً وخفية، وهذا واضح . ولا هو انتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جواباً لكيف. 
وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال. بل الإتيان بالحال ههنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر مع زيادة فائدة الحال فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما والله أعلم.
فصل في قوله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين وفيه تنبيه على أن مطلوب العبد الرحمة والمطلوب منه الإحسان 
وقوله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] ، فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم ، مطلوبكم أنتم من الله هو رحمته ، ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفاً وطمعاً ، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم ، فإن الله هو الغني الحميد وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] ، له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه ، فدلالته بمنطوقة على قرب الرحمة من أهل الإحسان ، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان ، فهو السبب في قرب الرحمة منهم ، ودلالته بمفهومه عنى بعد الرحمة منهم ، ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين ، فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة . وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم ، لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين ، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل ، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته . 
وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعداً ببعد وقرباً بقرب فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته ، والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين . ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه . والإحسان ههنا هو فعل المأمور به سواء كان إحساناً إلى الناس أو إلى نفسه . فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه . وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالاً ومهابة وحياء ومحبة وخشية ، فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه ، فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة . كما أنهم هم المحسنون ، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان . يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه . قال ابن عباس هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة . 
وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، ثم قال : هل تدرون ما قال ربكم ، قالوا : الله ورسوله أعلم قال : يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة .
فصل : الإخبار عن الرحمة وهي مؤنثة بالتاء بقوله قريب وهو مذكر فيه اثنا عشر مسلكاً منها الصحيح وغيره وقد نبه على كل منهما 
وأما الأخبار عن الرحمة وهي مؤنثة بالتاء بقوله قريب ، وهو مذكر ففيه اثنا عشر مسلكاً نذكرها ونبين ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب . المسلك الأولى أن فعيلاً على ضربين . أحلاهما يأتي بمعنى فاعل كقدير وسميع وعليم . والثاني يأتي بمعنى مفعول كقتيل وجريح وكف خضيب وطرف كحيل وشعر دهين . كله بمعنى مفعول فإذا أتى بمعنى فاعل ، فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة وشريف وشريفة وصبيح وصبيحة وصبي وصبية ومليح ومليحة وطويل وطويلة ونحوه . وإذا أتى بمعنى مفعول فلا يخلو أما أن يكون يصحب الموصوف كرجل قتيل وامرأة قتيل ، أو يفرد عنه ، فإن صحب الموصوف استوى فيه المذكر والمؤنث كرجل قتيل وامرأة قتيل ، وإن لم يصحب الموصوف فإنه يؤنث إذا جرى على المؤنث نحو قتيلة بني فلان . ومنه قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة [ المائدة : 3 ] ، إلى قوله : والنطيحة [ المائدة : 3 ] ، هذا حكم فعيل وفعول قريب منه لفظاً ومعنى فإنهما مشتبهان في الوزن والدلالة على المبالغة وورودها بمعنى فاعل ومفعول . 
ولما كان فعيل أخف استغني به عن فاعل في المضاعف كجليل وعزيز وذليل كراهية منهم لثقل التضيف إذا قالوا : جالل وعازز وذالل فأتوا بفعيل مفصولاً فيه بين المثلين بالياء الساكنة ، ولم يأتوا في هذا بفعول لأن فعيلاً أخف منه ولخفته أيضاً اطرد بناؤه من فعل كشريف وظريف وجميل ونبيل . وليس لفعول بناء يطرد منه ولخفته أيضاً كان في أسماء الله تعالى أكثر من فعول فإن الرحيم والقدير والحسيب والجليل والرقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرؤوف والغفور والشكور والصبور والودود والعفو . ولا يعرف إلا هذه الألفاظ الستة وإذا ثبت التشابه بين فعيل وفعول فيما ذكرنا وكانوا قد خصوا فعولاً الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث وشركوا بينهما في لفظ المذكر فقالوا : رجل صبور وشكور وامرأة صبور وشكور ، ونظائرهما وأما عدو وعدوة فشاذ . فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كرجل ملولة وفروقة وامرأة كذلك ، وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كحلوبة وركوبة فإذا تقرر ذلك فقريب في الآية هو فعيل بمعنى فاعل وليس المراد أنه بمعنى قارب ، بل بمعنى اسم الفاعل العام ، فكان حقه أن يكون بالتاء ، ولكنهم أجروه مجرى فعيل بمعنى مفعول فلم يلحقوه التاء كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقه التاء كما قالوا : خصلة حميدة وفعلة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة ، فحملا على جميلة وشريفة في لحاق التاء . فحملوا قريباً عى امرأة قتيل وكف خضيب وعين كحيل في عدم إلحاق التاء حملاً لكل من البابين على الآخر . ونظيره قوله تعالى : قال من يحيي العظام وهي رميم [ يس : 78 ] ، فحمل رميماً وهي بمعنى فاعل على امرأة قتيل وبابه فهذا المسلك هو من أقوى مسالك النحاة ، وعليه يعتمدون وقد اعترض عليه بثلاث اعتراضات . 
أحدها : أن ذلك يستلزم التسوية بين اللازم والمتعدي ، فإن فعيلاً بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدي وفعيلاً بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم ، لأنه غالب ما يأتي من فعل المضموم العين فلو جرى على أحدهما حكم الآخر لكان ذلك تسوية بين اللازم والمتعدي وهو ممتنع . 
الاعتراض الثاني أن هذا إن ادعى على وجه العموم فباطل . وإن ادعى على سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا يسوغ . 
الاعتراض الثالث : أن العرب قد نطقت في فعيل بالتاء وهو بمعنى مفعول وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل قال جرير يرثي خالته : 
نعم القرين وكنت علق مضنه وأرى بنعق بلية الأحجار 
فجرد القرين من التاء وهو بمعنى فاعل وقال : 
فسقاك حيث حللت غير فقيدة هزج الرواح وديمة لا تقلع 
فقرن فقيدة بالتاء وهو فعيل بمعنى مفعول أي غير مفقودة . وقال الفرزدق : 
فداويته عامين وهي قريبة أراها وتدنو لي مراراً وأرشف 
ويقولون : امرأة فتين وسريح وهريت فجردوه عن التاء وهو بمعنى فاعل ، وقالوا : امرأة فروك وهلوك ورشوف وأنوف ورضوف ، فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور ، وقالوا : امرأة عروب فجردوه أيضاً ، ثم قالوا : امرأة ملولة وفروقة فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضاً . ودعوى أن التاء ههنا للمبالغة لا دليل عليها فقد رأيت اشتراك فعول وفعيل في الاقتران بالتاء والتجرد منها . 
فدعوى أصالة المجرد منهما وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها ومع مقابلها قياس اللغة في اقتران المؤنث وتجريد المذكر وأما ما استشهدتم به من قوله تعالى : من يحيي العظام وهي رميم [ يس : 87 ] . فهو على وفق قياس العربية ، فإن العظام جمع عظم وهو مذكر ولكن جمعه جمع تكسير ، وجمع التكسير يجوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة . وباعتباره قال وهي ولم يقل وهو ويراعي فيه معنى الواحد ، وباعتباره قال رميم كما يقال عظم رميم مع أن رميماً يطلق على جمع المذكر مفرداً وجمعاً قال جرير : 
إلى المهلب جذ الله دابرهم أمسوا رميماً فلا أصل ولا طرف 
فهذا الاعتراض على هذا المسلك .
المسلك الثاني : أن قريباً في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى 
المسلك الثاني : أن قريباً في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر : 
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما يضم إلى كشحيه كفاً مخضباً 
فكف مؤنت ، ولكن تأويله بمعنى عضو وطرف فذكر صفته فكذلك تتأول الرحمة وهي مؤنثة بالإحسان ، فيذكر خبرها قالوا : وتأويل الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكف بعضو لوجهين : 
أحدهما : أن الرحمة معنى قائم بالراحم والإحسان هو بر المرحوم ومعنى القرب في البر من المحسنين أظهر منه في الرحمة . 
الثاني : أن ملاحظة الإحسان بالرحمة الموصوفة بالقرب من المحسنين هو مقابلة للإحسان الذي صدر منهم ، وباعتبار المقابلة ازداد المعنى قوة واللفظ جزالة ، حتى كأنه قال : إن إحسان الله قريب من أهل الإحسان كما قال تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن :60 ] ، فذكر قريباً ليفهم منه أنه صفة لمذكر وهو الإحسان فيفهم المقابلة المطلوبة . قالوا : ومن تأويل المؤنث بمذكر ما أنشده الفراء : 
وقائع في مضر تسعة وفي وائل كانت العاشرة 
فتأول الوقائع وهو مؤنثة بأيام الحرب المذكرة فأنث العدد الجاري عليها فقال تسعة ولولا هذا التأويل لقال تسع لأن الوقائع مؤنثة قالوا : وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال جاءته كتابي أي صحيفتي وفي قول الشاعر : 
يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت 
أي ما هذه الصيحة ، مع أنه حمل أصل على فرع فلأن يجوز تأويل مؤنث بمذكر لكونه حمل فرع على أصل أولى وأحرى ، وهذا وجه جيد وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين . 
أحدهما : أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال كلمتني زيد وأكرمتني عمرو وكلمني هغد وأكرمني زينب ، تأويلاً لزيد وعمرو بالنفس والجثة ، وتأويلاً لهند وزينب بالشخص والشبح ، وهذا باطل وهذا الاعتراض غير لازم ، فإنهم لم يدعوا إطراد ذلك ، وإنما ادعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد كرفع الفاعل ونصب المفعول ، وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني ، ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ ، وهو غير مطرد وهو أكثر من أن يذكر ههنا . ولا ينكره نحوي أصلاً وهل هذا إلا اعتراض على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات ، وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك ، فلو أنهم قالوا : يجوز تأويل كل مؤنث بمذكر يوافقه ، وبالعكس لصح النقض ، وإنما قالوا يسوغ أحياناً تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان . 
الاعتراض الثاني : أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملاً على حقيقته أو مجازه ، وهما ممتنعان فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من أحدهما وجود الآخر ، لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها ، وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعه . كالملك القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه ، مع أنه لا رحمة عنده . وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا مجازاً . أما الحقيقة فظاهر وأما المجاز فإن شرطه خطور المعنى المجازى بالبال ليصح انتقال الذهن إليه ، فإذا كان منفكاً عن الحقيقة لم يخطر بالذهن ، وهذا الاعتراض أفسد من الذي قبله وهو من باب التعنت والمناكدة ، وأين هذا من قول أكثر المتكلمين ( ولعل هذا المعترض منهم ) ، أنه لا معنى للرحمة غائباً إلا الإحسان المحض ، وأما الرقة والحنة التي في الشاهد فلا يوصف الله بها ، وإنما رحمته مجرد إحسانه ومع أنا لا نرتضي هذا القول ، بل نثبت لله تعالى الرحمة حقيقة كما أثبتها لنفسه منزهة مبرأة عن خواص صفات المخلوقين كما نقوله قي سائر صفاته من إرادته وسمعه وبصره وعلمه وحياته وسائر صفات كماله . فلم نذكره إلا لنبين فساد اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ، ومن قال بقوله من المتكلمين ثم نقول : الرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته استلزام الخاص للعام ، فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام ، فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته يستحيل وجودها . 
وأما قضية الأم العاجزة فإنها وإن لم تكن تقدر على الإحسان بالفعل فهي محسنة بالإرادة فرحمتها لا تنفك عن إرادتها التامة للإحسان التي يقترن بها مقدورها إما بدعاء وإما بإيثار بما تقدر عليه ، ونحو ذلك فتخلف بعض الإحسان الذي لا تقدر عليه عن رحمتها . لا يخرج رحمتها عن استلزامها للإحسان المقدور وهذا واضح . وأما الملك القاسي إذا أحسن فإن إحسانه لا يكون رحمة ، فهذا لأن الإحسان أعم من الرحمة والأعم لا يستلزم الأخص وهم لم يدعوا ذلك فلا يلزمهم وأيضاً فإن الإحسان قد يقال إنه يستلزم الرحمة وما فعله الملك المذكور ، فليس بإحسان في الحقيقة وإن كانت صورته صورة الإحسان وبالجملة فالعنت والمناكدة على هذا الاعتراض أبين من أن يتكلف معه رده لم إبطاله .
المسلك الثالث : أن قريباً في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف وهو مسلك ضعيف جداً لا يسوغ ادعاؤه وإلا لالتبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة 
المسلك الثالث : إن قريباً في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف ، فكأنه قال : إن مكان الرحمة قريب من المحسنين ، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره . ومن ذلك قول الشاعر حسان : 
يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل 
فقال : يصفق بالياء وبردى هي مؤنث لأنه أراد ماء بردى ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذ بيديه ذهباً وحريراً فقال : هذان حرام على ذكور أمتي فقال حرام بالإفراد والمخبر عنه مثنى ، كأنه قال : استعمال هذين حرام . وهذا المسلك ضعيف جداً ، لأن حذف الحضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ادعاؤه مطلقاً وإلا لالتبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة ، إذ ما من لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأموراً به ومنهياً عنه ومخبراً إلا ويمكن على هذا أن يقدر له لفظ مضاف يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية فيقول الملحد في قوله : ولله على الناس حج البيت [ آل عمران : 97 ] ، أي معرفة حج البيت كتب عليكم الصيام [ البقرة : 183 ] ، أي معارفة الصيام ، وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة ، وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة . كما إذا قيل : أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها ، فحذف المضاف لا يلبس ، وكذلك إذا قلت : أكل فلان كبد فلان إذا أكل ماله فإن المفهوم أكثر ثمرة كبده فحذف المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة ، وليس منه واسأل القرية [ يوسف : 82 ] ، وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به . فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع ، فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه من الشراب والذنوب للدلو الملآن ماء والنهر والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة ، وعلى المسكن تارة ، بحسب سياق الكلام وبساطه وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس فيه فلا إضمار في ذلك ولا حذف ، فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه . وإذا عرفت هذا فقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين [ الأعراف : 56 ] ، ليس فى اللفظ ما يدل على إرادة موضع ولا مكان أصلاً فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضماره خطأ قطعاً ، لأنه يتضمن الإخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته دليلاً لا صريحاً ولا لزوماً ، فدعوى المدعي أنه أراده دعوى باطلة . 
وأما قوله : بردى يصفق فليس أيضاً من باب حذف المضاف بل أراد ببردى النهر ، وهو مذكر فوصفه بصفة المذكر فقال : يصفق فلم يذكر بناء على حذف المضاف ، وإنما ذكر بناء على أن بردى المراد به النهر فإن قلت : فلا بد من حذف مضاف لأنهم إنما يسقون ماء بردى لا نفس النهر ، قلت : هذا وان كان مراد الشاعر فلم يلزم منه صحة ما ادعاه من أنه ذكر يصفق باعتبار الماء المحذوف فإن تذكيره إنما يكون باعتبار إرادة النهر وهو مذكر فلا يدل على ما ادعوه . 
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : هذان حرام ففي إفراد الخبر سر بديع جداً ، وهو التنبيه والإشارة على أن كل واحد منهما بمفرده موصوف بأنه حرام ، فلو ثنى الخبر لم يكن فيه تنبيه على هذا المعنى ، فلهذا أفرد الخبر فكأنه قال وكل واحد من هذين حرام فدل إفراد الخبر على إرادة الاخبار عن كل واحد واحد بمفرده فتأمله ، فإنه من بديع اللغة وقد تقدم بيانه في هذا التعليق في مسألة كلا وكلتا . وان قولهم كلاهما قائم بالإفراد لا يدل على أن كلاً مفرد كما ذهب إليه البصريون ، بل هو مثنى حقيقة ، وإنما أفردوا الخبر للدلالة على أن الأخبار عن كل واحد منهما بالقيام ، وقد قررنا ذلك هناك بما فيه كفاية .
المسلك الرابع : أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه وهو مسلك ضعيف لثلاثة أوجه وقد بينها أحسن بيان 
المسلك الرابع : إنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه كأنه قال إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين ، أو لطف قريب ، أو بر قريب ، ونحو ذلك وحذف الموصوف كثير فمنه قول الشاعر: 
قامت تبكيه على قبره من لي من بعدك يا عامر 
تركتني في الدار ذا غربة قذ ذل من ليس له ناصر 
المعنى : تركتني شخصاً أو إنساناً ذا غربة ولولا ذلك لقالت تركتني ذات غربة . ومنه قول الآخر : 
فلو إنك في يوم الرخاء سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديق 
أراد وأنت شخص أو إنسان صديق ، وعلى هذا المسلك حمل سيبويه قولهم للمرأة حائض وطامث وطالق ، فقال كأنهم قالوا : شيء حائض وشيء طامث ، وهذا المسلك أيضاً ضعيف لثلاثة أوجه : 
أحدها : أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يحسن بشرطين أن تكون الصفة خاصة يعلم ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره . 
الثاني : أن تكون الصفة قد غلب استعمالها مفردة على الموصوف كالبر والفاجر والعالم والجاهل والمتقي والرسول والنبي ونحو ذلك ، مما غلب استعمال الصفة ، فيه مجردة عن الموصوف ، فلا يكاد يجيء ذكر الموصوف معها كقوله تعالى : إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم [ الإنفطار: 4 ] ، وقوله : إن المتقين في جنات وعيون [ الذاريات : 15 ] ، وقوله : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات [ الأحزاب : 35 ] ، وقوله : والكافرون هم الظالمون [ البقرة : 254 ] ، وهو كثير جداً في القرآن وكلام العرب وبدون ذلك لا يحسن الاقتصار على الصفة . فلا يحسن أن تقول جاءني طويل ورأيت جميلاً أو قبيحاً ، وأنت تريد جاءني رجل طويل ورأيت رجلاً جميلاً أو قبيحاً ، ولا تقول : سكنت في قريب تريد في مكان قريب مع دلالة السكنى على المكان . 
الثاني : إن الشيء أعلم المعلومات فإنه يشمل الواجب والممكن ، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحاً بليغاً فضلا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة . فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق ، شيء حائض وشيء طامث وشيء طالق ، وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع فكيف يقدر في الكلام مع أنه لا يتضمن فائدة أصلاً إذ كونه شيئاً أمر معلوم عام لا يدل عل مدح ولا ذم ولا كمال ولا نقصان . وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ، ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره ، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر ، وكلام آخر فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ : والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً [ النساء : 1 ] ، بالجر أنه قسم ومثل قول بعضهم في قوله تعالى : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام [ البقرة : 217 ] ، أن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به ، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة [ النساء : 162 ] ، إن المقيمين مجرور بواو القسم ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير ، بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه ، والمعهود من معانيه ، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين ، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها . فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به ، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم . فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها ، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بياناً وبسطاً في الكلام على أصول التفسير . فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله . 
الوجه الثالث : إن طالقاً وحائضاً وطامثاً إنما حذفت تاؤه لعدم الحاجة إليها ، فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكر والمؤنث في محل اللبس فإذا كانت الصفة خاصة بالمؤنث فلا لبس فلا حاجة إلى التاء . هذا هو الصواب في ذلك وهو المذهب الكوفي فإن قلت : هذا خلاف مذهب سيبويه . قلت : فكان ماذا وهل يرتضى محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول عالم معين ؟ هذه طريقة الخفافيش فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل ، وموجبه بقول معين أبداً وقليل ما هم . ولا ريب أن أبا بشر رحمه الله ضرب في هذا العلم بالقدح المعلى وأحرز من قصبات سبقه ، واستولى من أمده على ما لم يستول عليه غيره ، فهو المصلي في هذا المضمار ، ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه أحاط بجميع كلام العرب وإنه لا حق إلا ما قاله وكم لسيبويه من نص قد خالفه جمهور أصحابه فيه والمبرزون منهم ، ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال الكلام به ولا تنس قوله قي باب الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه ، بإضافة حسن إلى الوجه والوجه إلى الضمير ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك ، فسيبويه رحمه الله ممن يؤخذ من قوله ويترك ، وإما أن نعتقد صحة قوله في كل شيء ، فكلا وسنفرد إن شاء الله كتاباً للحكومة بين البصريين ، والكوفيين فيما اختلفوا فيه وبيان الراجح من ذلك ، وبالله التوفيق والتأييد فإن قلت : يكفي في رد ما اخترتموه في طامث وحائض وطالق من المذهب الكوفي . قوله تعالى : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت [ الحج : 2 ] ، فهذا وصف يختص به الإناث وقد جاء بالتاء . قلت : ليس في هذا ولله الحمد رد لهذا المذهب ولا إبطال له فإن دخول التاء ههنا يتضمن فائدة لا تحصل بدونها ، فتعين الإتيان بها وهي أن المراد بالمرضعة فاعلة الرضاع فالمراد الفعل لا مجرد الوصف ، ولو أريد الوصف المجرد بكونها من أهل الإرضاع لقيل مرضع كحائض وطامث ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار فإن المراد به الموصوفة بكونها من أهل الحيض ، لا من يجري دمها ، فالحائض والمرضع وصف عام يقال على من لها ذلك وصفاً ، وإن لم يكن قائماً بها ويقال على من قام بها بالفعل فأدخلت التاء ههنا إيذاناً بأن المراد من تفعل الرضاع فإنها تذهل عما ترضعه لشدة هول زنزلة الساعة . وأكد هذا المعنى بقوله : عما أرضعت [ الحج : 2 ] ، فعلم أن المراد المرضعة التي ترضع ، بالفعل لا بالقوة والتهيؤ ، وترجيح هذا المذهب له موضع غير هذا .
المسلك الخامس : أنه من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان صالحاً للحذف والاستغناء عنه بالثاني وشواهد ذلك من كلام العرب 
المسلك الخامس : إن هذا من باب اكتساب المضاف ، حكم المضاف إليه ، إذا كان صالحاً للحذف والاستغناء عنه بالثاني كقول الشاعر : 
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع 
وقال الآخر : 
مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها من الرياح النواسم 
وقال الآخر : 
بغي االنفوس معيدة نعماءها نقماً وإن عمهت و طال غرورها 
فأنث في الأول السور المضاف إلى المدينة ، وفي الثاني المر المضاف إلى الرياح ، وفي الثالث البغي المضاف إلى النفوس لتأنيث المضاف إليه ، مع أن التذكير أصل والتأنيث فرع ، فحمل الأصل على الفرع فلأن يجوز تذكير المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى لأنه حمل للفرع على الأصل . ومن الأول أيضاً قول الشاعر : 
وتشرق بالأمر الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم 
فأنث الصدر لإضافته إلى القناة وأنشدني بعض أصحابنا لأبي محمد بن حزم في هذا المعنى بإسناد لا يحضرني : 
تجنب صديقاً مثل ما واحذر الذي تواه كعمرو بين عرب وأعجم 
فإن صديق السوء يردى وشاهدي كما شرقت صدر القناة من الدم 
ومنه قول النابغة : 
حتى استغثن بأهل الملح ضاحية يركضن قد قلقت عقد الأطانيب 
ومنه قول لبيد : 
فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت أقدامها 
وهذا المسلك وإن كان قد ارتضاه غير واحد من الفضلاء فليس بقوي ، لأنه إنما يعرف مجيئه في الشعر ، ولا يعرف في الكلام الفصيح منه إلا النادر كقولهم : ذهبت بعض أصابعه ، والذي قواه ههنا شدة اتصال المضاف بالمضاف إليه وكونه جزأه حقيقة فكأنه قال : ذهبت أصبع وأصبعان من أصابعه ، وحمل القرآن على المكثور الذي خلافه أفصح منه ليس بسهل .
المسلك السادس : أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر لكونه تبعاً له ومعنى من معانيه وهو مسلك حسن 
المسلك السادس : إن هذا من باب الاستغاء بأحد المذكورين عن الأخ لكونه تبعاً له ، ومعنى من معانيه ، فإذا ذكر أغنى عن ذكره ، لأنه يفهم منه . ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين [ الشعراء : 4 ] ، فاستغني عن خبر الإعناق بالخبر عن أصحابها . ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى : والله ورسوله أحق أن يرضوه [ التوبة : 62 ] ، المعنى والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك . فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ ، أرضاؤه هو إرضاء رسوله ، فلم يحتج إن يقول يرضوهما فعلى هذا يكون الأصل في الآية إن الله قريب من المحسين ، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين . فاستغني بخبر المحذوف عن خبر الموجود ، وسوغ ذلك ظهور المعنى وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسي تعبيراً أحسن من هذا ، وهو مسلك لطيف المنزع دقيق على الأفهام ، وهر من أسرار القرآن ، والذي ينبغي أن يعبر عنه به أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى ، والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه لأن الصفة لا تفارق موصوفهاً ، فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب فه ، بل قرب رحمته تبع ، لقربه هو تبارك وتعالى من المحسنين . وقد تقدم في أول الآية إن الله تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته ومن أهل لم سؤاله بإجابته . وذكرنا شواهد ذلك وإن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده ، كما أن العبد قرب من ربه بالإحسان ، وإن من تقرب منه شبراً تقرب الله منه ذراعاً ، ومن تقرب منه ذراعاً تقرب منه باعاً ، فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم وقربه يستلزم قرب رحمته . ففي حذف التاء ههنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة . إن الله تعالى قريب من المحسنين وذلك يستلزم القربين قربه وقرب رحمته ، ولو قال إن رحمة الله قريبة من المحسنين لم يدل على قربه تعالى منهم ، لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته ، والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه ، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم ، وهو قرب رحمته . فلا تستهن بهذا المسلك فإن له شأناً وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب ، وما أظن صاحب هذا المسلك قصد هذا المعنى ، ولا ألم به ، وإنما أراد أن الإخبار عن قرب الله تعالى من المحسنين لم كاف عن الإخبار عن قرب رحمته منهم فهو مسلك سابع في الآية وهو المختار ، وهو من أليق ما قيل فيها ، وإن شئت قلت : قربه تبارك وتعالى من المحسنين ، وقرب رحمته منهم متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر ، فإذا كانت رحمته قريبة منهم فهو أيضاً قريب منهم ، وإذا كان المعنيان متلازمين صح إرادة كل واحد منهما ، فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ لها وأشرفه وأجله على الإطلاق ، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني ونهاية الآمال وقرة العيون وحياة القلوب وسعادة العبد كلها ، فكان في العدول عن قريبة إلى قريب ، من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يختلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته ولا قوة إلا بالله .
المسلك الثامن : أن الرحمة مصدر والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع فحقها أن لا تؤنث وهو مسلك ضعيف جداً 
المسلك الثامن : إن الرحمة مصدر ، والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع ، فحقها أن لا تؤنث وهذا المسلك ضعيف جداً فإن الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون [ الأعراف : 156 ] ، وقوله فيما حكى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم : إن رحمتي غلبت أو سبقت غضبي ولو كان حذف التاء من الرحمة لكونها مصدر أو المصادر . 
لاحظ للتأنيث فيها لم يعد عليها الضمير إلا مذكراً وكذلك ما كان من المصادر بالتاء كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها وفي بطلان ذلك ، دليل على بطلان هذا المسلك .
المسلك التاسع : أن القريب يراد به شيئان أحدهما النسب والقرابة فهذا بالتاء والثاني قرب المكان وهذا بلا تاء وهذا مسلك الفراء وجماعة وهو ضعيف 
المسلك التاسع : إن القريب يراد به شيئان أحدهما : النسب والقرابة ، فهذا بالتاء تقول فلانة قريبة لي ، والثاني قرب المكان وهذا بلا تاء تقول : جلست فلانة قريباً مني ، ولا تقول قريبة مني ، وهذا مسلك الفراء رحمه الله وجماعة ، وهو أيضاً ضعيف ، فإن هذا إنما هو إذا كان لفظ القريب ظرفاً ، فإنه يذكر كما قال تقول جلست المرأة مني قريباً فأما إذا كان اسماً محضاً فلا .
المسلك العاشر : أن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء وهو مسلك فاسد 
المسلك العاشر : إن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء ، كما تقول : طلع الشمس وطلعت وهذا المسلك أيضاً فاسد ، فإن هذا إنما يكون إذا أسند الفعل إلى ظاهر المؤنث فأما إذا أسند إلى ضميره فلا بد من التاء ، كقولك الشمس طلعت وتقول الشمس طالعة ولا تقول : طالع لأن في الصفة ضميرها فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء .
المسلك الحادي عشر : أن قريباً مصدر لا وصف وهو أفسد ما قيل في 
المسلك الحادي عشر : إن قريباً مصدر لا وصف ، وهو بمنزلة النقيض فجرد من التاء لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء ، ولهذا تقول امرأة عدل ولا تقول : عدلة وامرأة صوم وصلاة وصدق وبر ، ونظائره وهذا المسلك من أفسد ما قيل عن القريب فإنه لا يعرف استعماله مصدراً أبداً ، وإنما هو وصف والمصدر هو القرب لا القريب .
المسلك الثاني عشر : أن فعولاً وفعيلاً مطلقاً يستوي فيها المذكر والمؤنث وقد ورد ذلك في شعر العرب وهو مسلك ضعيف 
المسلك الثاني عشر : أن فعيلاً وفعولاً مطلقاً يستوي فيهما المذكر والمؤنث حقيقياً كان أو غير حقيقي كما قال امرؤ القيس : 
يرهرهة رودة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر 
قطيع القيام فتور الكلام تفتر عن ذب عزوب خصر 
وقال أيضاً : 
له الويل أن أمسي ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا 
وقال جرير : 
أتنفعك الحياة وأم عمرو قريب لا تزور ولا تزار 
وقال جرير أيضاً : 
كأن لم نحارب يابثين لو أنها تكشف غماها وأنت صديق 
وقال أيضاً : 
دعون الهوى ثم ارتهن قلوبنا بأسهم أعداء وهن صديق 
قالوا : وشواهد ذلك كثيرة . وفي هذا المسلك غنية عن تلك التعسفات والتأويلات ، وهذا المسلك ضعيفاً أيضا، ومما رده أبو عبد الله بن مالك فقال هذا القول ضعيف ، لأن قائله إما أن يريد أن فعيلاً في هذا الموضع ، وغيره يستحق ما يستحقه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وإما أن يريد أن فعيلاً في هذا الموضع خاصة محمول على فعول فالأول مردود لإجماع أهل العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما وزناً ودلالة ، ولذلك احتاج علماؤهم أن يقولوا في قوله تعالى : وما كانت أمك بغياً [ مريم : 28 ] ، وقوله : ولم أك بغياً [ مريم : 20 ] ، أن الأصل هو بغوي على فعول ، فلذلك لم تلحقه التاء ثم أعل بإبدال الواو ياء والضمة كسرة فصار لفظه كلفظ فعيل . ولو كان فعيلاً أصلاً للحقته التاء فقيل ألم أك بغية ، والثاني أيضاً مردود لأن لفعيل على فعول من المزايا ما لا يليق به أن يكون تبعاً له ، بل العكس أولى أن يكون فعولاً تبعاً لفعيل ، ولأنه يتضمن حمل فعيل على فعول وهما مختلفان لفظاً ومعنى ، أما اللفظ فظاهر وأما المعنى فلان قريباً لا مبالغة في لأنه يوصف به كل ذي قرب وإن قل وفعول لا بد فيه من المبالغة ، وأيضاً فإن الدال على المبالغة لا بد أن يكون له بنيته لا مبالغة فيها ، ثم يقصد به المبالغة فتغير بنيته كضارب وضروب ، وعالم وعليم وقريب ، ليس كذلك فلا مبالغة فيه ، وأما بيت امرؤ القيس فلا حجة فيه لوجوه : 
أحدها : إنه نادر ، فلا حكم له فلا كثرت صوره ولا جاء على الأصل كاستجوذ واستوثق البعير وأغيمت السماء وأغور وأحول وما كان كذلك فلا حكم له . 
الثاني : أن يكون أراد قطيعة القيام ثم حذف التاء للإضافة ، فإنها تجوز بحذفها عند الفراء وغيره وعليه حمل قوله تعالى : وأقام الصلاة [ البقرة : 177 ، التوبة : 18 ] ، أي إقامتها لأن المعروف في ذلك ، إنما هو لفظ الإقامة ، ولا يقال إقام دون إضافة كما لا يقال أراد في إرادة ولا أقال في إقالة ، لأنهم جعلوا هذه التاء عوضاً عن ألف إفعال أو عينه ، لأن أصل إقامة أقوام فنقلت حركة العين إلى الفاء فانقلبت ألفاء فالتقت ألفان فحذفت إحداهما فجاؤوا بالتاء عوضاً ، فلزمت إلا مع الإضافة فإن حدفها جائز عند قوم قياساً وعند آخرين سماعاً ومثلها في اللزوم تاء عدة وزنة وأصلهما وعد ووزن فحذفت الواو وجعلت التاء عوضاً منها فلزمت . وقد تحذف للإضافة كقول الشاعر : 
إن الخليط أجدوا البين وانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا 
أي أخلفوك عدة الأمر فحذف التاء وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة [ التوبة : 46 ] ، بالهاء أي عدته فحذف التاء . 
الثالث : أن يكون فعيل في قوله قطيع القيام بمعنى مفعول لأن صاحب المحكم حكى أنه يقال قطعه وأقطعه إذا بكته وقطع هو فهو قطيع القول ، فقطيع على هذا بمعنى مقطوع أي مبكت فحذف التاء على هذا التوجيه ليس مخالفاً للقياس وإن جعل قطيعاً مبنياً على قطع كسريع من سرع ، فحقه على ذلك أن يلحقه التاء عند جريه على المؤنث إلا أنه شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول فأجرى مجراه ، فهذا تمام اثني عشر مسلكاً في هذه الآية أصحها المسلك المركب من السادس والسابع ، وباقيها ضعيف وواه ومحتمل . والمبتدي والمقلد لا يدرك هذه الدقائق والفاضل المنصف لا يخفى عليه قويها من ضيفها وليكن هذا آخر الكلام على الآية والله أعلم .
فائدة في تقسيم الخبر إلى مفرد وجملة وبيان حكم كل منهما 
خبر المبتدأ إما مفرد ، وإما جملة ، فإن كان جملة فأما أن يكون نفس المبتدأ أو غيره ، فإن كان نفس المبتدأ لم يحتج إلى رابط يربطها به ، إذ لا رابط أقوى من اتحادهما نحو قولي الحمد لله ، وإن كانت غير المبتدأ فلا بد فيها من رابط يربطها بالمبتدأ لئلا يتوهم استقلالها وانقطاعها عن المبتدأ، لأن الجملة كلام قائم تام بنفسه ، وذلك الرابط لا يتعين أن يكون ضميراً بل يجوز أن يكون ضميراً وهو الأكثر ، واسم إشارة كقوله تعالى : ولباس التقوى ذلك خير [ الأعراف : 26 ] ، وقوله : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم [ الحديد : 19 ] ، ونظائره كثيرة . واسماً ظاهراً قائماً مقام الضمير كقوله تعالى : والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين [ الأعراف : 170 ] ، وقد يستغني عن الضمير إذا علم الرابط وعدم الاستقلال بالسياق ، وباب هذا التفصيل بعد الجملة ، ففيه يقع الاستغناء عن الضمير كثيراً ، كقولك المال لهؤلاء لزيد درهم ولعمرو درهمان ولخالد ثلاثة ومثله الناس واحد في الجنة وواحد في النار . 
ولا حاجة إلى تقدير ضمير رابط محذوف تقديره لزيد منه درهم وواحد منهم في الجنة فإن تفصيل المبتدأ بالجملة بعده رابط أغنى عن الضمير ، فتأمله ومثله السمن منوان بدرهم وهذا بخلاف قولك زيد عمرو مسافر فإنه لا رابط بينهما بوجه ، فلذلك يحتاج أن يقول في حاجته ، ونحو ذلك ليفيد الإخبار ، هذا حكم الجملة . وأما المفرد فقد اشتهر على ألسنة النحاة أنه إن كان مشتقاً فلا بد من ضمير يربطه بالمبتدأ، وإن كان جامداً لم يحتج إلى ضمير وبعضهم يتكلف تأويله بالمشتق ، وهذا موضع لا بد من تحريره ، فنقول الخبر المفرد لما كان نفس المبتدأ كان اتحادهما أعظم رابط يمكن فلا وجه لاشتراط الرابط بعد هذا أصلاً فإن المخاطب يعرف أن الخبر مسند إلى المبدأ وإنه هلو نفسه ، ومن هنا يعلم غلط المنطقيين في قولهم : إنه لا بد من الرابط إما مضمراً وإما مظهراً . 
وهذا كلام من هو بعيد من تصور المعاني وارتباطها بالألفاظ ، ولا تستنكر هذه العبارة في حق المنطقيين فإنهم من أفسد الناس تصوراً ولا يصدق بهذا إلا من عرف قوانين القوم وعرف ما فيها من التخبيط والفساد . 
وأما إن كان الخبر اسماً مشتقاً مفرداً فلا بد فيه من ضميراً ولكن ليس الجالب لذلك الضمير ربطه بالمبتدأ بل الجالب له أن المشتق كالفعل في المعنى فلا بد له من فاعل ظاهر أو مضمر . فإن قيل : وما الذي يدل على أن في الفعل ضميراً حتى يكون في ثانيه ضمير ، فإذا قلت : زيد قام فإن هذا اللفظ لا ضمير فيه يستمع ، فدعوى تحمله للضمير دعوى محضة قيل : الذي يدل على أن فيه الضمير تأكيدهم له وعطفهم عليه وإبدالهم منه ، كقولك في التأكيد : إن زيداً سيقوم نفسه برفع نفس وفي العطف كقوله تعالى : سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته [ المسد : 3 ] ، فامرأته رفع عطفاً على الضمير في سيصلى وفي الإبدال ، قولك إن زيداً يعجبني علمه على أن يكون علمه بدل اشتمال لا فاعل ، فإذا كان المشتق مفرداً كان الضمير الذي فيه اسماً فعلا كان أو اسماً ، نحو زيد يذهب وزيد ذاهب . وأما في التثنية والجمع فلا يكون ضميراً إلا في الأفعال ، نحو يذهبان ويذهبون ، وأما في الأسماء ، فإنه لا يكون فيها إذا ظهر إلا علامة لا ضميراً ، نحو ذاهبان وذاهبون فهما في الاسم حرفان ، وفي الفعل اسمان ، برهان ذلك ، انقلابهما في الاسم ياء في التثنية والجمع كما ينقلبان فيما لا يتحمل ضميراً كالزيدين والزيدين ولو كان ضميراً كهما في الفعل لبقيا على لفظ واحد كما تقول في الفعل ، هؤلاء رجال يذهبون ، ومررت برجال يذهبون ، ورأيت رجالاً يذهبون ، وكذلك في التثنية سواء فلا يتغير لفظ الواو لأنها فاعل وليست علامة إعراب الفعل فثبت بهذا صحة دعوى النحاة على العرب . إن الضمير المستتر في الاسم المشتق لا يظهر في تثنية ولا جمع وإن الضمير المستتر في الفعل يظهر في التثنية والجمع ولولا الدليل الذي ذكرناه ، لما عرف هذا أبداً لأن العرب لم تشافهنا بهذا مشافهة ولا أفصحت عن هذا القدر في هذا ونحوه إلا باستقراء كلامها والتتبع لأنحائها ومقاصدها الموصل إلى غرائب هذه اللغة وأسرارها وحكمها . فإن قيل : فقد عرفنا صحة ذلك فما هي الحكمة التي من أجلها فرقوا بين الموطنين فجعلوها ضمائر في الأفعال وحروفاً في الأسماء ؟ قيل في ذلك حكمة بديعة وهي أن الأسماء لما كان أصلها الإعراب كانت أحوج إلى علامة إعراب منها إلى علامة إضمار ، والأفعال أصلها البناء ولم يكن لها بد من الفاعل ضرورة ، فكانت أحوج إلى علامة إضمار الفاعلين منها إلى علامة إعراب ، مع أن هذه العلامة في الأسماء علامة تثنية وجمع وحروف إعراب أيضاً ، والأفعال لا تثنى ولا تجمع إذ هي مشتقة من المصدر وهو لا يثنى ولا يجمع ، لأنه يدل على القليل والكثير بلفظ واحد ، هذه علة النحاة وفيه علة أخرى هي أصح من هذه ، وألطف وأدق قد تقدمت في أول هذا التعليق . وإذا ثبت أن الأفعال لا تثنى ولا تجمع وعلامة التثنية والجمع حروف إعراب ، فلا يكون الواو والألف إلا علامة إضمار ولا يكون في الأسماء وإن احتملت الضمائر إلا علامة تثنية وجمع وحروف إعراب ، على قول سيبويه أي محل الإعراب أو هي الإعراب نفسها وعلى قول قطرب وغيره ، بمنزلة الحركات في المفرد أو دليل إعراب على قول الأخفش والمبرد .
فصل في حكم الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً وفيه فوائد جمة ينبغي لمن يجب الاطلاع على أسرار اللغة أن يقف عليها 
هذا حكم الخبر إذا كان مفرداً أو جملة . فأما إذا كان واقعاً موقع الخبر وليس هو نفسه خبراً كالظرف والمجرور ، فإنه واقع موقع مشتق متحمل للضمير ، وهو : إما مفرد وإما جملة وأكثر النحاة يقدرونه بمفرد مشتق نظراً إلى أن الأصل في الخبر أن يكون مفرداً ، فتقديره كذلك موافق للأصل ، وأيضاً فإنما قدر لضرورة صحة الكلام فإن الظرف والمجرور ليس هو نفس المبتدأ وما قدر للضرورة لا يتعدى به ما تقتضيه الضرورة وهي تزول بالمفرد ، فتقدير الجملة مستغنى عنه مع أنه خلاف الأصل وأيضاً فإنه قدر للتعلق . وهذا التعلق يكفي فيه المفرد ، وأيضاً فإنه يقع في موضع لا يصح فيه تقدير الجملة ، كقولك : أما عندك فزيد وأما في الدار فعمرو ، فإن أما لا يليها إلا اسم مفرد ، فإذا تعين المفرد ههنا يرجح في الباقي ليجري الباب على سنن واحد ولا ينتقض هذا بوقوعه في صلة إلموصول ، كقولك : جاءني الذي في الدار إذ يتعين تقدير الجملة ، لأن كلامنا في التقدير في باب الخبر لا في التقدير في سائر الأبواب ، كالصلة والصفة والحال ولا يلزم من تعين الجملة في التقدير في الصلة تعينها ولا تر جيحها في باب المبتدأ. وسأل أبو الفتح ابن جني أبا علي عن هذه المسألة فلم يراجعه بجواب شاف ، أكثر من أن قال له تقدير الاسم ههنا ، أولى لأن خبر المبتدأ في أغلب أحواله اسم ، وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال الجار هنا لا يتصور تعليقه بفعل محض إذ الفعل المحض ما دل على حدث وزمان ، ودلالته على الزمان ببنيته ، فإذا لم يكن له وجود في اللفظ لم يكن له بنية تدل على الزمان ، مع أن الجار لا تعلق له بالزمان ولا يدل عليه ، إنما هو في أصل وضعه لتقييد الحدث وجرده إلى الاسم على وجه ما من الإضافة فلا تعلق له إلا بالحدث . والحدث الذي هو المصدر لا يمكن تقديره ههنا لأنه خبر المبتدأ. والمبتدأ ليس هو الحدث فبطل أن يكون التقدير زيد استقرار في الدار ، وبطل أيضاً بما تقدم أن يكون التقدير زيد استقر في الدار ، ألا ترى أنه يقبح أن يقال زيد في الدار أمس أو أول من أمس ، وإذا بطل القسمان أعني إضمار المصدر والفعل لم يبق إلا القسم الثالث وهو إضمار اسم الفاعل فتتضح الفائدتان . 
إحداهما أن يكون خبراً عن المبتدأ ويضمر فيه ما يعود عليه إذ لا يمكن ذلك في المصدر . 
والثانية أن يصح تعلق الجار به ، إذ مطلوبه الحدث ، واسم الفاعل متضمن للحدث لا للزمان . إذا عرف هذا فلا يصح ارتفاع الاسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل ، وإن كان في هوضع خبر أو نعت ، وإنما يرتفع بالابتداء كما يرتفع في قولك قائم زيد بالابتداء ، لا بقائم خلافاً للأخفش ، فإذا قلت في الدار زيد فارتفاع زيد بالابتداء لا بالاستقرار ، فإن قلت : أليس إذا قلت زيد قائم أبوه ورأيت رجلاً قائماً أبوه ومررت برجل قائم أبوه فترفع الاسم بقائم إذا كان معتمداً على مبتدأ أو منعوت أو ذي حال ، وكذلك إذا كان قبله استفهام أو نفي نحو أقائم زيد ؟ وما قائم زيد ، قيل : اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل ومعناه فإذا اقترن به ألف الاستفهام أو قرينة من القرائن التي ذكرت التي يقوي بها معنى الفعل عمل عمل الفعل بخلاف قائم زيد ، فإنه لا قرينة معه تقتضي أن يعمل عمل الفعل ، فحمل على أصله من الابتداء والخبر ، فإن قيل : فهلا قلت إن الظرف والمجرور إذا اعتمد كما يعتمد اسم الفاعل أنه يرفع الاسم كما هو معزى إلى سيبويه فإذا قلت : زيد في الدار أبوه . كان أبوه مرفوعاً بالظرف كما إذا قلت زيد قائم أبوه . قلت : قد توهم قوم إن هذا مذهب سيبويه وإنك إذا قلت : مررت برجل معه صقر . إن صقراً مرفوع بالظرف لاعتماده على الموصوف ، وكنا نظن ذلك زماناً حتى تبين أن هذا ليس بمذهبه وأنه غلط عليه ، وقد بين أبو سعيد السيرافي مراد سيبويه من كلامه ، وشرح وجه الغلط عليه بما فيه كفاية فراجعه في كتابه . والفرق بين الظرف وبين اسم الفاعل ما تقدم . أن اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل ومعناه ، فإذا اعتمد أو اقترنت به قرينة قوي جانب الفعلية فيه ، فعمل عمل الفعل . 
وأما الظرف فلا لفظ للفعل فيه إنما هو معنى يتعلق به الفعل ويدل عليه ولم يكن في قوة القرينة التي يعتمد عليها أن تجعله كالفعل ، كما لم يكن في قوته إذا كان ملفوظاً به دون قرينة أن يكون كالفعل ، فإذا اجتمع الاعتماد المقوي لمعنى الفعل مع اللفظ المشتق من الغعل عمل الاسم حينئذ عمل الفعل ووجه آخر من الفرق بين المسألتين أنك إذا قلت : مررت برجل قائم أبوه ، فالقيام لا محالة مسند إلى الأب في المعنى . وهو في اللفظ جار على رجل والكلام له لفظ ومعنى ، فقائم في اللفظ جار على ما قبله . وفي المعنى مسند إلى ما بعده . 
وأما الظرف والمجرور فليس كذلك إنما هو معنى يتعلق به الجار وذلك المعنى مسند إلى الاسم المرفوع وخبر عنه فصح أنه مبتدأ ، والمجرور خبر عنه ، والجملة في موضع نعت أو خبر ، فإن قيل : فيلزمكم إذا قدمتم الظرف في موضع الخبر وقدرتم فيه ضميراً يعود على المبتدأ ، أن تجيزوا في الدار نفسه زيد وفيها أجمعون إخوتك وهذا لا يجوزه أحد . وفي هذا حجة للأخفش ولمن قال بقوله في إن رفع الاسم بالظرف قيل : إنما قبح توكيد المضمر إذا كان الظرف خبراً مقدماً لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير ، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير ، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى ، وإذا لم يكن ملفوظاً به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ ، والمجرور المقدم قبل المبتدأ دال عليه والدال على الشيء غير الشيء . فلذلك قبح فيها أجمعون الزيدون لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد ولذلك صح تقديم خبر إن على اسمها ، إذا كان ظرفاً ، لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة ، إنما هو متعلق بالخبر . والخبر منوي في موضعه مقدر في مكانه ، ولذلك لم ينكسر أصل الخليل في منعه تقديم خبر المبتدأ مع كثرة هذا النحو في الكلام أعني في الدار زيد ، ولذلك عدل سيبويه في قولهم فيها قائماً رجل ولمية موحشاً ، طلل إلى أن جعل الحال من النكرة ، ولم يجعلها حالاً من الضمير الذي في الخبر لأن الخبر مؤخر في النية ، وهو العامل في الحال وهو منوي ، والحال لا يتقدم على العامل المنوي فهذا كله مما يبين أن الظرف والمجرور ليس هو الخبر في الحقيقة ولا الحامل للضمير ولا العامل في شيء من الأشياء لا في حال ولا في ظرف ولا في فاعل ، ومن جهة المفعول أن الدار إذا انفردت بلفظها لم يصح أن تكون خبراً عن زيد ولا عاملة ولا حاملة للضمير ، وكذلك في ومن وسائر حروف الجر لو انفردت لم يكن فيها شيء من ذلك فقد وضح أن الخبر غيرها وإنها واقعة موقعه والله أعلم . فإن قيل : فما تقول فيما حكاه الزجاج عن بعض النحاة أنك إذا قلت : قائم زيد أن قائماً مبتدأ وزيد فاعل به سد مسد الخبر ، قيل : هذا وإن كان قد جوزه بعض النحاة ، فهو فاسد في القياس لأن اسم الفاعل اسم محض ، واشتقاقه من الفعل لا يوجب له عمل الفعل كمسجد ومرقد ومروحة ومغرفة ، ولكن إنما يعمل إذا تقدم ما يطلب الفعل ، أو كان في موضع لا تدخل عليه العوامل اللفظية نحو النعت والخبر والحال فيقوى حينئذ معنى الفعل فيه ويعضد هذا من السماع أنهم لم يحكوا قالم الزيدان وذاهب إخوتك عن العرب إلا على الشرط الذي ذكرنا ولو وجد الأخفش ومن قال يقوله سماعاً لاحتجوا به على الخليل و سيبويه ، فإذا لم يكن مسموعاً وكان بالقياس مدفوعاً فأحر به أن يكون باطلاً ممنوعاً فإن قلت : فما تصنع في قول الشاعر : 
خبير بني لهب فلا تك ملغياً مقالة لهبي إذا الطير موت 
فهذا صريح في أن خبير مبتدأ وبنو لهب فاعل به ، وفي قول الآخر : 
فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعي المثهوب قال يالا 
قلت : أما البيت الأول فعلى شذوذه وندرته لا يعرفه قائله ولم يعرف أن تقدمي النحاة وأئمتهم استشهدوا به وما كان كذلك فإنه لا يحتج به باتفاق على أنه لو صح أن قائله حجة عند العرب لاحتمل أن يكون المبتدأ محذوفاً مضافاً إلى بني ، لهب وأصله كل بني لهب خبير وكل يخبر عنها بالمفرد كما تقدم في أول التعليق ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فاستحق إعرابه ويدل على إرادة العموم عجز البيت ، وهو قوله : فلا تك ملغياً مقالة لهبي أفلا ترى كيف يعطى هذا الكلام . إن كل واحد من بني لهب خبير فلا تلغ مقالة لهبي ، وكذلك البيت الثاني فلا متعلق فيه أصلاً ، لأن أفعل التفضيل إذا وقع خبراً عن غيره وكان مقترناً بمن ، كان مفرداً على كل حال نحو الزيدون خير من العمرين .
فصل
 إذا اعتمد اسم الفاعل على قبله أو كان معه قرينة مقتضية للفعل وبعده اسم مرفوع جاز فيه وجهان : أن يكون خبراً مقدماً والاسم بعده مبتدأ وأن يكون مبتدأ والرفوع بعده فاعل 
إذا ثبتت هذا فيجوز في اسم الفاعل إذا اعتمد على ما قبله أو كان معه قرينة مقتضية للفعل وبعده اسم مرفوع وجهان . 
أحدهما أن يكون خبراً مقدماً والاسم بعده مبتدأ وأن يكون مبتدأ والمرفوع بعده فاعل نحو أقائم زيد ؟ وما قائم عمرو ونحوه إلا أن يمنع مانع من ذلك . وذلك في ثلاث مسائل : 
أحدها : قولك زيد قائم أخواه فإن هذا يتعين فيه أن يكون أخواه فاعلاً بقائم ولا يجوز أن يكون أخواه مبتدأ وقائم الخبر لعدم المطابقة . 
الثانية : قولك زيد قائمان أخواه فإن هذا يتعين فيه على الأفصح أن يكون مبتدأ وخبراً ولو كان من باب الفعل والفاعل لقلت قائم أخواه ، كما تقول قام أخواه . 
الثالثة : قولك زيد قائم أنت إليه وزيد قائم . هو إذا كان الفاعل ضميراً منفصلاً فإن هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبراً ، لأن الضمير المنفصل لا يكون فاعلاً مع اتصاله بعامله ، إنما يكون فاعلاً إذا لم يمكن اتصاله نحو ما قائم إلا أنت ، ونحو الضاربة هو . فإذا عرفت ذلك فقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المبعث : أو مخرجي هم فمخرجي يتعين أن يكون خبراً مقدماً وهم مبتدأ ، لأن الرواية اتفقت على تشديد مخرجي وكان أصله مخرجون لي فحذف اللام وأضيفت مخرجون إلى الياء فسقط نون الجمع لأنها تسقط للإضافة فصار مخرجوي ، فاجتمع الواو والياء والسابق منهما ساكن فقلبت الواو ياء ، فصار مثلان فأدغم أحدهما في الآخر فجاء مخرجي . ومثله ضاربي ومكرمي ولو أن الصفة ههنا رافعة للضمير لكانت مفردة وكان يقال : أو مخرجي هم بالتخفيف كما تقول أضاربي إخوتك ولو جعلته مبتدأ وخبراً لقلت أضاربي بالتشديد والله أعلم ، فإن قلت : ما هم بمخرجي تعين التشديد ليس إلا لأن الفاعل لا يتقدم ، فلو خففت لكانت المسألة من باب الفعل والفاعل . والفاعل لا يتقدم عامله وإن أخرت الضمير جاز لك الوجهان كما تقدم . 
قولهم : ظروف الزمان لا تكون إخباراً عن الجثة ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل يعرف من العلة في مع ذلك ، والعلة أن الزمان لما كان عبارة عن أوقات الحوادث وكانوا محتاجين إلى تقييد حوادثهم وتاريخها بأزمنة تقارنها معلومة عند المتكلم والمخاطب كما يقدرونها بالأماكن التي تقع فيها . جعل الله سبحانه وتعالى حركات الشمس والقمر وما يحدث بسببها من الليل والنهار والشهور والأعوام معياراً يعلم به العباد مقادير حوادث أفعالهم وتاريخها ومعيارها لشدة حاجتهم إلى ذلك في الأجال ، كالعدد والإجارات والسلم والديون المؤجلة ومعرفة مواقيت الحج والصيام وغيرها ، فصارت حركة الشمس والقمر تاريخاً وتقييداً ومعياراً للأفعال والحياة والموت والمولد وغير ذلك ، فالزمان إذاً عبارة عن مقارنة حادث لحادث مقارنة الحادث من الحركة العلوية للحادث من حركات العباد ومعياراً له ، ولهذا سماه النحاة ظرفاً لأنه مكيال ومعيار يعلم به مقدار الحركة والفعل وتقدمه وتأخره وقربه ، وبعده وطوله وقصره ، وانقطاعه ودوامه ، فإذا أخبرت أن فعلك قارن ذلك الحادث المعلوم من حركة الشمس والقمر ، يوقت له ويقيد به ، فسمي وقتاً وهو في الأصل مصدر وقت الشيء أوقته إذا حددته وقدرته حتى لو أمكن أن يقيد ويؤرخ بما يقارن الفعل من الحوادث غير الزمان . استغني عن الزمان نحو قمت عند خروج الأمير وعند قدوم الحج وعند موت فلان لكن ذلك لا يشترك في علمه ومعرفته كالاشتراك في معرفة يوم الجمعة وشهر رمضان ونحوه ولا يطرد مع أنه أيضاً توقيت وتاريخ بالزمان في الحقيقة ، فإن قولك عند خروج الأمير وقدوم الحاج ، إنما تريد به هذه الأوقات والأزمنة ولكن المعلوم عند جميج المخاطبين ، إنما هي أجزاء الزمان كالشهر والسنة واليوم ، وأبعاض ذلك وإذا عرف ذلك فلا معنى لقولك زيد اليوم وعمرو غداً ، لأن الجثث ليس بأحداث فتحتاج إلى تقييدها بما يقارنها وإلى تاريخها بحدث معها فما ليس بحدث لا معنى لتقييده بالحدث الذي هو الزمان وعلى هذا فإذا أردت حدوث الجثة ووجودها فهو أيضاً حادث فيجوز أن يخبر عنه بالزمان إذا كان الزمان يسع مدتها تقول : نحن هذا المائة الثامنة ، وكان الأوزاعي في المائة الثانية ، والإمام أحمد في المائة الثالثة ، ونحو هذا . وعلى هذا إذا قلت الليلة الهلال صح ولا حاجة بك إلى تكلف إضمار الليلة طلوع الهلال ، فإن المراد حدوث هلال ذلك الشهر فجرى مجرى الأحداث ، وكذلك تقول : الورد في أيار وتقول الرطب في شهر كذا وكذا ومنه قول الشاعر : 
أكل عام نعم يحوونه يلقحه قوم وتنتجونه 
ومثله قولك البدر ليلة رابع عشرة ولا حاجة إلى تكلف طلوع البدر ، بل لا يصح هذا التقدير ، لأن السائل إذ سألك أي وقت البدر فإنه لم يسألك عن الطلوع إذ هو لا يجهله ، وإنما يسألك عن ذات البدر ونفسه . فقولك : هو ليلة أربع عشرة تريد به أن ليلة أربع عشرة هي ليلة كونه بدراً لا ليلة طلوعه فتأمله ، وعلى هذا فلا يسوغ هذا الاستعمال حتى يكون الزمان يسع ما قيدته به من الحدث والجثة التي في معناه فلو كان الزمان أضيق من ذلك ، لم يجز التقييد به ، لأن الوقت لا يكون أقل من المؤقت فلا تقول نحن في يوم السبت ، وإن صح أن تقول نحن في المائة الثامنة ، ولا تقول الحجاج في يوم الخميس وتقول الحجاج في زمن بني أمية والله أعلم . قوله عز وجل : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [ البقرة : 6 ] ، وقوله تعالى : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم [ المنافقون : 6 ] ، وقوله تعالى : سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [ الأعراف : 193 ] ، مما أشكل إعرابه على فحول العربية واختلفت أقوالهم في ذلك ، فقال صاحب الكشاف سواء اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [ آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى : في أربعة أيام سواء للسائلين [ فصلت : 10 ] ، بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لأن وأنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع رفع على الفاعلية . كأنه قيل : إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه ، كما تقول إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه ، أو يكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبراً مقدماً بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن . 
قال : فإن قلت الفعل أبداً خبر لا مخبر عنه فكيف صح الإخبار عنه في هذا الكلام . قلت : هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى ، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاً بيناً . من ذلك قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن . معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن ، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل والهمزة وأم مجردتان بمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما مغى الاستفهام رأساً . قال سيبويه جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولهم اللهم اغفر لنا أيتها العصابة يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام . ولا استفهام كما أن ذاك جرى على صورة النداء ، ولا نداء ومعنى الاستواء استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن ، إما الإنذار وإما عدمه ولكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين قلت : هذا قوله وقول طائفة من النحاة وقد اعترض على ما ذكراه بأنه يلزم القائل به أن يجيز سواء قمت أم قعدت دون أن تقول علي أو عليك ، وأنه يجيز سيان أذهب زيد أم جلس ويتفقان أقام زيد أم قعد وما كان نحو هذا مما لا يجوز في الكلام ولا روي عن أحد لأن التقدير الذي قدروه منطبق على هذا . وقالت طائفة أخرى سواء ههنا مبتدأ والجملة الاستفهامية في موضع الخبر ، وإنما قالوا هذا وإن كان سواء نكرة ، لأن الجملة لا تكون في موضع المبتدأ أبداً ولا في موضع الفاعل . وأورد عليهم أن الجملة . إذا وقعت خبراً فلا بد فيها من ضمير يعود على المبتدأ فأين الضمير العائد على سواء ههنا ؟ فأجابوا عن هذا . بأن سواء وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في المعنى خبر لأن المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه قالوا : ولا يلزم أن يعود من المبتدأ ضمير على الخبر فلما كان سواء خبراً في المعنى دون اللفظ روعي المعنى ، ونظير هذا قولهم : ضربي زيداً قائماً فإنه لم يعد على ضربي ضمير من الحال التي سدت مسد الخبر ، لأن معناه أضرب زيداً أو ضربت زيداً ، والفعل لا يعود عليه ضمير فكذلك ما هو في معناه وقوته ونظيره أيضاً ، أقائم أخوك ؟ لأن أخوك وإن سد مسد الخبر فإنه فاعل في المعنى وقائم معناه معنى الفعل الرافع للفاعل . فروعيت هذه المعاني في هذه المواضع وهجر فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى وبقي حكم الابتداء مقتضياً للرفع لفظاً . والمبتدأ متضمن لمعنى يخالف معنى الابتداء ، فحكم لذلك المعنى فلم يعد على اللفظ ضمير وحكم للفظ المبتدأ بحكم الابتداء فارتفع فهذا قول هذه الطائفة الأخرى واعترض عليه بعد الاعتراف بحسنه وقوته بأن العرب لم تنطق بمثل هذا في سواء حتى قرنته بالضمير المجرور بعلى ، نحو سواء عليكم وسواء عليهم وسواء علي فإن طردوا ما أصلوه في سواء ، سواء قرن بعلى أم لم يقرن فليس كذلك ، وإن خصوه بالمقرون بعلى فلم يبينوا سر اختصاصه بذلك ، وقالت طائفة ثالثة منهم السهيلي ، وهذا لفظه ، لما كانت العرب لا تقول سيان أقمت أم قعدت ولا مثلان ، ولا شبهان ، ولا يقولون ذلك إلا في سواء مع المجرور بعلى ، وجب البحث عن السر في ذلك وعن مقصد القوم في هذا الكلام ، وعن المساواة بين أي شيء ، هي وفي أي الصفات هي من الاسمين الموصوفين بالتساوي فوجدنا معنى الكلام ومقصوده ، إنما هو تساوي . عدم المبالاة بقيام أو قعود أو إنذار أو ترك إنذار ولو أرادوا المساواة في صفة موجودة في الذات لقالوا سواء الإقامة والشخوص ، كما يقولون : سواء زيد وعمرو وسيان . وضلان يعني استواءهما في صفة ذاتيهما فإذا أردت أن تسوي بين أمرين في عدم المبالاة وترك الالتفات لهما وإنهما قد هانا عليك وخفا عليك ، قلت سواء علي أفعل ، أم لم يفعل كما تقول : لا أبالي أفعل أم لم يفعل ، لأن المبالاة فعل من أفعال القلب ، وأفعال القلب تلغى إذا وقعت بعدها الجمل المستفهم عنها أو المؤكدة باللام . تقول : لا أدري أقام زيد أم قعد ؟ وقد علمت ليقومن زيد ولكن لا تلغى هذه الأفعال القلبية ، حتى يذكر فاعلها في اللفظ أو في المعنى ، فتكون حينئذ في موضع المفعول بالعلم ثم قال .
فصل إذا اعتمد المبتدأ سواء في اللفظ 
فإذا ثبث هذا فسواء مبتدأ في اللفظ وعلي وعليكم ، أو عليهم مجرور في اللفظ وهو فاعل في المعنى المضمون من مقصود الكلام ، إذ قواك سواء على في معنى لا أبالي وفي أبالي فاعل ، وذلك الضمير الفاعل هو المجرور بعلى في المعنى ، لأن الأمرين إنما استويا عليك في عدم المبالاة ، فإن لم تبال بهما لم تلتفت بقلبك إليهما ، وإذا لم تلتفت فكأنك قلت لا أدري أقمت أم قعدت . فلما صارت الجملة الاستفهامية في معنى المفعول لفعل من أفعال القلب ، لم يلزم أن يكون فيها ضمير يعود على ما قبلها إذ ليس قبلها في الحقيقة إلا معنى فعل يعمل فيها وكيف يعود من المفعول ضمير على عامله ولولا قولك علي وعليكم ما قوي ذلك المعنى ، ولا عمل في الجملة ، ولكن لما تعلق الجار به صار في حكم المنطوق به وصار المجرور هو الفاعل في المعنى ، كالفاعل في علمت ودريت وباليت ، ألا ترى كيف صار المجرور ؟ في قولهم له صوت . صوت غراب بمنزلة الفاعل في يصوت حتى كأنك نطقت بيصوت فنصبت صوت غراب . لذلك وإذ قلت عليه نوح الحمام ، رفعت نوح الحمام ، لأن الضمير المخفوض بعلى ليس هو الفاعل الذي ينوح كما كان في قولك له صوت صوت غراب وكذلك المجرور في سواء عليهم هو الفاعل الذي في قولك لا يبالون ولا يلتفتون إذ المساواة ، إنما هي في عدم المبالاة والالتفات والمتكلم لا يريله غير هذا بوجه فصار الفاعل مذكوراً والمبالاة مفعولة مقصودة فوقعت الجملة الاستفهامية مفعولاً لها ، قال : ونظير هذه المسألة حذو القذة بالقذة قوله تعالى : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين [ يوسف : 35 ] ، فبدا فعل ماض فلا بد له من فاعل ، والجملة المؤكدة باللام لا تكون في موضع فاعل أبداً ، وإنما تكون في موضع المفعول بعلمت وإن لم يكن في اللفظ علموا ، ففي اللفظ ما هو في معناه لأن قولهم بدا ظهر للقلب لا للعين ، وإذا ظهر الشيء للقلب فقد علم والمجرور من قوله : لهم هو الفاعل ، فلما حصل معنى العلم وفاعله مقدماً على الجملة المؤكدة باللام صارت الجملة مفعولاً لذلك العلم كما تقول : علمت ليقومن زيد ، ولام الابتداء وألف الاستفهام يكون قبلها أفعال القلب ملغاة فكذلك سواء عليهم أأنذرتهم ؟ رفعت الجملة الاستفهامية في المعنى بعد فعل من أفعال القلب ، وبعد فاعله كما تقدم بيان ذلك حين قدرناه بقولك ، لا يبالون فالواو في يبالون هو الفاعل والضمير في عليهم هو الفاعل في المعنى ألا ترى كيف اختص بعلى من بين حروف الجر ، لأن المعنى إذا كان يرجع إلى عدم المبالاة فقد هان عليك الأمران وصارا أخف شيء على من لا يباليهما ويلتفت إليهما ، فتأمله تجد المعاني صحيحة والفوائد كثيرة مزدحمة تحت هذا اللفظ الوجيز ، فلذلك نبت عنه كثير من الإفهام ، حتى تناقضت عليهم الأصول التي أصلوها واضطربوا في الجواب عن الاعتراضات التى التزموها مع ، ما غاب عنهم من فوائد هذه الآيات وإعجازها وسمانة هذه الكلمات على إيجازها ثم قال .
فصل : الاستفهام مع أم يعطي معنى التسوية وبيان ذلك 
فإن قيل : ما بال الاستفهام في هذه الجملة والكلام خبر محض قلنا الاستفهام مع أم يعطي معنى التسوية ، فإذا قلت أقام زيد أم قعد فقد سويت بينهما في علمك فهدا جواب فيه مقنع ، وأما التحقيق في الجواب فإن تقول ألف الاستفهام . لم يخلع منها ما وضعت له ولا عزلت عنه ، وإنما معناه علمت أقام زيد أم قعد ؟ أي علمت ما كنت أقول فيه هذا القول واستفهم عنه بهذا اللفظ ، فحكيت الكلام كما كان ليعلم المخاطب ، إن ما كان مستفهماً عنه معلوم ، كما تقول : قام زيد فترفعه ، لأنه فاعل ثم تقول : ما قام زيد فيبقى الكلام كما كان وتبقى الجملة محكية على لفظها لتدل على أنه ما كان خبراً متوهماً عند المخاطب . فهو الذي نفى بحرف النفي ولهذا نظائر يطول ذكرها ، فكذلك قوله : سواء عليهم أأنذرتهم [ يس : 10 ] ، لما لم يبالوا بالإنذار ولا نفعهم ولا دخل في قلوبهم منه شيء ، صار في حكم المستفهم عنه أكان أم لم يكن فلا تسمى الألف ألف التسوية ، كما فعل بعضهم ، ولكن ألف الاستفهام بالمعنى الذي وضعت له ولم يزل عنه ، ثم قال : فإن قيل : فلم جاء بلفظ الماضي أعني أنذرتهم ، وضعت وكذلك أدعوتموهم أم أنتم صامتون . وأقام زيد أم قعد ؟ ولم يجيء بلفظ الحال ولا المستقبل فالجواب من وجهين : 
أحدهما : أن في الكلام معنى الشرط ، والشرط يقع بعد المستقبل بلفظ الماضي . تقول إن قام زيد غداً قمت وههنا يتعذر ذلك المعنى ، كأنك قلت إن قام زيد أو قعد لم أباله ولا ينتفع القوم إن أنذرتهم أم لم تنذرهم ، فلذلك جاء بلفظ الماضي وقد قال الفارسي قولاً غير هذا ، ولكنه قريب منه في اللفظ ، قال : إن ألف ألم الاستفهام تضارع إن التي للجزاء لأن الاستفهام غير واجب ، كما أن الشرط ليس بحاصل إذا عدم المشروط فهذه العبارة فاسدة من وجوه يطول ذكرها ولو رأى المعنى الذي قدمناه لكان أشبه على أنه عندي مدخولاً أيضاً ، لأن معنى الشرط يطلب الاستقبال خاصة دون الحال والماضي وقوله : سواء عليكم أدعوتموهم [ الأعراف : 193 ] ، وسواء عليهم أأنذرتهم [ يس: 10 ] ، لم تختص بالاستقبال بل المساواة في عدم المبالاة موجودة في كل حال ، بل هي أظهر في فعل الحال ، ولا يقع بعد حرف الشرط فعل حال بوجه . والتحقيق هي الجواب أن نقول : قد أصلنا في نتائج الفكر أصلاً ، وهو أن الفعل لم يشتق من المصدر مضافاً إلا ليدل على كون الاسم مخبراً عنه أعني الفاعل الذي كان المصدر مضافاً إليه ، ولم تختلف أبنيته بعدما اشتق من المصدر إلا لاختلاف أحوال الحدث من مضي أو استقبال ، فإن كان قصد المتكلم أن لا يقيد الحدث بزمان دون زمان ، ولا بحال استقبال دون حال مضى ، بل يجعله مطلقاً جاء بلفظ الماضي الذي لا زوائد فيه ليكون أخف على اللسان وأقرب إلى لفظ الحدث المشتق منه . ألا ترى أنهم يقولون : لا أفعله ما لاح برق وما طار طائر بلفظ الماضي ، خاصة لما أرادوا مدة مطلقة غير مقيدة ، وإنه لا يفعل هذا الشيء في مدة لوح البرق وطيران الطائر ونحو ذلك ، فلم يجاوزوا لفظ الماضي لأنهم لا يريدون استقبالاً ولا حالاً على الخصوص فإن قلت : ولا يريدون أيضاً ماضياً فكيف جاء بلفظ الماضي ؟ قلنا : قد قرن معه لا أكلمه ولا أفعله فدل على أن قوله ما لاح برق لا يريد به لوحاً فد انقضى وانقطع ، إنما يريد مقارنة الفعل المنفي للفعل الآخر في المدة على الإطلاق والدوام ، فليس في قوله : ما لاح برق إلا معنى اللوح خاصة غير انه ترك لفظ المصدر ليكون البرق مخبراً عنه كما تقدم فمتى أردت هذا ولم ترد تقييداً بزمان فلفظ الماضي أحق وأولى وكذلك قوله تعالى : سواء عليهم أأنذرتهم [ البقرة : 6 ] ، أضاف الإنذار إلى المخاطب المخبر عنه فاشتق من الإنذار لفعل ليدل على أن المخاطب فاعل الإنذار وترك الفعل بلفظ الماضي لأنه مطلق في الزمان كله وإن القوم لم يبالوا بهذا ولا هم في حال مبالاة فلم يكن لإدخال الزوائد الأربع معنى ، إذ ليس المراد تقييد الفعل بوقت ولا تخصيصه بحال فإن قلت : لفظ الماضي يخصصه بالانقطاع . 
قلنا : حدث حديثين امرأة . وفيما قدمناه ما يغني عن الجواب مع ما في قوله : سواء عليهم أأنذرتهم [ البقرة : 6 ] ، من ثبوت هذه الصفة فيهم وحصولها في الحال وفي المآل فلا تقول سواء ثوباك أو غلاماك إذا كان الاستواء فيما مضى وهما الآن مختلفان ، فهذه القرينة تنفي الانقطاع الذي يتوهم في لفظ المضي ، كما كان لفظ الحال في قولك لا أكلمه ما دامت السموات والأرض بنفي الانقطاع المتوهم في دام . وإذا انتفى الانقطاع وانتفت الزوائد الأربع بقي الحدث مطلقاً غير مقيد في المسألتين فتأمل هذا تجده صحيحاً .
فصل : قولهم إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم الكلام على واو الثمانية قولهم : إن الواو تأتي للثمانية ، ليس عليه دليل مستقيم وقد ذكروا ذلك في مواضع ، فلنتكلم عليها واحداً واحداً : 
الموضع الأول : قوله تعالى : التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر [ التوبة : 112 ] ، فقيل الواو في والناهون واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة ، وذكروا في الآية وجوهاً أخر منها : أن هذأ من التفنن في الكلام أن يعطف بعضه ويترك عطف بعضه ومنها أن الصفات التي قبل هاتين الصفتين صفات لازمة متعلقة بالعامل ، وهاتان الصفتان متعديتان متعلقتان بالغير فقطعتا عما قبلهما بالعطف، ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . وكل هذه الأجوبة في غير سديدة وأحسن ما يقال فيها أن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد ، فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغايرها في نفسها وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها ، وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة ، وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض بحسب هذين المقامين ، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من في غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن اسقاط حرف العطف ، وإن أريد الجمع بين الصفات أو التنبيه على تغايرها ، حسن إدخال حرف العطف فمثال الأول : التائبون العابدون الحامدون [ التوبة : 112 ] ، وقوله : مسلمات مؤمنات قانتات تائبات [ التحريم : 5 ] ومثال الثاني قوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن [ الحديد : 3 ] وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى : حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم [ الاعراف : 1 ، 2 ، 3 ] غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ، فأتى بالواو في الوصفين الأولين وحذفها في الوصفين الأخيرين ، لأن غفران الذنب وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما ، فمن غفر الذنب قبل التوب فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمة . 
أحدهما : يتعلق بالإساءة والإعراض وهو المغفرة ، والثاني يتعلق بالإحسان والإقبال على الله والرجوع إليه وهو التوبة ، فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة وحسن العطف ههنا هذا التغاير الظاهر ، وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن ، ولهذا جاء العطف في قوله : هو الأول والآخر والظاهر والباطن [ الحديد : 3 ] ، وترك في قوله : الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن [ الحشر : 23 ] ، وقوله : الخالق البارئ المصور [ الحشر : 24 ] ، وأما شديد العقاب ذي الطول [ غافر : 3 ] ، فترك العطف بينهما لنكتة بديعة وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه وإنه حال كونه شديد العقاب . فهو ذو الطول وطوله لا ينافي شدة عقابه ، بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية ، ولهذا فسرها النبي في بقوله : أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، فأوليته أزليته وآخريته أبديته فإن قلت : فما تصنع بقوله : والظاهر والباطن ، فإن ظهوره تعالى ثابت مع بطونه فيجتمع في حقه الظهور والبطون والنبي صلى الله عليه وسلم فسر الظاهر بأنه الذي ليس فوقه شيء . والباطن بأنه الذي ليس دونه شيء . 
وهذا العلو والفوقية مجامع لهذا القرب والدنو والإحاطة . قلت : هذا سؤال حسن . والذي حسن دخول الواو ههنا إن هذه الصفات متقابلة متضادة وقد عطف الثاني منهما على الأول للمقابلة التي بينهما ، والصفتان الأخريان كالأوليين في المقابلة ، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخر إلى الأول ، فكما حسن العطف بين الأوليين حسن بين الاخريين . فإذا عرف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها ، لأن كل صفة لم تعطف على ما قبلها فيها كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد ، فلم يحتج إلى عطف فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة . حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته مطلوب في تعيينه ، لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر ، بل لا بد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحه ونهيه عن المنكر بصريحه ، وأيضاً فحسن العطف ههنا ما تقدم من التضاد فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ضدين . 
أحدهما : طلب الإيجاد والآخر طلب الإعدام . كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين فحسن لذلك العطف . 
الموضع الثاني : قوله تعالى : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات [ التحريم : 5 ] ، إلى قوله ثيبات وأبكاراً فقيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع وليس كذلك ، ودخول الواو ههنا متعين لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء ، وأما وصفاً البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما ، فتعين العطف لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والإبكار . 
الموضع الثالث قوله تعالى : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [ الكهف : 22 ] ، قيل : المراد إدخال الواو ههنا لأجل الثمانية وهذا يحتمل أمرين أحدهما هذا والثاني أن يكون دخول الواو ههنا إيذاناً بتمام كلامهم عند قولهم سبعة ثم ابتدا قوله وثامنهم كلبهم وذلك يتضمن تقرير قولهم سبعة ، كما إذا قال لك زيد فقيه فقلت ونحوي وهذا اختيار السهيلي وقد تقدم الكلام عليه ، وإن هذا إنما يتم إذا كان قوله وثامنهم كلبهم ليس داخلاً في المحكى بالقول والظاهر خلافه والله أعلم . 
الموضع الرابع قوله تعالى : وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها [ الزمر : 73 ] ، فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية ، وقال في النار : حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها [ الزمر : 71 ] ، لما كانت سبعة وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها ، بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة ، وهي أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها ففتحت في وجوههم لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه . وأما الجنة فلما كانت ذات الكرامة وهي مأدبة الله . وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره ، شرع لهم أبوابها ، ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب ، أتى بالواو العاطفة ههنا الدالة على أنها جاؤوها بعدما فتحت أبوابها . وحذف الجواب تفخيماً لشأنه وتعظيماً لقدره كعادتهم في حذف الأجوبة . وقد أشبعنا الكلام على هذا فيما تقدم والله أعلم .
فصل في بيان مذاهب النحاة في لولا إذا اتصل به ضمير متصل 
مذهب سيبويه أن لولا إذا اتصل بها الضمير المتصل نحو ، لولاه ولولاك . كان مجروراً وخالفه الأخفش . وقال الأخفش والكوفيون هذه الضمائر مما وقع المضمر المتصل موقع المنفصل كما وقع المنفصل موقع المتصل ، في قولهم : ما أنا كأنت ولا أنت كأنا . وقد وقع المتصل موقع المنفصل في قوله : 
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا أن لا يجاورنا الأك ديار 
وقال المبرد بقول الكوفيين . فأما حجة سيبويه فهي الاستعمال قال الشاعر : 
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بإجرامه من قلة النيق منهوى 
وقال الآخر : 
لولاك هذا العام لم احجج 
وقال آخر : 
ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن 
واحتج سيبويه على أن الضمير هنا مجرور بأن هذه الضمائر التي هي : الهاء والكاف والياء إما أن تكون ضمائر نصب أو ضمائر جر ، ومحال أن تكون ضمائر رفع ولا يجوز أن تكون ضمائر نصب ، لأن الحروف إذا اتصل بها ياء المتكلم وكانت في موضع نصب اتصل بها نون الوقاية نحو أني وأنني وكأني وكأنني ، فإن أدى ذلك إلى اجتماع مثلين جاز حذف نون الوقاية ، فيقال : أني وكأني ولكني فلو كانت الياء ضمير نصب لقالوا : لولاني كما قالوا ليتني ولم يأت ذلك فتعين أن تكون ضمير جر ، فإذا ثيت هذا في الياء ، فكذلك في الكاف والهاء . 
وأما الكوفيون فاحتجوا بأن الظاهر لا يقع بعد هذه الحروف إلا مرفوعاً فكذلك المضمر وقد وجد ذلك في المنفصل ، فيكون المتصل كذلك ، ولكن هذه الضمائر المتصلة وقعت موقع الضمائر المنفصلة ، كما يقع المنفصل موقع المتصل فهما يتعاقبان ويتعاوضان . 
فقالوا : ما أنا كأنت فأوقعوا ضميراً لرفع موقع ضمير الجر ، فلذلك قالوا : لولاك فاوقعوا ضمير الجر موقع ضمير الرفع . 
فالتغيير وقع في الصيغة لا في الإعراب . قالوا : وقد ثبت أن لولا لا تعمل في الظاهر ، فكيف تعمل في المضمر وأجاب البصريون عن هذا بأن الأصل أن الضمائر لا يقع بعضها موقع بعض إلا للضرورة في الشعر . وبأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجهين . أحدهما إيقاع المتصل موقع المنفصل والثاني إيقاع المجرور موقع المرفوع وهذا تغيير مرتين فالتغيير في لولا بكونها حرف جر في هذا الموضع أسهل قالوا . وأما عملها في المضمر خاصة فليس بمستنكر عمل العامل في بعض الأسماء دون بعض . فهذه لدن لا تعمل إلا في غدوة وحدها ، فإذا كان العامل يعمل في بعض الظاهرات دون بعض وهي جنس واحد ، فلأن يعمل في المضمر دون الظاهر وهما جنسان : أولى وقد رد بعض النحاة هذا الاستعمال جملة وقال : هو لحن ، واختلف على المبرد فقيل : إن هذا مذهبه وقيل إن مذهبه قول الكوفيين والله أعلم .
فصل في مذاهب النحاة في المستثنى من أي شيء هو 
اختلف في المستثنى من أي شيء هو مخرج ، فذهب الكسائي إلى أنه مخرج من المستثنى منه ، وهو المحكوم عليه فقط . 
فإذا قلت : جاء القوم إلا زيداً فزيد مخرج من القوم فكأنك أخبرت عن القوم الذين ليس فيهم زيد بالمجيء ، وأما هو فلم تخبر عنه بشيء ، بل سلبت الإخبار عنه لا أنك أخبرت عنه بسلب المجيء والفرق بين الأمرين واضح ، وعلى قوله : فالإسناد وقع بعد الإخراج وذهب الفراء إلى أنه مخرج من الحكم نفسه . وذهب الأكثرون إلى أنه مخرج منهما معاً . 
فله اعتباران أحدهما كونه مستثنى وبهدا الاعتبار هو مخرج من الاسم المستثنى منه . والثاني كونه محكوماً عليه بضد حكم المستثنى منه ، وبهذا الاعتبار هو مخرج من حكمه . والتحقيق في ذلك ، أنه مخرج من الاسم المقيد بالحكم فهو مخرج من اسم مقيد لامطلق . 
ونذكر ما احتج به لهذه المذاهب وما تعقب به على الاحتجاج فاحتج الكسائي بقوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى [ البقرة : 34 ] ، ووجه الاستدلال أن الاستثناء لو كان مخرجاً من الحكم ، لكان قوله أبى تكراراً لأنه قد علم بالاستثناء وأجيب عن هذا . بأنه تأكيد واعترض على هذا الجواب بأن المعاني المستفادة من الحروف لا تؤكد ، فلا يقال ما قام زيد نفياً وهل قام عمرو استفهاماً ، ولكن قام زيد استدراكاً ونحوه ، لأن الحرف وضع على الاختصار ولهذا عدل عن الفعل إليه فتأكيده بالفعل ينافي المقصود بوضعه والتحقيق في الجواب إن أبى أفاد معنى زائداً وهو : أن عدم سجوده استند إلى إبائه وهو أمر وجودي اتصف به نشأ عنه الذنب ، فلم يكن ترك سجوده لعجز ولا لسهو ولا لغفلة ، بل كان إباء واستكباراً . ومعلوم أن هذا لا يفهم من مجرد الاستثناء عليه ، وإنما المفهوم منه عدم سجوده ، وأما الحامل على عدم السجود فلا يدل الاستثناء عليه فصرح بذكره . ونظير هذا الاحتجاج والاعتراض والتقدير سواء قوله تعالى : ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين [ الأعراف : 11 ] ، فإن نفى كونه من الساجدين أخص من نفي السجود عنه لأن نفي الكون يقتضي نفي الأهلية والاستعداد فهو أبلغ في الذم من أن يقال لم يسجد ، ثم الذي يدل على بطلان هذا المذهب وجوه . منها أنه لو كان ما بعد إلا مسكوتاً عن حكمه لم يكن قولنا : لا إله إلا الله توحيداً واللازم باطل ، فالملزوم مثله والمقدمتان ظاهرتان . ومنها أن الاستثناء المنقطع لا يتصور الإخراج فيه من الاسم لعدم دخوله فيه ، فكذلك المتصل . ومنها أنه لو كان الإخراج من الاسم وحده لما صح الاستثناء من مضمون الجملة . كقولك زيد أخوك إلا أنه نائي عنك وعمرو صديقك إلا أنه يواد عدوك ونحو هذا . ومنها أنه لا يوجد في كلام العرب قام القوم إلا زيداً ، فإنه قام ولو كان الإخراج من الاسم وحده والمستثنى مسكوت عنه ، لجاز إثبات القيام له كما جاز نفيه عنه . فإن السكوت عن حكمه لا يفيد نفي القيام عنه ولا إثباته فلا يكون واحد منهما مناقضاً للاستثناء ، واحتج الفراء بأن المنقطع مخرج من الحكم لا من الاسم ، وكذلك الباب كله ، وأجيب عن ذلك ، بأن المستثنى داخل مع الاسم المحكوم عليه تقديراً إذ يقدر الأول شاملاً بوجه ليصح الاستثناء ، ولمن نصر قول الكسائي أيضاً أن يجيب بهذا الجواب . وإذا تبين بطلان المذهبين صح مذهب الجمهور أن الإخراج من الاسم والحكم معاً فالاسم المستثنى ، مخرج من المستثنى منه ، وحكمه مخرج من حكمه ، وأن الممتنع إخراج الاسم المستثنى من المستثنى منه مع دخوله تحته في الحكم فإنه لا يعقل الإخراج حينئذ البتة . فإنه لو شاركه في حكمه لدخل معه في الحكم والاسم جميعاً فكان استثناؤه غير معقول ، ولا يقال إن معنى الاستثناء أن المتكلم تارك للإخبار عنه بنفي أو إثبات مع احتمال كل واحد منهما ، لأنا نقول هذا باطل من وجوه عديدة منها : أنك إذا قلت ما قام إلا زيد ، وما ضربت إلا عمراً ، وما مررت إلا بزيد ، ونحوه : من الاستثناءات المفرغات ، لم يشك أحد في أنك أثبت هذه الأحكام لما بعد ، إلا كمأ أنك سلبتها عن غيره ، بل إثباتها للمستثنى أقوى من سلبها عن غيره ، ويلزم من قال إن حكم المستثنى مسكوت عنه أن لا يفهم من هذا إثبات القيام والضرب والمرور لزيد وهو باطل قطعاً . ومنها : أنه لو كان مسكوتاً عنه لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله : لا إله إلا الله ، لأنه على هذا التقدير الباطل لم يثبت الإلهية لله وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع . نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص ، فدلالتها على إثبات الإلهية أعظم من دلالة قولنا الله إله ، ولا يستريب أحد في هذا البتة . ومنها أنه لو ادعى عليه بمائة درهم فقال له عندي مائة إلا ثلاثة دراهم ، فإنه ناف لثبوت المستثنى في ذمته ولو كان ساكتاً عنه لكان قد أقر بالبعض ونكل عن الجواب عن البعض ، وهذا لم يقله عاقل ولو كان حكم المستثنى السكوت لكان هذا ناكلاً ومنها أن المفهوم من هذا عند أهل التخاطب نفي الحكم عن المستثنى وإثباته للمستثنى منه ، ولا فرق عندهم بين فهم هذا النفي ، وذلك الإثبات البتة ، وذلك جار عندهم مجرى . فهم الأمر والنهي والنفي والاستفهام وسائر معاني الكلام فلا يفهم سامع من قول الله عز وجل : فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً [ العنكبوت : 14 ] ، أنه أخبر عن لبثه تسعمائة عام وخمسين عاماً وسكت عن خمسين فلم يخبر عنها بشيء ولا يفهم أحد قط إلا أن الخمسين لم يلبثها فيهم ، وكذلك قوله تعالى : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين [ ص : 82 ] ، لا يفهم منها إلا أن المخلصين لا يتمكن من إغوائهم وكذلك سائر الاستثناءات ومنها أن القائل إذا قال قام القوم إلا زيداً لم يكن كلامه صدقاً إلا بقيامهم وعدم قيام زيد ، ولهذا من أراد تكذيبه قال له : كذبت بل قام زيد ، ولو كان زيد مسكوتاً عنه لم يكن هذا تكذيباً له ، والعقلاء قاطبة يعدونه تكذيبا ويعدون خبره كاذباً حيث يعدون الإخبار بخلاف ما الشيء عليه كذباً . إذا عرف هذا فيه ينحل الإشكال الذي أورده بعض المتأخرين على الاستثناء ، وقال الاستثناء مشكل التعقل ، قال : لأنك إذا قلت جاء القوم إلا زيداً . فأما أن يكون زيد داخلاً في القوم أم لا ، فإن كان غير داخل لم يستقم الاستثناء ، لأنه إخراج وإخراج ما لم يدخل غير معقول وإن كان داخلاً فيهم لم يستقم إخراجه للتناقص ، لأنك تحكم عليه بحكمين متناقضين ، ولهذه الشبهة قال القاضي وموافقوه : إن عشرة إلا ثلاثة مرادف لسبعة ، فهما اسمان ركبا مع الحرف وجعلا بإزاء هذا العدد ، فإن أراد القاضي أن المفهوم منما واحد فصحيح ، وإن أراد التركيب النحوي فباطل ، والجواب عن هذا الإشكال أنه لايحكم بالنسب إلا بعد كمال ذكر المفرادات ، فالإسناد إنما وقع بعد الإخراج ، فالقائل إذا قال قام القوم إلا زيداً ، فههنا خمسة أمور أحدهما القيام بمفرده الثاني ، القوم بمفرده الثالث ، زيد بمفرده الرابع ، النسبة بين المفردين الخامس الأداة الدالة على سلب النسبة عن زيد ، فزيد دخل في القوم على تقدير عدم الإسناد . وخرج منهم على تقدير الإسناد ، ثم أسند بعد إخراجه ، فدخوله وخروجه باعتبارين غير متنافيين فإنه دخل باعتبار الإفراد وخرج باعتبار الإفراد وخرج باعتبار النسبة . فهو من القوم غير المحكوم عليهم وليس من القوم المقيدين بالحكم عليهم ، وهذا إيضاح هذا الإشكال وحله والله الموفق .
فصل : إذا جعل المستثنى تابعاً لما قبله فمذهب البصريين أنه بدل ومذهب الكوفيين أنه عطف واستشكل البدل من وجهين 
المستثنى إذا جعل تابعاً لما قبله ، فمذهب البصرين أنه بدل . وقد نص عليه سيبويه ومذهب الكوفيين أنه عطف . فأما القول بالبدل فعليه إشكالان . 
أحدهما : أنه لو كان بدلاً لكان بدل بعض إذ يمتنع أن يكون بدل كل من كل وبدل البعض لا بد فيه من ضمير يعود على المبدل منه ، نحو قبضت المال نصفه . 
الثاني : أن حكم البدل حكم المبدل منه لأنه تابع يشارك متبوعه في حكمه ، وحكم المستثنى ههنا مخالف لحكم المستثنى منه ، فكيف يكون بدلاً . وأجيب عن الأول بأن إلا وما بعدها من تمام الكلام الأول ، وإلا قرينة مفهمة أن الثاني قد كان تناوله الأول ، فمعلوم أنه بعض الأول فلا يحتاج فيه إلى رابط بخلاف قبضت المال نصفه ، وأجيب عنه أيضاً بأن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الإبدال التي تبينت في غير الاستثناء ، وأجيب عنه أيضاً بأن البدل في الاستثناء ، إنما المراعي فيه وقوعه مكان المبدل منه ، فإذا قلت : ما قام أحد إلا زيد ، قالا زيد هو البدل وهو الذي يقع موقع أحد فليس زيد وحده بدلاً من أحد قالا : زيد هو الأحد الذي نفيت عنه القيام ، فقولك إلا زيد هو بيان الأحد الذي عنيت . وعلى هذا فالبدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل . 
وأما الإشكال الثاني فقال السيرافي مجيباً عنه هو بدل منه في عمل العامل فيه وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية ، لأن مذهب البدلية أن يجعل الأول كأنه لم يذكر ، والثاني في موضعه ، وقد تتخالف الصفة والموصوف نفياً وإثباتاً ، نحو مررت برجل لا كريم ولا لبيب . ومعنى هذا الجواب أنه إنما يشترط في البدل أن يحل محل الأول في العامل خاصة وأما أن يكون حكمهما واحداً فلا . وأما القول الكوفي أنه عطف ، فإنهم جعلوا إلا من حروف العطف في هذا الباب خاصة والحامل لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة ، قال ثعلب : كيف يكون بدلاً وهو موجب ومتبوعه منفي والعطف توجد فيه المخالفة في المعنى ، كالمعطوف ببل ولكن ، وهذا ممكن خال من التكلف ولا يقال إنه يستلزم الاشتراك في الحروف ، وهو مذهب ضعيف لأنا نقول : ليس هذا من الاشتراك في الحروف ، فإن إلا للإخراج على بابها ، وإنما سموا هذا النوع من الإخراج عطفاً ، على نحو تسميتهم الإخراج ببل ، ولكن عطفاً والاشتراك المردود قول من يقول إن ألا تكون بمعنى الواو ، لكن قد رد قولهم بالعطف بأن إلا ، لو كانت عاطفة لم تباشر العامل في نحو ما قام إلا زيد ، لأن حروف العطف لا تلي العوامل ، ويجاب عن هذا بأن إلا التي باشرت العامل ، ليست هي العاطفة فليس ههنا عطف ولا بدل البتة ، وإنما الكلام فيما إذا كان ما بعد إلا تابعاً لما قبلها . قال ابن مالك : ولمقوى العطف أن يقول تخالف الصفة والموصوف كلا تخالف ، لأن نفي الصفتين إثبات لضديهما ، فإذا قلت : مررت برجل لا كريم ولا شجاع فكأنك قلت بخيل جبان ، وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه . فإن جعل زيد بدلاً من أحد ، إذا قيل ما فيها أحد إلا زيد ، يلزم منه عدم النظير إذ لا بدل في غير محل النزاع إلا وتعلق العامل به مساو لتعلقه بالمبدل فه ، والأمر فيما قام أحد إلا زيد بخلاف ذلك ، فيضعف كونه بدلاً ، إذ ليس في الإبدال ما يشبهه وإن جعل معطوفاً ، لم يلزم من ذلك مخالفة المعطوفات ، بل يكون نظير المعطوف بلا وبل ولكن ، فكان جعله معطوفاً أولى من جعله بدلاً . قلت : ويقوى العطف أيضاً إنك تقول لا أحد في الدار إلا عبدالله ، فعبدالله لا يصح أن يكون بدلاً من أحد فإنه لا يحل محله فإن قيل : هذا جائز على توهم ما فيها أحد إلا عبد الله ، إذ المعنى واحد فأمكن أن يحل أحدهما محل الآخر . قيل : هذا كاسمه وهم والحقائق لا تبنى على الأوهام ، وأجاب ابن عصفور عن هذا : بأن قال لا يلزم أن يحل عبد الله محل أحد ، الواقع بعد لا لأن المبدل ، إنما يلزم أن يكون على نية تكرار العامل ، وقد حصل ذلك كله في هذه المسألة وأمثالها ، ألا ترى أن عبد الله بدل من موضع لا أحد ، فيلزم أن لكون العامل فيه الابتداء ، كما أن العامل في موضع لا أحد الابتداء ، وبلا شك أنك إذا بدلته منه كان مبتدأ في التقدير وخبره محذوف ، وكذلك حرف النفي لدلالة ما قبله عليه . والتقدير لا أحد فيها لا فيها إلا عبد الله ، ثم حذف واختصر . وهذا الجواب غير قوي إذ لو كان الأمر كما زعم ، لصح البدل مع الإيجاب نحو قام القوم إلا زيد ، لصحة تقدير العامل في الثاني وهم قد منعوا ذلك وعللوه بعدم صحة حلول الثاني محل الأول فدل على أنه مشترط .
الكلام على الاستثناء في قوله تعالى : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله 
قوله تعالى : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله [ النمل : 65 ] ، قال الزمخشري : هو استثناء منقطع جاء على لغة تميم ، لأن الله تعالى ، وإن صح الإخبار عنه بأنه في السموات والأرض ، فإنما ذلك على المجاز ، لأنه مقدس على الكون في المكان بخلاف غيره ، فإن الإخبار عنه بأنه في السماء أو في الأرض ليس بمجاز ، وإنما هو حقيقة . ولا يصح حمل اللفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز . قلت : وقوله على لغة تميم يريدان من لغتهم أن الاستثناء المنقطع يجوز اتباعه كالمتصل إن صح الاستثناء به عن المستثنى منه . وقد صح ههنا ، إذ يصح أن يقال لا يعلم الغيب إلا الله . قال ابن مالك و الصحيح عندي أن الاستثناء في الآية متصل ، وفي متعلقة بفعل غير استقر من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين ، كذكر ويذكر ونحوه كأنه قيل لا يعلم من يذكر في السموات والأرض الغيب إلا الله . قال : ويجوز تعليق في باستقر مستند إلى مضاف حذف ، وأقيم المضاف إليه مقامه والأصل ، لا يعلم من استقر ذكره في السموات والأرض الغيب إلا الله ، ثم حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر لكونه مرفوعاً ، وهذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة ، والمجاز في حال واحد . وليس عندي ممتنعاً لقولهم القلم أحد اللسانين ، والخال أحد الأبوين وقوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي [ الأحزاب : 56 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : الأيدي ثلاثة يد الله ويد المعطي ويد السائل ، تم كلامه ، فهذا كلام هذين الفاضلين في هذه الآية ، وأنت ترى ما فيه من التكلف الظاهر الذي لا حاجة بالآية إليه ، بل الأمر فيها أوضح من ذلك والصواب أن الاستثناء متصل . 
وليس في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، لأن من في السموات والأرض ههنا أبلغ صيغ العموم ، وليس المراد بها معيناً فهي في قوة أحد المنفي . بقولك لا يعلم أحد الغيب إلا الله . وأتى في هذا بذكر السموات والأرض تحقيقاً لإرادة العموم والإحاطة . فالكلام مؤد معنى لا يعلم أحد الغيب إلا الله ، وإنما نشأ الوهم في ظنهم أن الظرف ههنا للتخصيص والتقييد وليس كذلك ، بل لتحقيق الاستغراق والإحاطة ، فهو نظير الصفة في قوله تعالى : ولا طائر يطير بجناحيه [ الأنعام : 38 ] ، فإنها ليست للتخصيص والتقييد ، بل لتحقيق الطيران المدلول عليه بطائر ، فكذلك قوله من في السموات والأرض لتحقيق الاستغراق المقصود بالنفي . ومن تأمل الآية علم أنه لم يقصد بها إلا ذلك ، وقد قيل : إنه لا يمتنع يطلق عليه تعالى أنه في السموات ، كما أطلقه على نفسه وأطلق عليه رسوله . قالوا : ولا يلزم أن يكون هذا الإطلاق مجازاً ، بل له منه الحقيقة التي تليق بجلاله ولا يشابهه فيها شيء من مخلوقاته . وهذا كها يطلق عليه أنه سميع بصير عليم قدير حي مريد ، حقيقة ، ويطلق ذلك على خلقه حقيقة ، والحقيقة المختصة به لا تماثل الحقيقة التي لخلقه ، فتناول الإطلاق بطريق الحقيقة لهما لا يستلزم تماثلهما حتى يفر منه إلى المجاز ، وأما قوله : إن الظرف متعلق بفعل غير استقر من الأفعال المنسوبة إلى الله وإلى المخلوقين حقيقة . كذكر ويذكر إلى آخره . فيقال : حذف عامل الظرف لا يجوز إلا إذا كان كوناً عاماً ، أو استقراراً عاماً ، فإذا كان استقراراً أو كونا خاصاً مقيداً لم يجز حذفه ، وعلى هذا جاء مصرحاً به في قوله تعالى : فلما رآه مستقراً عنده [ النحل : 40 ] لأن المراد به الاستقرار الذي هو الثبات واللزوم ، لا مطلق الحصول عنده ، فكيف يسوغ حذف عامل الظرف في موضع ليس بمعهود حذفه فيه ، وأبعد من هذا التقدير ما ذكره في التقدير الثاني أن عامل الظرف استقرار مضاف إلى ذكر محذوف استغنى به عن المضاف إليه ، والتقدير استقر ذكره ، فإن هذا لا نظير له ، وهو حذف لا دليل عليه ، والمضاف يجوز أن يستغنى به عن المضاف إليه بشرطين : أن يكون مذكوراً ، وأن يكون معلوم الوضع مدلولاً عليه لئلأ يلزم اللبس ، وأما ادعاء إضافة شيء محذوف إلى شيء محذوف ، ثم يضاف المضاف إليه إلى شيء آخر محذوف من غير دلالة في اللفظ عليه ، فهذا مما يصان عنه الكلام الفصيح فضلاً عن كلام رب العالمين . وأما قوله : على أنه لا يمتنع إرادة الحقيقة والمجاز معاً ، واستدلاله على ذلك بقولهم : القلم أحد اللسانين ، فلا حجة فيه لأن اللسانين اسم مثنى ، فهو قائم مقام النطق باسمين أريد بأحدهما الحقيقة وبالآخر المجاز ، وكذلك الخال أحد الأبوين ، وكذلك الأيدي ثلاثة ، وأما قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي [ الأحزاب : 56 ] ، فالاستدلال به أبعد من هذا كله ، فإن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله وملائكته حقيقة بلا ريب والحقيقة المضافة إلى الله من ذلك لا تماثل الحقيقة المضافة إلى الملائكة ، كما إذا قيل الله ورسوله والمؤمنون يعلمون أن القرآن كلام الله لم يجز أن يقال إن هذا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وإن كان العلم المضاف إلى الله غير مماثل للعلم المضاف إلى الرسول والمؤمنين . فتأمل هذه النكت البديعة ولله والحمد والمنة .
فصل في الاستثناء المنقطع 
المعروف عند النحاة ، أن الاستثناء المنقطع هو أن لا يكون المستثنى داخلاً في المستثنى منه . عبروا عنه بأن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، وهذا يحتمل شيئين : أحدهما : أن لا يكون المستثنى فرداً من أفراد المستثنى منه . والثاني : أن لا يكون داخلاً في ماهيته ومسماه ، فنحو جاء القوم إلا فرساً منقطع اتفاقاً وجائوا إلا زيداً متصل ، ورأيت زيداً إلا وجهه منقطع ، على الاعتبار الأول لأن الوجه ليس فرداً من أفراد المستثنى منه ، ولكن لا أعلم أحداً من النحاة يقول ذلك ، ويلزم من ذلك أن يكون استثناء كل جزء من كل منقطعاً ، ونحو قوله تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [ الدخان : 56 ] ، منقطع على التفسير الأول لعدم دخول الموتة الاولى في المستثنى منه ، ومتصل على التفسير الثاني لأنها من جنس الموت في الجملة وفي الاستثناء المنقطع عبارة أخرى ، وهي أن يكون منقطعاً مما قبله ، إما في العمل ، وإما في تناوله له ، فالمنقطع تناولاً جاء القوم إلا حماراً ، والمنقطع عملاً نحو قوله تعالى : لست عليهم بمصيطر ، إلا من تولى وكفر ، فيعذبه الله العذاب الأكبر [ الغاشية : 22 ، 23 ، 24 ] ، فهذا استثناء منقطع بجملة كذا قاله ابن خروف وغيره ، وجعلوا من مبتدأ ، ويعذبه خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، وجعل الفراء من هذا قوله تعالى : فشربوا منه إلا قليلاً منهم [ البقرة : 249 ] ، على قراءة الرفع وقدره إلا قليل منهم لم يشربوا . وقواه ابن خروف واستحسنه ، ومن هذا قولهم ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون ، أولئك المطهرون المبرؤون من الخناء ، وقيل : إن من هذا قوله تعالى : فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم [ الحجر : 65 ] ، في قراءة الرفع ويكون امرأتك مبتدأ وخبره ما بعده وهذا التوجيه أولى من أن يجعل الاستثناء في قراءة من نصب من قوله : فأسر بأهلك [ الحجر : 65 ] ، في قراءة من رفع من قوله : ولا يلتفت منكم أحد ، ويكون الاستثاء على هذا من فأسر بأهلك رفعاً ونصباً ، وإنما قلنا إنه أولى ، لأن المعنى عليه . فإن الله تعالى أمره أن يسري بأهله إلا امرأته ولو كان الاستثناء من الالتفات ، لكان قد نهى المسرى بهم عن الالتفات ، وإذن فيه لامرأته وهذا ممتنع لوجهين . 
أحدهما : إنه لم يأمره أن يسري بامرأته ولا دخلت في أهله الذين وعد بنجاتهم . 
والثاني : إنه لم يكلفهم بعدم الالتفات ويأذن فيه للمرأة . إذا عرف هذا فاختلف النحاة هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثنى منه بوجه أو ليس ذلك بشرط ، فكثير من النحاة لم يشترطوا فيه ذلك ، وشرطه آخرون ، قال ابن السراج ، إذا كان الاستثناء منقطعاً فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يستثنى ، فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير ، وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد . ولنذكر لذلك أمثلة. 
المثال الأول قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن [ النساء : 157 ] ، فمن لم يشترط التقدير أجراه مجرى المفرغ ، والمعنى ما عندهم أو ما لهم إلا اتباع الظن . وليس اتباع الظن متعلقاً بالعلم أصلاً ، ومن اشترط التقدير قال المعني ما لهم من شعور إلا اتباع الظن . والظن وأن لم يدخل في العلم تحقيقاً فهو داخل فيه تقديراً ، إذ هو مستحضر بذكره وقائم مقامه في كثير من المواضع ، فكان في اللفظ إشعار به صح به دخوله وإخراجه ، وهذا بعد تقريره فيه ما فيه ، فإن المستثنى هو اتباع الظن لا الظن نفسه ، فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقاً ولا تقديراً ، فالأحسن فيه عندي أن يكون التقدير ما لهم به من علم ، فيتبعونه ويلقون به أن يتبعون إلا الظن فليس اتباع الظن مستثنى من العلم ، وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم . والمراد به هو اتباعه ، فتأمله هذا على تقدير اشتراط التناول لفظاً أو تقديراً . 
وأما إذا لم يشترط وهو الأظهر ، فتكون فائدة الاستثناء ههنا كفائدة الاستدراك . ويكون الكلام قد تضمن نفي العلم عنهم وإثبات ضده لهم ، وهو الظن الذي لا يغني من العلم شيئاً . ومثله قوله تعالى : وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون [ الجاثية : 24 ] ، ليس المراد به نفي الحكم الجازم وإثبات الحكم الراجح ، بل المراد نفي العلم وإثبات ضده وهو الشك الذي لا يغني عن صاحبه شيئاً ، والمذكور من الأمثلة يزيد هذا وضوحاً . 
المثال الثاني قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [ الحجر : 42 ] ، فهذا استثناء منقطع ، لأن اتباعه الغاوين لم يدخلوا في عباده المضافين إليه ، وإن دخلوا في مطلق العباد فإن الإضافة فيها معنى التخصيص والتشريف ، كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله . قال تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً [ الفرقان : 63 ] ، إلى آخر الآيات . وقال : عينا يشرب بها عباد الله [ الإنسان : 6 ] ، فعباده المضافون إليه هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون [ النحل : 99 ] ، قال تعالى : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون [ النحل : 99 ] وقال تعالى : يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون [ الزخرف : 68 ، 9 6 ] ، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين [ الزخرف : 68 ، 69 ] ، ومن هذا قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً [ الزمر : 53 ] ، فعباده ههنا الذين يغفر ذنوبهم جميعاً ، هم المؤمنون التائبون والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصواب . 
وقال الزمخشري : هو متصل وجعل لفظ العباد عاماً ، وقد عرفت غلطه وعلى تقدير الانقطاع فإن لم يقدر دخوله في الأول فظاهر وإن قدرنا دخوله فقالوا تقديره إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم ، إلا من اتبعك من الغاوين ولا يخفى التكلف الظاهر عليه بل الأحسن أن يقال لما ذكر العباد وأضافهم إليه والإضافة يحتمل أن تكون إلى ربوبيته العامة فتكون إضافة ملك وأن تكون إلى آلهيته فتكون إضافة اختصاص ومحبة . والغاوون داخلون في العباد عند التعميم والإطلاق لقوله تعالى : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [ مريم : 93 ] ، فالأول متناول له بوجه فصح إخراجه . 
المثال الثالث قوله تعالى : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم [ هود : 43 ] ، على أصح الوجوه في الآية فإنه تعالى لما ذكر العاصم استدعى معصوماً مفهوماً من السياق ، فكأنه قيل لا معصوم اليوم من أمره إلا من رحمه . فإنه لما قال : لا عاصم اليوم من أمر الله [ هود : 43 ] ، بقي الذهن طالباً للمعصوم فكأنه قيل فمن الذي يعصم فأجيب بأنه لا يعصم إلا من رحمه الله ، ودل هذا اللفظ باختصاره وجلالته وفصاحته على نفي كل عاصم سواه ، وعلى نفي كل معصوم سوى من رحمه الله ، فدل الاستثناء على أمرين على المعصوم من هو وعلى العاصم ، وهو ذو الرحمة وهذا من أبلغ الكلام وأفصحه وأوجزه ولا يلتفت إلى ما قيل في الآية بعد ذلك ، وقد قالوا فيها ثلاثة أقوال أخر : 
أحدها : إن عاصماً بمعنى معصوم ، كماء دافق وعيشة راضية ، والمعنى لا معصوم إلا من رحمه الله وهذا فاسد ، لأن كل واحد من اسم الفاعل واسم المفعول موضوع لمعناه الخاص به ، فلا يشاركه فيه الآخر ، وليس الماء الدافق بمعنى المدفوق ، بل هو فاعل على بابه ، كما يقال ماء جار فدافق كجار ، فما الموجب للتكلف البارد ، وأما عيشة راضية فهي عند سيبويه على النسب كتامر ولابن أي ذات رضى وعند غيره كنهار صائم وليل قائم على المبالغة . 
والقول الثاني : إن من رحم فاعل لا مفعول والمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم ، فهو استثناء فاعل من فاعل وهذا وإن كان أقل تكلفاً فهو أيضاً ضعيف جداً . وجزالة الكلام وبلاغته تأباه بأول نظر . 
والقول الثالث : إن في الكلام مضافاً محذوفاً قام المضاف إليه مقامه ، والتقدير لا معصوم عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله وهذا من أنكر الأقوال وأشدها منافاة للفصاحة والبلاغة ولو صرح به لكان مستغثاً . 
المثال الرابع : قوله تعالى : لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف [ النساء : 22 ] ، فهذا من الاستثناء السابق ، زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه ، فهو غير داخل في فمن لم يشترط الدخول فلا يقدر شيئاً . ومن قال : لا بد من دخوله قدر دخوله في مضمون الجملة الطلبية بالنهي ، لأن مضمون قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم [ النساء : 22 ] ، الإثم والمؤاخذة أي أن الناكح ما نكح أبوه آثم مؤاخذ إلا ما قد سلف قبل النهي وإقامة الحجة فإنه لا تتعلق به المؤاخذة . وأحسن من هذا عندي أن يقال لما نهى سبحانه عن نكاح منكوحات الاباء ، أفاد ذلك أن وطئهن بعد التحريم لا يكون نكاحاً البتة ، بل لا يكون إلا سفاحاً فلا يترتب عليه أحكام النكاح من ثبوت الفراش ولحوق النسب ، بل الولد فيه يكون ولد زنية ، وليس هذا حكم ما سلف قبل التحريم ، فإن الفراش كان ثابتاً فيه والنسب لاحق ، فأفاد الاستثناء فائدة جليلة عظيمة ، وهي أن ولد من نكح ما نكح أبوه قبل التحريم ثابت النسب وليس ولد زنا والله أعلم . 
المثال الخامس : قوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة [ آل عمران : 28 ] ، ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة ، ولكن لما نهاهم عن مولاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال ، إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية ، وليست التقية موالاة لهم . والدخول ههنا ظاهر فهو إخراج من متوهم غير مراد . 
المثال السادس : قوله تعالى : لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر [ الغاشية : 22 ] ، فهذا من المنقطع لا بالاعتبار الذي ذكره ابن خروف من كون المستثنى جملة مستقلة ، بل باعتبار آخر وهو أنه ليس المراد إثبات المسيطرة على الكفار ، فإن الله سبحانه بعثه نذيراً مبلغاً لرسلات ربه فمن أطاعه فله الجنة ، ومن عصاه فله النار . قال تعالى : ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً [ النساء : 80 ] ، إن عليك إلا البلاغ [ الشورى : 48 ] ، وقال تعالى : قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل [ يونس : 108 ] ، قال المفسرون : المعنى أنك لم ترسل مسلطاً عليهم قاهراً لهم جباراً كالملوك ، بل أنت عبدي ورسولي المبلغ رسالاتي ، فمن أطاعك فله الجنة ، ومن عصاك فله النار . ويوضح هذا أن المخاطيبن بهذا الخطاب هم الكفار فلا يصح أن يكونوا هم المستثنين . 
المثال السابع قوله تعالى : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما [ الواقعة : 25 ] ، وهذا فيه نفي لسماع اللغو والتأثيم وإثبات لضده وهو السلام المنافي لهما ، فالمقصود به نفي شيء وإثبات ضده وعلى هذا فلا حاجة إلى تكلف دخوله تحت المستثنى منه ، لأنه يتضمن زوال هذه الفائدة من الكلام ومن رده إلى الأول . قال : لما نفى عنهم سماع اللغو والتأثيم وهما مما يقال فكأن النفس تشوفت إلى أنه هل يسمع فيها شيء غيره . فقال : إلا قيلا سلاماً سلاماً فعاد المعنى إلى لا يسمعون فيها شيئاً إلا قيلا سلاماً سلاما . وأنت إذا تأملت هذين التقديرين رأيت الأول أصوب فإنه نفى سماع شيء وأثبت ضده . وعلى الثاني نفي سماع كل شيء إلا السلام وليس المعنى عليهم فإنهم يسمعون السلام وغيره فتأمله . 
المثال الثامن : قوله تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [ الدخان : 56 ] ، فهذا من الاستثناء السابق زمانه زمان المستثنى منه ، ولما كانت الموتة الأولى من جنس الموت المنفي زعم بعضهم أنه متصل . وقال بعضهم إلا بمعنى بعد ، والمعنى لا يذوقون بعد الموتة الأولى موتاً في الجنة ، وهذا معنى حسن جداً ، يفتقر إلى مساعدة اللفظ عليه ويوضحه أنه ليس المراد إخراج الموتة الأولى من الموت المنفي ولا ثم شيء متوهم يحتاج لأجله إلى الاسثتناء ، وإنما المراد الإخبار بأنهم بعد موتتهم الأولى التي كتبها الله عليهم لا يذوقون غيرها ، وعلى هذا فيقال لما كان ما بعد إلا حكمه مخالف لحكم ما قبلها ، والحياة الدائمة في الجنة إنما تكون بعد الموتة الأولى ، كانت أداة إلا مفهمة هذه البعدية وقد أمن اللبس لعدم دخولها في الموت المنفي في الجنة فتجردت لهذا المعنى ، فهذا من أحسن ما يقال في الآية فتأمله . 
المثال التاسع : قوله تعالى : لابثين فيها أحقابا * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا [ النبأ : 24 ] ، فهذا على عدم تقدير التناول يكون فيه نفي الشيء ، وإثبات ضده وهو أظهر وعلى تقدير التناول لما نفي ذرق البرد والشراب فربما توهم أنهم لا يذوقون غيرهما فقال إلا حميماً وغساقاً فيكون الاستثناء من عام مقدر . 
المثال العاشر : قوله تعالى : إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء [ النمل : 10 ] ، فعلى تقدير عدم الدخول نفي الخوف عن المرسلين وأثبته لمن ظلم ثم تاب ، وعلى تقدير الدخول يكون المعنى ولا غيرهم إلا من ظلم ، وأما قول بعض الناس : إن إلا بمعنى الواو . والمعنى ولا من ظلم فخبط منه ، فإن هذا يرفع الأمان عن اللغة ويوقع اللبس في الخطاب ، والواو وإلا متنافيتان ، فإحداهما تثبت للثاني نظير حكم الأول والأخرى تنفي عن الثاني ذلك ، فدعوى تعاقبهما دعوى باطلة لغة وعرفاً . والقاعدة إن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض خوفاً من اللبس وذهاب المعنى الذي قصد بالحرف ، وإنما يضمن ويشرب معنى فعل آخر يقتضي ذلك الحرف فيكون ذكر الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائماً مقام ذكر الفعلين ، وهذا من بديع اللغة وكمالها . ولو قدر تعاقب الحروف ونيابة بعضها عن بعض ، فإنما يكون ذلك إذا كان المعنى مكشوفاً واللبس مأموناً فيكون من باب التفنن في الخطاب والتوسع فيه . فأما أن يدعى ذلك من غير قرينة في اللفظ ، فلا يصح وسنشيع الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى . والذي حملهم على دعوى ذلك أنهم لما رأوا الخوف منتفياً عن المذكور بعد ألا ظنوا أنها بمعنى الواو لكون المعنى عليه ، وغلطوا في ذلك فإن الخوف ثابت له حال ظلمه وحال تبديله الحسن بعد السوء . أما حال ظلمه فظاهر وأما حال التبديل فلأنه يخاف أنه لم يقم بالواجب وإنه لم يقبل منه ما أتى به . كما في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة هو الرجل يزني ويسرق ويخاف قال : يا بنت الصديق هو الرجل يصوم ويصلي ويخاف أن لا يقبل منه . فمن ظلم ثم تاب فهو أولى بالخوف وإن لم يكن عليه خوف ، وقد يجيء الانقطاع في هذا الاستثناء من وجه آخر ، وهو أن ما بعد إلا جملة مستقلة بنفسها فهي منقطعة مما قبلها انقطاع الجمل بعضها عن بعض ، فسمي منقطعاً بهذا الاعتبار كما تقدم نظيره والله أعلم . 
المثال الحادي عشر : قوله تعالى : بل الذين كفروا يكذبون ، والله أعلم بما يوعون ، فبشرهم بعذاب أليم ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون [ الانشقاق : 22 ، 23 ، 24 ، 25 ] ، فهذا يبعد تقدير دخوله فيما تقدم قبله جداً ، وإنما هو إخبار عن مآل الفريقين ، فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون . فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله : إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم [ الإنفطار : 14 ] ، فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى والله أعلم . 
المثال الثاني عشر : قوله تعالى : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً [ سبأ : 37 ] ، فمن أمن ليس داخلاً في الأموال والأولاد ، ولكنه من الكلام المحمول على المعنى ، لأنه تعالى أخبر أن أموال العباد وأولادهم لا تقربهم إليه . وذلك يتضمن أن أربابها ليسوا هم من المقربين إليه فاستثنى منهم من آمن وعمل صالحاً ، أي لا قريب عنده إلا من آمن وعمل صالحاً سواء كان له مال وولد أو لم يكن له . والانقطاع فيه أظهر فإنه تعالى نفى قرب الناس إليه بأموالهم وأولادهم وأثبت قربهم عنده بأيمانهم وعملهم الصالح ، فتقدير لكن ههنا أظهر من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء ، وإذا تأملت الكلام العربي رأيت كثيراً منه وارداً على المعنى لوضوحه ، فلو ورد على قياس اللفظ مع وضوح المعنى لكان عياً . وبهذه القاعدة تزول عنك إشكالات كثيرة ولا تحتاج إلى تكلف التقديرات التي إنما عدل عنها المتكلم لما في ذكرها من التكلف ، فقدر المتكلفون لنطقه ما فر منه وألزموه بما رغب عنه ، وهذا كثير في تقديرات النحاة التي لا تخطر ببال المتكلم أصلاً ولا تقع في تراكيب الفصحاء ولو سمعوها لاستهجنوها وسنعقد لها إن شاء الله تعالى فصلاً مستقلاً . 
المثال الثالث عشر : قوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى [ آل عمران : 111 ] ، وتقدير الدخول في هذا أظهر ، إذ المعنى لن ينالوا منكم إلا أذى ، وأما الضرر فإنهم لن ينالوه منكم وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ، فنفى لحوق ضرر كيدهم بهم مع أنهم لا يسلمون من أذى يلحقهم بكيدهم ، ولو أنه بالإرهاب والكلام وألجائهم إلى محاربتهم وما ينالهم بها من الأذى والتعب ، ولكن ليس ذلك بضارهم ففرق بين الأذى والضرر . 
المثال الرابع عشر : قوله تعالى : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم [ النساء : 148 ] ، المشهور ظلم مبني للمفعول وعلى هذا ، ففي الاستثناء قولان : 
أحدهما : أنه منقطع أي لكن من ظلم فإنه إذأ شكا ظالمه وجهر بظلمه له لم يكن آثماً وتقدير الدخول في الأول على هذا القول ظاهر . فإن مضمون لا يحب كذا أنه يبغضه ويبغض فاعله إلا من ظلم فإن جهره وشكايته لظالمه حلال له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد بحل عرضه وعقوبته فعرضه شكاية صاحب الحق له ، وقوله : ظلمني ومطلني ومنعني حقي وعقوبته ضرب الإمام له حتى يؤدي ما عليه في أصح القولين في مذهب أحمد ، وهو مذهب مالك وقيل هو حبسه . وقيل : هو استثناء متصل والجهر بالسوء هو جهره بالدعاء ، أن يكشف الله عنه ويأخذ له حقه ، أو يشكو ذلك إلى الإمام ليأخذ له بحقه ، وعلى هذا التقدير فيجوز فيه الرفع بدلاً من أحد المدلول عليه بالجهر أي لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا المظلوم . ويجوز فيه النصب بدلاً من الجهر ، والمعنى إلا جهر من ظلم وقرىء من ظلم بالفتح . وعلى هذه القراءة فمنقظع ليس إلا أي لكن الظالم يجهر بالسوء من القول . 
المثال الخامس عشر : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ النساء : 29 ] ، فهذا استثناء منقطع تضمن نفي الأكل بالباطل وإباحة الأكل بالتجارة الحق . ومن قدر دخوله في الأول قدر مستثنى منه عاماً أي لا تأكلوا أموالكم بينكم بسبب من الأسباب ، إلا أن تكون تجارة أو يقدر بالباطل ولا بغيره إلا بالتجارة . ولا يخفى التكلف على هذا التقدير ، بل هو فاسد إذ المراد بالنهي الأكل بالباطل وحده وقرىء برفع التجارة ونصبها ، فالرفع على التمام والنصب على أنها خبر كان الناقصة ، وفي اسمها على هذا وجهان أحدهما : التقدير إلا أن يكون سبب الأكل أو المعاملة تجارة ، والثاني : إلا أن تكون أموال الناس تجارة . 
المثال السادس عشر : قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ النساء : 24 ] ، وهذا من أشكل مواضع الاستثناء ، لأن مملوكته إذا كانت محصنة إحصان التزويج ، فهي حرام عليه ، والإحصان ههنا إحصان التزويج بلا ريب ، إذ لا يصح أن يراد به إحصان العفة ، ولا إحصان الحرية ، ولا إحصان الإسلام ، فهو إحصان التزويج قطعاً . فكيف يستثنى من المحرمات به لمملوكه فقال كثير من الناس : الاستثناء ههنا منقطع ، والمعنى لكن ما ملكت أيمانكم فهن لكم حلال . ورد هذا بأنه استثناء من موجب والانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ . ورد هذا الرد بأن الانقطاع يقع في الموجب وغيره ، قال تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات [الانشقاق : 24 ، 25 ] ، وقالت طائفة الاستثناء : على بابه متصل وما ملكت أيمانكم مستثنى من المزوجات ، ثم اختلفوا . فقالت طائفة من الصحابة : منهم ابن عباس وغيره وبعض التابعين ، إنه إذا زوج أمته ثم باعها كان بيعها طلاقاً . وتحل للسيد ، لأنها ملك يمينه واحتج لهم بالآية ورد هذا المذهب بأمور . 
أحدها : أنه لو كان صحيحاً لكان وطؤها حلالاً لسيدها إذا زوجها ، لأنها ملك يمنيه . فكما اجتمع ملك سيدها لها وحلها للزوج ، فكذلك يجتمع فكذلك يجتمع ملك مشتريها لها وحلها للزوج وتناول اللفظ لهما واحد . 
الثاني : أن المشتري خليفة البائع ، فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعها ، وهو كان يملك رقبتها مسلوبة منفعة البضع ما دامت مزوجة ، وينتقل إلى المشتري ما كان يملكه فملكها المشتري مسلوبة منفعة البضع ، فإذا فارقها زوجها رجع إليه البضع كما كان يرجع إلى بائعها ، كذلك فهذا محض الفقه والقياس . 
الثالث : أنه قد ثبت في الصحيحين : أن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وكانت مزوجة فعتقتها وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ولو بطل النكاح بالشراء لم يخبرها ، وهذا مما أخذ الأئمة الأربعة وغيرهم فيه ، برواية ابن عباس وتركوا رأيه ، فإنه رواي الحديث وهو ممن يقول بيع الأمة طلاقها . وقالت طائفة أخرى : الآية مختصة بالسبايا ، قال أبو سعيد الخدري : نزلت في سبايا أوطاس قالوا : فأباح الله تعالى للمسلمين وطء ما ملكوه من السبي . وإن كن محصنات ، ثم اختلف هؤلاء متى يباح وطء المسبية فقال الشافعي و أبو الخطاب وغيرهما : يباح وطؤها إذا تم استبراؤها ، سواء كان زوجها موجوداً أو مفقوداً ، واحتجوا بثلاث حجج . 
إحداها : أن الله سبحانه أباح وطء المسبيات بملك اليمين مستثنياً لهن من المحصنات . 
الثانية : ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس ، فلقي عدواً فقاتلوهم ، فظهروها عليهم وأصابوا لهم سبايا ، فكأن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ النساء : 24 ] ، أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن . وفي الترمذي عن أبي سعيد أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسوله الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ النساء : 24 ] ، وهذا صريح في آباحتهن ، وإن كن ذوات أزواج . وفي الترمذي ، و مسند أحمد من حديث عياض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن ، فهذا التحريم إلى غاية وهي وضع الحمل ، فلا بد أن يحصل الحل بعد الغاية ، ولو كان وجود أزواجهن مانعاً من الوطء لكان له غايتان إحداهما : عدم الزوج ، والثاني : وضع الحمل . وهو خلاف ظاهر الحديث ، قالوا : ولأن ملك الكفار الحربي البضع لم يبق له حرمة ولا عصمة ، إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكه ، فملكوا رقبة زوجته فكيف يقال ببقاء العصمة في ملك البضع ، لا سيما والمسلمون يستحقون ملك رقبته وأولاده وسائر أملاكه ، فما بال ملك البضع وحده باقياً على العصمة فهذا لا نص ولا قياس ولا معنى قالوا : فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في وطء السبايا بعد انقضاء عدتهن مطلقاً ولو كان بقاء الزوج مانعاً ، لم يأذن في وطئهن إلا بعد العلم بموته ، وهذا المذهب كما تراه قوة وصحة ، وقال أصحابنا القاضي وغيره ، إنما يباح وطؤها إذا سبيت وحدها فلو سبيت مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤها قالوا : لأنها إذا سبيت وحدها فبقاء الزوج مجهول . والمجهول كالمعدوم فنزلت منزلة من لا زوج لها فحل وطؤها ، ولا كذلك إذا كان زوجها معها ثم أوردوا على أنفسهم سؤالاً . وهو إذا سبيت وحدها وعلم بقاء زوجها في دار الحرب ، وهذا سؤال لا محيد لهم عنه ولا ينجيهم منه إلا قولهم بالحل ، وإن علم بقاء الزوج استناداً إلى زوال عصمة النكاح بالسبي ، فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم خالفوا النصوص خلافاً بيناً ، وإن أجابوا بالحل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلهم ، حيث أسندوا الحل إلى كون المسبية خالية من الزوج تنزيلاً للمجهول منزلة المعدوم . فقول أبي الخطاب أففه وأصح وعليه تنزل الآية والأحاديث ويظهر به أن الاستثناء متصل . وإن الله تعالى أباح من المحصنات من سباها المسلمون . فإن قيل : فعلى ما قررتموه يزول الإحصان بالسبي ، فلا تدخل في المحصنات فيجيء الانقطاع في الاستثناء . قيل : لما كانت محصنة قبل السبي صح شمول الاسم لها فأخرجت بالاستثناء . فإن قيل : فما تقولون في الأمة المزوجة إذا بيعت فإنها محصنة قد ملكت نفسها فهل هي مخصوصة من هذا العموم أو غير داخلة فيه . قيل : ههنا مسلكان للناس . 
أحدهما : أنها خصت من العموم بالأدلة الدالة على أن البيع لا يفسخ النكاح، وإن الفرج لا يكون حلالاً لشخصين في وقت واحد . والمسلك الثاني : أنها لم تدخل في المستثنى منه ، لأن السيد إذا زوجها فقد أخرج منفعة البضع عن ملكه فإذا باعها فقد انتقل إلى المشتري ما كان للبائع ، فملكها المشتري مسلوبة منفعة البضع فلم تدخل هذه المنفعة في ملكه بعقد البيع ، فلم تتناولها الآية وهذا المسلك ألطف وأدق من الأول والله أعلم .
فوائد شتى منقولة من خط القاضي أبي يعلى رحمه الله تعالى.
فائدة : قال أحمد لا تعجبني صلاة الخوف ركعة والدليل على ذلك 
قال أحمد : لا تعجبني صلاة الخوف ركعة . لما روى أبو عياش الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعسفان ويوم بني سليم ، وكذلك روى جابر و ابن عباس وابن أبي خثمة في ذات الرقاع ، وكذلك أبو هريرة في عام نجد أنه صلى ركعتين . 
وكذا روت عائشة وابن عمر و أبو موسى .
فائدة : إذا أراد القوم الغارة فخشوا أن يتبادرهم العدوة يصلون على دوابهم 
ابن لحيان عن أحمد في القوم ، إذا أرادوا الغارة فخشوا أن يتبادرهم العدو يصلون على دوابهم ، أو يؤخرون الصلاة إلى طلوع الشمس ، قال : أي ذلك شاؤوا فعلوا ، أو الحجة فيه تأخير النبي صلى الله عليه وسلم أربع صلوات يوم الخندق . وعنه أبو طالب إن كانوا منهزمين يصلون ركباناً يومئون ولا يؤخرون الصلاة على ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم . هذه الآية نزلت بعدما صلى النبي والحجة قوله تعالى : فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً [ البقرة : 239 ] .
فائدة : فيمن دخل المسجد يظن أنهم قد وصلوا فيصلي ركعتين فتقام الصلاة فهل يمضي في صلاته أم يسلم 
أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يدخل المسجد ، يظن أنهم قد صلوا فيصلي ركعتين فتقام الصلاة . قال : قد اختلفوا فيها . بعض قال : يمضي لا يدخل فرض في فرض وبعض قال يسلم . قلت : ما تقول ؟ قال : ما يبالي كيف قلت : يسلم ويدخل معه ، قال : نعم . قال القاضي : وظاهر هذا أنه منع من الدخول لأنه قال يستأنف فإذا قلنا لا يدخل معه ، فهل يمضي في صلاته أو يقطع على روايتين محمد بن الحكم عنه ؟ إن شاء دخل معه وأعجب إلي أن يقطع . أبو طالب يسلم ويدخل معه والثانية يمضي فعنه أبو الحارث وقد سئل عن رجل دخل في مسجد ، فافتتح صلاة مكتوبة وهو يرى أن قد صلوا ، فلما صلى ركعة أو ركعتين أقيمت الصلاة . قال يتم الصلاة التي افتتحها ، ثم إن شاء صلى مع القوم ، وإن شاء لم يدخل معهم . قال أبو حفص : وكذلك نقول : فيمن افتتح تطوعاً ثم أقيمت الصلاة أنه لا يقطعها ، ولكن يتمها ووجهه قول النبي صلى الله عليه وسلم : تحليلها التسليم فوجب أن لا يخرج منها بغير التسليم الذي بعد التمام . ابن مسعود من دخل في صلاة فلا يقطع حتى يفرغ . ووجه الأخرى وأنه يخرج منها ، أن صلاة الجماعة واجبة فإن قلنا يمضي في صلاته ففرغ ، ثم أدرك الجماعة في المسجد فهل يدخل معهم أو يكون مخيراً في الدخول والإنصراف على روايتين . 
إحداهما : يخير وهو المنصوص في رواية أبي الحارث والأخرى . يجب أن يصلي معهم إذا حضر في مسجد أهله يصلون وهو الأكثر في مذهبه وبه وردت السنة . فإن أحرم بتطوع ثم أقيمت الصلاة فهل يقطعها ويدخل في الجماعة أو يتمها على روايتين ولا فرق بين ركعتي الفجر وغيرها ، كاختلاف قوليه فيمن انفرد بصلاة فريضة ثم أقيمت الصلاة ، فإن دخل في تطوع ثم ذكر أن عليه فريضة فعنه يعجبني أن ينصرف عن شفع ثم يقضي الفريضة ، قال أبو حفص ويخرج عنه في هذه المسألة رواية أخرى كما ذكرنا فيمن دخل في تطوع ثم أقيمت الصلاة ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم : فليصلها إذا ذكرها .
فائدة فيما إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة 
قال أبو الحارث : سئل أحمد عن العشاء ، إذا وضع وأقيمت الصلاة قال : قد جاءت أحاديث ، وكان القوم في مجاعة فأما اليوم فلو قام رجوت ، وقال في رواية جماعة يبدأ بالطعام ، فإن قلنا يبدأ بالطعام فهل يتناول منه شيئاً أو يتم عشاءه حنبل عنه إذا كان الرجل قد أكل من طعامه لقمة أو نحو ذلك ، فلا بأس أن يقوم إلى الصلاة فيصلي ، ثم يرجع إلى العشاء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعى إلى الصلاة وقد كان يجتز من كتف الشاة فألقى السكين وقام . أحمد بن الحسين سألت أحمد إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة . قال : ابدأ بالعشاء . قلت : أنال منه شيئاً ثم أخرج إلى الصلاة ، قال لا بل تعش ، قلت : أخاف أن تفوتني الصلاة جماعة . قال : إن الرجل إذا تناول منه شيئاً ثم تركه فكان في نفسه شغل من ترك الطعام إذا لم ينل منه حاتجه . قلت فيأتي على ما يريد من الطعام ثم يصلي قال : نعم ، وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في وقت حرب ، قلت لأحمد : الرجل يصلي بحضرة الطعام ، قال : إن كان قد أكل بعضه فأقيمت الصلاة فإنه يتم أكله وإن كان لم يأكل فأحب إلي أن يصلي . قال القاضي : وظاهر هذا الفرق بين أن يكون ابتداء فيستوفي طعامه وبين أن لا يبتدئ فيؤخره .
اختلاف العلماء هل يجوز للجماعة أن يقوموا قبل أن يروا الإمام أم لا ودليل كل 
إذا أقيمت الصلاة والإمام غير حاضر ، مثل أن يكون لم يخرج من بيته بعد ، أو هو المؤذن وهو في المنارة فعلى روايتين روى جماعة لا يقوموا حتى يروه للحديث وروى الأثرم وغيره أنه جائز للمأمومين أن يقوموا قبل أن يروا الإمام لحديث أبي هريرة : 
أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقام مقامه ثم أومأ إليهم بيده أن مكانكم ، ولم ينكر عليهم فدل على جوازه . وروى جعفر بن محمد والمروزي وغيرهما عنه ، أنه وسع العمل بالحديثين جميعاً فإن شاؤوا قاموا قبل أن يروه وإن شاؤوا لم يقوموا حتى يروه .
فائدة يجوز للإمام أن ينتظر المؤذن وأن لا ينتظره والدليل على ذلك 
قال أحمد في رواية أبي طالب أن انتظر الإمام المؤذن فلا بأس قد فعل ذلك عمر وإن لم ينتظره فلا بأس . ووجهه قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم : لا تسبقني بآمين فدل على أنه لم ينتظره .
فائدة: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يضع نعله بين يديه ونقل عنه أنه كان يجعلهما على يساره 
عبد الله والكوسج قالا : كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يضع نعليه بين يديه ولا يجعلهما بين رجليه ، يعني في الصلاة إماماً كان أو غير إمام . قال عبد الله بن أحمد : كان أبي يصلي الفريضة والتطوع ونعله بين يديه . ونقل حنبل وأحمد بن علي يجعلهما عن يساره . وجه الأولى : أنه لا يؤذي بهما أحداً وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في الحديث . ووجه الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح بمكة فوضع نعليه عن يساره .
فائدة في الرجل الجاهل يقوم خلف الإمام فيجيء من هو أعلم منه بالسنة فيؤخره أو يدفعه ويقوم في مقامه هل يجوز أم لا 
قال في رواية علي بن سعيد في الرجل الجاهل يقوم خلف الإمام فيجيء من هو أعلم بالسنة منه فيؤخره أو يدفعه ويقوم في مقامه لا أرى ذلك فذكر له حديث قيس بن عباد ، حين أخره أبي بن كعب رضي الله عنهما ، فقال : إنما كان غلاماً قال القاضي : إنما لم يجز تأخيره لأنه كبير قد سبق إلى ذلك الموضع . وأجاب أحمد عن حديث أبي بأن قيساً كان غلاماً قلت : وقد يؤخذ من كلام أحمد جواز تأخير الصبي وصلاة الرجل مكانه ، وقد قال أحمد في رواية الميموني يلي الإمام الشيوخ وأصحاب القرآن ويؤخر الغلام والصبيان . وقال في رواية أبي طالب في الصحف يكون طويلاً ، فيكون في آخره صبي فيجيء رجل فيقوم خلف الصبي لا بأس هو متصل بالصف . قال بعض أصحابنا وهذا يدل على أنه إذا كان في الصف خلل مقام رجل لا يبطل الموقف ، لأن الصبي لا يصاف الرجل وقد حكم باتصاله بالصف فإن كان قد امتلأ الصف وفيه صبي فجاء رجل ، فللرجل إذا جاء أن يؤخره ويقوم مقامه لأنه أولى بالتقدمة .
فائدة 
قال المروزي : كان أبو عبدالله يقوم خلف الإمام ، فجاء يوماً وقد تجافى الناس أن يصلي أحد في ذلك الموضع ، فاعتزل وقام في طرف الصف وقال : قد نهي أن يتخذ الرجل مصلاه مثلا مريض البعير .
فائدة في الجاهل يصلي برجل فيجعله عن يساره وفي الرجل يقيم الصلاة وليس معه إلا غلام 
قال أحمد في رواية ابن عبدالله : لو أن رجلاً جاهلاً صلى برجل فجعله عن يساره كان مخالفاً للسنة ورد إليها وجازت صلاته . 
وقال في رواية جعفر بن محمد : في الرجل يقيم الصلاة وليس معه إلا غلام لا يؤمه في الفريضة ، وإنما أم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس في تطوع صلاة الليل ، وكذلك حديث أنس ، إنما هو تطوع . وروى هذه أيضاً عنه حرب وابن سندي . قال بعض أصحابنا وجه ذلك : إنه لا يصح أن يكون إماماً في هذه الصلاة فلم تنعقد به كالمرأة والعبد في صلاة الجمعة ، ولا يلزم إنه إذا صلى بامرأة أن تنعقد الجماعة ، لأنها تصح أن تكون إمامة فيها في حق النساء .
فائدة في علة منع البالغ من مصاففة الصبي 
اختلف أصحابنا في علة منع البالغ من مصاففة الصبي ، فقال أبو حفص يخشى أن لا يكون متطهراً يعني فيصير البالغ فذاً ، وقال غيره : لما لم يجز أن يؤمه لم يجز أن يصافه كالمرأة ، وعكسه صلاة النافلة لم جاز أن يؤمه جاز أن يصافه وإذا ثبت ذلك ، فالإمام مخير بأن يقف في وسطهما الرجل عن يمينه ، والصبي عن يساره ، وبين أن يقفا جميعاً عن يمينه إن كانت الصلاة فرضاً وإن كانت نافلة جاز أن يقفا خلفه نص عليه فقال : إذا كان رجل وغلام لم يدرك في صلاة الفريضة فيقوم الرجل وسطهم بينهما ، كما فعل ابن مسعود في الفريضة . قيل له حديث أنس : أمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واليتيم قال ذلك في التطوع . قال أبو حفص واحتج أبو عبد الله في أن الرجل يقف على يمين الإمام والغلام عن يساره بما رواه . حدثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه : قال دخلت أنا وعمي علقمة على عبد الله بن مسعود بالهاجرة ، قال : فاقام الصلاة الظهر فقمنا خلفه ، فاخذ بيدي وبيد عمي ، ثم جعل أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره ، ثم قام بيننا فصففنا صفاً واحداً ، ثم قال : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كانوا ثلاثة . وحجته في التطوع أنهما يقفان خلف الإمام . ما رواه أحمد ثنا عبد الرزاق عن مالك أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ، فذكر الحديث وفيه ، فقمت أنا واليتيم وراءه ، قال أبو حفص على أن حديث أنس لم يقطع به أبو عبد الله . قال في رواية عبد الله : كان قلبي لا يجسر على حديث إسحاق ، لأن حديث موسى يعني خلافه ليس فيه ذكر لليتيم ، إنما فيه أن أنساً قام عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد : ثنا حجاج بن محمد قال شعبة نا. قال : سمعت عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس يحدث عن أنس ، إنه كان هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه وخالته خلفهما . قال شعبة وكان عبد الله بن المختار أشب مني .
فائدة في صفوف الجماعة وترتيبها 
الأفضل إذا كانا رجلين أن يصليا خلفه نص عليه لحديث جابر وجبار ، فأما ما ذهب إليه ابن مسعود إذا كانوا ثلاثة يقوم وسطهم . فإن أبا عبد الله قال : لم يبلغ عبد الله هذه الأخبار . وقد سهل أبو عبد الله في ذلك قال : وأرجو أن يكون الإمام في الثلاثة واسعاً ، وأحب إلي أن يتقدم كما فعل عمر وروى عنه المروزي في الرجل يجيء والإمام في التشهد وإلى لزقه رجل هل يقوم معه أو يجذبه . قال : أعجب إلى أن يتقدم الإمام ويجذب الرجل . قال أبو حفص قوله : يتقدم الإمام ليقل تأخر المأموم ، ويقرب الإمام من السترة ، وقد أجاز جذب الرجل ليصح مقامه معه خلف الإمام . وأكثر الروايات عنه أنه كره أن يجذب رجلاً ، لأنه يؤخره عن موقفه فإن اختار هو ذلك ، وقال في رواية أبي طالب : إذا صلى الإمام مع رجل وجلس ، وجاء رجل فليجلس عن يساره حتى يقوم ، لأن تأخير الجالس يثقل عليه وكون المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه رجل موسع .
فائدة في صلاة المأمومين على علو 
اختلف قول أحمد في صلاة المأمومين على علو فنقل عنه صالح ، إنه أجاز ذلك للضرورة إذا كان موضعاً ضيقاً ، وقال في الرجل يصلي فوق البيت بصلاة الإمام إن كان في موضع ضيق يوم الجمعة كما فعل أنس . ونقل حرب وحنبل وأبو الحارث الجواز مطلقاً أن يصلي المأموم وهو يسمع قراءة الإمام في دار ، أو فوق سطح ، أو في الرحبة ، أو رجل منزله مع المسجد يصلي على سطحه بصلاة الإمام ، أو على سطح المسجد بصلاة الإمام أسفل ، وذكر الآثار بذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عمر و ابن عباس . واختلف قوله إذا كان بينهم نهر أو طريق أو حائط ، فنقل حرب عنه أنه أجاز للمرأة أنها تصلي فوق بيت بصلاة الإمام وبينها وبين الإمام طريق ، ولفظه أرجو أن لا يكون به بأس . وذكر حديث أنس أنه كان يفعل ذلك ، فقيل : إذا كان وحده قال : لا من صلى خلف الصف وحده أعاد . ونقل أبو طالب المنع فقال في الرجل : يصلي فوق سطح بصلاة الإمام . قال إذا كان بينهما طريق أو نهر فلا قيل أنس صلى قال أنس : صلى يوم الجمعة في عرفة بعدما كبر ، ويوم الجمعة لا يكون طريق يمتلئ من الناس . ونقل ابن الحكم جواز ذلك للضرورة ، قال : إذا كان موضع ضرورة أجزأ عنه . 
يروى عن أنس فأما التراويح فتجوز فوق سطح وإن كان بينهما طريق ، نص عليه وقال ذلك تطوع . قال أبو حفص : وجائز أن يصلي الناس يوم الجمعة في طاقات ، باب خراسان وخارج الطاقات نص عليه . قال أبو حفص : إذا فعل الرجل مثل فعل أبي بكرة مع العلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة فيه فروايتان . إحداهما يعيد وعنه ، أنه أجاز للرجل أن يكبر ويركع فيما دون الصف ثم يمشي حتى يدخل في الصف إذا علم أنه لا يدرك . فقال في رجل كبر قبل أن يدخل في الصف وركع ، ثم مشى حتى دخل في الصف ، فقال : يجوز له ذلك ، قد روي أن أبا بكرة ركع دون الصف ولم يأمره أن يعيد . وقد روي أيضاً عن ابن مسعود وزيد أنهما ركعا دون الصف ، وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم : أرى إذا علم أنه يدرك الركعة لم يركع دون الصف وإذا علم أنه لا يدرك ركع ، واثنان أحب إلي أن يكبرا جميعاً ويدبا إلى الصف . قال أبو حفص ووجه ذلك ما روى عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى : ثنا زكريا بن يحيى ، ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب ، قال : رأيت زيد بن ثابت يدخل المسجد والقوم ركوع فيركع ثم يدب حتى يصل إلى الصف ، وعن ابن مسعود مثله . ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس : إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك من السنة . قال عطاء : وقد رأيته هو يفعل ذلك . قال أبو حفص وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة : لا تعد نهى عن شدة السعي بدلياى قول ابن الزبير فإن ذلك من السنة .
فائدة في رجل مكفوف دخل في الصف فلما أراد أن يركع التزق الذين كانوا معه في الصف بصف آخر وبقي هو وحده بعيد 
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم في رجل مكفوف دخل في الصف فلما أراد أن يركع التزق الذين كانوا معه في الصف بصف آخر وبقي هو وحده يعيد . وقال في رواية مهنأ في رجل على يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصف ، ثم زحموه فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده يعيد الركعة التي صلى وحده . قال في رواية الحسن بن محمد إذا ركع ركعة وسجد ثم دخل في الصف يعيد الركعة التي صلاها ولا يعيد الصلاة كلها ، وقال في رواية مهنأ في رجل ركع ركعة وسجدتين دون الصف ، ثم جاء الناس فقاموا إلى جنبه في الثلاث ركعات يعيد الصلاة كلها . ثم قال : لو ركع ركعة وحدها ولم يسجد السجدتين لم يكن عليه إعادة ، لأن أبا بكرة ركع دون الصف ولم يسجد. 
قال ابو حفص : اختك قول أبي عبدالله في رجل يصلي خلف الصف ركعة كاملة ثم يدخل الصف أو ينضاف إليه قوم هل يعيد تلك الركعة وحدها أو الصلاة كلها . قال أبو حفص : والأصح عندي أنه يعيد ما صلى خلف الصف حسب فيعيد الركعة أو الركعتين ولا يعيد ما صتى مع غيره ، قال : لأن تكبيرة الإحرام لم تفسد ، لأنه لا يختلف قوله إنه إذا كبر وحده أنها صحيحة ، قال القاضي وتحرير قول أبي حفص أنه صلى بعض الصلاة منفرداً فلم تبطل جميعها كالتكبيرة والركوع من غير سجود ، ووجد البطلان أن القياس يقتضي بطلان الصلاة في التكبيرة ، والركوع ، لأن ما يفسد جميع الصلاة يفسد بعضها كالحدث ، وإنما أجاز أحمد ذلك القدر لحديث أبي بكرة . قال أحمد : إذا صلى بين الصفين وحده يعيدها ، لأنه فذ وإن كان بين الصفين . وقال في الرجل ينتهي إلى الصف الأول وقد تم يدخل بين رجلين إذا علم أنه لا يشق عليهم ، وذلك أنهم قد أمروا أن لا يكون بينهم خلل ويكره أن يمد رجلاً من الصف إليه نص عليه قال : أما أنا فاستقبح أن يمد رجلاً يدخل مع القوم أو ينتزع رجلاً من الصف فيركع معه . فال بعض أصحابنا : ويقرب من هذه المسألة أنه يباح تخطي رقاب الناس إذا تركوا قدامه فرجة في رواية . وقال في رواية المروزي : إذا جاء وليس يمكنه الدخول في الصف هل يمد رجلاً يصلي معه قال لا ، ولكن يزاحم الصف ويدخل . قال أبو حفص : وقد ذكرنا عن أحمد جواز جر الرجل في رواية المروزي ، فإن صح النقل كان في المسألة روايتان . روى عن أبي أيوب قال : تحريك الرجل من الصف ظلم . قلت : وفي المدونة، قال مالك هو خطأ منهما وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ينكره أيضاً ويقول : يصلي خلف الصف فذا ولا يجذب غيره ، قال : وتصح صلاته في هذه الحالة فذاً ، لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر .
فائدة كان أحمد إذا قام إلى الصلاة يفرج بين قدميه وإذا انحدر للسجود ضم قدميه والدليل على مشروعية ذلك 
قال مهنأ : رأيت أحمد إذا قام إلى الصلاة يفرج بين قدميه ، وإذا انحدر للسجود ضم قدميه . قال القاضي : إنما قلنا يفرج بين قدميه لما روى حرب . ثنا أبو حفص ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال : لا تقارب ولا تباعد ووكيع عن ابن عيينة عن ابن عبد الرحمن بن حوشب قال : كنت مع أبي في المسجد يعني مسجد البصرة فنظر إلى رجل قائماً يصلي قد ضيق بين قدميه وألزق إحداهما بالأخرى . فقال أبي : لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت أحداً منهم يصنع هكذا . ولأنه أمكن للقيام في الصلاة وضم القدين عند الانحدار للسجود أمكن للانحدار . قال في رواية حرب : وقد سأله الرجل يصف بين قدميه أحب إليك أم يعتمد على هذه مرة وعلى هذه مرة ، قال : يراوح بين قدميه أحب إلي يعتمد على هذه مرة وعلى هذه مرة لما روى الأعمش عن المنهال عن أبى عبيدة قال : رأى عبد الله رجلاً يصل صافاً بين قدميه فقال : لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل ، ولأنه أروح للمصلي وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم المشقة عن المصلي بقوله : أبردوا بالصلاة وكان يتوقى بالثوب في الصلاة حر الأرض وبردها . وقال حنبل : رأيته يراوح بين قدميه في صلاة التطوع ، فإذا كانت المكتوبة قام منتصباً لا يتحرك منه شيء ، وقال أحمد بن الحسين الترمذي رأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه قريباً من شحمة أذنيه ونشر أصابعه . وقال أبو داود . سمعت أحمد بن حنبل سئل تذهب إلى نشر الأصابع إذا كبرت ، قال : لا . قال أبو حفص : لعل أبا عبد الله أراد بالنشر الذي لم يذهب إليه التفريق الذي كان يقول به أولاً والنشر الذي ذهب إليه اخراً هو مد اليدين ، وقد قال صالح : سألت أبي عن رفع اليدين في التكبيرة الأولى فقال : يا بني كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر نشر أصابعه فظننت أنه التفريق فكنت أفرق أصابعي ، فسألت أهل العربية فقالوا : هو الضم وهذا النشر ، ومد أبي أصابعه مداً مضمومة وهذا التفريق وفرق بين أصابعه ، قال أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً . وروى يحيى بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة فرج بين أصابعه ، وقد ضعفه أحمد فقال أحمد بن أثرم : إن أبا عبد الله سئل عن ابن سمعان في الحديث فقال : ليس بشيء والحديث عنده حديث أبي هريرة إنه كان يرفع يديه مداً . 
قال أحمد في رواية الفضل بن زياد وقد سأله عن رجل بلي بأرض ينكرون فيها رفع اليدين في الصلاة وينسبونه إلى النقص ، يجوز له ترك الرفع ، قال : لا يترك ذلك يداريهم ، إنما قال يداريهم لأنه لا طاقة له بهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بالرفق قال : في رواية ابن مشيش : رفع اليدين في الصلاة من السنة وهذا يدل على أن الهيئات في الصلاة يطلق عليها اسم السنة . قال أبو حفص : فاما حديث أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد عن ابن عمر أنه كان لا يرفع يديه فإن أبا عبد الله قيل له إن مجاهداً قال : ما رأيت ابن عمر رفع يده إلا في افتتاح الصلاة ، قال : هذا خطأ نافع وسالم أعلم بحديث ابن عمر وإن كان مجاهداً أقدم فنافع أعلم منه ، قال بعض أصحابنا وهذا من أحمد يدل على أصلين . أحدهما أن رواية الأعلم مقدمة على رواية غيره . والثاني أن رواية من يختص بالصحبة أولى من غيره .
فائدة في رفع اليدين في الصلاة 
اختلف قول أحمد في رفع اليدين فيما عدا المواضع الثلاثة ، فأكثر الروايات عنه أنه لم ير الرفع عند الانحدار إلى السجود ، ولا بين السجدتين ، ولا عند القيام من الركعتين ولا فيما عدا المواضع الثلاثة في حديث ابن عمر . ونقل عنه ابن الأثرم وقد سئل عن رفع اليدين ففال في كل خفض ورفع قال ابن أثرم ورأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع . ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سئل عن رفع اليدين فقال : يرفع يديه في كل موضع إلا بين السجدتين . ونقل عنه المروزي لا يعجبني أن يرفع يديه بين السجدتين فإن فعل فهو جائز . عمرو بن مرة ، عن أبي البحتري ، عن عبد الرحمن اليحصبي ، عن وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير . وقد حكى أحمد لفظ هذا الحديث في موضع آخر أنه كان يرفع يديه كلما كبر . 
قال أبو حفص وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصلاة في كل خفض ورفع . أحمد عن ابن فضيل ، عن عاصم بن كليب ، عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نهض من الركعتين رفع يديه . قال أحمد : لا بأس بحديثه يعني عاصم بن كليب . رفدة بن قضاعة عن الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع كل تكبير في الصلاة المكتوبة . 
قال أحمد ويحيى بن معين ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير يحدث عن أبيه شيئاً ولا عن جده . وقال أحمد : لا أعرف رفدة . 
وجه الثالثة حديث ابن عمر ولا يرفع بين السجدتين بعد ذكر المواضع الثلاثة . واختلف قوله في حد الرفع ، فعنه أنه اختار إلى منكبيه وعنه فروع أذنيه . وجه الأولى حديث ابن عمر ووجه الثانية حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى فروع أذنيه . وكيع عن قطن عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه . قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين افتتح الصلاة حتى جاوزت ابهاماه شحمة أذنيه . وكيع عن أبيه عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال : كأني أنظر إلى ابهامي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاذتا شحمة أذنيه في الصلاة ، قال أبو حفص : الأمر عند أبي عبد الله واسع إلى أي موضع رفع ما لم يتجاوز الأذنين ولم يقصر عن المنكبين . الحسين بن محمد الأنماطي رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسه من الركوع لا يرفع يديه حتى يستتم قائماً . والحجة فيه حديث أبي حميد فيقول : سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه أبو داود قلت لأحمد افتتح الصلاة ولم يرفع يديه أيعيد قال : لا . حجته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه للأعرابي ولا نعلم أحداً . قال بالإعادة إلا محمد بن سيرين ، فإن أحمد ذكر عنه أنه قال : يقضي اختلف قوله في صفة وضع اليد على اليد فعنه أحمد بن أصرم المزني وغيره ، إنه يقبض بيمينه على رسغ يساره . وعنه أبو طالب يضع يده اليمنى وضعاً بعضها على ظهر كفه اليسرى ، وبعضها على ذراعه الأيسر . للأولى حديث وائل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع اليمنى على اليسرى قريباً من الرسغ . وفي حديث ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها . وللثانية ما روى أنس أنه وضع يمينه على شماله على هذا الوصف . وفي حديث وائل من طريق زائدة عن عاصم بن كليب قال : ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد واختلف في موضع الوضع فعنه فوق السرة وعنه تحتها وعنه أبو طالب : سألت أحمد أين يضع يده إذا كان يصلي . قال : على السرة أو أسفل ، وكل ذلك واسع عنده إن وضع فوق السرة أو عليها أو تحتها . علي رضي الله عنه من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة . عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس مثل تفسير علي إلا أنه غير صحيح . والصحيح حديث علي . قال في رواية المزني أسفل السرة بقليل ويكره أن يجعلهما على الصدر ، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التكفير وهو وضع اليد على الصدر . مؤمل عن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد عن سفيان لم يذكر ذلك . ورواه شعبة وعبد الواحد لم يذكرا خالفاً ، كذا سفيان قال في رواية صالح والكوسج إذا التفت في الصلاة قد أساء ، وما علمت أني سمعت فيه حديثاً أي أنه يعيد . وقال في رواية أبي طالب : الالتفات في الصلاة لا يقطع ، إنما كره ذلك لأنه يترك الخشوع والإقبال على صلاته قال صلى الله عليه وسلم : هو اختلاس يختلسه الشيطان الحديث ، فلو كلف الإعادة شق إذ المصلي لا يكاد يسلم من اختلاسه . قال في رواية حنبل كان ابن مسعود وأصحابه لا يعرفون الافتتاح يكبرون ، ولو فعل هذا رجل أجزأه وأهل المدينة لا يعرفون الافتتاح . وحجته في سقوط وجوب الافتتاح ، ما روي عن ابن مسعود ولأن في الأخبار ضعفاء . قلت : ابن مسعود كان يذهب في الصلاة إلى أشياء خالفه فيها سائر الصحابة ، فمنها ترك الرفع فيما عدا الافتتاح ، ومنها التطبيق في الركوع . ومنها قيام إمام الثلاثة في وسطهم . ومنها ترك الافتتاح ، وأحمد لم يضعف أحاديث الافتتاح ولا أسقط وجوبه من أجل ضعفها ولا من أجل ترك ابن مسعود له ، وإنما لم يوجبه لعدم الأمر به . فإن النبي صضض قال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ولم يأمره بالاستفتاح . روى حنبل عنه إذا أراد أن يبتدي الصلاة يكبر ثم يستفتح استفتاح عمر ثم يتعوذ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم . إن الله هو السميع العليم ثم يقرأ ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم . هذا كله يخافت به فإن جهر بها فهو سهو يسجد سجدتي السهو إذا جهر بها . قال أبو حفص : ليس السجود واجباً حرب عنه لا يقرأ الإمام إلا بعد سكتة حتى يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب عبد الله عنه يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، إن الله هو السميع العليم هذا أعجب إلي وكذا نقل المروزي ثم قال : والأمر سهل . والأصل فيه قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] ، وقوله : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله [ الأعراف : 200 ] الآية . وفي هذا جمع بين الأمرين . وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عائشة قال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، إن الذين جاؤوا بالإفك . روى أحمد بن إبراهيم بن هشام عن أبي عبد الله أنه سئل عن بسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب . فقال : نعم هي إحدى آياتها . قال أبو حفص : ليست هذه الرواية في كتاب الخلال ، لكنها في سماعنا . وروى عنه أبو طالب إذا نسي أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يسجد سجدتي السهو . قال : لا قال أبو حفص هذا على إحدى الروايتين إذا تركها عند قراءة السورة وروى عنه الفضل وأبو الحارث ، وقد سئل عن الجهر بآمين قال : اجهر بها فإنها سنة ذهبت من الناس ، وهذا يدل على أن الهيئة سنة عند أحمد ، لأن الجهر هيئة في الكلام . وروى عنه إسحاق بن إبراهيم آمين أمر من النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمن القارئ فآمنوا ، وهذا يدل على أن المندوب مأمور به عند أحمد . وروى عنه حنبل يجهر بها في المكتوبة وغيرها لعموم الأخبار . ابن منصور عن أحمد وقد سأله عن قول أبي هريرة : لا تسبقني بآمين . قال : يتأيد حتى يجيء المؤذن لفضل التأمين . وروى عنه الأثرم وقد سئل إذا كان خلف الإمام فقرأ خلفه فيما يجهر فيه أيقول آمين ؟ 
قال : لا أدري ولا أعلم به بأساً . اختلف قوله إذا لم يقرأ أول الصلاة هل يقضي ؟ فروى عنه عبد الله ابنه أنه إن ترك القراءة في الأولتين قرأ في الآخرتين ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام . وإن ترك القراءة في الثالثة ، ثم ذكر وهو في الرابعة فسدت صلاته واستأنف الصلاة ، وروى عنه إسماعيل بن سعيد فيمن ترك القراءة في الركعة من صلاة الغداة أو في ركعتين من الظهر عمداً أو سهواً لا يعتد بتلك الركعة التي لم يقرأ فيها ويبني على صلاته ويقرأ . وروى عنه ابن مشيش في إمام صلى بقوم الظهر ، فلما فرغ ذكر أنه لم يقرأ يعيد ويعيدون وهو الصحيح . وجه الأول ما روى أحمد ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس الهسفاني عن عبدالله بن حنظلة بن الراهب . قال : صلى بنا عمر المغرب فنسي أن يقرأ في الركعة الأولى فلما قام في الثانية قول بفاتحة الكتاب مرتين وسورتين فلما قضى الصلاة سجد سجدتين . ووجه الثانية قوله : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب والركعة الواحدة صلاة . وروى محمد بن أبي عدي عن الشعبي قال : قال الأشعري صلى بنا عمر فدخل ولم يقرأ شيئاً . قال : فأتبعته حتى أتيت الأطناب . فقلت : يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ شيئاً فقال : لقد رأيتني أجهز عيراً بكذا وأفعل كذا ، قال : فأمر المؤذنين فأذنوا وأقاموا فأعاد بنا الصلاة ، قال القاضي : إذا قلنا يعيد فإنه يعيد الأذان قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأله هل يعيدون الأذان والإقامة إذا كانوا على ذلك ؟ قال نعم . ووجهه حديث عمر ولأن فيه إعلام الناس ليجتمعوا للإعادة . وروى عنه أحمد بن الحسين الترمذي وقد سئل عن حديث عم أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعيدوا قال : هكذا تقول قلت : فإن لم يقرأ الإمام الجنب والذي على غير طهر ومن خلفه قال يعيد ويعيدون انتهى . قلت : والفرق بين القراءة وترك الطهارة ، إن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم ، فإذا لم يقرأ لم يكن ثم تحمل . والطهارة لا يتحملها الإمام عن المأموم فلا يتعدى حكمها إلى المأموم بخلاف القراءة فإن حكمها يتعدى إليه . فإن قيل : كيف يتحمل الجنب القراءة عن المأموم وليس من أهل التحمل ، قيل : لما كان معذوراً بنسيانه حدثه نزل في حق المأموم منزلة الطاهر فلا يعيد المأموم وفي حق نفسه تلزمه الإعادة ، وهذا بخلاف المتعمد للصلاة محدثاً أو جنباً ، فإنه لما لم يكن معذوراً ، نزل فعله بالنسبة إلى المأموم منزلة العبث الذي لا يعتد به ، وأيضاً لما كان هذا يكثر مع السهو لم يتعد بطلان صلاته إلى المأموم رفعاً للمشقة والحرج . ولما كان يندب مع التعمد تعدى فساد صلاته إليهم . واختلف قوله في الصلاة بغير الفاتحة فروى حرب عنه فيمن نسي أن يقرأ بفاتحة الكتاب ، وقرأ قرآناً قال : وما بأس بذلك . أليس قد قرأ القرآن ؟ قال : وسمعته مرة أخرى يقول : كل ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنها ليست بجائزة ، وعلى صاحبها أن يعيدها . قال الخلال الذي رواه حرى قد رجع عنه أبو عبد الله وبين عنه خلف كثير أنه لا يجزئه إلا أن يقرأ في كل ركعة للثانية ما روى مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل إلا وراء إمام . وروى عنه أبو طالب من نسي أول ركعة ثم ذكر في آخر ركعة أنه لم يقرأ لا يعتد بالركعة التي لم يقرأ فيها ويصلي ركعة أخرى مكان تلك الركعة ، فإن ذكرها وقد سلم وتكلم أعاد الصلاة اختلف قوله في قراءة القرآن في الفرائض على التأليف على سبيل الدرس ، فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال : سألت أبي عن الرجل يقرأ القرآن كله في الصلاة الفريضة ، قال : لا أعلم أحداً فعل هذا ، وقد روى عن عثمان أنه كان يقرأ بعض القرآن سوراً على التأليف ، وروى عنه حرب في الرجل يقرأ على التأليف قي الصلاة اليوم سورة الرعد وغداً التي تليها ونحو ذلك قال : ليس في هذا شيء إلا أنه يروي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحدها . وروى عنه مهنأ أنه رخص أن يقرأ في الفرائض حيث ينتهي سالم بن قتيبة عن سهل بن أبي حذيفة عن ثابت عن أنس قال : كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره . وروى المروزي أن أحمد سئل عن حديث أنس هذا ، فقال : هذا حديث منكر روى حنبل عنه ، إذا كان المسجد على قارعة الطريق أو طريق يسلك ، فالتخفيف أعجب إلي ، وإن كان مسجداً معتزلاً أهله فيه ويرضون بذلك ، فلا أرى به بأساً وأرجو إن شاء الله . وروى عنه أبو الحارث إذا قرأ بفاتحة الكتاب وهو يحسن غيرها إن كان عامداً فلا أحب له ذلك وإن كان ساهياً فلا بأس صلاته تامة . وعنه محمد بن الحكم هو عندي مسيء إذا عمد ذلك ، قلت : يريد الاقتصار على الفاتحة وكلامه يدل على أحد أمرين : إما أن تكون السورة واجبة . وأما أن يكون تارك سنة الصلاة مسيئاً . وروى الفضل بن زياد عنه وقد سئل الرجل يقرأ في المكتوبة في كل ركعة بالحمد لله وسورة قال : قد كان عمر يفعل . قيل : فتراه أنت . قال : لا قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا اقرأ في الأوليين انتهى . وروى عن علي وجابر قالا في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب . وروى أبو طالب سالت أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالناس المكتوبة ، فيقرأ في الأربع كلها بالحمد لله وسورة قال : لا ينبغي أن يفعل قلت : ساهياً ، قال : يسجد سجدتين . وروى عنه أحمد بن هاشم وقد سئل عن رجل قرأ في الركعتين الآخريين بالحمد لله وسورة ناسياً هل عليه سجدتا السهو قال : لا وكذلك قال مهنأ والميموني . وروى عنه أبو الحارث في إمام صلى بقوم فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ بعض السورة ولم يتمها ، ثم ركع لا بأس ، ثم قال أحمد : ثنا عبدالله بن إدريس ، ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن أبي ليلى عن ابن أبزي قال : صليت خلف عمر فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم وقع عليه البكاء فركع ثم قرأ سورة النجم ، فسجد فيها ، ثم قام فقرأ إذا زلزلت . وروى عنه صالح وقد سأله رجل عن رجل يصلي فيبدأ من أوسط السورة أو من آخرها . 
قال : أما آخر السورة فأرجو وأما وسطها فلا . وروى عنه أحمد بن هشام الأنطاكي هل يجزىء مع قراءة الحمد آية قال : إن كانت مثل آية الدين أو مثل آية الكرسي . وروى عنه محمد بن حبيب يكره أن يقرأ الرجل في صلاة الفجر بقل يا أيها الكافرون وأرأيت إلا أن يكون في سفر . محمد بن حبيب ثنا عمر والناقد ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبي عن إسحاق ، عن مسعر ومالك ، عن مغول ، عن الحكم عن عمرو بن ميمون ، عن عمر أنه صلى بهم الفجر في طريق مكة فقرأ بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد . وروى الميموني صلى بنا أبو عبد الله الفجر فقرأ في الأولى بالمدثر ، وفي الثانية بالفجر ، وكنا نصلي خلف أبي عبد الله بغلس فيقرأ بنا في الأولى تبارك ونحوها ويقرأ في الثانية إذا الشمس كورت . وروى عنه أحمد بن الحسين بن حسان في إمام يقصر في الركعة الأولى ويطول في الأخيرة ، لا ينبغي هذا يطول في الأولى ويقصر في الآخرة . قال أبو حفص وقد روى عن أنس أنه قرأ في الركعة الأول قل هو الله أحد ، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وهذا يدل على جواز الإطالة في الثانية وليس ما ذكره بقوي . 
ومن خط القاضي مما قال انتقيته من كتاب الصيام لأبي حفص نقل عبد الله قال : سألت أبي عمن صام رمضان وهو ينوي به تطوعاً ، قال : لا يفعل هذا إنسان من أهل الإسلام لا يجزئه حتى ينوي ، لو أن رجلاً قام فصلى أربع ركعات لا ينوي بها صلاة فريضة أكان يجزئه ثم قال : لا تجزئه صلاة فريضة حتى ينويها . 
قال أبو حفص وقد قال الشافعي ولو عقد رجل على أن غداً عنده من رمضان في يوم الشك ، ثم بان أنه من رمضان أجزأه . 
قال : وهذا موافق لما قال أبو عبد الله في الغيم ، قال أبو عبد الله : قلت لأبي إذا صام شعبان كله قال لا بأس أن يصوم اليوم الذي يشك فيه إذا لم ينو أنه من رمضان ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان ، فقد دخل ذلك اليوم في صومه . قال أبو حفص مراد أبي عبد الله في هذه المسألة ، إذا كان الشك في الصحو لما تقدم من مذهبه في الغيم . 
ومن خط القاضي أيضاً مما ذكر أنه انتقاه من كتاب حكم الوالدين في مال ولدهما جمع أبي حفص البرمكي قال : اختلف قول أبي عبد الله في عتق الأب جارية ابنه قيل قبضها ، فروى عنه بكر بن محمد أنه قال : ويعتق الأب في ملك الابن وهو في ملك الابن حتى يعتق الأب أو يأخذ ، فيكون للأب ما أخذ . وعنه المروزي ولو أن لابنه جارية فأعتقها كان جائزاً . وعنه بكر بن محمد إذا كانت للابن جارية فأراد عتقها قبضها ثم أعتقها ، ولا يعتق من مال ابنه إلا أن يقبضها وكذا روى عنه عبد الله وغيره ، قلت : الروايتان مأخذهما أن من ملك أن يملك بتصرف قبل تملكه هل ينفذ تصرفه فيه قولان ، وعلى هذا يخرج تصرف الزوج في نصف الصداق إذا طلق بعد الإقباض وقبل الدخول ، وتصرف الموصى له إذا تصرف بعد الموت وقبل القبول على أن الذي تقتضيه قواعد أحمد وأصوله صحة التصرف ويجعل هذا قبولاً واسترجاعاً للصداق ، قد قارن التصرف ، ومن منع صحته قال إن غاية هذا التصرف أن يكون دالاً على الرجوع والقبول الذي هو سبب الملك ولم يتقدم على التصرف . والملك لا بد أن يكون سابقاً للتصرف فكما لا يتأخر عنه لا يقارنه . ولمن نصر الأول أن يجيب عن هذا بأن المحذور أن يرد العقد على ما لا يملكه ولا يكون مأذوناً له في التصرف فيه ، فإذا قارن العقد سبب التملك لم يرد العقد إلا على مملوك ، فقولكم لا بد أن يتقدم الملك العقد دعوى محل النزاع فمنازعوكم يجوزون مقارنة العقد لسبب التملك ، وهذه المسألة تشبه مسألة حصول الرجعة بالوطء . فإنه بشروعه بالوطء . تحصل الرجعة وإن لم يتقدم على الوطء فما وطأ إلا من ارتجعها وإن كانت رجعته مقارنة لوطئها فتأمله فإنه من أسرار الفقه ونظير هذه المسألة ، مسألة الجارية الموهوبة للولد سواء قال أحمد في رواية أبي طالب إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن لم يجز للأب عتقها حتى يرجع فيها ويردها إليه ، قال أبو حفص ويخرج في هذه المسألة رواية أخرى بصحة العتق والأول أصح . 
قال إسحاق بن إبراهيم : سألت أبا عبد الله رحمه الله تعالى عن جارية وهبها رجل لابنه ثم قبضها الابن من الأب ، فأعتقها الأب بعدما قبضها الابن ، قال الجارية للابن واعتق الأب ما ليس له قلت : فحديث النبي صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك قال : من قال إن عتق الأب جائز يذهب إلى هذا فأما الحسن وابن أبي ليلى يقولان : عتقه عليه جائز ولا أذهب إليه قلت : ايش الحجة في هذا . قال : لا يجوز عتقه على ما وهبه الابن وأجازه . اختلف في قبض الأب صداق ابنته فروى عنه مهنأ لا يبرأ الزوج بذلك . وروى عنه المرزوي وأبو طالب أنه يبرأ وأصل الرواتين عند أصحابنا إبراء الأب عن الصداق فإن فيه روايتين ، فإن قلنا يصح ابراؤه صح قبضه وإلا فلا كالأجنبي قلت : وعندي أن الروايتين في القبض غير مبنيتين على رواية الإبراء ، بل لما ملك الأب الولاية على ابنته في هذا العقد ملك قبض عوضه فلما ملك تزويجها وهو كإقباض البضع وتمكين الزوج منه ملك قبل الصداق وهذه هي العادة بين الناس . والرواية الأخرى لا يقبض لها إلا بإذنها فلا يبرأ الزوج بإقباضه ، كما لا يتصرف في مالها إلا بإذنها والله أعلم ، وروى المروزي عنه في الرجل يستفرض من مال أولاده ، ثم يوصي بما أخذ من ذلك ، قال : ذلك إليه فإن فعل فلا بأس . وهذه الرواية تدل على أن الدين يثبت في ذمته وإن لم يملك الابن المطالبة به ، إذ لولا ثبوته في الذمة لم يملك الوصية به وكانت وصيته لوارث . وقد روى عنه أبو الحارث في رجل له على أبيه دين فمات الأب قال : يبطل دين الابن قلت : وهذه الرواية عندي تحتمل أمرين . أحدهما : بطلانه وسقوطه جملة وهو الظاهر . والثاني : بطلان المطالبة به فلا يختص به من التركة ثم يقسم الباقي فلو أوصى له به من غير مطالبة فله أخذه يقدم به من التركة موافقاً لنصه الأخر في راوية المروزي والله أعلم . فإن قيل : لو اشتغلت الذمة به لوجبت الوصية به كسائر الديون نفسه وإن يوفيه إياه فتأمله . اختلفت الرواية عن أحمد فيما أخذه الأب من مال ابنه ومات ، ووجده الابن بعينه هل يكون له أخذه على روايتين نقلهما أبو طالب في مسائله واحتج بجواز الأخذ بقول عمر . قال أبو حفص : ولا ناقد بيننا أن الحق في ذمته ولا يمتنع أن يسقط الرجوع إذا كاد ديناً ويملك إذا كان عيناً كالمفلس بثمن المبيع . ووجه الأخرى أن الأب قد حازه فسقط الرجوع كما لو أتلفه . روى عنه أبو الحارث كلما أحرزه الأب من مال ولده فهو له رضي أو كره يأخذ ما شاء من قليل وكثير والأم لا تأخذ إنما قال صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك ولم يقل لأمك . وروى عنه إسحاق بن إبراهيم لا يحل لها يعني الأم أن تتصدق شيء من غير علمه . قال أحمد : أما الذي سمعنا إن المرأة تتصدق من بيت زوجها ما كان من رطب ، والشيء الذي تطعمه فأما الرجل فلا أحب له أن يتصدق بشيء إلا بإذنها ، وروى عنه حنبل في الرجل يقع على جارية أبيه أو ابنه أو أمه ، لا أراه يلزق به الولد لأنه عاهر إلا أن يحلها له ، قال أبو حفص : يحتمل أن يريد بقوله يحلها له أي بالهبة ويحتمل أن يريد بحل فرجها لأنه إذا أحل فرجها فوطئها لحقه الولد لأجل الشبهة ، ألا ترى أنا ندرأ عن المحصن الرجم في هذا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال في رواية بكر بن محمد في رجلا له جارية يطؤها فوثب عليها ابنه فوطئها فحملت منه وولدت هي أمة تباع لأنه بمنزلة الغريب وهو أشد عقوبة من الغريب لا يثبت له نسب ، ولكن لو اعتقد الأب قوله وهو أشد عقوبة لوجهين : 
أحدهما وطؤه موطوءة أبيه ، والثاني : أنها محرمة عليه على التأبيد ، وإنما اختار عتقه لأنه من ماء ولده مخلوق ولم يوجبه لعدم ثبوت النسب ، عبد الله ابنه إذا دفع إليه ابنه ما لا يعمل به ، فذهب الابن فاشترى جارية وأعتقها وتزوج بها مضى عتقها وله أن يرجع على ابنه بالملك ويلحق به الولد وليس له الرجوع بالجارية حنبل عنه . قال : أرى أن من تصدق على ابنه بصدقة فقبضها الابن أو كان في حجر أبيه فأشهد على صدقته فليس له أن ينقض شيئاً من ذلك لأنه لا يرجع في شيء من الصدقة . 
وعنه المروزي إذا وهب لابنه جارية فأراد أن يشتريها فإن كان وهبها على وجه المنفعة فلا بأس أن يأخذها بما تقوم ، وإذا جعل الجارية لله تعالى أو في السبيل أو أعطاها ابنه ، لم يعجبني أن يشتريها . أبو حفص إذا وهبها على جهة المنفعة دون الصدقة جاز أن يشتريها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الرجوع في هبة الولد وإن جعل الجارية صدقة على ابنته وقصد الدار الآخرة لم يجز له الرجوع لا بثمن ولا بغيره لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر : لا تعد في صدقتك . قال أبو حفص وتحصيل المذهب أنه لا يجوز له الرجوع فيما دفع إلى غير الولد هبة كان أو صدقة ويرجع فيما وهبه لابنه ولا يرجع فيما كان على وجه الصدقة . وروى عنه مهنا إذا تصدق الرجل بشيء من ماله على بعض ولده ويدع بعضاً . قال أبو حفص : لا فرق بين العطية للمنفعة وبين الصدقة للأجر لأن كلاهما عطية ، وإنما يختلف حكمهما في رجوع الوالد اختلف قوله في قسمة الرجل ماله بين ولده في حياته ، فروى عنه حنبل إن شاء قسم ، وإن شاء لم يقسم إذا لم يفضل . وروى عنه محمد بن الحكم أحب إلي أن لا يقسم ماله يدعه على فرائض الله لعله يولد له . علي بن سعيد عن أحمد إذا زوج بعض ولده وجهزه وله ولد سواهم وهم عنده ينفق عليهم ويكسوهم ، فإن كان نفقته عليهم مما يجحف بماله ، ينبغي له أن يواسيهم وإز لم يجحف بماله ، وإنما هي نفقة فلا يكون عليه شيء . قال أبو حفص قوله : يجحف بماله ، يعني ينفق فوق الحاجة ينبغي أن يعطي الذين خرجوا من نفقته بآزاء ذلك ، لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النحل . وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأة جعلت مالها لأحد بنيها أن هو حج بها دون أخويه تعطيه أجرته وتسوي بين الولد . وروى عنه إسحاق بن إبراهيم في الأب يقول : وهبت جاريتي هذه لابني إذا كان ذلك في صحة منه ، وأشهد عليه كان قبضه لها قبضاً ، وهذه الرواية تدل على أن هبة الأب لابنه الصغير يجري فيها الإيجاب ، لأنه اعتبر في ذلك القبض وروى عنه يوسف بن موسى في الرجل يكون له الولد البار الصالح وآخر غير بار لا ينبل البار دون الآخر . قال أبو حفص : لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق ولأنه كالبار في الميراث . وروى عنه حنبل للشاهد ، أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا وعرف فيه الحيف في الوصية وروى عنه الحكم لا يشهد إذا فضل بين ولده . 
وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنت وأخ وله عشرة آلاف درهم لم يجز له أن يصالح الأخ منها على ألفي درهم ليس هذا بشيء . قال أبو حفص : لأنه هضم للحق فبطل ، ولأنه إنما يستحق بعد الموت فهو كإجارة الشريك لشريكه بيع نصيبه ثم له المطالبة بالشفعة . قلت : هذا القياس غير صحيح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على الشريك البيع قبل استئذان شريكه فقال : لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق بالشفعة ،فدل على أنه إذا أذن في البيع ولم يرد أخذ الشقص سقطت شفعته ، وعلى هذا موجب النص فسبب الشفعة إرادة البيع واستئذان الشريك ، فإذا طلبه الشريك وجب على شريكه بيعه إياه ، وهذا مقتضى النص خالفه من خالفه ، وأما إسقاط الميراث فإسقاط أمر موهوم لا يدري أيحصل أم لا ولعله أن يموت هو قبله فهو جار مجرى إسقاط حقه من الغنيمة قبل الجهاد وتحرك العدو البتة . وإسقاط حقه بما ، لعل الموصى أن يوصى له به وأمثال ذلك مما لا عبرة به والله أعلم .
فائدة 
اختلف قول أحمد في رفع اليدين فيما عدا المواضع الثلاثة ، فأكثر الروايات عنه أنه لم ير الرفع عند الانحدار إلى السجود ، ولا بين السجدتين ، ولا عند القيام من الركعتين ولا فيما عدا المواضع الثلاثة في حديث ابن عمر . ونقل عنه ابن الأثرم وقد سئل عن رفع اليدين ففال في كل خفض ورفع قال ابن أثرم ورأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع . ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سئل عن رفع اليدين فقال : يرفع يديه في كل موضع إلا بين السجدتين . ونقل عنه المروزي لا يعجبني أن يرفع يديه بين السجدتين فإن فعل فهو جائز . عمرو بن مرة ، عن أبي البحتري ، عن عبد الرحمن اليحصبي ، عن وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير . وقد حكى أحمد لفظ هذا الحديث في موضع آخر أنه كان يرفع يديه كلما كبر . 
قال أبو حفص وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصلاة في كل خفض ورفع . أحمد عن ابن فضيل ، عن عاصم بن كليب ، عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نهض من الركعتين رفع يديه . قال أحمد : لا بأس بحديثه يعني عاصم بن كليب . رفدة بن قضاعة عن الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع كل تكبير في الصلاة المكتوبة . 
قال أحمد ويحيى بن معين ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير يحدث عن أبيه شيئاً ولا عن جده . وقال أحمد : لا أعرف رفدة . 
وجه الثالثة حديث ابن عمر ولا يرفع بين السجدتين بعد ذكر المواضع الثلاثة . واختلف قوله في حد الرفع ، فعنه أنه اختار إلى منكبيه وعنه فروع أذنيه . وجه الأولى حديث ابن عمر ووجه الثانية حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى فروع أذنيه . وكيع عن قطن عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه . قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين افتتح الصلاة حتى جاوزت ابهاماه شحمة أذنيه . وكيع عن أبيه عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال : كأني أنظر إلى ابهامي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاذتا شحمة أذنيه في الصلاة ، قال أبو حفص : الأمر عند أبي عبد الله واسع إلى أي موضع رفع ما لم يتجاوز الأذنين ولم يقصر عن المنكبين . الحسين بن محمد الأنماطي رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسه من الركوع لا يرفع يديه حتى يستتم قائماً . والحجة فيه حديث أبي حميد فيقول : سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه أبو داود قلت لأحمد افتتح الصلاة ولم يرفع يديه أيعيد قال : لا . حجته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه للأعرابي ولا نعلم أحداً . قال بالإعادة إلا محمد بن سيرين ، فإن أحمد ذكر عنه أنه قال : يقضي اختلف قوله في صفة وضع اليد على اليد فعنه أحمد بن أصرم المزني وغيره ، إنه يقبض بيمينه على رسغ يساره . وعنه أبو طالب يضع يده اليمنى وضعاً بعضها على ظهر كفه اليسرى ، وبعضها على ذراعه الأيسر . للأولى حديث وائل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع اليمنى على اليسرى قريباً من الرسغ . وفي حديث ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها . وللثانية ما روى أنس أنه وضع يمينه على شماله على هذا الوصف . وفي حديث وائل من طريق زائدة عن عاصم بن كليب قال : ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد واختلف في موضع الوضع فعنه فوق السرة وعنه تحتها وعنه أبو طالب : سألت أحمد أين يضع يده إذا كان يصلي . قال : على السرة أو أسفل ، وكل ذلك واسع عنده إن وضع فوق السرة أو عليها أو تحتها . علي رضي الله عنه من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة . عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس مثل تفسير علي إلا أنه غير صحيح . والصحيح حديث علي . قال في رواية المزني أسفل السرة بقليل ويكره أن يجعلهما على الصدر ، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التكفير وهو وضع اليد على الصدر . مؤمل عن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد عن سفيان لم يذكر ذلك . ورواه شعبة وعبد الواحد لم يذكرا خالفاً ، كذا سفيان قال في رواية صالح والكوسج إذا التفت في الصلاة قد أساء ، وما علمت أني سمعت فيه حديثاً أي أنه يعيد . وقال في رواية أبي طالب : الالتفات في الصلاة لا يقطع ، إنما كره ذلك لأنه يترك الخشوع والإقبال على صلاته قال صلى الله عليه وسلم : هو اختلاس يختلسه الشيطان الحديث ، فلو كلف الإعادة شق إذ المصلي لا يكاد يسلم من اختلاسه . قال في رواية حنبل كان ابن مسعود وأصحابه لا يعرفون الافتتاح يكبرون ، ولو فعل هذا رجل أجزأه وأهل المدينة لا يعرفون الافتتاح . وحجته في سقوط وجوب الافتتاح ، ما روي عن ابن مسعود ولأن في الأخبار ضعفاء . قلت : ابن مسعود كان يذهب في الصلاة إلى أشياء خالفه فيها سائر الصحابة ، فمنها ترك الرفع فيما عدا الافتتاح ، ومنها التطبيق في الركوع . ومنها قيام إمام الثلاثة في وسطهم . ومنها ترك الافتتاح ، وأحمد لم يضعف أحاديث الافتتاح ولا أسقط وجوبه من أجل ضعفها ولا من أجل ترك ابن مسعود له ، وإنما لم يوجبه لعدم الأمر به . فإن النبي صضض قال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ولم يأمره بالاستفتاح . روى حنبل عنه إذا أراد أن يبتدي الصلاة يكبر ثم يستفتح استفتاح عمر ثم يتعوذ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم . إن الله هو السميع العليم ثم يقرأ ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم . هذا كله يخافت به فإن جهر بها فهو سهو يسجد سجدتي السهو إذا جهر بها . قال أبو حفص : ليس السجود واجباً حرب عنه لا يقرأ الإمام إلا بعد سكتة حتى يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب عبد الله عنه يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، إن الله هو السميع العليم هذا أعجب إلي وكذا نقل المروزي ثم قال : والأمر سهل . والأصل فيه قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] ، وقوله : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله [ الأعراف : 200 ] الآية . وفي هذا جمع بين الأمرين . وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عائشة قال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، إن الذين جاؤوا بالإفك . روى أحمد بن إبراهيم بن هشام عن أبي عبد الله أنه سئل عن بسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب . فقال : نعم هي إحدى آياتها . قال أبو حفص : ليست هذه الرواية في كتاب الخلال ، لكنها في سماعنا . وروى عنه أبو طالب إذا نسي أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يسجد سجدتي السهو . قال : لا قال أبو حفص هذا على إحدى الروايتين إذا تركها عند قراءة السورة وروى عنه الفضل وأبو الحارث ، وقد سئل عن الجهر بآمين قال : اجهر بها فإنها سنة ذهبت من الناس ، وهذا يدل على أن الهيئة سنة عند أحمد ، لأن الجهر هيئة في الكلام . وروى عنه إسحاق بن إبراهيم آمين أمر من النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمن القارئ فآمنوا ، وهذا يدل على أن المندوب مأمور به عند أحمد . وروى عنه حنبل يجهر بها في المكتوبة وغيرها لعموم الأخبار . ابن منصور عن أحمد وقد سأله عن قول أبي هريرة : لا تسبقني بآمين . قال : يتأيد حتى يجيء المؤذن لفضل التأمين . وروى عنه الأثرم وقد سئل إذا كان خلف الإمام فقرأ خلفه فيما يجهر فيه أيقول آمين ؟ 
قال : لا أدري ولا أعلم به بأساً . اختلف قوله إذا لم يقرأ أول الصلاة هل يقضي ؟ فروى عنه عبد الله ابنه أنه إن ترك القراءة في الأولتين قرأ في الآخرتين ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام . وإن ترك القراءة في الثالثة ، ثم ذكر وهو في الرابعة فسدت صلاته واستأنف الصلاة ، وروى عنه إسماعيل بن سعيد فيمن ترك القراءة في الركعة من صلاة الغداة أو في ركعتين من الظهر عمداً أو سهواً لا يعتد بتلك الركعة التي لم يقرأ فيها ويبني على صلاته ويقرأ . وروى عنه ابن مشيش في إمام صلى بقوم الظهر ، فلما فرغ ذكر أنه لم يقرأ يعيد ويعيدون وهو الصحيح . وجه الأول ما روى أحمد ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس الهسفاني عن عبدالله بن حنظلة بن الراهب . قال : صلى بنا عمر المغرب فنسي أن يقرأ في الركعة الأولى فلما قام في الثانية قول بفاتحة الكتاب مرتين وسورتين فلما قضى الصلاة سجد سجدتين . ووجه الثانية قوله : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب والركعة الواحدة صلاة . وروى محمد بن أبي عدي عن الشعبي قال : قال الأشعري صلى بنا عمر فدخل ولم يقرأ شيئاً . قال : فأتبعته حتى أتيت الأطناب . فقلت : يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ شيئاً فقال : لقد رأيتني أجهز عيراً بكذا وأفعل كذا ، قال : فأمر المؤذنين فأذنوا وأقاموا فأعاد بنا الصلاة ، قال القاضي : إذا قلنا يعيد فإنه يعيد الأذان قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأله هل يعيدون الأذان والإقامة إذا كانوا على ذلك ؟ قال نعم . ووجهه حديث عمر ولأن فيه إعلام الناس ليجتمعوا للإعادة . وروى عنه أحمد بن الحسين الترمذي وقد سئل عن حديث عم أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعيدوا قال : هكذا تقول قلت : فإن لم يقرأ الإمام الجنب والذي على غير طهر ومن خلفه قال يعيد ويعيدون انتهى . قلت : والفرق بين القراءة وترك الطهارة ، إن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم ، فإذا لم يقرأ لم يكن ثم تحمل . والطهارة لا يتحملها الإمام عن المأموم فلا يتعدى حكمها إلى المأموم بخلاف القراءة فإن حكمها يتعدى إليه . فإن قيل : كيف يتحمل الجنب القراءة عن المأموم وليس من أهل التحمل ، قيل : لما كان معذوراً بنسيانه حدثه نزل في حق المأموم منزلة الطاهر فلا يعيد المأموم وفي حق نفسه تلزمه الإعادة ، وهذا بخلاف المتعمد للصلاة محدثاً أو جنباً ، فإنه لما لم يكن معذوراً ، نزل فعله بالنسبة إلى المأموم منزلة العبث الذي لا يعتد به ، وأيضاً لما كان هذا يكثر مع السهو لم يتعد بطلان صلاته إلى المأموم رفعاً للمشقة والحرج . ولما كان يندب مع التعمد تعدى فساد صلاته إليهم . واختلف قوله في الصلاة بغير الفاتحة فروى حرب عنه فيمن نسي أن يقرأ بفاتحة الكتاب ، وقرأ قرآناً قال : وما بأس بذلك . أليس قد قرأ القرآن ؟ قال : وسمعته مرة أخرى يقول : كل ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنها ليست بجائزة ، وعلى صاحبها أن يعيدها . قال الخلال الذي رواه حرى قد رجع عنه أبو عبد الله وبين عنه خلف كثير أنه لا يجزئه إلا أن يقرأ في كل ركعة للثانية ما روى مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل إلا وراء إمام . وروى عنه أبو طالب من نسي أول ركعة ثم ذكر في آخر ركعة أنه لم يقرأ لا يعتد بالركعة التي لم يقرأ فيها ويصلي ركعة أخرى مكان تلك الركعة ، فإن ذكرها وقد سلم وتكلم أعاد الصلاة اختلف قوله في قراءة القرآن في الفرائض على التأليف على سبيل الدرس ، فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال : سألت أبي عن الرجل يقرأ القرآن كله في الصلاة الفريضة ، قال : لا أعلم أحداً فعل هذا ، وقد روى عن عثمان أنه كان يقرأ بعض القرآن سوراً على التأليف ، وروى عنه حرب في الرجل يقرأ على التأليف قي الصلاة اليوم سورة الرعد وغداً التي تليها ونحو ذلك قال : ليس في هذا شيء إلا أنه يروي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحدها . وروى عنه مهنأ أنه رخص أن يقرأ في الفرائض حيث ينتهي سالم بن قتيبة عن سهل بن أبي حذيفة عن ثابت عن أنس قال : كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره . وروى المروزي أن أحمد سئل عن حديث أنس هذا ، فقال : هذا حديث منكر روى حنبل عنه ، إذا كان المسجد على قارعة الطريق أو طريق يسلك ، فالتخفيف أعجب إلي ، وإن كان مسجداً معتزلاً أهله فيه ويرضون بذلك ، فلا أرى به بأساً وأرجو إن شاء الله . وروى عنه أبو الحارث إذا قرأ بفاتحة الكتاب وهو يحسن غيرها إن كان عامداً فلا أحب له ذلك وإن كان ساهياً فلا بأس صلاته تامة . وعنه محمد بن الحكم هو عندي مسيء إذا عمد ذلك ، قلت : يريد الاقتصار على الفاتحة وكلامه يدل على أحد أمرين : إما أن تكون السورة واجبة . وأما أن يكون تارك سنة الصلاة مسيئاً . وروى الفضل بن زياد عنه وقد سئل الرجل يقرأ في المكتوبة في كل ركعة بالحمد لله وسورة قال : قد كان عمر يفعل . قيل : فتراه أنت . قال : لا قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا اقرأ في الأوليين انتهى . وروى عن علي وجابر قالا في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب . وروى أبو طالب سالت أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالناس المكتوبة ، فيقرأ في الأربع كلها بالحمد لله وسورة قال : لا ينبغي أن يفعل قلت : ساهياً ، قال : يسجد سجدتين . وروى عنه أحمد بن هاشم وقد سئل عن رجل قرأ في الركعتين الآخريين بالحمد لله وسورة ناسياً هل عليه سجدتا السهو قال : لا وكذلك قال مهنأ والميموني . وروى عنه أبو الحارث في إمام صلى بقوم فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ بعض السورة ولم يتمها ، ثم ركع لا بأس ، ثم قال أحمد : ثنا عبدالله بن إدريس ، ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن أبي ليلى عن ابن أبزي قال : صليت خلف عمر فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم وقع عليه البكاء فركع ثم قرأ سورة النجم ، فسجد فيها ، ثم قام فقرأ إذا زلزلت . وروى عنه صالح وقد سأله رجل عن رجل يصلي فيبدأ من أوسط السورة أو من آخرها . 
قال : أما آخر السورة فأرجو وأما وسطها فلا . وروى عنه أحمد بن هشام الأنطاكي هل يجزىء مع قراءة الحمد آية قال : إن كانت مثل آية الدين أو مثل آية الكرسي . وروى عنه محمد بن حبيب يكره أن يقرأ الرجل في صلاة الفجر بقل يا أيها الكافرون وأرأيت إلا أن يكون في سفر . محمد بن حبيب ثنا عمر والناقد ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبي عن إسحاق ، عن مسعر ومالك ، عن مغول ، عن الحكم عن عمرو بن ميمون ، عن عمر أنه صلى بهم الفجر في طريق مكة فقرأ بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد . وروى الميموني صلى بنا أبو عبد الله الفجر فقرأ في الأولى بالمدثر ، وفي الثانية بالفجر ، وكنا نصلي خلف أبي عبد الله بغلس فيقرأ بنا في الأولى تبارك ونحوها ويقرأ في الثانية إذا الشمس كورت . وروى عنه أحمد بن الحسين بن حسان في إمام يقصر في الركعة الأولى ويطول في الأخيرة ، لا ينبغي هذا يطول في الأولى ويقصر في الآخرة . قال أبو حفص وقد روى عن أنس أنه قرأ في الركعة الأول قل هو الله أحد ، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وهذا يدل على جواز الإطالة في الثانية وليس ما ذكره بقوي .
ومن خط القاضي مما قال انتقيته من كتاب الصيام لأبي حفص 
نقل عبد الله قال : سألت أبي عمن صام رمضان وهو ينوي به تطوعاً ، قال : لا يفعل هذا إنسان من أهل الإسلام لا يجزئه حتى ينوي ، لو أن رجلاً قام فصلى أربع ركعات لا ينوي بها صلاة فريضة أكان يجزئه ثم قال : لا تجزئه صلاة فريضة حتى ينويها . 
قال أبو حفص وقد قال الشافعي ولو عقد رجل على أن غداً عنده من رمضان في يوم الشك ، ثم بان أنه من رمضان أجزأه . 
قال : وهذا موافق لما قال أبو عبد الله في الغيم ، قال أبو عبد الله : قلت لأبي إذا صام شعبان كله قال لا بأس أن يصوم اليوم الذي يشك فيه إذا لم ينو أنه من رمضان ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان ، فقد دخل ذلك اليوم في صومه . قال أبو حفص مراد أبي عبد الله في هذه المسألة ، إذا كان الشك في الصحو لما تقدم من مذهبه في الغيم .
ومن خط القاضي أيضاً مما ذكر أنه انتقاه من كتاب حكم الوالدين في مال ولدهما 
جمع أبي حفص البرمكي قال : اختلف قول أبي عبد الله في عتق الأب جارية ابنه قيل قبضها ، فروى عنه بكر بن محمد أنه قال : ويعتق الأب في ملك الابن وهو في ملك الابن حتى يعتق الأب أو يأخذ ، فيكون للأب ما أخذ . وعنه المروزي ولو أن لابنه جارية فأعتقها كان جائزاً . وعنه بكر بن محمد إذا كانت للابن جارية فأراد عتقها قبضها ثم أعتقها ، ولا يعتق من مال ابنه إلا أن يقبضها وكذا روى عنه عبد الله وغيره ، قلت : الروايتان مأخذهما أن من ملك أن يملك بتصرف قبل تملكه هل ينفذ تصرفه فيه قولان ، وعلى هذا يخرج تصرف الزوج في نصف الصداق إذا طلق بعد الإقباض وقبل الدخول ، وتصرف الموصى له إذا تصرف بعد الموت وقبل القبول على أن الذي تقتضيه قواعد أحمد وأصوله صحة التصرف ويجعل هذا قبولاً واسترجاعاً للصداق ، قد قارن التصرف ، ومن منع صحته قال إن غاية هذا التصرف أن يكون دالاً على الرجوع والقبول الذي هو سبب الملك ولم يتقدم على التصرف . والملك لا بد أن يكون سابقاً للتصرف فكما لا يتأخر عنه لا يقارنه . ولمن نصر الأول أن يجيب عن هذا بأن المحذور أن يرد العقد على ما لا يملكه ولا يكون مأذوناً له في التصرف فيه ، فإذا قارن العقد سبب التملك لم يرد العقد إلا على مملوك ، فقولكم لا بد أن يتقدم الملك العقد دعوى محل النزاع فمنازعوكم يجوزون مقارنة العقد لسبب التملك ، وهذه المسألة تشبه مسألة حصول الرجعة بالوطء . فإنه بشروعه بالوطء . تحصل الرجعة وإن لم يتقدم على الوطء فما وطأ إلا من ارتجعها وإن كانت رجعته مقارنة لوطئها فتأمله فإنه من أسرار الفقه ونظير هذه المسألة ، مسألة الجارية الموهوبة للولد سواء قال أحمد في رواية أبي طالب إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن لم يجز للأب عتقها حتى يرجع فيها ويردها إليه ، قال أبو حفص ويخرج في هذه المسألة رواية أخرى بصحة العتق والأول أصح . 
قال إسحاق بن إبراهيم : سألت أبا عبد الله رحمه الله تعالى عن جارية وهبها رجل لابنه ثم قبضها الابن من الأب ، فأعتقها الأب بعدما قبضها الابن ، قال الجارية للابن واعتق الأب ما ليس له قلت : فحديث النبي صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك قال : من قال إن عتق الأب جائز يذهب إلى هذا فأما الحسن وابن أبي ليلى يقولان : عتقه عليه جائز ولا أذهب إليه قلت : ايش الحجة في هذا . قال : لا يجوز عتقه على ما وهبه الابن وأجازه . اختلف في قبض الأب صداق ابنته فروى عنه مهنأ لا يبرأ الزوج بذلك . وروى عنه المرزوي وأبو طالب أنه يبرأ وأصل الرواتين عند أصحابنا إبراء الأب عن الصداق فإن فيه روايتين ، فإن قلنا يصح ابراؤه صح قبضه وإلا فلا كالأجنبي قلت : وعندي أن الروايتين في القبض غير مبنيتين على رواية الإبراء ، بل لما ملك الأب الولاية على ابنته في هذا العقد ملك قبض عوضه فلما ملك تزويجها وهو كإقباض البضع وتمكين الزوج منه ملك قبل الصداق وهذه هي العادة بين الناس . والرواية الأخرى لا يقبض لها إلا بإذنها فلا يبرأ الزوج بإقباضه ، كما لا يتصرف في مالها إلا بإذنها والله أعلم ، وروى المروزي عنه في الرجل يستفرض من مال أولاده ، ثم يوصي بما أخذ من ذلك ، قال : ذلك إليه فإن فعل فلا بأس . وهذه الرواية تدل على أن الدين يثبت في ذمته وإن لم يملك الابن المطالبة به ، إذ لولا ثبوته في الذمة لم يملك الوصية به وكانت وصيته لوارث . وقد روى عنه أبو الحارث في رجل له على أبيه دين فمات الأب قال : يبطل دين الابن قلت : وهذه الرواية عندي تحتمل أمرين . أحدهما : بطلانه وسقوطه جملة وهو الظاهر . والثاني : بطلان المطالبة به فلا يختص به من التركة ثم يقسم الباقي فلو أوصى له به من غير مطالبة فله أخذه يقدم به من التركة موافقاً لنصه الأخر في راوية المروزي والله أعلم . فإن قيل : لو اشتغلت الذمة به لوجبت الوصية به كسائر الديون نفسه وإن يوفيه إياه فتأمله . اختلفت الرواية عن أحمد فيما أخذه الأب من مال ابنه ومات ، ووجده الابن بعينه هل يكون له أخذه على روايتين نقلهما أبو طالب في مسائله واحتج بجواز الأخذ بقول عمر . قال أبو حفص : ولا ناقد بيننا أن الحق في ذمته ولا يمتنع أن يسقط الرجوع إذا كاد ديناً ويملك إذا كان عيناً كالمفلس بثمن المبيع . ووجه الأخرى أن الأب قد حازه فسقط الرجوع كما لو أتلفه . روى عنه أبو الحارث كلما أحرزه الأب من مال ولده فهو له رضي أو كره يأخذ ما شاء من قليل وكثير والأم لا تأخذ إنما قال صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك ولم يقل لأمك . وروى عنه إسحاق بن إبراهيم لا يحل لها يعني الأم أن تتصدق شيء من غير علمه . قال أحمد : أما الذي سمعنا إن المرأة تتصدق من بيت زوجها ما كان من رطب ، والشيء الذي تطعمه فأما الرجل فلا أحب له أن يتصدق بشيء إلا بإذنها ، وروى عنه حنبل في الرجل يقع على جارية أبيه أو ابنه أو أمه ، لا أراه يلزق به الولد لأنه عاهر إلا أن يحلها له ، قال أبو حفص : يحتمل أن يريد بقوله يحلها له أي بالهبة ويحتمل أن يريد بحل فرجها لأنه إذا أحل فرجها فوطئها لحقه الولد لأجل الشبهة ، ألا ترى أنا ندرأ عن المحصن الرجم في هذا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال في رواية بكر بن محمد في رجلا له جارية يطؤها فوثب عليها ابنه فوطئها فحملت منه وولدت هي أمة تباع لأنه بمنزلة الغريب وهو أشد عقوبة من الغريب لا يثبت له نسب ، ولكن لو اعتقد الأب قوله وهو أشد عقوبة لوجهين : 
أحدهما وطؤه موطوءة أبيه ، والثاني : أنها محرمة عليه على التأبيد ، وإنما اختار عتقه لأنه من ماء ولده مخلوق ولم يوجبه لعدم ثبوت النسب ، عبد الله ابنه إذا دفع إليه ابنه ما لا يعمل به ، فذهب الابن فاشترى جارية وأعتقها وتزوج بها مضى عتقها وله أن يرجع على ابنه بالملك ويلحق به الولد وليس له الرجوع بالجارية حنبل عنه . قال : أرى أن من تصدق على ابنه بصدقة فقبضها الابن أو كان في حجر أبيه فأشهد على صدقته فليس له أن ينقض شيئاً من ذلك لأنه لا يرجع في شيء من الصدقة . 
وعنه المروزي إذا وهب لابنه جارية فأراد أن يشتريها فإن كان وهبها على وجه المنفعة فلا بأس أن يأخذها بما تقوم ، وإذا جعل الجارية لله تعالى أو في السبيل أو أعطاها ابنه ، لم يعجبني أن يشتريها . أبو حفص إذا وهبها على جهة المنفعة دون الصدقة جاز أن يشتريها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الرجوع في هبة الولد وإن جعل الجارية صدقة على ابنته وقصد الدار الآخرة لم يجز له الرجوع لا بثمن ولا بغيره لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر : لا تعد في صدقتك . قال أبو حفص وتحصيل المذهب أنه لا يجوز له الرجوع فيما دفع إلى غير الولد هبة كان أو صدقة ويرجع فيما وهبه لابنه ولا يرجع فيما كان على وجه الصدقة . وروى عنه مهنا إذا تصدق الرجل بشيء من ماله على بعض ولده ويدع بعضاً . قال أبو حفص : لا فرق بين العطية للمنفعة وبين الصدقة للأجر لأن كلاهما عطية ، وإنما يختلف حكمهما في رجوع الوالد اختلف قوله في قسمة الرجل ماله بين ولده في حياته ، فروى عنه حنبل إن شاء قسم ، وإن شاء لم يقسم إذا لم يفضل . وروى عنه محمد بن الحكم أحب إلي أن لا يقسم ماله يدعه على فرائض الله لعله يولد له . علي بن سعيد عن أحمد إذا زوج بعض ولده وجهزه وله ولد سواهم وهم عنده ينفق عليهم ويكسوهم ، فإن كان نفقته عليهم مما يجحف بماله ، ينبغي له أن يواسيهم وإز لم يجحف بماله ، وإنما هي نفقة فلا يكون عليه شيء . قال أبو حفص قوله : يجحف بماله ، يعني ينفق فوق الحاجة ينبغي أن يعطي الذين خرجوا من نفقته بآزاء ذلك ، لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النحل . وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأة جعلت مالها لأحد بنيها أن هو حج بها دون أخويه تعطيه أجرته وتسوي بين الولد . وروى عنه إسحاق بن إبراهيم في الأب يقول : وهبت جاريتي هذه لابني إذا كان ذلك في صحة منه ، وأشهد عليه كان قبضه لها قبضاً ، وهذه الرواية تدل على أن هبة الأب لابنه الصغير يجري فيها الإيجاب ، لأنه اعتبر في ذلك القبض وروى عنه يوسف بن موسى في الرجل يكون له الولد البار الصالح وآخر غير بار لا ينبل البار دون الآخر . قال أبو حفص : لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق ولأنه كالبار في الميراث . وروى عنه حنبل للشاهد ، أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا وعرف فيه الحيف في الوصية وروى عنه الحكم لا يشهد إذا فضل بين ولده . 
وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنت وأخ وله عشرة آلاف درهم لم يجز له أن يصالح الأخ منها على ألفي درهم ليس هذا بشيء . قال أبو حفص : لأنه هضم للحق فبطل ، ولأنه إنما يستحق بعد الموت فهو كإجارة الشريك لشريكه بيع نصيبه ثم له المطالبة بالشفعة . قلت : هذا القياس غير صحيح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على الشريك البيع قبل استئذان شريكه فقال : لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق بالشفعة ،فدل على أنه إذا أذن في البيع ولم يرد أخذ الشقص سقطت شفعته ، وعلى هذا موجب النص فسبب الشفعة إرادة البيع واستئذان الشريك ، فإذا طلبه الشريك وجب على شريكه بيعه إياه ، وهذا مقتضى النص خالفه من خالفه ، وأما إسقاط الميراث فإسقاط أمر موهوم لا يدري أيحصل أم لا ولعله أن يموت هو قبله فهو جار مجرى إسقاط حقه من الغنيمة قبل الجهاد وتحرك العدو البتة . وإسقاط حقه بما ، لعل الموصى أن يوصى له به وأمثال ذلك مما لا عبرة به والله أعلم .
فصل : فيمن مات ولم يسو بين أولاده هل يرد عليه أم لا 
إذا مات ولم يسو فهل يرد فيه روايتان منصوصتان : رواية ابنه عبدالله وعمه حنبل وأبي طالب أنه يرد وأصحابنا ، إنما نسبوا ذلك إلى أنه قول أبي حفص ولا ريب أنه اختياره في هذا الكتاب ونقله نصاً عن أحمد رواية من سمينا وهو الأقيس . نقل عنه حرب في مجوسي كان له ولد فنحل بعض ولده مالاً دون بعض ، وكان للنمحول ابن فمات وترك ابنه كيف حاله في هذا المال الذي ورث عن أبيه وكان الجد نحله قال : لا بأس يأكله لأن هذا كان في الشرك ، قال أبو حفص هذا يجيء على القولين جميعاً . أما على القول الذي يمضيه بالموت فهو مثله ، وأما على القول بالرد بعد الموت فلأنه نحله في حال الشرك وهو مقبوض فيه . فهو كما يثبت قبض المهر إذا كان خمراً أو خنزيراً وإن كان مردوداً في الإسلام آخر ما انتقاه القاضي من الكتاب المذكور . 
ومما انتقاه من كتاب أحكام الملل لأبي حفص أيضاً 
أبو طالب عنه قال : وسأله إسماعيل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج . قال : لا يستعان بهم في شيء ، وذكر أبو حفص الحديث إلى قوله النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع فلن أستعين بمشرك . 
قال : وروى أبو معاوية حدثنا أبو حيان التيمي عن الزنباع ، محن أبي الدهقان ، قال : قيل لعمر : إن ههنا رجلاً من أهل الحيرة له علم بالديوان أفنتخذه كاتباً ؟ فقال عمر : لقد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين . وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب ، وعن عياض الأشعري ، عن أبي موسى قال : قلت لعمران لي كاتباً نصرانياً ، فقال مالك : قاتلك الله أما سمعت الله يقول : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [ المائدة : 51 ] ، وذكر الحديث . 
قال أبو حفص : احتج أبو عبد الله في حبر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين ، وإن لم يقل أنا بريء من الكفر الذي كنت فيه بقوله : لعمه أدعوك إلى كلمة أشهد لك بها عند الله لا إله إلا الله وأني رسول الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للغلام اليهودي : يا غلام قل لا إله إلا الله وأني رسول الله وقال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، فإن قال : لم أرد الإسلام فهل تضرب عنقه أم لا . اختلف قوله في ذلك فروى عنه حرب يضرب عنقه . وروى عنه مهنا في يهودي أو نصراني أو مجوسي قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . وقال : لم أنو الإسلام يجبر على الإسلام فإن أبى يحبس فقلت : يقتل قال : لا ولكن يحبس . 
ووجه الأولى : إنه قد أتى بصريح الإسلام والاعتبار في الإسلام بالظاهر . 
ووجه الثانية : أنه يحتمل ما قاله وإن لم يقصد الإيمان . فجاز أن يجعل ذلك شبهة في سقوط القتل . والقتل سقط بالشبهة بدليل ما لو أعطى الأمان لواحد من أهل الحصن واشتبه علينا .
ومما انتقاه من خط أبي حفص البرمكي 
بإسناده إلى أنس بن مالك . قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على كور عمامته . وبإسناده إليه يرفعه : إذا سمعت الندا فأجب وعليك السكينة فإن أصبت فرجة وإلا فلا تضيق على أخيك واقرأ ما تسمع أذنيك ولا توذ جارك وصل صلاة مودع ، وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه : ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد . وبإسناده عن أبي هريرة يرفعه : إذا دخل أحدكم المسجد فوجد الناس سجوداً فليسجد ولا يقف كما يقف اليهود . وروى ابن بطة بإسناده إلى أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة وهو سابع سبعة ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه ، فصف ثلاثة واثنين وواحد صفاً خلف صف فصلى على الميت ثم انصرف . وبإسناده عن عائشة رضي الله عنها ، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر فقال : هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح . وبإسناده عن جابر بن سمرة يرفعه ، لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق بصاع كل يوم على مسكين وبإسناده عن عائشة ترفعه : اعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد وليولم أحدكم ولو بشاة . وبإسناده عن إبراهيم الحربي قال الناس : كلهم عندي عدول إلا من عدله القاضي . قلت : ويروى عن ابن المبارك أنه قال : الناس كلهم عدول إلا العدول سمعته من شيخنا . وبإسناده عن يحيى القطان لم يكن يشهد عند الحاكم إلا القسام والذراع فأما المستورون وأهل العلم فلم يكونوا يشهدون . وبإسناده قال رجل لابن المبارك : يا أبا عبد الرحمن من السفل . قال : والذين يلبسون القلانس وياتون مجالس الحكام . وبإسناده عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان يدعو فيه المؤمن للعامة فيقول الله عز وجل : ادع لخاصة نفسك أستجب لك فأما العامة فإني عليهم ساخط . وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي قال : قال أحمد بن حنبل إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم . وبإسناده عن همام بن مسعود كان يقول : لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً . وليت القاضي ذكر أسانيد هذه الأحاديث وكتبها لا كشف حالها .
ومن خط القاضي أيضاً 
حكي عن عثمان بن منصور وعمرو بن معدي كرب ، أنهما كانا يقولان : الخمر مناحة مباحة ويحتجان بقوله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات [ المائدة : 93 ] ، قالا : قد آمنا وعملنا الصالحات فلا جناح علينا فيما طعمنا ، فلم تكفرهما الصحابة بهذا القول وسؤالهما الحكم في ذلك ، لأنه لم يكن قد ظهرت أحكام الشريعة في ذلك الوقت ظهوراً عاماً ، ولو قال بعض المسلمين في وقتنا هذا لكفرناه لأنه قد ظهر تحريم ذلك . وسبب نزول هذه الآية ، ما قاله الحسن لما نزل تحريم الخمر قالوا : كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم ، وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا [ المائدة : 93 ] ، وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة أنهم على ضربين . منهم من حكم بكفره وهم من آمن بمسيلمة وطليحة والعنسي . ومنهم من لم يحكم بكفره ، وهم من لم يؤمنوا بهم ، لكن منعوا الزكاة وتأولو أنها كانت واجبة عليهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلمه كان يصلي عليهم وكانت صلاته سكناً لهم . قالوا : وليس صلاة ابن أبي قحافة سكناً لنا فلم يحكم بكفرهم ، لأنه لم يكن قد انتشرت أحكام الإسلام ولو منعها مانع في وقتنا حكم بكفره .
ومن خطه أيضاً من تعاليقه 
عذاب القبر حق وقد قيل ولا بد من انقطاعه ، لأنه من عذاب الدنيا . والدنيا وما فيها فإن منقطع فلا بد أن يلحقهم الفناء والبلاء ولا يعرف مقدار مدة ذلك . يجوز أن يحشر الله العباد يوم القيامة عراة في وقت خروجهم من قبورهم يوم البعث ، ثم يكسو الله المؤمن حلل الجنان ويجعل على الكافر والعصاة سرابيل القطران والتعبد في الآخرة بترك التكشف زائل المحشر ، هل هو في أرض من أراضي الجنة ؟ أو في أرض من أراضي الدنيا ؟ أو قي موضع لا من الجنة ولا من النار ؟ فقد قيل : أول حشر الناس عند قيامهم من قبورهم في هذه الأرض التي ماتوا ودفنوا فيها ، ثم يحولون إلى الأرض التي تسمى الساهرة ، فهذا معنى قوله : فإذا هم بالساهرة . والساهرة هي التي يحاسبون عليها ، فإذا فرغوا من الحساب وجازوا على الصراط وميز بين المجرمين والمؤمنين ضرب بينهم بسور فكان ما وراء السور مما يلي الجنة من أرض الجنة وصار ما دون السور مما يلي النار من أرض جهنم وموضع الحساب يصير من جهنم قوله تعالى : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [ التحريم : 6 ] ، المراد الأمر في الدنيا ، لأن الآخرة ليس فيها أمر ولا نهى على الملائكة ، ولا غيرهم لأن التعبد زائل . وفي البخاري عن علي اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل . قلت : هذا وهم منه رحمه الله تعالى ، فإن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة بأخذ الكفار والمجرمين إلى النار وسوقهم إليها وتعذيبهم فيها . ويأمر عباده بالسجود له ، فيخرون سجداً إلا من منعه الله من السجود . ويأمر المؤمنين فيعبرون الصراط . 
ويأمر خزنة الجنة بفتحها لهم . ويأمر خزنة النار بفتحها لأهلها ، ويأمر ملائكة السموات بالنزول إلى الأرض ، ويأمر بشأن البعث كله وما بعده ، فالأمر يومئذ لله ، ولا يعصي الله في ذلك اليوم طرفة عين وأوامره ذلك اليوم للثواب والعقاب والشفاعة للملائكة والأنبياء وغيرهم ، تضبطها قدرة الخالق فكيف يقال ليس في الآخرة أمر ولا نهي حتى يقال : لا يعضون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون في الدنيا ، أفترى الله عز وجل لا يأمرهم يوم القيامة في أمر النار بشيء فلا يعصونه فيه . نعم ليست الآخرة دار حرث ، وإنما هي دار حصاد وأوامر الرب ونواهيه ثابتة في الدارين ، وكذلك أوامر التكليف ثابتة في البرزخ ويوم القيامة وحكاه الأشعري في مقالاته عن أهل السنة في تكليف من لم تبلغه الدعوة في الدنيا . إن يكلفوا يوم القيامة فقول القائل الآخرة ليست دار تكليف ولا أمر ولا نهي ، قول باطل ودعوى فاسدة والله الموفق . قال : ذكر بعضهم أنه يجوز أن يقول أنا مؤمن ولا يقول أنا ولي ، وفرق بينهما فإن الله تعالى أمر من ظهر منه الإيمان أن يسمى مؤمناً قال تعالى : فإن علمتموهن مؤمنات [ الممتحنة : 10 ] ، الآية ولم يأمر من ظهر منه ذلك أن يسمى ولياً ولا فرق بينهما ، فإن الله قد وصف الولي بصفة المؤمن فقال : وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : 34 ] ، وهذه صفة المؤمن ، ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي ، وكذلك المؤمن ، ولأنه إنما يكون ولياً بتوليه لطاعات الله وقيامه بها ، كالمؤمن قلت : هذه حجة من منع قول القائل أنا مؤمن بدون استثناء ، كما لا يقول أنا ولي . ومن فرق بينهما ، أجاب بأنه لا يمكنه العلم بأنه ولي ، لأن الولاية هي القرب من الله عز وجل . فولى الله هو القريب منه المختص بهوالولاء هو في اللغة القرب ، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات ، وله موانع آفات وقواطع ، فلا يعلم العبد هل هو ولي الله أم لا . وأما االأيمان فهو أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ويلتزم أداء فرائضه وترك محارمه ، وهذا يمكن أن يعلمه من نفسه بل ويعلمه غيره منه . والذي يظهر لي من ذلك ، أن ولاية الله تعالى نوعان : عامة وخاصة . 
فالعامة ولاية كل مؤمن فمن كان مؤمناً لله تقياً كان له ولياً وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه ولا يمتنع في هذه الولاية أن يقول أنا ولي إن شاء الله ، كما يقول : أنا مؤمن إن شاء الله . 
والولاية الخاصة إن علم من نفسه أنه قائم لله بحميع حقوقه مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته قد صارت مراضى الله ومحابة هي همه ومتعلق خواطره . يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق فهذا إذا قال أنا ولي لله كان صادقاً . وقد ذهب المحققون في مسألة أنا مؤمن إلى هذا التفصيل بعينه فقالوا له : ان يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ، ولا يقول أنا مؤمن يفيد الإيمان المطلق الكامل الآتي صاحبه بالواجبات التارك للمحرمات بخلاف قوله : آمنت بالله . 
فتأمله ، فإذا دخل خط خارجي أو قاطع طريق إلى بلد وقد غصب الأموال وسبى الذراري هل يجوز معاملته نظرت فإن لم يكن معهم إلا ما أخذوه من الناس لم يجز معاملتهم ، وإن كان معهم حلال وحرام لم يجز أيضاً إلا أن يبينوه كرجل كان عنده أربع إماء ، فأعتق واحدة منهم بعينها وعرض واحدة منهن وهو مدع لرقهن لم يجز الشراء منه حتى يبين التي أعتقها ، وكذلك إذا كان عنده ميتة ومذكاة لم يجز الشراء منه حتى يبين ، فأما الأموال التي في أيدي هؤلاء الغصبة من الخوارج واللصوص الذين لا يعرف لهم صناعة غير هذه الأموال المحرمة عليهم ، فالعلم قد أحاط بأن جميع ما معهم حرام ، فلا يجوز البيع والشراء منهم ، ولكن يجوز للفقير أن يأخذ منهم ما يعطوه من جهة الفقر ، لأن إمام المسلمين لو ظفر بهذا الفاسق وبما معه من الأموال المغصوبة لوجب أن يصرف هذه الأموال في الفقراء . وأما المستور فإنه يحكم له بما في يده لأنا لا نعلم أنه في دعواه مبطل ، وكذلك لو أن رجلاً من فساق المسلمين لا ينزع عن الزنا والقذف . ونحوه وكان في يده مال حكم له به ويفارق هذا من يعرف بالغصب والظلم ، لأن الظاهر أن تلك الأموال حرام غصوب . 

ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد 
رواية المروزي عنه . رواية أبي بكر أحمد بن عبد الخالق عنه . رواية أبي بكر أحمد بن جعفر بن سالم الحنبلي . رواية أبي الحسين أحمد بن عبد الله السوسنجردي قال المروزي : سمعت أبا عبد الله يقول لرجل : اقعد اقرأ ، فجئته أنا بالمصحف ، فقعد ، فقرأ عليه ، فكان يمر بالآية ، فيقف أبو عبد الله فيقول له : ما تفسيرها فيقول : لا أدري فيفسرها لنا ، فربما خنقته العبرة فيردها وكان إذا أمر بالسجدة سجد الذي يقرأ وسجدنا معه فقرأ مرة فلم يسجد فقلت لأبي عبدالله : لأي شيء لم تسجد قال : لو سجد سجدنا معه قد قال ابن مسعود للذي قرأ أنت أمامنا إن سجدت سجدنا وكان يعجبه أن يسلم فيها . وقال : ذهب إلى ابن سواء ، فكان يقرأ بنسخة لعبد الوهاب فكان يقرأ ويفسر قال ابن سواء كان يقرأ ويفسر قال : وكان قتادة يقرأ ويفسر . 
وقال لرجل : لو قرأت فسمعنا ونحن يسير من العسكر ، فكان الرجل يقرأ وأبو عبد الله يسمع ، وربما زاد أبو عبد الله الحرف . 
والآية فتفيض عيناه وسمعته يفسر القرآن . وقال قال مجاهد عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات وقال : أعيتني الفرائض فما أحسنها . وقرأ عليه : لا شية فيها [ البقرة : 71 ] ، قال : لا سواد فيها : عوان بين ذلك [ البقرة : 68 ] ، قال لا كبيرة ولا صغيرة ، غير مدينين [ الواقعة : 86 ] ، قال محاسبين ، وقال : يقرأ السجن . والسجن أحب إلي أيتها العير قال : حمر تحمل الطعام كفرت بأنعم الله فأذاقها الله قال مكة : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق : 4 ] ، قال : هذه نسختها التي في البقرة : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً [ البقرة : 234 ] ، قال : يفرض لكل حامل مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها لها النفقة . حتى تضع هكذا رأيت هذا التفسير ولا يخلو من وهم إما من المرزوي ، أو من الناقل وثيابك فطهر [ المدثر : 4 ] ، قال : عملك فأصلحه ، والرجز فاهجر [ المدثر : 5 ] ، قال : الرجز عبادة الأوثان : ولا تمنن تستكثر [ المدثر : 6 ] ، قال : تمنن بما أعطيت لتأخذ أكثر قل أعوذ برب الفلق [ الفلق : 1 ] ، قال : واد في جهنم الغاسق القمر وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : هذا الغاسق قد طلع يعني القمر ، النفاثات [ الفلق : 4 ] السحر في العقد الذين يعقدون السحر حاسد إذا حسد قال : هو الحسد الذي يتحاسد الناس ، قلت : ايش تفسير إذا وقب ، قال : لا أدري وقرىء عليه إرم ذات العماد ، قال : لم تزل جابوا الصخر بالواد [ الفجر : 9 ] ، قال : نقبوا الصخر وجاؤوا عليهم جلود النمار قد جابوها قد نقبوها عسعس أظلم إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة [ القلم : 17 ] ، قال : هذه مدينة مروان قد مررت بها وهي قريبة من عبد الرزاق رأيتها سوداء حمراء أثر النار تبين فيها ليس فيها أثر زرع ولا خضرة إنما غدوا على أن يصرموها أو يجذوها وفيها حرث وكانوا قد أقسموا أن لا يدخلها مسكين فأصبحت كالصريم ، قد أكلتها النار حتى تركتها سوداء ، قال أوسطهم أعدلهم : لا يلتكم من أعمالكم [ الحجرات : 4 ] ، لا يظلمكم يوم تكون السماء كالمهل [ المعارج : 8 ] ، قال : مثل دردى الزيت ذات الرجع [ الطارق : 11 ] ، قال : الرجع المطر والصدع النبات ألم نجعل الأرض كفاتاً [ المرسلات : 25 ] ، يكفتون فيها الأحياء الشعر والدم وتدفنون فيها موتاكم . 
قان المروزي وسمعته يقول يدفن فيها ثلاثة أشياء الأظافر والشعر والدم ثم قال : وأمواتاً تدفن فيها الأموات ماء فراتاً عذباً الفراش المبثوث قال مثل الفراش الذي يطير عند السراج فيحترق نجني من فرعون وعمله [ التحريم : 11 ] قال مضاجعته : بغير عمد ترونها [ الرعد : 2 ] ، قال : كان ابن عباس يقول : ترون السموات ولا ترون العمد والنجم والشجر يسجدان [ الرحمن : 6 ] ، قال : الشجر ما كان إلى الطول قائم والنجم النبات الذي على وجه الأرض وقرىء عليه خلقت بيدي ، قال : مشددة مخالفة على الجهمية أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار قال : أخلصوا بذكر الآخرة فطفق مسحاً بالسوق والأعناق [ ص : 33 ] ، قال : ضرب أعناقها وآتيناه أجره في الدنيا [ العنكبوت : 27 ] ، قال : الثناء ، قال : يتولى إبراهيم الملل كلها يتسولونه ورد الله الذين كفروا بغيظهم [ الأحزاب : 25 ] ، قال : جاءت ريح فقطعت أطناب الفساطيط فرجعوا لن تنالوا البر [ آل عمران : 92 ] قال الجنة اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة [ البقرة : 86 ] ، قال : باعوها قلت : يريد أبو عبد الله بأعوا الآخرة لا أنه فسر الاشتراء بالبيع فإنهم لم يبيعوا الحياة الدنيا وإنما باعوا الآخرة واشتروا الدنيا فيها صر [ آل عمران : 117 ] ، برد فضحكت [ هود : 71 ] ، حاضت بخس دراهم معدودة [ يوسف : 20 ] ، قال بعشرين درهماً قاصرات الطرف [ الصافات : 48 ] ، قال : قصرن طرفهن على أزوجهن فلا يرين غيرهم حور عين [ الواقعة : 22 ] ، قال : كثير بياض أعينهن شديد سواد الحدق والذين جاؤوا من بعدهم [ الحشر : 10 ] ، قال العجم يصرون على الحنث العظيم [ الواقعة : 46 ] ، قال : الكفر : شرب الهيم [ الواقعة : 55 ] ، الإبل الأحقاف الرمل سيل العرم [ سبأ : 16 ] ، قال السيل هو السيل والعرم وهو مسناة البحر : قال المروزي : حدثنا محمد بن جعفر ثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة في قوله : سيل العرم قال المسناة بلحن اليمن قال أي شيء تفسير إن الإنسان لربه لكنود [ العاديات : 6 ] ، قلت لكفور ، قال نعم : بين الصدفين [ الكهف : 96 ] ، قال الجبلين ، عين القطر [ سبأ : 12 ] ، النحاس المذاب . لا تأخذه سنة لا تأخذه نعسة ، فلما قضينا عليه الموت [ سبأ : 14 ] ، قال : مكث على عصاه سنة فلما نخرت العصى وقع ذواتي أكل خمط [ سبأ : 16 ] ، قال الأراك وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه [ سبأ : 39 ] ، ما لم يكن فيه سرف أو تقتير وأنى لهم التناوش [ سبأ : 52 ] ، قال التناول بالأيدي ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك [ الإسراء : 86 ] ، قال القرآن : ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم [ الذارايات : 59 ] ، قال : سجل من العذاب ذات الأكمام [ الرحمن : 11 ] ، قال : الطلع قرىء عليه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [ العنكبوت : 69 ] ، قال : الذي قال سفيان إذا اختلفتم في شيء فانظروا ما عليه أهل التقوى يتأول الآية سوف أستغفر لكم ربي [ يوسف : 98 ] ، أخر دعاءه إلى السحر العشار عطلت [ التكوير : 4 ] ، لم تحلب ولم تصر ما أغنى عنه ماله وما كسب [ المسد : 2 ] ، قال ما كسب ولده ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [ التكاثر : 8 ] ، قال نعيم الدنيا نسوق الماء إلى الأرض الجرز [ السجدة : 27 ] هي أرض لا يأتيها المطر إنما يساق اليها الماء وقد مررت بها بليل قلت : وكان شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية يقول : هي أرض مصر وهي أرض ايليز لا ينفعها المطر فلو أمطرت مطر العادة لم ينفعها ولم يروها ولو داوم عليها المطر لهدم البيوت وقطع المعايش فأمطر الله بلاد الحبشة والنوبة ثم ساق الماء إليها وعندي أن الآية عامة في الماء الذي يسوقه الله على متون الرياح في السحاب ، وفي الماء الذي يسوقه على وجه الأرض فمن قال هي مصر إنما أراد التمثيل لا التخصيص فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين [ الأنعام : 89 ] ، قال أهل المدينة قنوان [ الأنعام : 99 ] ، نضيج قلت أهل المدينة أول من وكل بها ولمن بعدهم من الوكالة بحسب قيامه بها علماً وعملاً ودعوة إلى الله . قال : بعث شعيب إلى مدينتين قال . عذبوا يوم الظلة قال : وأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ، قال : يقرأ صواع الملك وصاع وصواع أصوب ، قال : وكان من ذهب هارون أخي * اشدد به أزري [ طه : 31 ] ، قال : أشركه معي يا رب قال ، افعل بنا قال : هذا دعاء . قال : ومن قرأ اشدد به أزري قال : قال موسى : أنا أشركه في أمري . قال : كلا الوجهين حسن يعلم السر وأخفى [ طه : 7 ] ، قال : السر ما كان في القلب يسره وأخفى الذي لم يكن بعد يعلمه هو يعلم خائنة الأعين [ غافر : 19 ] ، قال : هو الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيلحظها بصره وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال : اصرف بصرك عنها ، ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء [ النحل : 75 ] ، قال : كان مسعود رضي الله عنه يقرأ حيث ما وجد لا يأت بخير قال : أحسن هذا الحرف وقرأه هو أكثر نفيراً قال رجالاً ولم يجعل له عوجا * قيما [ الكهف : 201 ] ، قال : إنما هي قيماً ولم يجعل له عوجاً ، وقال : ليس أحد من الأنبياء تمنى الموت غير يوسف قال : توفني مسلما [ يوسف : 101 ] ، الآية أزكى طعاما [ الكهف : 19 ] ، أحل لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها [ الأنبياء : 99 ] قال عيسى والعزيز ، قلت هذا تفسير يحتاج إلى تفسير فإن كان أحمد ، قال هذا فلعله أراد الشياطين الذي عبدهم اليهود والنصارى وزعموا أنهما عيسى كذا والعزيز وقال : يا أخت هارون [ مريم : 28 ] ، قلت : هو هرون أخو موسى قال : نعم كان المشركون قد أختصموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بين موسى وعيسى كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد كان هذا بدعاً بين الأنبياء ، قال أبو عبد الله : استعمل عمر رضي الله عنه رجلا فأبى أن يدخل له في عمل فقال يعني عمر : يوسف قد سأل العمل فاستعمل على خزائن الأرض . وقال في المائدة : ثمانية عشر فريضة حلال وحرام يعمل بها وليس فيها شيء لا يعمل به إلا آية يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام [ المائدة : 2 ] ، قال : هذه منسوخة . وقال آخر شيء نرل من القرآن المائدة وأول شيء نزل من القرآن اقرأ أحلت لكم بهيمة الأنعام [ المائدة : 1 ] ، قال : كان ابن عباس يأخذ بذنب الحنين ، ويقول : هذا من بهيمه الأنعام . وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ذكاة الجنين ذكاة أمه قال : أما أبو حنيفة فقال : لا يؤكل تذبح نفس وتوكل نفس فأنزل الله سكينته [ الفتح : 26 ] عليه قال على أبي بكر وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزلت عليه السكينة قلت وكان شيخنا أبوالعباس ابن تيمية قدس الله روحه يذهب إلى خلاف هذا ، ويقول : الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً وإلى صاحبه تبعاً له ، فهو الذي أنزلت عليه السكينة وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه انتهى . وقال : ما نزل بمكة والمدينة من القرآن أربع سور أنزلت بالمدينة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، يا أيها الذين آمنوا . قال بالمدينة : يا أيها الناس . قال بمكة قلت : لم يرد أحمد 
التخصيص ولا خلاف بين الأمة في أن الأنفال وبراءة والنور والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقين نزلن بالمدينة في سور أخرى ، وقوله : يا أيها الذين آمنوا بالمدينة صحيح ويا أيها الناس بمكة فمنه ما هو بالمدينة ومنه ما هو ما هو بمكة ، فالبقرة مدنية وفيها يا أيها الناس جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس [ المائدة : 97 ] ، قال : كان ابن عباس يقول : لو ترك الناس الحج سنة واحدة ما تواطراً ما ذبح على النصب [ المائدة: 5 ] ، قال على الأصنام قال : وكل شيء يذبح على الأصنام لا يؤكل تستقسموا بالأزلام [ المائدة : 5 ] ، قال : كعاب فارس يقال : لها النرد وأشباه ذلك ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : لو أن رجلاً بعدن أبين هم بقتل رجل وهو في الحرم هذا قول الله نذقه من عذاب أليم . هكذأ قال ابن مسعود قال : وقد خرج جابر من المدينة إلى مكة مجاوراً أربعة أشهر وعشراً ، وقال : والعشر ليال أو أيام ، ثم قال : لو كانت ليالي ، كان يكون نقصان يوم لكنها أيام وليالي عشرة قال : وأهل مصر يقولون الشام باديتهم قال يوسف : وجاء بكم من البدو [ يوسف : 100] ، لا تثريب عليكم [ يوسف : 92 ] ، لا تعيير اذهبوا بقميصي [ يوسف : 93 ] ، قال : شم ريحه من مسيرة سبعة أيام صبر جميل [ يوسف : 18 ، 83 ] ، لا جزع فيه قلت : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه مراراً يقول : ذكر الله الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل . فالصبر الجميل الذي لا شكوى معه ، والهجر الجميل الذي لا أذى معه ، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه انتهى . شاهد من أهلها . قال : قد قال قوم حكيم من أهلها . وقال قوم القميص الشاهد وقال قوم الصبر خلقنا الإنسان في كبد قال منتصباً وقال القول الآخر أظهر وهو في مشقة وعناء يكابد أمر الدنيا والآخرة . قال الحسن : ما أجد من خلق الله تعالى يكابد ما لكابده ابن آدم ماؤكم غوراً . قال : لا يناله الرشاء بماء معين قال على وجه الأرض قلت : يحتمل تفسير أحمد أمرين أحدهما : أن يكون معيناً فعيلاً من أمعن في الأرض إذا ذهب فيها ويحتمل أن يكون مفعولاً من العين أي مرئياً بالعين وأصله معيون ، ثم أعل إعلال مبيع وبابه أو قال : قرأ زيد بن ثابت وانظر إلى العظام كيف ننشزها [ البقرة : 259 ] ، وهو أشبه إذا شاء أنشره . ويعزروه ويوقروه ويسبحوه . قال يعزروه النبي صلى الله عليه وسلم ويسبحوه الله تعالى على تخوف على نقصان . فيه يعصرون . 
قال : يحلبون البحر المسجور جهنم قلت : لم يرد أحمد أن المراد بالآية جهنم ، وإنما أراد أنه يكون جهنم أو موضعها والله أعلم البحار فجرت فاضت فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون [ الماعون : 107 ] ، قال : كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت أو دماً مسفوحاً وهو العبيط ولا يكاد أن يكون في اللحم الصفو فيغسل . في ظلمات ثلاث . البحر وحوت في حوت . فنادى في الظلمات قلت : هذا تفسير فنادى في الظلمات . وذكر في ظلمات ثلاث وهم . فإن تلك الظلمات هي التي يخلق فيها الجنين لا مدخل لظلمة البحر ، ولا لظلمة الحوت فيها ، بل ظلمة الرحم وظلمة المشيمة وظلمة البطن والله أعلم . فمن ابتغى وراء ذلك قال الزنا . لكم فيها منافع قال : اشترى ابن المنكدر بجميع ما كان معه بدنة وتأول هذه الآية . وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى . ألقى الشيطان في أمنيته إلى عذاب يوم عقيم قال : هذه نزلت بمكة والباقي بالمدينة ، ثم أنشأناه خلقاً آخر . قال : نفح فيه الروح قال : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ، قال : هو أن ينظر قبل أن يرجع طرفه إليه . قال : وإنما كان قد علم الاسم الذي يستجاب فدعى به سائق وشهيد قال : يسوق إلى أمر الله والشهيد يشهد عليه بما عمل . الماعون الفاس والقدر وأشباه ذلك ، وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال : قدمه على نوح ، قال : هذه حجة على القدرية قلت : ولعل أحمد أراد القدرية المنكرة للعلم بالأشياء قبل كونها ، وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف وإلا فلا تعرض فيها لمسألة خلق الأعمال . لا نجاح عليكم إن طلقتم النساء إلى قوله : ومتعوهن ، قال : هذه لها نصف الصداق وإن متعت فحسن ، وإن لم تمتع فحسن ، قال ابن عباس : تمتع بخادم ابن عمر تمتع بدرع وإزار ونحو هذا . على الموسع قدره وعلى المقتر قدره يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن [ الأحزاب : 49 ] ، الآية ، قال : هذه ليس عليها عدة ، وقال سعيد بن جبير لكل مطلقة متاع . ابن المسيب ليس لها متاع . قال أبو عبد الله : من متع فحسن ، ومن لم يمتع فحسن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج . وقد قال قوم هو الولي فى إذا عفا الرجل أعطاها المهر كاملاً ، أو يعفون قال : تكون المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفت قلت : ونص أحمد في روايه أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلاً في موضع آخر الوحوش حشرت ، قال : جمعت ، وقال قوم : ماتت ، قال : من قرأ أن هذان لساحران ، قال موسى وهارون من قرأ سحران قال هذان كتابان واحد بعد واحد . قلت : هكذا رأيته وهو وهم ، وإنما هذا تفسير الآية التي في القصص . أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ، قالوا : ساحران تظاهرا أراد موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم وقالوا : إنا بكل كافرون وقرأ الكوفيون سحران تظاهرا أرادوا التوراة والقرآن ، وما آية طه فليس فيها إلا قراءة واحدة ، ومعنى واحد لساحران يريدون موسى وهارون ، فاشتبهت الآيتان على الناقل أو السامع نزاعة للشوي تأكل لحم الساقين ، قلت : في الآية تفسيران مشهوران . 
أحدهما : أن الشوي الأطراف التي ليست مقاتل ، كاليدين والرجلين تنزعها عن أماكنها . ومنه قولهم : رمي الصيد فأشواه إذا أصاب أطرافه دون مقاتلة ، فإن أصاب مقتله فمات موضعه قيل : رماه فاصماه فإن حمل السهم وفر به ثم مات في موضع آخر قيل رماه فأنحاه قال الشاعر : 
فهو لا ينحي رمية ما له لا عد من نفرة 
والتفسير الثاني : إن الشوي جمع شواه وهي جلدة الرأس وفروته ، وتفسير أحمد لا يناقض هذا فلعله إنما ذكر لحم الساقين تمثيلا والله أعلم ما زاغ البصر لم ينصرف يميناً ولا شمالاً . وما طغى لم ينظر إلى فوق . وقال : من قرأ سأل سائل قال : سأل وادومن قرأ سأل قال دعى قلت : هذا أحد القولين والثاني أن ذا الألف من السؤال أيضاً ، لكنه قلبت الهمزة فيه ألفاً . ناشئة الليل قال : قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر . والناشئة لا تكون إلا من بعد رقدة ، ومن لم يرقد ، لا يقال لها ناشئة هي أشد وطئاً ، قال : هي أشد تبييناً تفهم ما يقرأ وتعي أذنك وخر راكعاً قال : كابن مسعود لا يسجد فيها يقول : هي توبة نبي إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث قال قوينا قال : هي أنطاكية وجاء الثالث وقد اجتمع الناس على الاثنين فقال : يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً قال : أبو عبد الله : قال ابن إدريس : وددت إني قرأت قراءة أهل المدينة . قال : وقال ابن عيينة : قال لي ابن جريج اقرأ علي حتى أفسر لك ، قال : وكان ابن جريج قد كتب التفسير عن ابن عباس وعن مجاهد ، وقال : رحم الله سفيان ما كان أفقهه في القرآن وكان له علم ، وقال في النجم في آخرها يسجد ، ثم يقوم فيقرأ هذا في الإمام . وقال النفاق لم يكن في المهاجرين ، وقال في القرآن اثنان وثمانون موضعاً الصبر محمود وموضعان مذموم قال المذموم : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا إن امشوا واصبروا على آلهتكم . أو قال : فما أصبرهم على النار . المروزي شك . وابراهيم الذي وفى قال بلى بالذبح ذبح ابنه فوفى وبلي بحرق النار فوفى ، وذكر الثالثة فوفى فلم أحفظه . قلت لأبي عبدالله ايش تفسير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ، قال : لا ترضوا أعمالهم ، قال : وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ، وانصتوا في الصلاة والخطبة يوم ندعو كل أناس بإمامهم . قال : هو في التفسير بكتابها قلت لأبي عبد الله : في القرآن المحراب ، كلما دخل عليها زكريا المحراب هو محراب مثل محاريبنا هذه . قال : لا أدري أي محراب هو وفى بعض التفسير ذكر محراب داود وسئل عن قوله تعالى : قلوبنا غلف قال : أوعية ، قلت : هذا أحد القولين والقول الثاني وهو أرجح غلف أي في غشاوة لا نفقه عنك ما تقول نظيره قوله : وقالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يضعف قول من قال : أوعية جداً وقال : إنما هي جمع أغلف ، ويقال للقلب الذي في الغشا أغلف وجمعه غلف ، كما يقال للرجل غير المختون أقلف وجمعه قلف ، وسئل عن صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة قال :. كملت للهدى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فأما أهل مكة فليس عليهم هدى ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاة ، آخر ما وجد من خط القاضي رحمه الله .
فوائد شتى من كلام ابن عقيل وفتاويه 
سئل عمن قال إن برىء مريضي أو قدم غائبي صمت هل يكفي كونه نذراً أو يفتقر إلى أن يقول لله علي فأجاب : يكفي نذراً ، لأنه ذكره على وجه المجازاة ، لأن الله هو يبرىء المرضى . فاستغنى بدلالة الحال . وسئل عن رجل طعن بعض الناس فظنه لصاً في لصوص هربوا ، فأجاب عليهه القود : لأنه لو كان لصاً فهرب لم يجز طعنه ووجب القود فكيف إذا لم يكن . وسئل لو قال منجم إن الشمس تكسف تحت الأرض في وقت كذا . هل تصلى صلاة الكسوف فأجاب : لا ، لأن خبرهم لا يؤخذ به كما لو قالوا : الهلال تحت الغيم ، فإن قيل : فإذا قالوا : قد زالت الشمس ، قلنا: ذاك موقوف على تقدير ، ولهذا نقدره بالصنائع انتهى كلامه ولا حاجة إلى هذا ، فإن الشمس لو كسفت ظاهراً ثم غابت كاسفة لم يصل للكسوف بعد غيبتها ، فكيف ، يصلى لها إذا لم يعاين كسوفها البتة . وذكر له حاكم طعن عليه بأنه يحكم بالفراسة ، وإنه ضرب بالجريد في إقرار بمال وأخذه منه ، فقال ابن عقيل : ليس ذلك فراسة بل حكم بالإمارات ، وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوز التعويل على ذلك ، وقد ذهب مالك إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم ، وذلك يستند إلى قوله : إن كان قميصه قد من قبل [ يوسف : 26 ] ، ومتى حكمنا بعقد الأزح وكثرة الخشب ومعاقد القمط في الحصن ، وما يصلح للمرأة والرجل يعني في الدعاوى والدباغ والعطار إذا تحاكما في جلد . والقيافة والنظر في الخنثى ، والنظر في إمارات القبلة وهل اللوث في القسامة إلا نحو طذا انتهى ، قلت : الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الإمارات ودلائل الحال كفقهه في كليات الأحكام ضيع الحقوق ، فههنا فقهان لا بد للحاكم منهما فقه في أحكام الحوادث الكلية ، وفقه في الوقائع وأحوال الناس ، يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل ، ثم يطبق بين هذا ، وهذا بين الواقع والواجب فيعطي الواقع حكحمه من الواجب . ومن له ذوق في الشريعة وا طلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها . 
وإن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة . علم أن السياسة العادلة جزء من أجزائها ، وفرع من فروعها ، وإن من أحاط علماً بمقاصدها ووضها مواضعها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة ، فإن السياسة نوعان : سياسة ظالمة ، فالشريعة تحرمها وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر وهي من الشريعة علمها من علمها وخفيت على من خفيت عنه ، ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله للمرأتين اللتين ادعتا الولد فحكم به داود للكبرى فقال سليمان : ايتوني بالسكين أشقه بينهما . فقالت الصغرى : لا تفعل هو ابنها فقضى به للصغرى . لما دل عليه امتناعها من رحمة الأم ودل رضى الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسي بمساواتها في فقد الولد . وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز إن كان قميصه قد من قبل وإن كان قميصه قد من دبر [ يوسف : 27 ] ، فذكر الله تعالى ذلك مقرراً له غير منكر على قائله بل رتب عليه العلم ببراءة يوسف وكذب المرأة عليه ، وقد أمر النبي صضض الزبير أن يقرر ابني أبي الحقيق بالتعذيب على إخراج الكنز ، فعذبهما حتى أقرا به ، ومن ذلك قول علي للظعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرته ، فقال لها : لتخرجن الكتاب أو لنجردنك ، وهل تقتضي محاسن الشريعة الكاملة إلا هذا ، وهل يشك أحد في أن كثيراً من القرائن تفيد علماً أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة ، فالعلم المستفاد من مشاهدة الرجل مكشوف الرأس وآخر هارب قدامه وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة ، فالعلم بأن هذه عمامة المكشوف رأسه كالضروري ، فكيف تقدم عليه اليد التي إنما تفيد ظناً ما عند عدم المعارضة ، وأما مع هذه المعارضة فلا تفيد شيئاً سوى العلم بأنها يد عادية ، فلا يجوز الحكم بها البتة ولم تأت الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها البتة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها ، وقد نص أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأجر في الدفين في الدار ، وهذه من محاسن مذهبه . ونص على البلد يفتح فيوجد فيه أبواب مكتوب عليها بالكتابة القديمة أنها وقف أنه يحكم بذلك لقوة هذه القرينة وهل الحكم بالقافة إلا حكم بقرينة الشبه ، وكذلك اللوث في القسامة ، حتى أن مالكاً وأحمد في إحدى الروايتين يقيدان بها وهو الصواب الذي لا ريب فيه ، وكذلك الحكم بالنكول ، إنما هو مستند إلى قوة القرينة الدالة على أن الناكل غير محق وبالجملة . فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ومن خصها بالشاهدين ، فلم يوف مسماها حقه ، ولم تأت البينة في القرآن قط ، مراداً بها الشاهدان ، إنما أتت مراداً بها الحجة ، والدليل والبرهان مفردة ومجموعة ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : البينة على المدعي المراد به بيان ما يصحح دعواه ، والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرهما من أنواع البينة قد تكون أقوى منهما ، كدلالة الحال على صدق المدعي فانها أقوى من دلالة أخبار الشاهد والبينة والحجة والدلالة والبرهان والآية والتبصرة كالمترادفة لتقارب معانيها ، والمقصود أن الشرع لم يلغ القرائن ولا دلالات الحال ، بل من استقرأ مصادر الشرع وموارده وجده شاهداً لها بالاعتبار مرتباً عليها الأحكام ، وقول ابن عقيل : ليس هذا فراسة يقال : ولا ضير في تسميته فراسة ، فإنها فراسة صادقة وقد مدح الله سبحانه وتعالى الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه قال تعالى : إن في ذلك لآيات للمتوسمين [ الحجر : 75 ] ، وهم المتفرسون الذين يأخذون بالسيما وهي العلامة . 
ويقال : توسمت فيك كذا أي تفرسته ، كأنك أخذت من السيما وهي فعلاً من السمة وهي العلامة . وقال تعالى : ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم [ محمد : 30 ] ، وقال تعالى : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم [ البقرة : 263 ] ، وفي الترمذي مرفوعاً اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين والله أعلم .
فائدة 
إذا علق الطلاق بأمر يعلم العقل استحالته عادة ، وأخبر من لا يعلم إلا من جهته بوقوعه ، وليس خبره ، مما قام الدليل على صدقه فقد قال كثير من الفقهاء بوقوغ الطلاق عند خبره . وقال محمد بن الحسن بعدم الوقوع وهو الصواب وهو اختيار ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد بن حنبل . وصورة المسألة إذا قال : إن كنت تحبين أن يعذبك الله في النار فأنت طالق . فقالت : أنا أحب ذلك ، قال الموقعون : المحبة أمر لا يتوقف عليه ولا يعلم إلا من جهتها ، فإذا أخبرت به رجع إلى قولها اعترض على ذلك ابن عقيل فقال الباطن : إذا كان عليه دلالة أمكن الاطلاع عليه ولا دلالة أكبر من العلم بأن طباع الحيوان لا تصبر على نفحات النار ولا تحبها ، وإذا علم هذا طبعاً صار دعوى خلافاً خرقاً للعادة ، فهو كقوله : أنت طالق إن صعدت السماء فغابت ، ثم ادعت الصعود فإن لا يقع لاستحالته طبعاً وعادة قالوا : النعام يميل إلى النار فلا يمتنع أن تكون هذه صادقة لإخبارها عن نفسها أو دخل عليها داخل من برد استولى على جسدها ، فتمنت معه دخول النار قال ابن عقيل : لا يستحيل الميل إلى النار من الحيوان الذي ذكرت لكن ذلك خرق للعادة في حق غيرها ، فلئن جاز أن يصدقها في ذلك لكونه لا يستحيل وجب أن يصدقها في صعود السماء ، فقد صعدت إليها الملائكة والجن والأنبياء بل يبنى الأمر على العادة دون خرقها . وفي مسألتنا لم تقل أحب ، النار بل . قالت : أحب أن يعذبني الله بالنار والنعام لا يتعذب ، فقد صرحت بحب أعظم الألم ولم يجتمع في حيوان حب وميل إلى ما يعذب به ، بل طبعه النفور من حل مؤلم ، فأما تعلقهم بأن ما في قلبها لا يطلع عليه إلا من إخبارها ، فهذا شيء يرجع إلى ما يجوز أن يكون في قلبها من طريق العادة ، فأما المستحيل عادة فإنه كالمستحيل في نفسه ولو أنه قال لها : إن كنت تعتقدين أن الجمل يدخل في خرم الإبرة فأنت طالق فقالت : أعتقد لم يقع الطلاق إذ لا عاقل يجوز ذلك فضلاً عن أن يعتقده انتهى كلامه . وهو كما ترى قوة وصحة .
حادثة : هل يجوز نقل وقف مسجد خرب إلى عمارة الجامع الذي لا غنى للقارية عنه أم لا 
مسجد عليه وقف خرب ، وليس في وقفه ما يفي بعمارته هل يجوز نقل ذلك إلى عمارة الجامع الذي لا غنى للقرية عنه . قال جماعة يجوز ، وخالفهم ابن عقيل فقال : يجب صرف دخل وقف المسجد إلى عمارته بحسبها ، وقد كان سقف مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سعفاً انتهى . والتحقيق في المسألة أن المسجد إن تعطل بحيث انتقل أهله عنه وبقي في مكان لا يصلى فيه ، فالصواب ما قاله الجماعة وإن كان جيرانه بحالهم وهو بصدد أن يصلي فيه ، فالصواب ما قاله ابن عقيل والله أعلم . 
وسئل عن رجل تزوج ضريرة ومعها جارية تخدمها فأنفق عليها مدة ، ثم قصر في النفقة وعلل ذلك بأنه في مقابلة ما كان أنفق على الجارية . فقال : هذا فإن من تزوج ضريرة ، فقد دخل على بصيرة أنه لا بد لها من خادم ، فتكون المؤنة عليه كمن تزوج امرأة ذات جلالة يلزمه إخدامها . 
وسئل عن رجل أدرك الناس ركوعاً في صلاة الجمعة ، وسمع من المبلغين قول سمع الله لمن حمده ، فهل يقدر ما يكون به تابعاً للإمام أو يعتبر بمن يليه فقال : بل يقدر ما يكون به تابعاً للإمام في حال ركوعه ، لأنه قد يكون ركع والإمام قد رفع ، ولكن لبعد ما بين المبلغين وبين الإمام قد يكون الأواخر ركعاً ، وذلك أن الشرع علق الإدراك بركوع الإمام فالوسائط لا عبرة بهم .
حكم من قال لامرأته أنت طالق لا كلمتك وأعاده 
رجل قال لامرأته : أنت طالق لا كلمتك وأعاده . فقال بعض أصحاب أحمد إن قصد إفهامها بالثاني لم يقع ، وإن قصد الابتداء وقع المعلق بالثاني . قال ابن عقيل : هذا خطأ ، لأن الثاني هو كلام لها على كل حال ، سواء قصد الإفهام أو الابتداء ، وإنما اشتبهت بمسألة إذا قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ، وأعاده . فإن التفصيل كما ذكرت ، فأما الكلام فهو على الإطلاق يتناول كل كلام مخصوص بخلاف الحلف فإنه لا يكون حلفاً إلا بقصد ، وإذا كان قصده بالثاني إفهامها لما حلف به أولاً لم يكن حلفاً ، قلت : والصواب القول الأول وهذا الفرق خيالي ، فإنه إذا قصد إفهامها فلم يرد إلا اليمين الأولى ولم يرد به الكلام المحلوف عليه ، فتحنيثه به تحنيث بما لم يرده البتة . وبساط الكلام وتبينه إنما يدل على أنه أراد لا كلمتك بعد اليمين مفردة كانت أو مكررة ، فما كلمها الكلام الذي حلف عليه ، وإنما أفهمها يمينه فلا فرق بينهما وبين مسألة الحلف . وأما قوله إن الحلف لا يكرن حلفاً إلا بقصد ، فيقال : إن كان القصد شرطاً في اعتبار المحلوف عليه لم يحنث في الموضعين . وإن لم يكن شرطاً فيه فينبغي أن يحنث في الموضعين ، فأما أن يجعل القصد شرطاً في أحدهما دون الآخر فلا وجه له والله أعلم .
استدلال بعض الشيعة على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الرد عليهم وبيان أن الآية لا تشهد لأحد الفريقين 
استدل : شيعي على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى [ الشورى : 23 ] ، فأجيب بأن قيل : هذه وصية بهم لا وصية إليهم ، فهي حجة على خلاف قول الشيعة ، لأن الأمر لو كان إليهم لأوصاهم ولم يوص بهم ونظير هذا الاحتجاج ، على أن الأمر في قريش لا في الأنصار بقول النبي صلى الله عليه وسلم : أوصيكم بالأنصار فدل على أن الأمر في غيرهم . قلت : وهذا كله خروج عن معنى الآية وما أريد بها . ولا دلالة فيها لواحدة من الطائفتين ، فإن معنى الآية : لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة فإنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة . فقال : لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً ولكن صلوا ما بيني وبينكم من القرابة ، وليست هذه الصلة أجراً ، فالاستثناء منقطع فإن الصلة من موجبات الرحم فهي واجبة على كل أحد . وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره البخاري عنه في صحيحه .
إنكار المصنف على الفقهاء بعض الأشياء لمناقضتها السنة 
من العجب إنكار كون القرعة طريقاً لإثبات الأحكام مع ورود السنة بها ، وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زور يعلم الزوج الثاني أنهما شاهدا زور ، ومع هذا فيثبت الحل له بشهادتهما ، فمن يقول هذا في باب حل الإبضاع والفروج كيف يمنع القرعة ومن العجب قوله : إذا منع الذمي دينارا من الجزية انتقض عهده ، ولو جاهر بسب الله ورسوله ودينه أو حرق بيوت الله لم ينتقض عهده ، ومن العجب إباحتهم القرآن بالعجمية ومنع رواية الحديث بالمعنى ومن العجب قولهم الإيمان نفس التصديق وهو لا يتفاضل والأعمال ليست منه وتكفيرهم من يقول مسيجد وفقيه ، ومن يلتذ بالسماع ويصلي بلا وضوء ونحو ذلك ، ومن العجب : إسقاطهم الحد كمن استأجر امرأة لرضاع ولده فزنا بها أو استاجرها ليزني بها ، وإيجابهم الحد على من وطىء امرأة في الظلمة يظنها امرأته فبانت أجنبية . ومن العجب تشددهم في المياه أعظم التشديد ختى نجسوا القناطير المقنطرة من الماء بمثل رأس الإبرة من البول ويجوزون الصلاة في ثوب ربعه متضمخ بالنجاسة . ومن العجب منعهم إلحاق النسب بالقيافة التي هي من أظهر الأدلة ، وقد اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم وعمل بها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإلحاقهم النسب برجل تزوج امرأة بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب وبينهما ما لا يقطعه البشر ، وقال تزوجت فلانة وهي طالق ثلاثاً عقب القبول ، ثم جاءت بولد فقالت : هو منه . ومن العجب إلحاقهم الولد في هذه الصورة وزعمهم أن الرجل إذا كانت له سرية ، وهو يطأها دائماً فأتت بولد على فراشه لم يلحقه إلا أن يستلحقه ومن العجب أنهم يقولون إذا شهد عليه أربعة بالزنا فقالوا : صدقوا في شهادتهم ، وقد فعلت سقط عنه الحد وإن اتهمهم رقال كذبوا علي حد ، ومن العجب قولهم لا يصح استئجار دار لتجعل مسجداً يصلي فيه المسلمون ويصح استئجارها كنيسة يعبد فيها الصليب وبيتاً تعبد فيه النار . ومن العجب قولهم إذا قهقه في الصلاة انتقض وضؤوه ، ولو غنى في صلاته وقذف المحصنات وأتى بأقبح السب والفحش فوضؤوه بحاله لم ينتقض . ومن العجب قولهم إذا وقع في البئر نجاسة ينزح منه أدلاء معينة ، فإذا حصل الدلو الأول في البئر تنجس وغرف الماء نجساً فما أصاب حيطان البئر منه نجسها ، وكذلك ما بعده من الدلاء إلى الدلو الأخير ، فإنه ينزل نجساً ثم يصعد طاهراً يقشقش النجاسة من البئر . قال الحافظ : ما يكون أكرم أو أعقل من هذا الدلو ، ومن العجب قولهم : لو حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل الجوز ولو كان يابساً منذ سنين ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان وأعجب من ذلك تعليلهم بان هذه الثلاثة خيار الفاكهة ، فلا تدخل في الاسم المطلق ذكر الحكم والدليل الاسماقي في شرح الطحاوي ومن العجب قولهم : لو حلف لا يشرب من النيل والفرات أو دجلة لشرب بكفه لم يحنث ولا يحنث حتى ينكب ويكرع بفيه مثل البهائم .
فائدة 
قال جماعة من الناس : إذا ماتت نصرانية في بطنها جنين مسلم ، نزل ذلك القبر نعيم وعذاب ، فالنعيم للابن والعذاب للأم ولا بعد فيما قالته كما لو دفن في قبر واحد مؤمن وفاجر ، فإنه يجتمع في القبر النعيم والعذاب .
فائدة 
قالت الإمامية أن العتق لا ينفذ إلا إذا قصد به القربة ، لأنهم جعلوه عبادة ، والعبادة لا تصح إلا بالنية . قال ابن عقيل ولا بأس بهذا القول لا سيما وهم يقولون الطلاق لا يقع إلا إذا كان مصادفاً للسنة مطابقاً للأمر وليس بقربة ، فكيف بالعتق ، الذي هو قربه . قلت وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال الطلاق ما كان عن وطر والعتق ما ابتغى به وجه الله .
فائدة في خطاب الرؤساء باللطف واللين 
كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها ، فينتقض ما بينهما من المودة ، وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة ، وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي ، وذلك غلط ، فإن للرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ، ولو لم يكن للرياسة سمكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمه الباقية ، فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ، ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ، ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين ، فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعاً وعقلاً وعرفاً . ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه ، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاظب رؤساء العشائر والقبائل ، وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون . هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى [ النازعات : 19 ] ، فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر ، وقال : إلى أن تزكى ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو ، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما في البركة والخير والنماء ، ثم قال : وأهديك إلى ربك [ النازعات : 19 ] ، أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك ، وقال : إلى ربك استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيراً ويافعاً وكبيراً . وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ مريم : 42 ] ، فابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ، ولم يسمه باسمه ثم أخرج الكلام معه مخرج السؤال ، فقال : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ولم يقل لا تعبد ثم قال : يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك [ مريم : 43 ] ، فلم يقل له إنك جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال : جاءني من العلم ما لم يأتك [ مريم : 43 ] ، ثم قال : فاتبعني أهدك صراطاً سوياً [ مريم : 43 ] ، وهذا مثل قول موسى لفرعون وأهديك إلى ربك [ النازعات : 19 ] ، ثم قال : يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا [ مريم : 45 ] ، فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشقيق الخائف على من يشفق عليه . وقال : يمسك فذكر المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا . ونظير هذا خطاب صاحب يس لقومه حيث قال : يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون [ يس : 20 ، 21 ، 22 ] . ونظير ذلك قول نوح لقومه يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى [ نوح : 2 ، 3 ، 4 ] ، وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأمتهم في القرآن إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده وألطف خطاب وألينه كقوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم [ البقرة : 21 ] ، وقوله تعالى : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له [ الحج : 73 ] ، وقوله : يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور [ لقمان : 33 ] ، وتامل ما في قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [ الكهف : 50 ] ، من اللطف الذي سلب العقول . وقوله : أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين [ الزخرف : 5 ] ، على أحد التأويلين أي نترككم فلا ننصحكم ولا ندعوكم ونعرض عنكم إذا أعرضتم أنتم وأسرفتم . وتأمل لطف خطاب نذر الجن لقومهم وقولهم : يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم [ الأحقاف : 31 ] .
فوائد شتى منقولة عن ابن عقيل 
سئل ابن عقيل عن رجل له ماء يجري على سطح جاره فعلا داره هل يسقط حق الجري ؟ فقال لا ، لكنه إذا سلط الماء على عادته حفر سطح جاره لموضع العلو ، فينبغي أن يجعل جريه بحدته إلى ملكه ثم يخرجه بسهولة إلى سطح جاره .
وسئل عن رجل قالت له زوجته : طلقني . فقال : إن الله قد طلقك فقال : يقع الطلاق لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياه . وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقع قلت : وهذا هو الصواب إن قوله إن الله قد طلقك إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع ، وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه ، فهذا يكون طلاقاً لأن ضرورة صدقه أن يكون الطلاق واقعاً ، وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية .
وسئل عن رجل أوقف دابة في مكان ، فجاء رجل فضربها فرفسته فمات ، هل يضمن صاحب الدابة . فقال : إذا لم يكن متعدياً في إيقافها بأن تكون في ملك الضارب فلا ضمان عليه وإن كان متعدياً فالضمان عليه .
حكى الطحاوي أن مذهب أبي يوسف جواز أخذ بني هاشم الفقراء الزكاة من بني هاشم الأغنياء . قاله ابن عقيل قال : وسألت قاضي القضاة عن ذلك يريد الدامغاني ، فقال : نعم هو مذهب أبي يوسف وهو مذهب الإمامية قلت : وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنهم يجوزون لهم الأخذ من الزكاة مطلقاً إذا منعوا حقهم من الخمس ، وأفتى به بعض الشافعية .
فائدة : هل حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل أم الكعبة 
قال ابن عقيل : سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة فقلت : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو فيها فلا ، والله ولا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح ، وسئل عن حبس الطير لطيب نغمتها . فقال : سفه وبطر يكفينا أن نقدم على ذبحها للاكل فحسب ، لأن الهواتف من الحمام ربما هتفت نياحة عشى الطيران . وذكر أفراخها أفيحسن بعاقل أن يعذب حياً ليترنم فيلتذ بنياحته ، وقد منع من هذا بعض أصحابنا وسموه سفهاً .
فائدة 
من دقيق الورع أن لا يقبل المبذول حال هيجان الطبع من حزن أو سرور ، فذلك كجذل السكران ومعلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج ، ومتى بذل باذل في تلك الحال يعقبه ندم . . ومن هنا لا يقضي القاضي وهو غضبان ، وإذا أردت اختبار ذلك فاختبر نفسك في كل مواردك من الخير والشر ، فالبدار بالإنتقام حال الغضب يعقب ندماً ، وطالما ندم المسرور على مجازفته في العطاء وود أن لو كان اقتصر ، وقد ندم الحسن على تمثيله بابن ملجم .
فائدة 
في قول النبي صلى الله عليه وسلم لسائل عن مواقيت الصلاة : صل معنا جواز البيان بالفعل ، وجواز تأخيره إلى وقت الحاجة إليه . 
وجواز العدول عن العمل الفاضل إلى المفضول لبيان الجواز .
فائدة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من صلى على جنازة فله قيراط الحديث 
قوله صلى الله عليه وسلم : من صلى على جنازة فله قيراط ، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ، سئل أبو نصر بن الصباغ عن القيراطين ، هل هما غير الأول أو به ، فقال بل القيراطان الأول وآخر معه بدليل قوله تعالى : مثنى وثلاث ورباع [ النساء : 3 ] ، قلت : نظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم : من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ، فهذا مع صلاة العشاء في جماعة قد جاء مصرحاً به في جامع الترمذي كذلك ، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة ، فكأنما قام الليل كله ونظيره أيضاً ، قوله تعالى : أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين [ فصلت : 9 ] ، فهي أربعة باليومين الأولين ولولا ذلك لكانت أيام التخليق ثمانية .
فائدة في تحقيق معنى القيراط الذي وقع في الحديث 
لم أزل حريصاً على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث ، وإلى أي شيء نسيته حتى رأيت لابن عقيل فيه كلاماً ، قال القيراط : نصف سدس درهم مثلاً ، أو نصف عشر دينار ، ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر ، لأن ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان وأعماله كالصلاة والحج وغيره ، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ هذا . فلم يبق إلا أن يرجع إلى المعهود ، وهو الأجر العائد إلى الميت ويتعلق بالميت أجر الصبر على المصاب فيه . وأجر تجهيزه وغسله ودفنه والتعزية به ، وحمل الطعام إلى أهله وتسليتهم ، وهذا مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت ، فكان للمصلي والجالس إلى أن يقبر سدس ذلك أو نصف سدسه إن صلى وانصرف ، قلت : كان مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم ديناراً مثلا فللمصلي عليه قيراط من هذا الدينار ، والذي يتعارفه الناس من القيراط أنه نصف سدس ، فإن صلى عليه وتبعه كان له قيراطان منه ، وهما سدسه وعلى هذا ، فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه ، وكلما كان أعظم كان القيراط منه بحسبه فهذا بين ههنا . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو زرع نقص من أجره أو من عمله كل يوم قيراط ، فيحتمل أن يراد به هذا المعنى أيضاً بعينه ، وهو نصف سدس أجر عمله ذلك اليوم ويكون صغر هذا القيراط وكبره بحسب قلة عمله وكثرته ، فإذا كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلاً نقص منها كل يوم ألفا حسنة وعلى هذا الحساب ، والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا مبلغ الجهد في فهم هذا الحديث .
فائدة قي قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : من عزى مصاباً فله مثل أجره 
قوله صلى الله عليه وسلم : من عزى مصاباً فله مثل أجره استشكله بعضهم . وقال : مشقة المصيبة أعظم بكثير من مساواة تعزية المعزى لها برد قلبه . فأجاب : ابن عقيل رحمه الله بجواب بديع جداً . . فقال : ليس مراده صلى الله عليه وسلم قول بعضهم لبعض . نسأل الله في أجلك وتعيش أنت وتبقى وأطال الله عمرك وما أشبه ذلك ، بل المقصود من عمد إلى قلب قد أقلقه ألم المصاب وأزعجه ، وقد كاد يساكن السخط ويقول الهجر ويوقع الذنب فداوى ذلك القلب بآي الوعيد ، وثواب الصبر ، وذم الجزع حتى يزيل ما به أو يقلله ، فيتعزى فيصير ثواب المسلي كثواب المصاب ، لأن كلاً منهما دفع الجزغ ، فالمصاب كابده بالاستجابة ، والمعزى عمل في أسباب المداواة لألم الكآبة .
فائدة في قوله : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود 
قوله صلى الله عليه وسلم : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود قال ابن عقيل : المراد بهم الذين ما دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطة . قلت : ليس ما ذكره بالبين فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذووا الهيئات ، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين ، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد ، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم ، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبابه جواده ونبا عضب صبره وأديل عليه شيطانه فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته ، بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف ، كما يتعين أخذه من الوضيع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ، وقال : إنما هلك بنو إسرائيل إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد .
اعتراض نفاة المعاني والحكم على مثبتها في الشريعة 
اعترض نفاة المعاني والحكم على مثبتها في الشريعة ، بأن قالوا الشرع قد فرق بين المتماثلات ، فأوجب الحد بشرب الخمر ولم يحد بشرب الدم والبول وأكل العذرة وهي أخبث من الخمر ، وأوجب قطع اليد في سرقة ربع دينار ومنع من قطعها في نهبة ألف دينار . وأوجب الحد في رمي الرجل بالفاحشة ولم يوجبه في رميه بالكفر وهو أعظم منه ، ولم يرتب على الربا حداً مع كونه من الكبائر ورتب الحد على شرب الخمر والزنا وهما من الكبائر . فاجاب المثبتون بان قالوا هذا مما يدل على اعتبار المعاني والحكم ونصب الشرع بحسب مصالح العباد ، فإن الشارع ينظر إلى المحرم ومفسدته ، ثم ينظر إلى وازعه وداعيه ، فاذا عظمت مفسدته رتب عليها من العقوبة بحسب تلك المفسدة ، ثم إن كان في الطباع التي ركبها الله تعالى في بني آدم وازعاً عنه اكتفى بذلك الوازع عن الحد ، فلم يرتب على شرب البول والدم والقيء وأكل العذرة حداً لما في طباع الناس من الامتناع عن هذه الأشياء ، فلا تكثر مواقعتها بحيث يدعو إلى الزجر بالحد بخلاف شرب الخمر والزنا والسرقة . فإن الباعث عليها قوي ، فلولا ترتيب الحدود عليها لعمت مفاسدها وعظمت المصيبة بارتكابها . وأما النهبة فلم يرتب عليها حداً . إما لأن بواعث الطباع تدعو إليها غالباً خوف الفضيحة والاشتهار وسرعة الأخذ . وإما لأن مفسدتها تندفع بإغاثة الناس ومنعهم المنتهب وأخذهم على يده ، وأما الربا فلم يرتب عليه حداً فقيل : لأنه يقع في الأسواق وفي الملأ ، فوكلت إزالته إلى إنكار الناس بخلاف السرقة والفواحش وشرب الخمر ، فإنها إنما تقع غالباً سراً ، فلو وكلت إزالته إلى الناس لم تزل . وأحسن من هذا أن يقال لما كان المرابي ، إنما يقضي له برأس ماله فقط فإن أخد الزيادة قضى عليه بردها إلى غريمه وإن لم يأخذها لم يقض له بها كانت مفسدة الربا منتفية بذلك ، فإن غريمه لو سأله لم يعطه إلا رأس ماله فحيث رضي بإعطائه الزيادة فقد رضي باستهلاكها وبذلها مجاناً والآخذ لها رضي بأكل النار . وأجود من هذين أن يقال ذنب الربا أكبر من أن يطهره الحد ، فإن المرابي محارب لله ورسوله آكل للجمر والحد ، إنما شرع طهرة وكفارة والمرابي لا يزول عنه إثم الرد بالحد لأن حرمته أعظم من ذلك ، فهو كحرمة مفطر رمضان عمداً من غير عذر . ومانع الزكاة بخلا وتارك صلاة العصر وتارك الجمعة عمداً فإن الحدود كفارات وطهر فلا تعمل إلا في ذنب يقبل التكفير والطهر . ومن هذا عدم إيجاب الحل . بأكل أموال اليتامى لأن آكلها قد وجبت له النار ، فلا يؤثر الحد في إسقاط ما وجب له من النار وكذلك ترك الصلاة هو أعظم من أن يرتب عليه حد . ونظير هذا اليمين الغموس هي أعظم ، إنما من أن يكون فيها حد أو كفارة . وإذا تأملت أسرار هذه الشريعة الكاملة ، وجدتها في غاية الحكمة ورعاية المصالح لا تفرق بين متماثلين البتة . ولا تسوي بين مختلفين ، ولا تحرم شيئاً لمفسدة وتبيح ما مفسدته مساوية لما حرمته أو رجحته عليه ، ولا تبيح شيئاً لمصلحة وتحرم ما مصلحته تساويه لما إباحته البتة . ولا يوجد فيما جاء به الرسول شيء من ذلك البتة . ولا يلزمه الأقوال المستندة إلى آراء الناس وظنونهم واجتهاداتهم ، ففي تلك من التفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات وإباحة الشيء وتحريم نظيره وأمثال ذلك ما فيها . . .
فائدة : سئل ابن عقيل عن كشف المرأة وجهها في الإحرام أهو أولى أم التغطية مع الفداء 
وسئل ابن عقيل عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم ، أهو أولى أم التغطية مع الفداء ؟ وقد قالت عائشة رضي الله عنها : لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد ، . فاجاب : بأن الكشف شعار إحرامها ورفع حكم ثبت شرعاً بحوادث البدع لا يجوز ، لأنه يكون نسخاً بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرغ رأساً . وأما قول عائشة فإنها ردت الأمر إلى صاحب الشرع . فقالت : لو رأى لمنع ولم نمنع ، ير وقد جبد عمر السترة عن الأمة وقال : لا تشبهي بالحرائر . ومعلوم أن فيهن من تفتن لكنه لما وضع كشف رأسها للفرق بين الحرائر والإماء جعله فرقاً ، فما ظنك بكشف وضع بين النسك والإحلال ، وقد ندب الشرع إلى الظر إلى المرأة قبل النكاح وأجاز للشهود النظر ، فليس ببدع أن يأمرها بالكشف ويأمر الرجال بالغض ليكون أعظم للإبتلاء كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهى عنه . قلت : سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره ، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة ، كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء بالنهي عن لبس القميص والسراويل ، ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة ، بل وجه أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازبن والقميص والسراويل واحد ، وكيف يزاد على موجب النص . ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً ، فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة . بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره ، كالنقاب والبرقع بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز . وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه البتة . ومن قال أن وجهها كرأس المحرم . فليس معه بذلك نص ولا عموم ، ولا يصح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق . وقول من قال من السلف إحرام المرأة في وجهها ، إنما أراد به هذا المعنى أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل ، بل يلزمها اجتناب النقاب ، فيكون وجهها كبدن الرجل ، ولو قدر أنه أراد وجوب كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين . وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ولم تكن إحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها ، وبين الجلباب ، كما قاله بعض الفقهاء : ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملاً ولا فتوى . ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهراً مشهوراً بينهن يعرفه الخاص والعام . ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل ، تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي .
فائدة في زكاة الحلي 
قال ابن عقيل : يخرج من رواية إيجاب الزكاة في حلي الكرا والمواشط ، إن يجب في العقد المعد للكراء وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارة قال : وإنما خرجت ذلك عن الحلي ، لأنه قد ثبت من أصلنا أن الحلي لا يجب فيه الزكاة ، فإذا أعد للكراء وجبت ، فإذا ثبت أن الإعداد للكراء ينشىء إيجاب الزكاة في شيء لا يجب فيه الزكاة . كان في جميع العروض التي لا تجب فيها الزكاة ينشيء إيجاب الزكاة . يوضحه أن الذهب والفضة عينان تجب الزكاة بجنسهما وعينهما ، ثم إن الصياغة والإعداد للباس والزينة والانتفاع غلبت على إسقاط الزكاة في عينه ، ثم جاء الإعداد للكراء فغلب على الاستعمال ، وإنشاء إيجاب الزكاة ، فصار أقوى مما قوي على إسقاط الزكاة ، فأولى أن يوجب الزكاة في العقار والأواني . والحيوان التي لا زكاة في جنسها أن ينشيء فيها الإعداد للكراء زكاة .
فائدة 
قال ابن عقيل : جاءت فتوى أن حاكماً قال بين يديه يهودي ، لا ننكر أن محمداً بعث إلى العرب فقال له : ونقول إنه جاء بالحق فقال : نعم فأفتى جماعة أنه قد أسلم ، وكتبت لا شك أن قوله إنه بعث إلى العرب ، قول طائفة منهم وقوله بعد هذا ، وأعتقد أنه جاء بالحق يرجع إلى أقر به ، من أنه جاء رسولاً إلى العرب ، فإذا احتمل أن يعود كلامه إلى هذا لم يخرج من دينه بأمر محتمل ، وكتب كذلك كياً والشاشي .
فائدة في غلبة الحس على العلم 
قال ابن عقيل في مسألة ما إذا ألقى في مركبهم نار ، واستوى الأمر أن عندهم فيه روايتان ، قال : واعلموا أن التقسيم والتفصيل ما لم تمس النار الجسد ، فإن مسته فالإنسان بالطبع يتحرك إل خارج منها ، لأن طبع الحيوان الهرب من المحس ويغلب الحس على التأمل ، والنظر في العاقبة فتصير النار دافعة له بالحس والبحر ليس محسوساً أذاه له ، لكن الغرق والمضرة معلومة ، والحس يغلب على العلم . يبين هذا ما يشاهد من الضرب والخز للإنسان الذي قد نصبت له خشبة ليصلب عليها أو حفر له بئر ليلقي فيها ، فإنه يتقدم إلى الخشبة والبئر ، لأن الضرر فيهما ليس بمحس والوخز بالإنسان والضرب محس فهو إضرار ناجز واقع ، وإذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى وقوف الحي وجنوحه عن التحرك إذا تكافأ عنده الأمران في الحس والعلم بيانه إنسان هجم عليه سبع على حرف نهر جار عميق وهو لا يحسن السباحة فإنه لا محالة يتحرك نحو الماء رامياً نفسه لأجل الجاء السبع له وهجومه عليه ، فلو هجم عليه من قبل وجهه سبع ، فالتفت فإذا وراءه سبع آخر وهما متساويان في الهجوم عليه لم يبق للطبع مهرب وتوازنت المكروهات ، فإنه يقف مستسلماً صامداً للبلاء ، وكذلك تكافؤ كفة الميزان قلت : هذا صحيح من جهة الوهم والدهش وإلا فلو كان عقله حاضراً معه لتكافأ عنده الأمران المحسوس والمعلوم وكثيراً ما يحضر الرجل عقله إذ ذاك فيتكافأ عنده المحسوس والمعلوم فيستسلم لما لا صنع له فيه ولا يعين على نفسه ويحكم عقله على حسه ويعلم أنه إن صبر كان له أجر من قتل ولم يعن على نفسه وإن ألقى نفسه في الهلاك لم يكن من هذا الأجر على يقين ، بل ولا يستلزم ذلك للإيمان بالثواب بل إذا تصور حمد الناس له على صبره وعدم جزعه بإلقاء نفسه في الهلاك هرباً ، مما لا بد له منه رأي الصبر أحمد عاقبة وأنفع له أجلاً فمحكم العقل يقدم الصبر ، ومحكم الحس يهرب من التلف ، إلى التلف فليست الطباع في هذا متكافئة والله أعلم .
فائدة الهدية تفقأ عين الحكم 
يذكر عن كعب قال : قرأت في بعض كتب الله ، الهدية تفقأ عين الحكم ، قال ابن عقيل : معناه أن المحبة الحاصلة للمهدى إليه ، وفرحته بالظفر بها وميله إلى المهدي يمنعه من تحديق النظر إلى معرفة باطل المهدي وأفعاله الدالة على أنه مبطل ، فلا ينظر في أفعاله بعين ينظر بها إلى من لم يهد إليه . هذا معنى كلامه . قلت : وشاهده الحديث المرفوع الذي رواه أحمد في مسنده حبك الشيء يعمي ويصم فالهدية إذا أوجبت له محبة المهدى رأت عين الحق وأصمت أذنه .
الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام رشوة وهدية وأجرة ورزق والكلام على كل منها 
قال ابن عقيل : الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام : رشوة وهدية وأجرة ورزق . فالرشوة حرام وهي ضربان . 
رشوة ليميل إلى أحدهما بغير حق فهذه حرام عن فعل حرام على الآخذ والمعطي وهما آثمان . 
ورشوة يعطاها ليحكم بالحق واستيفاء حق المعطي من دين ونحوه ، فهي حرام على الحاكم دون المعطي ، لأنها للاستنقاذ ، فهي كجعل الآبق وأجرة الوكلاء في الخصومة . 
وأما الهدية فضربان هدية كانت قبل الولاية فلا تحرم استدامتها . وهدية لم تكن إلا بعد الولاية ، وهي ضربان : مكروهة وهي الهدية إليه ، ممن لا حكومة له . وهدية ممن قد اتجهت له حكومة فهي حرام على الحاكم والمهدي . 
وأما الأجرة فإن كان للحاكم رزق من الإمام من بيت المال حرم عليه أخذ الأجرة قولاً واحداً ، لأنه إنما أجرى له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم ، فلا وجه لأخذ الأجرة من جهة الخصوم ، وإن كان الحاكم لا رزق له فعلى وجهين : 
أحدهما: الإ أباحة لأنه عمل مباح فهو كما لو حكماه ، ولأنه مع عدم الرزق لا يتعين عليه الحكم فلا يمنع من أخذ الأجرة كالوصي وأمين الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدر الحاجه . 
وأما الرزق من بيت المال ، فإن كان غنياً لا حاجة له إليه احتمل أن يكره ، لئلا يضيق على أهل المصالح ويحتمل أن يباح ، لأنه بذل نفسه لذلك فصار كالعامل في الزكاة والخراج . قلت : أصل هذه المسائل عامل الزكاة ، وقيم اليتيم ، فإن الله تعالى أباح لعامل الزكاة جزءاً منها ، فهو يأخذه مع الفقر والغنى والنبي صلى الله عليه وسلم منعه من قبول الهدية وقال : هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه أم لا . وفي هذا دليل على أن ما أهدي إليه في بيته ولم يكن بسببه العمل على الزكاة ، جاز له قبوله فيدل ذلك على أن الحاكم ، إذا أهدى إليه من كان يهدي له قبل الحكم ولم تكن ولايته سبب الهدية فله قبولها . وأما ناظر اليتيم فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى ، وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر . وهو إما اقتراض أو إباحة على الخلاف في . 
والحاكم فرع متردد بين أصلين : عامل الزكاة . وناظر اليتيم فمن نظر إلى عموم الحاجة إليه وحصول المصلحة العامة به ، ألحقه بعامل الزكاة فيأخذ الرزق مع الغنى ، كما يأخذه عامل الزكاة . ومن نظر إلى كونه راعياً منتصباً لمعاملة الرعية بالاحظ لهم ، ألحقه بولي اليتيم إن احتاج أخذ وإن استغنى ترك . وهذا أفقه وهو مذهب الخليفتين الراشدين . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم ، إن احتاج أكل بالمعروف ، وإن استغنى ترك . والفرق بينه وبين عامل الزكاة . 
أن عامل الزكاة مستأجر من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها ، وجمعها فما يأخذ يأخذه بعمله كمن يستأجره الرجل لجباية أمواله . 
وأما الحاكم فإنه منتصب لإلزام الناس بشرائع الرب تبارك وتعالى وأحكامه وتبليغها إليهم فهو مبلغ عن الله تعالى عز وجل بفتياه ، ويتميز عن المفتى بالإلزام بولايته وقدرته والمبلغ عن الله تعالى ، الملزم للأمة بدينه لا يستحق عليهم شيئاً ، فإن كان محتاجاً فله من الفيء ما يسد حاجته ، وهذا لون وعامل الزكاة لون ، فالحاكم مفتي في خبره عن حكم الله ورسوله ، شاهد فيما ثبت عنده ، ملزم لمن توجه عليه الحق ،فيشترط له شروط المفتي والشاهد ويتميز بالقدرة على التنفيذ فهو في منصب خلافة من قال : لا أسألكم عليه أجرا [ هود : 51 ] ، فهؤلاء هم الحكام المقدر وجودهم في الأذهان المفقودون في الأعيان الذين جعلهم الله ظلالاً لا يأوي إليها اللهفان ومناهل يردها الظمآن .
فوائد شتى من فتاوى ابن عقيل 
إذا قال أنفذ لي كتاباً فحلف أنه قد أنفذه أمس ، فبان أنه أنفذه قبله بيوم قال ابن عقيل : لا يحنث لا لأجل الخطأ والنسيان بل ، لأن قصده تصديق نفسه في الإنفاذ الذي هو مقصود الطالب ، وإذا بان أن المقصود قد حصل قبل أمس ، فقد بان أنه قد حصل أوفى المقصود ، كما لو حلف قد أعطيتك ديناراً فبان أنه أعطاه دينارين .
إذا ماتت الحامل فصلي عليها ، هل ينوي الحمل ، قال ابن عقيل : يحتمل أن لا يذكر سوى المرأة ، لأن الحمل غير متيقن ، ولهذا لا يلاعن عليه ولو قتلت لم تجب دبته . فإن قيل : أليس يعزل له الإرث ولا تدفن في مقابر المشركين إذا كانت نصرانية ويتذكى بذكاة أمه . قيل : أما الأرث : فهو الحجة لأنه لا يعطاه ولا يورث عنه حتى يتحقق وضعه عنه ، وأما دفنه فلظن وجوده وحكم الزكاة تلحقه إذا وضع .
إذا جب عبده ليزيد ثمنه . فهل تحل له الزيادة . فأما على أصلنا وأصل مالك في العتق بالمثلة فلا تفريع ، وأما من لم يعتقه بالمثله فينبغي عنده أن لاتحرم الزيادة ، كما لو قطع له أصبعاً زائدة فزاد ثمنه بقطعها ، فإن قيل : فالمغنية إذا زادت قيمتها لأجل الغناء حرمت الزيادة . قيل : الغناء منهي عنه حال دوامه . فيقال : لا يحل لك تغني ولا يؤخذ العوض عنه . وأما الخصا فهو أثر فعل قد انقضى ، لا يتعلق النهي بدوامه فافترقا .
رجل سرق منديلاً لا يساوي نصاباً وفي طرفه دينار لم يعلم به . قال ابن عقيل : قياس قول أحمد فيمن سرق إناء من ذهب فيه خمر . قال : إنه لا يقطع ، فكذلك ههنا لا يقطع ، لأنه جعل القصد للخمر علة لإسقاط القطع بالإناء ، فقال : لو لم يكن قصده الخمر أراقه .
رجل له على آخر قود في النفس والطرف ، فقطع الطرف فسرى إلى النفس ، هل يسقط حكم القود في النفس بالسراية ؟ قال ابن عقيل : يحتمل أن يكون مستوفياً للحق بالسراية ، لأن القطع قد صار قتلاً وما صلح لاستفياء الحقين حصل به استيفاؤهما كمن أعتق المكاتب عندنا في الكفارة ، حصل به مقصود المكاتب من العتق ومقصود السيد من التكفير . وكمن أطعم المضطر طعاماً قد وجب عليه بذله لكون المضطر لا طعام له ، وكون صاحب الطعام غير محتاج اليه ، ونوى بإطعامه الكفارة فإنه يندفع به الحقين . وكذا من دخل المسجد فصلى قضاء ناب عن القضاء والتحية . قلت : وكذلك إذا نذر صيام يوم يقدم فلان ، فقدم في نهار رمضان علىقول الخرقي . وكذلك المتمتع إذا دخل المسجد طاف طوافاً واحداً هو طواف العمرة وطواف القدوم . وكذلك إذا أخر طواف الزيادة إلى وقت الوداع . وطاف طوافاً واحداً كفاه عنهما . وكذلك إذا سرق وقطع يداً معصومة فطلب القصاص قطعت يده حداً وقصاصاً . قال : ويحتمل أن لا يقع موقعه يكون فائدة وقوعه على الاحتمال الأول أنه لا يستحق الدية . وإن قلنا : الواجب أحد أمرين ويكون فائدة عدم وقوعه على الاحتمال الثاني أن تقع السراية هدراً ، لأنها غير مضمونة عندنا ، وإن لم تكن مضمونة لم يكن محتسباً بالسراية قتلاً ، فإن الاحتساب بها عن القود الواجب له هو أحد الضمانين ، فإذا ثبت أنها لا تقع موقع القود ، كان له الدية على الرواية التي تقول أن الواجب أحد الأمرين .
مذاهب العلماء فيما يؤخذ من التاجر الذمي إذا جاز علينا 
مذهب الإمام أحمد رحمه الله يؤخذ من الذمي التاجر إذا جاز علينا نصف العشر ومن الحربي المستأمن العشر . ومذهب أبي حنيفة إن فعلوا ذلك بنا فعلناه بهم وإلا فلا . ومذهب الشافعي لا يجوز إلا بشرط أو تراض بينهم وبين الإمام . قال ابن عقيل : وهذا هو الصحيح من المذهب ، لأن عقد الذمة للذمي والأمان للحربي أوجب حفظ أموالهم وصيانتها بالعهد والجزية ، وأخذ ذلك يقع ظلماً منا ونقضاً لذمتهم الموجبة عصمة أموالهم ودمائهم . فأورد عليهم ما يصنع بقضية عمر ، فقال : هي محتملة أنه فعل ذلك بمقابلة لفعل كان منهم ، ويحتمل أنه كان شرط على قوم منهم ذلك لمصلحة رآها وحاجة للمسلمين أوجبت ذلك ، قال : ودليلي مصرح بالحكم واضح ، لا يحتمل فاصرف ظاهر القصة إلى هذا الاحتمال بدليلي الواضح .
فائدة في كتب المهر في ديباج 
قال ابن عقيل : سئلت عن كتب المهر في ديباج فقلت : إنما يقصد المباهاة وير التي حرم لأجلها الحرير وهي الكبر والخيلاء . 
قالوا : فهل يطعن ذلك في الحجة قلت : لا كما لو كتب في ورقة مغصوبة الكتب حرام والحجة ثابتة .
فائدة في اختلاف عدد الشهود على زنا المحصن وغيره 
طلب في الزنا أربعة وفي الإحصان اكتفى باثنين ، لأن الزنا سبب وعلة والإحصان شرط وإبداء الشروط تقصر عن العلل والأسباب ، لأنها مصححة وليست موجبة، ولهذا لا يكتفي بالإقرار مرة عندنا وعند الحنفية .
فائدة في عطية الأولاد المشروعة 
عطية الأولاد المشروع أن يكون على قدر مواريثهم ، لأن الله تعالى منع مما يؤدي إلى قطيعة الرحم والتسوية بين الذكر والأنثى ، مخالفة لما وضعه الشرع من التفضيل ، تفضي ذلك إلى العداوة ، ولأن الشرع أعلم بمصالحنا، فلو لم يكن الأصلح بالتفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه ، ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى ، ولأن الله تعالى جعل الأنثى على النصف من الذكر في الشهادات والميراث والديات وفي العقيقة بالسنة ، ولأن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء ، فإذا علم الذكر أن الأب زاد الأنثى على العطية التي أعطاها الله وسواها بمن فضله الله عليها ، أفضى ذلك إلى العداوة والقطيعة ، كما إذا فضل عليه من سوى الله بينه وبينه . فأي فرق بين أن يفضل من أمر الله بالتسوية بينه وبين أخيه ويسوي بين من أمر الله بالتفضيل بينهما . 
واعترض ابن عقيل على دليل التفضيل . وقال بناء العطية حال الحياة والصحة والمال لا حق لأحد فيه ، ولهذا لا يجوز له الهبات والعطايا للوارث وما زاد على الثلث للأجانب عبرة بحال صحته وقطعاً له عن حال مرض الموت فضلاً عن الموت ، وكذا تعطى الأخوات مع وجود الابن ، والأب وإن لم يكن لهم حق في الإرث ، وتلك عطية من الله على سبيل التحكم لا اختيار لأحد فيه ، وهذه عطية من مكلف غير محجور عليه فكانت على حسب اختياره من تفصيل وتسوية ، وهذا هو القول الصحيح عندي . قلت : وهذه الحجة ضعيفة جداً فإنها باطلة بما سلمه من امتناع التفضيل بين الأولاد المتساويين في الذكورة والأنوثة ، وكيف يصح له قوله إنها عطية من مكلف غير محجور عليه . فجازت على حسب اختياره وأنت قد حجرت عليه في التفضيل بين المتساويين .
فائدة في جواز العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة ومناظرة ابن عقيل لعالم شافعي في السياسة الشرعية 
قال ابن عقيل : الجري في جواز العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة ، هو الحزم فلا يخلو منه إمام . قال شافعي : لا سياسة إلا ما وافق الشرع . قال ابن عقيل : السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي ، فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح ، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط . وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ، ما لا يجحده عالم بالسنن ، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة وتحريق علي في الأخاديد وقال : 
إني إذا شاهدت أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا 
ونفى عمر نصر بن حجاج قلت : هذا موضع مزلة إقدام وهو مقام ضنك ومعترك صعب ، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرأوا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بها مصالح العباد ، وسدوا على نفوسهم طرقاً عديدة من طرق معرفة الحق من الباطل ، بل عطلوها مع علمهم قطعاً وعلم غيرهم بأنها أدلة حق ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع ، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة ، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة ، أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم ا بها أمر العالم ، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه . وأفرطت طائفة أخرى فسوغت منه ما ينافي حكم الله ورسوله ، وكلا الطائفتين أتت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله ، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي به قامت السموات والأرض ، فإذا طهرت أمارات العدل وتبين وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء ونفى غيرها من الطرق التي هي مثلها ، أو أقوى منها ، بل بين بما شرعه من الطرق إن مقصوده إقامة العدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين . لا يقال : إنها مخالفة له فلا تقول إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به ، بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعاً لمصطلحكم ، وإنما هي شرع حق ، فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نميمة وعاقب في تهمة لما ظهر إمارات الريبة على المتهم ، فمن أطلق كل متهم خلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقبه البيوت وكثرة سرقاته . وقال لا آخذه إلا بشاهدي عدل ، فقوله مخالف للسياسة الشرعية ، وكذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم الغال من سهمه من الغنيمة وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه كله ، وكذلك أخذه شطر مال مانع الزكاة ، وذلك إضعافه الغرم على سارق ما لا يقطع فيه وعقوبته بالجلد . وكذلك إضعافه الغرم على كاتم الضالة . وكذلك تحريق عمر حانوت الخمار وتحريقه قربة خمر وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية . وكذلك حلقه رأس نصر بن حجاج ونفيه . وكذلك ضربه صبيغاً . وكذلك مصادرته عماله . وكذلك إلزامه الصحابة أن يقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليشتغل الناس بالقرآن فلا يضيعوه إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فصارت سنة إلى يوم القيامة وإن خالفها من خالفها . ومن هذا تحريق الصديق رضي الله عنه للوطىء . ومن هذا تحريق عثمان رضي الله عنه للصحف المخالفة للسان قريش . ومن هذا ، اختيار عمر رضي الله عنه للناس الأفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره ، فلا يزال البيت الحرام مقصوداً إلى اضعاف اضعاف ذلك من سياساته التي ساسوا بها الأمة ، وهي بتأويل القرآن وسنته وتقسيم الناس الحكم إلى شريعة وسياسة ، من قسم الطريقة إلى شريعة وحقيقة وذلك تقسيم باطل فالحقيقة نوعان . حقيقة هي حق صحيح فهي لب الشريعة لا قسيمتها . وحقيقة باطلة ، فهي مضادة للشريعة كمضادة الضلال للهدى . وكذلك السياسة نوعان : 
سياسة عادلة فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيمتها . 
وسياسة باطلة فهي مضادة للشريعة مضادة الظلم للعدل . ونظير هذا تقسيم بعض الناس الكلام في الدين إلى الشرع والعقل هو تقسيم باطل ، بل المعقول قسمان : 
قسم يوافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو معقعول كلامه ونصوصه لا قسيم ما جاء به . 
وقسم يخالفه فلذلك ليس بمعقول ، وإنما هي خيالات وشبه باطلة لظن صاحبها أنها معقولات ، وإنما هي خيالات وشبهات . وكذلك القياس والشرع ، فالقياس الصحيح هو معقول النصوص . والقياس الباطل المخالف للنصوص مضاد للشرع . فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثة الأنبياء وغيرهم ، وأصله مبني على حرف واحد ، وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالسنة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم . وإنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة ، وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به فمن لم يستقر هذا في قلبه ، لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول ، بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك ، كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين . فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة ، فكذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل عما جاء به ، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه ، وإنما يحتاج إلى غيره من قل نصيبه من معرفته وفهمه فبحسب قلة نصيبه من ذلك ، تكون حاجة وإلا فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماً ، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول . ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه ، حتى كأنه رأى عين وعرفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم ، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله . وعرفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ ، وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلي لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه . وكذلك عرفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى كلام أحد من الناس البتة . 
وكذلك عرفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه لم يقم لهم عدو أبداً . وكذلك عرفهم من مكائد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها ويحترزون به من كيده ومكره ، وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه ، لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة . بالجملة فقد جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه . ولهذا ختم الله به ديوان النبوة فلم يجعل بعده رسولاً لاستغناء الأمة به عمن سواه ، فكيف يظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجة عنها ، أو إلى حقيقة خارجة عنها أو إلى قياس خارج عنها أو إلى معقول خارج عنها . فمن ظن ذلك ، فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده . وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك . قال تعالى : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [ العنكبوت : 51 ] ، وقال تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [ النمل : 89 ] ، وقال تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ الإسراء : 9 ] ، وقال تعالى : يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [ يونس : 57 ] ، وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما الناس محتاجون إليه على زعمهم الباطل . ويا لله العجب . كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال أهل كانوا مهتدين بالنصوص ، أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدى منهم . هذا ما لا يظنه من به رمق من عقل أو حياء نعوذ بالله من الخذلان ، ولكن من أوتي فهماً في الكتاب وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم استغني بهما عن غيرهما بحسب ما أوتيه من الفهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ، وهذا الفصل لو بسط كما ينبغي لقام منه عدة أسفار ، ولكن هذه لفظات تشير إلى ما وراءها .
فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
قال ابن عقيل يحرم خلوة النساء بالخصيان والمجبوبين ، إذ غاية ما تجد فيهم عدم العضو أو ضعفه ، ولا يمنع ذلك لإمكان الاستمتاع بحسبهم من القبلة واللمس والاعتناق والخصي يقرع قرع الفحل والمجبوب يساحق . ومعلوم أن النساء لو عرض فيهن حب السحاق ومنعنا خلوة بعضهن ببعض . فأولى أن يمنع خلوة من هو في الأصل على شهوته للنساء .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
عزى بعض العلماء رجلاً بطفلة فقال له : قد دخل بعضك الجنة ، فاجتهد أن لا تتخلف بقيتك عنها . قلت : وفي جواز هذه الشهادة ما فيها فأنا وإن لم نشك أن أطفال المؤمنين في الجنة لا نشهد به لمعين أنه فيها . كما نشهد لعموم المؤمنين بالجنة ولا نشهد بها لمعين سوى من شهد له النص . وعلى هذا يحمل حديث عائشة رضي الله عنها ، وقد شهدت للطفل من الأنصار بأنه عصفور من عصافير الجنة . فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : وما يدريك . وهكذا نقول لهذا المعزى ، وما يدريك أن بعض المعزى دخل الجنة . وسر المسألة الفرق بين المعين والطلق في الأطفال والبالغين والله أعلم .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
قوله في حديث الجمعة : وطويت الصحف أي صحف الفضل ، فأما صحف الفرض فإنها لا تطوى ، لأن الفرض يسقط بعد ذلك .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
عن أحمد في الصيد إذا أوجبه والشاة إذا ذبحها ثم سقطت في ماء ، هل تباح على روايتين . وسئل بعض أصحابنا عن هؤلاء الشوائين بذبحون الدجاج ويرمون به في ماء السمط وهو يضطرب فخرجه على هاتين الروايتين . وصحح الإباحة قال : لأن ذلك الاضطراب ليس له حكم الحياة .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
استدل على تفضيل النكاح على التخلي لنوافل العبادة ، بأن الله تعالى عز وجل اختار النكاح لأنبيائه ورسله فقال تعالى : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية [ الرعد : 38 ] ، وقال في حق آدم : وجعل منها زوجها ليسكن إليها [ الزمر : 6 ] ، واقتطع من زمن كليمه عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة ، ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات . واختار لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأشياء فلم يحب له ترك النكاح ، بل زوجه بتسع فما فوقهن . ولا هدي فوق هدية . ولو لم يكن فيه إلا سرور النبي صلى الله عليه وسلم يوم المباهاة بأمته ، ولو لم يكن فيه ألا أنه بصدد أنه لا ينقطع عمله بموته . ولو لم يكن فيه إلا أنه يخرج من صلبه من يشهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ، ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله تعالى . ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأة يعفها الله به ، ويثيبه على قضاء وطره ووطرها فهو في لذاته ، وصحائف حسناته تتزايد . ولو لم يكن فيه إلا ما يثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللقمة إلى فيها . ولو لم يكن فيه إلا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام . ولو لم يكن فيه إلا ما يترتب عليه من العبادات التي لا تحصل للمتخلي للنوافل . ولو لم يكن فيه إلا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه . 
فإن تعلق القلب بالشهوة أو مجاهدته عليها تصده عن تعلقه بما هو أنفع له ، فإن الهمة متى انصرفت إلى شيء انصرفت عن غيره . ولو لم يكن فيه إلا تعرضه لبنات إذا صبر عليهن وأحسن إليهن ، كن له ستراً من النار . ولو لم يكن فيه إلا أنه إذا قدم له فرطين لم يبلغا الحنث ، أدخله الله بهما الجنة . ولو لم يكن فيه إلا استجلابه عون الله له ، فإن في الحديث المرفوع ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف . والمكاتب يريد الأداء . والمجاهد .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
استدل على وجوب الجماعة ، بأن الجمع بين الصلاتين شرع في المطر لأجل تحصيل الجماعة مع أن إحدى الصلاتين قد وقعت خارج الوقت ، والوقت واجب فلو لم تكن الجماعة واجبة ، لما ترك لها الوقت الواجب اعترض على ذلك ، بأن الواجب قد يسقط لغير الواجب بل لغير المستحب ، فإن شطر الصلاة يسقط لسفر الفرجة والتجارة ، ويسقط غسل الرجلين لأجل لبس الخف ، وغايته أن يكون مباحاً . وهذا الاعتراض فاسد ، فإن فرض المسافر ركعتين فلم يسقط الواجب لغير الواجب وأيضاً فإنه لا محذور في سقوط الواجب لأجل المباح وليس الكلام في ذلك ، وإنما المستحيل أن يراعى في العبادة أمر مستحب يتضمن فوات الواجب ، فهذا هو الذي لا عهد لنا في الشريعة بمثله البتة ، وبذلك خرج الجواب عن سقوط غسل الرجلين لأجل الخف . واستدل على وجوبها بأن الله تعالى أمر بها في صلاة الخوف ، التي هي محل التخفيف وسقوط ما لا يسقط في غيرها واحتمال ما لا يحتمل في غيرها ، فما الظن بصلاة الآمن المقيم . فاعترض على ذلك ، بأن المقصود الاجتماع في صلاة الخوف فقصد اجتماع المسلمين وإظهار طاعتهم وتعظيم شعار دينهم ، ولا سيما حيث كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان المقصود أن يظهروا للعدو طاعة المسلمين له وتعظيمهم لشأنه ، حتى أنهم في حال الخوف الذي لا يبقى أحد مع أحد يتبعونه ولا يتفرقون عنه ولا يفارقونه بحال ، وهذا كما جرى لهم في عمرة القضاء معه حتى قال عروة بن مسعود : لقد وفدت على الملوك كسرى وقيصر فلم أر ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم محمداً أصحابه . والذي يدل على هذا ، إنا رأينا الجماعة تسقط عند المطر الذي يبل النعال ، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا صلوا في رحالكم والجمعة تسقط بخشية فوات الخبر الذي في التنور مع كون الجماعة شرطاً فيها . وتسقط خشية مصادفة غريم يؤذيه . ومعلوم أن عذر الحرب وموافقة الكفار أعظم من هذا كله ، ومع هذا فأقيم شعارها في تلك الحال . فدل على أن المقصود ما ذكرنا . قلت : ونحن لا ننكر أن هذا مقصود أيضاً مضموم إلى مقصود الجماعة ، فلا منافاة بينه وبين وجوب الجماعة بل إذا كان هذا أمراً مطلوباً فهو من في أدل الدلائل على وحوب الجماعة في تلك الحال ، ومع أن هذا مقصود أيضاً في اجتماع المسلمين في الصلاة وراء إمامهم وأسباب العبادات التي شرعت لأجلها لا يشترط دوامها في ثبوت تلك العبادات ، بل تلك العبادات تستقر وتدوم . وإن زالت أسباب مشروعيتها . وهذا كالرماط في الطواف والسعي بين الصفا والمروة . 
ونظير هذا ، اعتراضهم على أحاديث الأمر بفسخ الحج إلى العمرة بأن المقصود بها الإعلام بجوز العمرة في أشهر الحج مخالفة للكفار . فقيل لهم : وهذا من أدل الدلائل على استجبابه ودوام مشروعيته فإن ما شرع من المناسك قصداً لمخالفة الكفار ، فإنه دائم المشروعية إلى يوم القيامة . كالوقوف بعرفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم ووقف بها وكانوا يقفون بمزدلفة . فقال : خالف هدينا هدي المشركين وكالدفع من مزدلفة قبل طلوغ الشمس ، فإنهم كانوا لا يدفعون منها حتى تشرق الشمس فقصد مخالفتهم وصارت سنة الى يوم القيامة . وهذه قاعدة من قواعد الشرع ، إن الأحكام المشروعة لهذه الأسباب في الأصل ، لا يشترط في ثبوتها قيام تلك الأسباب ، فلو كان ما ذكرتم من الأسباب في كون الجماعة مأموراً بها في صلاة الخوف هو الواقع لم يلزم منه سقوط الأمر بها عند زوال تلك الأسباب ، وفتح هذا الباب يفضي إلى إسقاط كثير من السنن وذلك باطل .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة ، أو فاطمة أفضل إذا حرر محل التفضيل صار وفاقاً ، فالتفصيل بدون لا يستقيم . فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل ، فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب ، لا بجرد أعمال الجوارح ، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملاً بجوارحه ، والآخر أرفع درجة منه في الجنة . وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم ، فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة . وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها ، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها . وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب ، فلا ريب أن فاطمة أفضل ، فإنها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير إخوتها . 
وإن أريد السيادة ، ففاطمة سيدة نساء الأمة ، وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل . وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل ولم يوازن بينهما ، فيبخس الحق وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصيب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم . وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل فأجاب : فيها بالتفصيل الشافي . فمنها إنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر أو العكس . فأجاب : بما يشفي الصدور . فقال : أفضلهما أتقاهما لله ، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة . ومنها أنه سئل عن عشر ذي الحجة والشعر الأواخر من رمضان ، أيهما أفضل فقال : أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة . وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافياً كافياً ، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة . وفيهما يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية . وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الأحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف شهر . فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة . ومنها أنه سئل عن ليلة القدر وليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلمص أيهما أفضل . فأجاب : بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة ، فحظ النبي الذي اختص به ليلة المعراج منها أكمل من حظه من ليلة القدر ، وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج وإن كان لهم فيها أعظم حظ ، لكن الفضل والشرف والرتبة العليا ، إنما حصلت فيها لمن أسرى به صلى الله عليه وسلم . 
ومنها أنه سئل عن يوم الجمعة ويوم النحر فقال : يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم النحر أفضل أيام العام ، وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه . ومنها أنه سئل عن خديجة وعائشة أم المؤمنين أيهما أفضل . 
فأجاب : بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين وتأثير عائشة في آخر الإسلام ، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها ، فتأمل هذا الجواب الذي لو جئت بغيره من التفضيل مطلقاً لم تخلص من المعارضة . ومنها أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل . فأجاب : بأن صالحي البشر أفضل ، باعتبار كمال النهاية . والملائكة أفضل باعتبار البداية ، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم ، مستغرقون في عبادة الرب . ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر ، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة ، وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ، ويصالح كل منهم على حقه . فعلى المتكلم في هذأ الباب أن يعرف أسباب الفضل أولاً ، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينها ،ثانيا : ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثاً . كثرة وقوة ، ثم اعتبار لفاوتها بتفاوت محلها رابعاً . فرب صفة هي كمال لشخص وليس كمالاً لغيره ، بل كمال غيره بسواها ، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه . وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه . وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا . فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل . 
وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص على الأشخاص وأبعد من الهوى والغرض . وههنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله وهي أن كثيراً ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو على بعد ، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله ، وتكون تلك النسبة والتعلق مهيجة له على التفضيل والمبالغة فيه واستقصاء محاسن المفضل والإغضاء عما سواها ، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس . ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب ، رأى غالبه غير سالم من هذا . وهذا مناف لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضي غيرها ، ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ ، كل منهم لمذهب وطريقته أو شيخه ، وكذلك الأنساب والقبائل والمدائن والحرف والصناعات ، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه . من جهة أخرى وهو أنه يشهد حظه ونفعه المتعلق بتلك الجهة ويغيب عن نفع غيره بسواها ، لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره ، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه ، فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته والله الموفق .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
اختلف ابن قتيبة و ابن الأنباري في السمع والبصر أيهما أفضل ففضل ابن قتيبة السمع ، ووافقه طائفة . واحتج بقوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون [ يونس : 42 - 43 ] ، قال : فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر كان دليلاً على أن السمع أفضل . قال ابن الأنباري : هذا غلط وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون الإقبال والإدبار ، والقرب إلى النجاة والبعد من الهلاك وبه جمال الوجه وبذهابه شينه وفي الحديث : من ذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة ، وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر إذ كأنه أراد إبصار القلوب ولم يرد ابصار العيون ، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله ، لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيقفون على صحته ثم يكذبونه فأنزل الله فيهم : أفأنت تسمع الصم [ يونس : 42 ] ، أي المعرضين ولو كانوا لا يعقلون . ومنهم من ينظر إليك بعين نقص . أفأنت تهدي العمى أي المعرضين ولو كانوا لا يبصرون قال : ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا ، فقد أخبر في قوله تعالى : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . قلت : واحتج مفضلوا السمع بأن به ينال غاية السعادة من سمع كلام الله وسماع كلام رسوله . 
قالوا : وبه حصلت العلوم النافعة قالوا : وبه يدرك الحاضر والغائب والمحسوس والمعقول ، فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السمع . قالوا : ولهذا يكون فاقده أقل علماً من فاقد البصر ، بل قد يكون فاقد البصر أحد العلماء الكبار بخلاف فاقد صفة السمع ، فإنه لم يعهد من هذا الجنس عالم البتة ، قال : مفضلوا البصر أفضل النعيم النظر إلى الرب تعالى . وهو يكون بالبصر والذي يراه البصر لا يقبل الغلط بخلاف ما يسمع فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم . فمدرك البصر أتم وأكمل . قالوا : وأيضاً فمحله أحسن وأكمل وأعظم عجائب من محل السمع ، وذلك لشرفه وفضله . قال شيخنا : والتحقيق أن السمع له مزية والبصر له مزية ، فمزية السمع العموم والشمول ومزية البصر كمال الإدراك وتمامه ، فالسمع أعم وأشمل والبصر أتم وأكمل . فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه وهذا أفضل من جهة كمال إدراكه وتمامه .
تابع فائدة : في مسائل فقهية عن ابن عقيل شيخ الحنابلة رحمه الله 
إذا تزوجها على خمر أو خنزير صح النكاح واستحقت مهر المثل ، ولو خالعها على خمر أو خنزير صح الخلع ولم تستحق عليه شيئاً في أحد القولين . والفرق بينهما عند بعض الأصحاب . أن البضع منقوم في دخوله إلى ملك الزوج ولا يتقوم في خروجه عن ملكه ، أما تقومه داخلاً فلتعلق أحكام المقومات به من استقرار المهر بالدخول ووجوب المهر بوطء الشبهة . ولهذا يزوج الأب ابنه الصغير ولا يخلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها ولا فرق بينهما . إلا أن الابن حصل في ملكه ما له قيمة ، والبنت أخرج مالها في مقابلة ما لا قيمة له في خروجه إليها ، ولو كان خروج البضع من ملك الزوج متقوماً لكان قد بذل مالها فيما له قيمة ، وذلك لا يمتنع ويدل عليه أنه لو طلق زوجته في مرض موته لم يعتبر من الثلث ، ولو كان بخروج البضع قيمة لاعتبر من الثلث . وأيضاً لو خالعها في مرض موته بدون مهر مثلها صح الخلع ، ولو كان خروجه متقوماً لكان بمثابة ما لو باع سلعة بدون ثمنها فإنه محاباة محسوبة من الثلث ، ويدل عليه أيضاً أنه يطلق عليه القاضي في الإيلاء والعنت والإعسار بالنفقة وغير ذلك مجاناً ، ولا عهد لنا في الشريعة بمنقوم يخرج عن ملك مالكه قهراً بغير عوض ، ويدل عليه أنه لو كان بخروجه قيمة لجاز للأب أن يخرجه عن ابنته الصغيرة بشيء من مالها . كما يشتري لها عقاراً أو غيره بمالها . 
قلت : وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمه الله ورضي عنه ، يضعف هذا القول جداً ويذهب إلى خروج البضع من ملكه متقوم ويحتج عليه بالقرآن . قال : لأن الله تعالى أمر المسلمين أن يردوا إلى من ذهبت امرأته إلى الكفار مهره ، إذا أخذوا من الكفار مالاً بغنيمة أو غيرها ، فقال تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا [ الممتحنة : 11 ] ، ومعنى عاقبتم أصبتم منهم عقبى ، وهي الغنيمة هذا قول المفسرين والمقصود أنه قال : فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وهو المهر . وقال تعالى في هذه القصة واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم [ الممتحنة : 10 ] ، فأمر المسلمين أن يسألوا مهور نسائهم ويسأل الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن وأسلمن ، ولولا أن خروج البضع متقوم لم يكن لأحد الفريقين على الآخر مهراً ، واختلف أهل العلم في رد مهر من أسلم من النساء إلى أزواجهن في هذه القصة ، هل كان واجباً أو مندوباً علن قولين أصلهما أن الصلح هل كان قد وقع على رد النساء أم لا . والصحيح أن الصلح كان عاماً على رد من جاء مسلماً مطلقاً ولم يكن فيه تخصيص ، بل وقع بصيغة من المتناولة للرجال والنساء ، ثم أبطل الله منه النساء وعوض منه رد مهورهن ، وهذه شبهة من قان إن حكم هذه اللآية منسوخ ولم ينسخ منه إلا رد النساء خاصة ، وكان رد المهور مأموراً به ، والظاهر أنه كان واجباً لأن الله تعالى قال : واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم ، فثبت أن رد المهور حق لمن يسأله فيجب رده إليه . 
قال الزهري : ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يرد الصداق . وكذك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد ، فلما نزلت هذه الآية أقر المسلمون بحكم الله تعالى وأدوا ما أمررا به من نفقات المشركين على نسائهم ، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله تعالى فيما أمر من رد نفقات المسلمين إليهم . فأنزل الله تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا . فهذا ظاهر القرآن يدل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم . قلت : ويدل عليه أن الشارع كما جعله متقوماً في دخوله ، فكذلك في خروجه ، لأنه لم يدخله إلى ملك الزوج إلا بقيمة وحكم الصحابة رضي الله عنهم في المفقود بما حكموا به من رد صداق امرأته إليه بعد دخول الثاني بها ، دليل على أنه متقوم في خروجه وهذا ثابت عن خمسة من الصحابة منهم عمر وعلي . قال أحمد : أي شيء يذهب من خالفهم فهذا القرآن والسنة وأقوال الخلفاء الراشدين دالة على تقويمه ، ولو لم يكن له قيمة لما صح بذل نفائس الأموال فيه ، بل قيمته عند الناس من أغلى القيم ، ورغبتهم فيه من أقوى الرغبات ، وخروجه عن ملك الرجل من أ عظم المغارم حتى يعده غرماً أعظم من غرم المال . قلت لشيخنا : لو كان خروجه من ملكه متقوماً عليه لكانت المرأة إذا وطئت بشبهة يكون المهر للزوج دونها ، فحيث كان المهر لها دل على أن الزوج لم يملك البضع ، وإنما يملك الاستمتاع ، فإذا خرج البضع عنه لم يخرج عنه شيء كان مالكه . فقال لي الزوج : إنما ملك البضع ليستمتع به ، ولم يملكه ليعاوض عليه . فإذا حصل لها بوطء الشبهة عوض كان لها ، لأن عقد النكاح لم يقتض ملك الزوج المعاوضة عن بضع امرأته فصار ما يحصل لها بجناية الواطىء بمثابة ما يحصل لها بغيره من أروش الجنايات . قلت له : فما تقول في خلع المريض بدون مهر المثل . فقال : هو يملك إخراج البضع مجاناً بالطلاق ، فإذا أخذ منها شيئاً فقد زاد الورثة خيراً . قال : ونحن إنما منعناه من المحاباة فيما ينتقل إلى الورثة ، لأنه يفوته عليهم وبضع الزوجة لا حق للورثة فيه البتة ولا ينتقل إليهم فإذا أخرجه بدون مهر المثل لم يفوتهم حقاً ينتقل إليهم انتهى . قلت : وأما منع الأب من خلع ابنته بشيء من مالها فليست مسألة وفاق ، بل فيها قولان مشهوران ونحن إذا قلنا إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب وإن له أن يعفو عن صداق ابنته فبل الدخول وهو الصحيح لبضعة عشر دليلاً قد ذكرتها في موضع آخر ، فكذلك خلعها بشيء من مالها ، بل هو أولى لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجاناً فلأن يملك إسقاطه ليخلصها من رق الزوج وأسره ويزوجها بمن هو خير لها منه أولى وأحرى . وهذه رواية عن أحمد ذكرها أبو الفرج في مبهجه وغيره واختارها شيخنا . وأما قولكم : إنه يخرج من ملكه قهراً بغير عوض فيما إذا طلق عليه الحاكم لإعسار أو عنت أو غيرها ، فجوابه أن الشارع ، إنما ملكه البضع بالمعروف ، وإنما ملكه بحقه فإذا لم يستمتع به بالمعروف الذي هو حقه أخرجه الشارع عنه قال تعالى : وعاشروهن بالمعروف [ البقرة : 191 ] ، وقال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [ البقرة : 228 ] ، وقال : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة : 229 ] ، فأوجب الله على الزوج أحد الأمرين ، إما أن يمسك بمعروف ، وإما أن يسرح بإحسان ، فإذا لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان سرح الحاكم عليه قهراً . قلت لشيخنا : فلو قتلت الزوجة لم يجب للزوج المهر على قاتلها ، مع كونه قد أخرج البضع عن ملكه وفوته إياه ، فلو كان خروجه متقوماً لوجب له على القاتل المهر . فقال : النكاح معقود على مدة الحياة ، فإذا قتلت زال وقت النكاح وانقضى أمده ، فلا يجب للزوج شيء بعد ذلك كما لو ماتت . قلت له : فلو أفسد مفسد نكاحها بعد الدخول لاستقر المهر على الزوج ولم يرجع على المفسد ، فضعف هذا القول . 
وقال : عندي أنه يرجع به وهو المنصوص عن أحمد وهو مبني على هذا الأصل ، فإذا ثبت أن خروج البضع من ملكه متقوم فله قيمته على من أخرجه من ملكه . قلت : ويرد عليه ما لو أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول ، فإن مهرها لا يسقط قولاً واحداً ولم أسأله عن ذلك ، وكان يمنع ذلك ويختار سقوط المهر ويثبت الخلاف في المذهب . ولا فرق بين ذلك وبين إفساد الأجنبي فطرد قول من طرد هذا الأصل . وقال : بالتقويم في حال الخروج أن يسقط إذا أفسدته هي . ولو قيل إن مهرها لا يسقط بذلك قولاً واحداً ، وإن قلنا : بأن خروج البضع متقوم فيجب لها مهرها المسمى في العقد وعليها مهر المثل وقت الإفساد ، لأن اعتبار خروجه عن ملكه حينئذ لكان متوجهاً ، ولكن يشكل على هذا أن الله سبحانه وتعالى اعتبر في خروج البضع ما أنفق الزوج وهو المسمى لا مهر المثل . وكذلك الصحابة حكموا للمفقود بالمسمى الذي أعطاها لا بمهر المثل ، فطرد هذه القاعدة أن مهرها يسقط بإفسادها ، وهو الذي كان شيخنا يذهب إليه . فإن قيل : فما تقولون في شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول أو بعده . قيل : أما قبل الدخول فيلزمه نصف المهر ويرجع به على الشهود . وفيها مأخذان : 
أحدهما : أنه يقوم عليه في دخوله بنصف المهر الذي غرمه فيقوم عليه في خروجه . بظيره . 
والثاني : أنهم ألجأوه إلى غرمه وكان بصدد السقوط جملة بان ينسب الزوجة إلى إسقاطه . ورجح هذا المأخذ بأنه لو كان الغرم لأجل التقويم للزمهم نصف مهر المثل ، لأنه هو القيمة لا المسمى ، وقد تقدم أن الشارع إنما اعتبر تقويمه في الخروج بالمسمى لا بمهر المثل ، وكذلك خلفاؤه الراشدون . فإن قيل : لو كان الغرم لأجل التقويم للزم الشهود جميع المهر ، لأنهم أخرجوا البضع كله من ملكه . قيل : هو متقوم عليه بما بذله فلما كان من المبذول نصف المهر كان هو الذي رجع به ، ولا ريب أن خروج البضع قبل الدخول دون خروجه بعد الدخول . فان المقصرد بالنكاح لم يحصل إلا بالدخول ، فإذا دخل استقر له ملك البضع واستقر عليه الصداق ، وأما إذا رجع الشهود بعد الدخول ، فكذلك يقول يجب عليهم غرم المهر الذي بذله الزوج ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رضي الله عنه . فان قيل : فما في مقابلة المهر قد استرفاه بوطئه فلم يفت عليه شي . قيل : ليس كذلك ، لأنه إنما بذل المهر في مقابلة بضع يسلم له الاستمتاع به ، فإذا لم يسلم له رجع بما بذله ، ويدل عليه حكم الله عزوجل في المهاجرات وحكم الصحابة في امرأة المفقود ، فإن قيل : فما تقولون فيما إذا أفسدت امرأة نكاحه برضاع ، قيل : إن أفسدته قبل الدخول غرمت نصف المهر . 
وفيه مأخذان : 
أحدهما : أنها قررته عليه ، وهذا مأخذ كثير من الأصحاب لظنهم أنه لو كان لأجل التقويم لغرمت كمال المهر بعد الدخول . 
والثاني : وهو الصحيح ، أنها إنما غرمت لأنه متقوم في خروجه ، وقد يقوم بنصف المهر وهو الذي بذله فهو الذي يرجع به وعلى هذا فإذا كان الإفساد بعد الدخول رجع عليها بكمال المهر . هذا منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى . وفي رواية أبي القاسم وقال بعض أصحابه : لا يرجع شيء والمنصوص هو الأقوى دليلاً ومذهباً والله تعالى أعلم .
فائدة : إذا خاف على نفسه الهلاك وأبى صاحب الطعام أن يبدله له إلا بعقد الربا . . . إلخ 
إذا خاف على نفسه الهلاك وأبى صاحب الطعام أن يبذله إلا بعقد ربا ، فهل يباح أخذه منه على هذا الوجه أو يغالبه ويقاتله . فقال بعض أصحاب أحمد : الربا عقد محظور لا تبيحه الضرورة والمغالبة والمقاتلة ، للمانع طريق إباحة الشرع فينبغي له أن يغلبه على قدر ما يحتاج إليه ولا يدخل في الربا ، فإن لم يقدر دخل معه في العقد ملافظة وعزم بقلبه على أن لا يتمم عقد الربا ، بل إن كان نسيئاً عزم على أن يجعل العوض الثابت في الذمة قرضاً . ولو قيل : إن له أن يظهر معه صورة الربا ولا يغالبه ولا يقاتله ويكون بمنزلة المكره فيعطيه من عقد الربا صورته لا حقيقته ، لكان أقوى من مقاتلة فلو اتفق مثل هذا لامرأة فأبى صاحب الطعام أن يبذله لها إلا بالفجور بها ، فهل يباح لها ذلك إذا خافت الهلاك . قال بعض أصحابنا : لها أن تبذل نفسها ويجري ذلك مجرى التهديد بقتلها من قادر فإن المنع في هذه الحال قتل ، ولهذا يجب القود على صاحب الطعام إذا منع المضطر حتى مات ، قال : وغاية ما يمكنها مما يبعدها عن الزنا يجب فعله بان تقول قدم عقد زوجية على أرخص المذاهب ولو بمتعة ولا تمكنه تمكيناً بغير عقد رأساً مع إمكان أن يرغب إليه في عقد على قول بعض أهل الإسلام . فلو اتفق مثل هذا لصبي صبر لحكم الله ولقائه ولم يجز له التمكين من نفسه بحال ، لأن الضرر اللاحق له بتمكينه أعظم فساداً من الضرر اللاحق له بفوات الحياة والله أعلم .
تابع فائدة : إذا خاف على نفسه الهلاك وأبى صاحب الطعام أن يبدله له إلا بعقد الربا . . . إلخ 
رجل له على ذمي دين ، فباع الذمي خمراً وقضاه من ثمنه ، فأبى أن يأخذه قال الإمام أحمد : ليس له إلا أن يأخذه أو يبرئه ، واستدل بقول عمر في أخذ العشر منهم من ثمنه ولو هم بيعها وخذوا العشر من أثمانها .
تابع فائدة : إذا خاف على نفسه الهلاك وأبى صاحب الطعام أن يبدله له إلا بعقد الربا . . . إلخ 
إذا غصب مالاً وبنى به رباطاً أو مسجداً أو قنطرة فهل ينفعه ذلك أو يكون الثواب للمغصوب منه . قال ابن عقيل : لا ثواب على ذلك لواحد منهما ، أما الغاصب فعليه العقوبة وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة ، وأما صاحب المال فلا وجه لثوابه ، لأن ذلك البناء لم يكن له فيه نية ولا حسبة ، وما لم يكن للمكلف فيه عمل ولا نية فلا يثاب عليه ، وإنما يطالب غاصبه يوم القيامة فيأخذ من حسناته بقدر ماله . قلت : في هذا نظر ، لأن النفع الحاصل للناس متولد من مال هذا وعمل هذا ، والغاصب وإن عوقب على ظلمه وتعديه واقتص المظلوم من حسناته ، فما تولد من نفع الناس بعمله له وغصب المال عليه ، وهو لو غصبه وفسق به لعوقب عقوبتين ، فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطاً أو مسجداً أو افتك به أسيراً فإنه قد عمل خيراً وشراً . فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [ الزلزلة : 7 ] ، وأما ثواب صاحب المال . فإنه وإن لم يقصد ذلك فهو متولد من مال اكتسبه ، فقد تولد من كسبه خير لم يقصده فيشبه ما يحصل له من الخير بولده البار وإن لم يقصد ذلك الخير ، وأيضاً فإن أخذ ماله مصيبة ، فإذا أنفق في خير فقد تولد له من المصيبة خير . والمصائب إذا ولدت خيراً لم يعدم صاحبها منه ثواباً ، وكما أن الأعمال إذا ولدت خيراً أثيب عليه وإن لم يقصده ، فالمصائب إذا ولدت خيراً لم يمنع أن يثاب عليه وإن لم يقصده والله أعلم .
تابع فائدة : إذا خاف على نفسه الهلاك وأبى صاحب الطعام أن يبدله له إلا بعقد الربا . . . إلخ 
رجل مات وترك ديناً فورثه ولده ولم يستوفه ، فهل المطالبة به في الآخرة له أو لولده ؟ قال بعض أصحاب أحمد : المطالبة للابن ، لأن الأرث انتقل عن الأب إلى الابن فصار الحق له . قلت : وفي هذا نظر ، وينبغي التفصيل ، فإن كان الموروث قد عجز عن استيفائه وتعذر عليه . فقد وجب أجره له . وله حق المطالبة لا للابن لأن الأرث انتقل عن الأب إلى يوم القيامة والحقوق الأخروية لا تورث وإن أمكنه المطالبة به فلم يطالب به حتى مات . انتقل إلى الولد ، فإذا لم يوفه إياه كان حق المطالبة به للولد . وقد قال بعض الناس : إنه إذا لم يوف الميت ولا وارثه حتى مات الوارث وورثه آخر ، ثبتث المطالبة لكل واحد منهم . وتضاعفت عليه المطالبة لاستحقاق كل واحد منهم ذلك الحق عليه .
فائدة في سر اشتمال الم على هذه الحروف الثلاثة 
تأمل سراً : لم كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة فالألف إذا بدأ بها أولاً كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج الحروف ، وهي أشد الحروف اعتماداً على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم . وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف ، أعني الحلق واللسان والشفتين . وترتيب في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية . فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجاً ، فيصير منها تسعة وعشرون حرفاً عليها مدار كلام الأمم الأولين والآخرين مع تضمنها سراً عجيباً . وهو أن للألف البداية واللام التوسط والميم النهاية ، فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما . وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه ، فمشتملة على تخليق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر . فتامل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم . 
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها ، وهي الجهر والشدة والاستعلا والإطباق والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح ، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء ، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف . وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة . كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف ، فمن ذلك ق والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مراراً والقرب من ابن آدم وتلقي الملكين قول العبد وذكر الرقيب وذكر السائق والقرين والإلقاء في جهنم والتقديم بالوعيد وذكر المتقين وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد وذكر القيل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وحقوق الوعيد . ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح . وإذا أردت زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة ص من الخصومات المتعددة ، فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم : أجعل الآلهة إلهاً واحداً إلى آخر كلامهم ، ثم اختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار ، ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لأدم ، ثم خصامه ثانياً في شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم . 
فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهده السورة غير ص وبسورة ق غير حرفها . وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف والله أعلم .
فوائد من السياسة الشرعية 
من السياسة الشرعية نص عليه الإمام أحمد . قال في رزاية المروزي وابن منصور : المخنث ينفى ، لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له . وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله وإن خاف عليهم حبسه . ونقل حنبل عنه ، فيمن شرب خمراً في نهار رمضان . أو أتى شيئاً نحو هذا أقيم عليه الحد وغلظ عليه مثل الذي قتل في الحرم دية وثلث . ونقل حرب عنه إذا أتت المرأة المرأة يعاقبان ويؤدبان . وقال أصحاب أحمد : إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك إذا رأى ، لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة ، فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب وكان أشدهم قولاً . فقال : إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن يحرقوا بالنار فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوا بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقوا ، ثم حرقهم ابن الزبير ثم حرقهم هشام بن عبد الملك . ونص أحمد فيمن طعن في الصحابة، على أنه قد وجب على السلطان عقوبته ، وليس للسلطان أن يعفو عنه ، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب وإلا أعاد عليه العقوبة .
فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
قال ابن عقيل : شهد شيخنا ومعلمنا المناظرة أن أبا إسحاق الفيروزبادي لا يخرج شيئاً إلى فقير إلا أحضر النية ، ولا يتكلم في مسألة إلا قدم الاستعانة بالله وإخلاص القصد في نصرة الحق دون التزين والتحسين للخلق ، ولا صنف مسألة إلا بعد أن صلى ركعات فلا جرم شاع اسمه . واشتهرت تصانيفه شرقاً وغرباً هذه بركات الإخلاص .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
عوتب ابن عقيل في تقبيل يد السلطان حين صافحه . فقال : أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يده أكان خطأ أم واقعاً موقعه . قالوا : بلى . قال : فالأب يربي ولده تربية خاصة والسلطان يربي العالم تربية عامة ، فهو بالإكرام أولى ثم قال : وللحال الحاضرة حكم من لابسها . وكيف يطلب من المبتلى بحال ما يطلب من الخالي عنها .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
أورد شيخنا الهراسي سؤالاً على القول بكفر تارك الصلاة ، وزعم أنه لا جواب عنه ، فقال : إذا أراد هذا الرجل معاودة الإسلام فبماذا يسلم ، فإنه لم يترك كلمة الإسلام فأجابه ابن عقيل بأن قال : إنما كان كفره بترك الصلاة لا بترك الكلمة ، فهو إذا عاود فعل الصلاة صارت معاودته للصلاة إسلاماً . فإن الدال على إسلام الكافر الكلمة أو الصلاة . 
قلت : وهذا الذي ذكره شيخنا يرد عليه في كل من كفر بشيء من الأشياء ، مع إتيانه بالشهادتين وتلك صور عديدة .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
سأل سائل فقال : إذا كانت الجنة لا موت فيها ، فكيف يأكلون فيها لحم الطير وهو حيوان قد فارقته الروح . فأجيب : بأنه يجوز أن لا يكون ميتاً ، وهذا جواب في غاية الغثاثة . قال ابن عقيل : وما الذي أحوجه إلى هذا ، والجنة دار لا يخلق فيها أذى ولا نصب لا مطلقاً . بل لا يدخل الداخل إليها ذلك على طريق الإكرام ، كما قال تعالى : إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى [ طه : 118 ] ، وذلك مشروط بالطاعة ، فإذا جاز ذلك في حق آدم علم أنه ليس بواجب في حق الطير ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يكون هذا الطائر مشوياً لا عن روح خرجت منه أو عن روح خرجت خارج الجنة ، وولج الجنة وهو لحم مشوي قلت : وما الذي أوجب هذا التكلف كله ، فالجنة دار الخلود لأهلها وسكانها . وأما الطير فهو نوع من أنواع الأطعمة التي يحدثها الله لهم شيئاً بعد شيء فهو دائم النوع ، وإن كان آحاده متصرمة كالفاكهة وغيرها ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين ينحر لهم يوم القيامة ثور الجنة الذي كان يأكل منها ، فيكون نزلهم . فهذا حيوان قد كان يأكل من الجنة فينحر نزلاً لأهلها والله أعلم .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
الدنيا سجن المؤمن فيه تفسيران صحيحان . 
أحدهما : أن المؤمن قيده إيمانه عن المحظورات والكافر مطلق التصرف . 
الثاني : أن ذلك باعتبار العواقب . فالمؤمن لو كان أنعم الناس ، فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسجن . والكافر عكسه فإنه لو كان أشد الناس بؤساً ، فذلك بالنسبة إلى النار جنته .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
سأل تلميذ استاذه أن يمدحه في رقعة إلى رجل ويبالغ في مدحه بما هو فوق رتبته . فقال : لو فعلت ذلك لكنت عد المكتوب إليه ، إما مقصراً في الفهم حيث أعطيتك فوق حقك . أو متهماً في الإخبار ، فأكون كذاباً ، وكلا الأمرين يضرك ، لأني شاهدك ، وإذا قدح في الشاهد بطل حق المشهود له .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
قال قائل : أراني إذا دعيت باسمي دون لقبي شق ذلك علي جداً بخلاف السلف ، فإنهم كانوا يدعون بأسمائهم فقيل له : هذا لمخالفة العادات ، لأن أنس النفوس بالعادة طبيعة ثابتة ، ولأن الاسم عن السلف لم يكن عندهم دالاً على قلة رتبة المدعو . واليوم صارت المنازل في القلوب تعلم بإمارة الاستدعاء، فإذا قصر دل على تقصير رتبته فيقع السخط لما وراء الاستدعاء ، فلما صارت المخاطبات موازين المقادير شق على المحطوط من رتبته قولاً كما يشق عليه فعلاً .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
سمع بعض أهل العلم رجلاً يدعو بالعافية فقال له : يا هذا استعمل الأدوية وادع بالعافية، فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقاً وهو التداوي ، ودعوته بالعافية ربما كان جوابه قد عافيتك بما جعلته ووضعته سبباً للعافية ، وما هذا إلا بمثابة من بين زرعه وبين الماء ثلمة يدخل منها الماء يسقي زرعه ، فجعل يصلي ويستسقي لزرعه ويطلب المطر مع قدرته على فتح تلك الثلمة لسقي زرعه . فان ذلك لا يحسن منه شرعاً ولا عقلاً ولم يكن ذاك إلا لأنه سبق بإعطاء الأسباب فهو إعطاء بأحد الطريقين . وله أن يعطي بسبب وبغير سبب ، وبالسبب ليتبين به ما أفاض من صنعه وما أودع قي مخلوفاته من القوى والطبائع والمنافع ، وإعطاؤه بغير سبب ليتبين للعباد أن القدرة غير مفتقرة إلى واسطة في فعله ، فإذا دعوته بالعافية فاستنقذ ما أعطاك من العتائد والأرزاق ، فإن وصلت بها وإلا فاطلب طلب من أفلس من مطلوبه فرغب إلى المعدن كما قال سيد الخلائق : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك قلت : هذا كلام حسن وأكمل منه أن يبذل الأسباب ويسأل سؤال من لم يدل بشيء البتة . والناس في هذا المقام أربعة أقسام : 
فأعجزهم من لم يبذل السبب ولم يكثر الطلب فذاك أمهن الخلق . 
والثاني : مقابله وهو أحزم الناس من أدلي بالأسباب التي نصبها الله مفضية إلى المطلوب . وسأل سؤال من لم يدل بسبب أصلاً ، بل سؤال مفلس بائس ليس له حيلة ولا وسيلة . 
الثالث : من استعمل الأسباب وصرف همته إليها وقصر نظره عليها فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله عليها لكنه منقوص منقطع نصب الآفات والمعارضات ، لا يحصل له إلا بعد جهد فإذا حصل فهو وشيك الزوال سريع الانتقال غير معقب له توحيداً ولا معرفة ولا كان سبباً لفتح الباب بينه وبين معبوده . 
الرابع : مقابلة وهر رجل نبذ الأسباب وراء ظهره وأقبل على الطلب والدعاء والابتهال ، فهذا يحمد في موضع ويذم في موضع ويشينه الأمر في موضع . فيحمد عند كون تلك الأسباب غير مأمور بها إذ فيها مضرة في دينه فإذا تركها وأقبل على السؤال والابتهال والتضرع لله كان محموداً . ويذم حيث كانت الأسباب مأموراً بها ، فتركها وأقبل على الدعاء كمن حصره العدو وأمر بجهاده فترك جهاده وأقبل على الدعاء والتضرع أن يصرفه الله عنه ، وكمن جهده العطش وهو قادر على تناول الماء فتركه . 
وأقبل يسأل الله تعالى أن يرويه ، وكمن أمكنه التداوي الشرعي فتركه وأقبل يسأل العافية ونظائر هذا . ويشتبه الأمر في الأسباب التي لا يتبين له عواقبها ، وفيها بعض الاشتباه ، ولها لوازم قد يعجز عنها وقد يتولد عنها ما يعود بنقصان دينه . فهذا موضع اشتباه وخطر . والحاكم في ذلك كله الأمر فإن خفي فالاستخارة وأمر الله وراء ذلك .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
قال أحمد : إذا تزوج العبد حرة عتق نصفه . ومعنى هذا ، أن أولاده يكونون أحراراً وهم فرعه ، فالأصل عبد وفرعه حر والفرع جزء من الأصل .
تابع فتاوى عن العلامة ابن عقيل 
حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء . 
أحدهما : رد الحق لمخالفته هواك ، فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك . قال تعالى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [ الأنعام : 110 ] ، فعاقبهم على رد الحق أول مرة ، بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك . 
والثاني : التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك . قال تعالى : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل : لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين [ التوبة : 83 ] ، فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة .
حادثة وقعت في أيام ابن جرير وجوابه عنها 
وقعت حادثة في أيام ابن جرير . وهي أن رجلاً تزوج امرأة فأحبها حباً شديداً ، وأبغضته بغضاً شديداً ، فكانت تواجهه بالشتم والدعاء عليه . فقال لها يوماً : أنت طالق ثلاثاً لا تخاطبيني بشيء إلا خاطبتك بمثله . فقالت له في الحال : أنت طالق ثلاثاً بتاتاً ، فأبلس الرجل ولم يدر ما يصنع فاستفتى جماعة من الفقهاء . فكلهم قال : لا بد أن تطلق فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت . وإن لم يجبها حنث وطلقت ، فإن بر طلقت وإن حنث طلقت . فأرشد به إلى ابن جرير فقال له : امض ولا تعاود الإيمان ، وأقم على زوجتك بعد أن تقول لها أنت طالق ثلاثاً إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها بمثل خطابها لك فوفيت بيمينك ولم تطلق منك لما وصلت به الطلاق من الشرط . فذكر ذلك لابن عقيل فاستحسنه . وقال وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير وهو أنها قالت له : أنت طالق ثلاثاً بفتح التاء وهو خطاب تذكير ، فإذا قال لها : أنت بفتح التاء لم يقع به طلاق ، قلت : وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين وهو جار على أصول المذهب ، وهو تخصيص اللفظ العام بالنية ، كما إذا حلف لا يتغدى ونيته غداء يومه قصر عليه . وإذا حلف لا يكلمه ونيته تخصيص الكلام بما يكرهه ، لم يحنث إذا كلمه بما يحبه ونظائره كثيرة . وعلى هذا فنياط الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد أنها لا تكلم بشتم أو سب أو دعاء ، أو ما كان من هذا الباب إلا كلمها بمثله . ولم يرد أنها إذا قالت له : اشتر لي مقنعة أو ثوباً أن يقول لها اشتري لي ثوباً أو مقنعة وإذا قالت له : لا تشتر لي كذا فإني لا أحبه أن يقول لها مثله . هذا مما يقطع أن الحالف لم يرده ، فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنث . وهكذا يقطع بأن هذه الصورة المسؤولع عنها لم يردها ولا كان بساط الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله ، وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هيج يمينه وبعثه على الحلف . ومثل هذا يعتبر عندنا في الإيمان .
تفسير آية إذا الشمس كورت 
قرأ قارىء : إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت [ التكوير : 1 ، 3 ] ، وفي الحاضرين أبو الوفاء بن عقيل . فقال له قائل : يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب وزوج النفوس بقرنائها بالثواب والعقاب فلم هدم الأبنية وسير الجبال ودك الأرض وفطر السماء ونثر النجوم وكور الشمس . فقال : إنما بنى لهم الدار للسكنى والتمتع وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر ، فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم من الدار خربها لانتقال الساكن منها . 
فأراد أن يعلمهم بأن الكونين كانت معمورة بهم وفي إحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وبيان المقدرة بعد بيان العزة وتكذيب لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان ، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ، فاذا رأوا آلهتهم قد انهدمت وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت ومحالها قد تشققت . ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر له رب يصرفه كيف يشاء تكذيباً لملاحدة الفلاسفة . القائلين بالقدم ، فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار ودلالة على عظم عزته وقدرته وسلطانه وانفراده بالربوية وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره وإذعانها لمشيئته ، فتبارك الله رب العالمين .
الدليل على حشر الوحوش 
الدليل على حشر الوحوش وجوه : 
أحدها : قوله تعالى : وإذا الوحوش حشرت [ التكوير : 5 ] . 
الثاني : قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون [ الأنعام : 38 ] . 
الثالث : حديث مانع صدقة الإبل والبقر والغنم وإنها تجيء يوم القيامة أعظم ما كانت واسمنه تنطحه بقرونها وتطاؤه بأظلافها وهو متفق على صحته . 
الرابع : حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم : رأى شاتين ينتطحان فقال : يا أبا ذر أتدري فيما ينتطحان ؟ قال : قلت : لا ، قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما ، رواه أحمد في مسنده . 
الخامس : الآثار الواردة في قوله تعالى : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً [ النبأ : 40 ] ، وأن الله تعالى يجمع الوحوش ثم يقتص من بعضها لبعض ثم يقول لها : كوني تراباً فتكون تراباً فعندها يقول الكافر : يا ليتني كنت تراباً [ النبإ : 40 ] .
بيان الحكمة في التشديد في أول ، التكليف والتيسير في آخره 
تأمل الحكمة في التشديد في أول التكليف ثم التيسير في آخره بعد توطين النفس على العزم والامتثال ، فيحصل للعبد الأمر أن الأجر على عزمه ، وتوطين نفسه على الامتثال والتيسير والسهولة بما خفف الله عنه . فمن ذلك أمر الله تعالى رسوله بخمسين صلاة ليلة الإسراء ، ثم خففها وتصدق بجعلها خمساً . ومن ذلك . أنه أمر أولاً ، بصبر الواحد إلى العشرة ثم خفف عنهم ذلك إلى الاثنين ، ومن ذلك أنه حرم عليهم في الصيام إذا نام أحدهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامع ، ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر . ومن ذلك أنه أوجب عليهم تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلما وطنوا له أنفسهم على ذلك خففه عنهم . ومن ذلك تخفيف الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشراً . وهذا كما قد يقع في الابتلاء بالأوامر فقد يقع في الابتلاء بالقضاء ، والقدر يشدد على العبد أولاً ثم يخفف عنه ، وحكمة تسهيل الثاني بالأول وتلقي الثاني بالرضى وشهود المنة والرحمة . وقد يفعل الملوك ببعض رعاياهم قريباً من هذا . فهؤلاء المصادرون يطلب منهم الكثير جداً الذي ربما عجزوا عنه ، ثم يحطون إلى ما دونه لتطوع لهم أنفسهم بذله ويسهل عليهم . وقد يفعل بعض الحمالين قريباً من هذا ، فيزيدون على الحمل شيئاً لا يحتاجونه إليها ، ثم يحط تلك الأشياء فيسهل حمل الباقي عليهم . والمقصود أن هذا باب من الحكمة خلقاً وأمراً ويقع في الأمر والقضاء . والقدر أيضاً ضد هذا فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه ، لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له ، وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئاً بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة . وكذلك المحرمات . 
ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولاً ركعتين ركعتين ، فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر . ومن هذا أنهم أمروا أولا بصيام وخيروا فيه بين الصوم عيناً وبين التخيير بينه وبين الفدية ، فلما ألفوه أمروا بالصوم عيناً . ومن هذا أنهم أذن لهم بالجهاد أولاً من غير أن يوجبه عليهم فلما توطنت عليهم نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أمروا به فرضاً . وحكمة هذا التدريج التربية على قبول الأحكام والإذعان لها والإنقياد لها شيئاً فشيئاً . وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده ، بل لا بد منه اقتضاه حمده وحكمته فيبتليه بالأخف أولاً ثم يرقيه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه . ولهذا قد يسعى العبد في أول البلاء في دفعه وزواله ولا يزداد إلا شدة لأنه كالمرض في أوله وتزايده . فالعاقل يستكين له أولاً وينكسر وبذل لربه ويمد عنقه خاضعاً ذليلاً لعزته ، حتى إذا مر به معظمه وغمرته وأذن ليله بالصباح ، فإذا سعى في زواله ساعدته الأسباب . ومن تأمل هذا في الخلق انتفع به انتفاعاً عظيماً ولا حول ولا قوة إلا بالله .
رجل طلبت زوجته أن يطلقها فقال إن كنت تريدين أن أطلقك فأنت طالق فهل يقع الطلاق أم لا 
رجل قالت له زوجته أريد منك أن تطلقني فقال لها إن كنت تريدين أن أطلقك فأنت طالق فهل يقع الطلاق أو لا بد من إخبارها عن إرادة مستقبلة . قال بعض الفقهاء : لا بد من إرادة مستقبلة عملاً بمقتضى الشرط . وأن تأثيره إنما هو في المستقبل . وقال بعضهم : بل تطلق بذلك اكتفاء بدلالة الحال على أنه إنما أراد بذلك ، إجابتها إلى ما سألته من طلاقها المراد لها فأوقعه معلقاً له بإرادتها التي أخبرته بها . هذا هو المفهوم من الكلام لا يفهم الناس غيره . وقال ابن عقيل : ظاهر الكلام ووضعه يدل على إرادة مستقبلة ، ودلالة الحال تدل على أنه أراد إيقاعه لأجل الإرادة التي أخبرته بها ولم يزد . 
قلت : وكأنه ترجيح منه للوقوع اكتفاء بدلالة الحال على ما هو المعهود من قواعد المذهب ولفظ الشرط ، في مثل هذا لا يستلزم الاستقبال ، وقد جاء مراداً به الشسروط المقارن للتعليق وهو كثير في أفصح الكلام كقوله تعالى : وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين [ الأنفال : 1 ] ، وقوله : واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون [ النمل : 114 ] ، وقوله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين [ الأنعام : 118 ] ، وقول مريم : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً [ مريم : 18 ] ، وهو كثير جداً . ولما كان ما يتلو أداة الشرط في هذا لا يراد به المستقبل ، بل يراد الحال والماضي . قال بعض النحاة : إن فيه بمعنى إذا التي تكون للماضي . وقال غيره : إنها للتعليل . والتحقيق فيها أنها للشرط على بابها والشرط في ذلك داخل الكون المستمر المطلوب دوامه واستمراره . دون تقيده بوقت دون وقت فتأمله .
فائدة في الكلام على الماء وطهارته والكلام على النية وبيان ما يشترط فيه وهو بحث واسع ممتع 
استدل على أن النية لا تشترط في طهارة الماء بأن الماء خلق على صفات وطبيعة لا يحتاج في حصول أثرها إلى النية ، وخلق طهوراً وخلق مروياً وخلق مبرداً سائلاً ، كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه ، فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد به ، فكذلك في حصول التطهير يوضحه أنه خلق طاهراً أو طهوراً وطاهريته لا تتوقف على نية ، فكذلك طهوربته يزيده إيضاحاً أن عمله في أقوى الطهارتين . وهي طهارة الخبث لا تتوقف على نية فعدم توقف عمله على النية في الطهارة الأخرى أولى ، وإنما قلنا إنها أقوى الطهارتين ، لأن سببها وموجبها أمر حسي . وخبث مشاهد ، ولأنه لا بد لها من التراب فقد ظهرت قوتها حساً وشرعاً يزيده بياناً . قوله صلى الله عليه وسلم : خلق الماء طهوراً صريح في أنه مخلوق على هذه الصفة وطهوراً منصوب على الحال ، أي خلق على هذه الحالة ص ت كونه طهوراً وإن كانت حالاً لازمة ، فهي كقولهم : خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها ، فهذه الصفة وهي الطهورية مخلوقة معه نويت أو لم تنو . والاستدلال بهذا قريب من الاستدلال بقوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهوراً [ الفرقان : 48 ] ، يوضح ذلك أيضاً ، أن النية إن اعتبرت بجريان الماء على الأعضاء فهو حاصل نوى أو لم ينو ، وإن اعتبر الحصول الوضاءة والنظافة ، فكذلك لا يتوقف حصولها على نية وإن اعتبرت لإزالة الحدث المتعلق بالأعضاء . فقد بينا أن الخبث المتعلق بها أقوى من الحدث وزوال هذا الأقوى لا يتوقف على النية ، فكيف للأضعف . يوضحه أيضاً أنا رأينا الشريعة قد قسمت أفعال المكلفين إلى قسمين . 
قسم : يحصل مقصوده والمراد منه بنفس وقوعه فلا يعتبر في صحة نية كأداء الديون ورد الأمانات والنفقات الواجبة وإقامة الحدود وإزالة النجاسات وغسل الطيب عن المحرم واعتداد المفارقة وغير ذلك . فإن مصالح هذه الأفعال حاصلة بوجودها ، ناشئة من ذاتها ، فإذا وجدت حصلت مصالحها فلم تتوقف صحتها على نية . 
القسم الثاني : ما لا يحصل مراده ومقصوده منه بمجرده ، بل لا يكفي فيه بمجرد صورته العارية عن النية ، كالتلفظ بكلمة الإسلام والتلبية فى الإحرام . وكصورة التيمم والطواف حول البيت ، والسعي بين الصفا والمروة والصلاة والاعتكاف والصيام . ولما كان إزالة الخبث من القسم الأول اكتفى فيه بصورة الفعل لحصول مقصوده . وقد عللنا أن المراد من الوضوء النظافة والوضاءة وقيام العبد بين يدي الرب تبارك وتعالى على أكمل أحواله مستور العورلة متجنباً للنجاسة نظيف الأعضاء وضيئها . وهذا حاصل بإتيانه بهذه الأفعال نواها أو لم ينوها . يوضحه : أن الوضوء غير مراد لنفسه ، بل مراد لغيره ، والمراد لغيره لا يجب أن ينوي لأنه وسيلة . وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد . ولهذا كانت نية قطع المسافة في الحج والجمعة غير واجبة ولا تتوقف الصحة عليها ، وكذلك نية شراء الماء وشراء العبد في عتق الكفارة وشراء الطعام فيها غير واجبة ، إذ هذه وسائل مرادة لغيرها . وكذلك الوضوء وسيلة تراد للصلاة فهي كطهارة المكان والثياب . يوضحه أيضاً : أن النية لو اعتبرت في الوضوء لاعتبرت في سائر شروط الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة وغيرهما ، ولا أرى منازعي القوم يتمكنون من الجواب عن هذه الكلمات بجواب شاف ، وهذه أجوبتهم في طريقهم . فعليك بمراجعتها ، ونحن لا نرتضي هذا الرأي ، ولكن لم نر استدلال منازعتهم وأجوبتهم لهم أقوى من هذه الأدلة وما ذاك لضعف المسألة من جانبهم ، ولكن لأن الكلام في مسألة النية شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحة وفساداً ، وإنما هي الأصل المراد المقصود وأعمال الجوارح تبع ومكملة ومتممة ، وإن النية بمنزلة الروح ، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات ، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث . فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها . وكذلك أيضاً لا يتحقق الكلام في المسألة إلا بعد معرفة حقيقة النية . وهل هي من جنس المعلوم والتصورات ، أو من جنس الإرادات والعزوم أو حقيقتها مركبة من الأمرين ، وأما من قدر انبساطها وانقسامها على حروف معينة . 
لكل حرف منها جزء من أجزاء النية ، فلم يحصل معنى النية فضلاً عن أن يتمكن من ردة قول منازعه في اعتبارها . وكذلك من ظن أنها لا تتحقق إلا بجريان ألفاظ من اللسان يخبر بها عنها ، لم يحصل أيضاً معناها فيجب أن نعلم حقيقتها أولاً ومنزلها من أعمال القلوب ، وإنه مستحيل عليها الانبساط والانقسام ، وأنه لا مدخل للألفاظ البتة . ويفرق بين النية المتعلقة بالمعبود التي هي من لوازم ا الإسلام وموجباته ، بل هي روحه وحقيقته التي لا يقبل الله من عامل عملاً بدونها البتة . وبين النية المتعلقة بنفس العمل التي وقع فيها النزاع في بعض المواضع ثم يعرف ارتباطها بالعمل ، وكيف قصد به تمييز العبادة عن العادة إذ كانا في الصورة واحداً ، وإنما يتميزان بالنية ، فإذا عدمت النية كان العمل عادياً لا عبادياً والعادات لا يتقرب بها إلى بارىء البريات وفاطر المخلوقات ، فإذا عري العمل عن النية كان كالأكل والشرب والنوم الحيواني البهيمي الذي لا يكون عبادة بوجه ، فضلاً أن يؤمر به ويرتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع المتقرب به إلى الرب تبارك وتعالى ، ولذلك يقصد بها تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض فيميز فرضها عن نفلها ومراتبها بعضها عن بعض ، وهذه أمور لا تحقق لها إلا بالنية ولا قوام لها بدونها البتة . وهي مرادة للشارع بل هي وظائف العبودية ، فكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات ، ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف ومنازلها من العبودية هذا أمر ممتنع عادة وعقلاً وشرعاً ، فالنية هي سر العبودية وروحها ومحلها من العمل محل الروح من الجسد ومحال أن يعتبر في العبودبة عمل الأرواح له معه ، بل هو بمنزلة الجسد الخراب وهذا معنى الأثر المروي موقوفاً على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسنة له . وقد قال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ البينة : 5 ] ، فنهى سبحانه أن يكون أمر عباده بغير العبادة التي قد أخلص عاملها له فيها النية ، ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل لنية أصل العبادة ، فإذا لم يأمرهم إلا بعمل هو عبادة قد أخلص عاملها النية فيها لربه عز وجل . ومعلوم أن النية جزء من العبادة بل هي روح العبادة كما تبين ، علم أن العمل الذي لم ينو ليس بعبادة ولا مأمور به فلا يكون فاعله متقرباً به إلى الله تعالى ، وهذا مما لا يقبل نزاعاً . ومن نكت المسألة أن يفرق بين الأفعال التي لا تقع إلا منوية عادة ، وبين الأفعال التي تقع منوية وغير منوية فالأولى كالوضوء المرتب عضواً بعد عضو ، فإنه لا يكاد يتصور وقوعه من غير نية ، فإن علم الفاعل بما يفعله وقصده له هو النية . والعاقل المختار لا يفعل فعلاً إلا مسبوقاً بتصوره وإرادته وذلك حقيقة النية ، فليست النية أمراً خارجاً عن تصور الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله ، وبهذا يعلم غلط من ظن أن للتلفظ مدخلاً في تحصيل النية . 
فإن القائل : إذا قال : نويت الصلاة الظهر أو نويت رفع الحدث ، إما أن يكون مخبراً أو منشئاً . فإن كان مخبراً فأما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره ، وكلاهما عبث لا فائدة فيه ، لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبر ما لم يكن عارفاً به ، وهذا محال في إخباره لنفسه وإن كان إخباراً لغيره بالنية فهو عبث محض وهو غير مشروع ولا مفيد وهو بمثابة إخباره له بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجه وزكاته ، بل بمنزلة إخباره له عن إيمانه وحبه وبغضه ، بل قد تكون في هذا الإخبار فائدة . وأما إخبار المأمومين أو الإمام أو غيرهما بالنية فعبث محض ، ولا يصح أن يكون ذلك إنشاء ، فإن اللفظ لا ينشىء وجود النية ، وإنما انشاؤها إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها . فعلم بهذا أن التلفظ بها عبث محض ، فتأمل هذه النكتة البديعة . 
والمقصود أن مثل هذه الأفعال المرتبة التي لا تقع إلا عن علم وقصد لا تكون إلا منوية . وهذا بخلاف الاغتسال مثلاً فإنه قد يقع لتنظيف أو تبريد ونحوهما ، فإن لم يقصد به رفع حدثه لم يكن منوياً . وكذلك أفعال الصلاة المرتبة التي يتبع بعضها بعضاً لا تقع إلا منوية . ولو تكلف الرجل أن يصلي أو يتوضأ بغير نية لتعذر عليه ذلك ، بل يمكن تصوره فيما إذا قصد تعليم غيره ، ولم يقصد العبادة أو صلى وتوضأ مكرهاً . وأما عاقل مختار عالم بما يفعله يقع فعله علي وفق قصده فهذا لا يكون إلا منوياً . فالنية هي القصد بعينه ولكن بينها وبين القصد فرقان . 
أحدهما : أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره . والنية لا تتعلق إلا بفعله نفسه فلا يتصور أن ينوي الرجل فعل غيره ويتصور أن يقصده ويريده . 
الفرق الثاني : إن القصد لا يكون إلا بفعل مقدور يقصده الفاعل . وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه . ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد و الترمذي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل عند الله . وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وأجرهما سواء . وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فذلك شر منزلة عند الله ثم قال : وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء ، فالنية تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه ، بخلاف القصد والإرادة فإنهما لا يتعلقان بالمعجوز عنه لا من فعله ولا من فعل غيره ، وإذا عرف حقيقة النية ومحلها من الإيمان شرائعه ، تبين الكلام في المسألة نفياً وإثباتاً بعلم وإنصاف . ولنذكر كلامهم وما فيه من مقبول ومردود . فأما قولهم : إن الماء خلق بطبعه مبرداً ومروياً وسائلاً ومطهراً ، وحصول هذه الآثار منه لا تفتقر إلى نية إلى آخره . فيقال : إن أردتم بكونه مطهراً بطبعه أنه منظف لمحل التطهير فمسلم . ولكن نزاعنا في أمر وراءه . 
وإن أردتم أنه يفتتح به الصلاة ويرفع المانع الذي جعله الشارع صاداً عن الدخول فيها بطبعه من غير اعتبار نية فدعوى مجردة لا يمكنهم تصحيحها البتة . بل هي بمثابة قول القائل استعماله عبادة بمجرد طبعه ، فحصول التعبد والثواب به لا يحتاج إلى نية وهذا بين البطلان ، وهذا حرف المسألة . وهو أن التعبد به مقصود وهو متوقف على النية والمقدمتان معلومتان مغنيتان عن تقرير . وقد أجابهم بعض الناس بأن منع أن يكون في الماء قوة أو طبع . وقال : هذا مبني على إثبات القوى والطبائع في المخلوقات وأهل الحق ينكرونه . وهذا جواب فاسد . يرغب طالب الحق عن مثله وهو باطل طبعاً وحساً وشرعاً وعقلاً ، وأهل الحق هم المتبعون للحق أين كان والقرآن والسنة مملوان من إثبات الأسباب والقوى والعقلاء قاطبة على إثباتها . سوى طائفة من المتكلمين حملهم المبالغة في إبطال قول القدرية والنفاة على إنكارها جملة ، والذي يكشف سر المسألة أن التبريد والري والتنظيف حاصل بالماء ولو لم يرده وحتى لو أراد أن لا يكون . وأما التعبد لله بالوضوء فلا يحصل إلا بنية التعبد فقياس أحد الأمرين على الآخر من أفسد القياس . فالحاصل بطبع الماء أمر غير التعبد الذي هو مقوم لحقيقة الوضوء الذي لا يكون وضوءاً إلا به ، وبهذا خرج الجواب عن قولهم إن عمله في رفع الخبث إذا لم يتوقف على نية ، فإن لا يتوقف رفعه للحدث أولى فإن رفع الخبث أمر حسي مشاهد لا يستدعي أن يكون رافعه من أهل العبادة بل هو بمنزلة كنس الدار وتنظيف الطرقات وطرح المميتات والخبائث . 
نوضحه : أن زوال النجاسة لا يفتقر إلى فعل من المكلف البتة ، بل لو أصابها المطر فأزال عينها طهر المحل بخلاف الطهارة من الخبث ، فإن الله أمر بأفعال متميزة لا يكون المكلف مؤدياً ما أمر به إلا بفعلها الاختياري الذي هو مناط التكليف ، وبهذا خرج الجواب عن قولهم : النية إن اعتبرت لجريان الماء على الأعضاء أو لحصول الوضاءة لم يفتقر إلى نية إلى آخره . قولهم : الشريعة قسمت الأفعال إلى قسمين : قسم حصل منه مقصوده بمجرده من غير نية ، وقسم : لا يحصل إلا بالنية فمسلم . قولهم : أن الوضوء من القسم الأول دعوى محل النزاع فلا يقبل قولهم في تقريرها لمقصود الوضاءة والنظافة وقيام العبد بين يدي ربه على أكمل أحواله . فجواب : أن لله على العبد عبوديتين عبودية باطنة وعبودية ظاهرة ، فله على قلبه عبودية ، وعلى لسانه وجوارحه عبودية ، فقيامه بسورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه ولا يوجب له الثواب وقبول عمله . 
فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر ، فعمل القلب هو روح العبودية ولبها ، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح . والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء . والمقصود بالأمر والنهي فكيف يسقط واجبه ويعتبر واجب رعيته وجنده واتباعه اللاتي إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه ؟ وهل هذا إلا عكس القضية وقلب الحقيقة ؟ والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها ، إنما هو صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه ، ومن تمام ذلك قيامه هو وجنوده في حضرة معبوده وربه ، فإذا بعث جنوده ورعيته وتغيب هو عن الخدمة والعبودية فما أجدر تلك الخدمة بالرد والمقت . وهذا مثل في غاية المطابقة . وهل الأعمال الخالية عن عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين ؟، وغايتها أن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب . 
ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء انحرف عنها هو إلى أن صرف همه إلى عبودية القلب وعطل عبودية الجوارح ، وقال : المقصود قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع ، والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل . هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم ففسدت عبودية قلوبهم ، وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم ففسدت عبودية جوارحهم . والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهراً وباطناً وقدموا قلوبهم في الخدمة وجعلوا الأعضاء تبعاً له فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود وهذا هو حقيقة العبودية . ومن المعلوم أن هذا هو مقصود الرب تعالى بإرساله رسله وإنزاله كتبه وشرعه شرائعه ، فدعوى المدعي أن المقصود من هذه العبودية حاصل وإن لم يصحبها عبودية القلب من أبطل الدعاوى وأفسدها والله الموفق . ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب وأنها لا تنفع بدونها ، وإن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما . وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه ؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم ، فهي واجبة في كل وقت ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام . والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان فمركب الإيمان القلب ومركب الإسلام الجوارح فهذه كلمات مختصرة في هذه المسألة لو بسطت لقام منها سفر ضخم ، وإنما أشير إليها إشارة ، وحرف المسألة أن أعمال الجوارح إنما تكون عبادة بالنية . والوضوء عبادة في نفسه مقصود مرتب عليه الثواب وعلى تركه العقاب وكما يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى عن غيره بالنية والقصد ، فيكون وحده المقصود المراد ، فكما أنه يجب في العبادات أفراد المعبود تعالى بها لا سواه ، فكذلك يجب فيها تمييز العبادة عن العادة . ولا يقع التمييز بين النوعين اتحاد صورة العملين إلا بالنية ، فعمل لا يصحبه إرادة المعبود غير مقبول ولا يعتد به ، وكذلك عمل لا تصحبه إرادة التعبد له والتقرب إليه غير مقبول ولا معتد به بل نية التقرب . والتعبد جزء من نية الإخلاص ولا قوام لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد ، فإذا كان نية الإخلاص شرطاً في صحة كل أداء العبادة فاشتراط نية التعبد أولى وأحرى ، ولا جواب عن هذا البتة ، إلا بإنكار أن يكون الوضوء عبادة . وكذلك يلتحق بإنكار المعلوم من الشرغ بالضرورة ، وهو بمنزلة انكار كون الصوم والزكاة والحج والجهاد وغيرهما عبادات والله الموفق للصواب .
تابع فائدة في الكلام على الماء وطهارته والكلام على النية وبيان ما يشترط فيه وهو بحث واسع ممتع 
ذكر أحمد بن مروان المالكي عن ابن عباس أنه سئل عن ميت مات ولم يوجد له كفن . قال : يكب على وجهه ولا يستقبل بوجهه القبلة . قلت : هذا بعيد الصحة عن ابن عباس ، بل هو باطل ، والصواب أنه يستر بحاجز من تراب ويوضع في لحده على جنبه مستقبل القبلة كما ينام العريان الذي نشر عليه ملاءة أو غيرها ، وإذا كان عليه حاجز من تراب وهو مستقبل القبلة كان بمنزلة من عليه ثيابه .
تابع فائدة في الكلام على الماء وطهارته والكلام على النية وبيان ما يشترط فيه وهو بحث واسع ممتع 
وذكر أيضاً عن مجاهد . قال : جلست إلى عبد الله بن عمر وهو يصلي فخفف ثم سلم وأقبل إلي ثم قال : إن حقاً علي أو سنة إذا جلس الرجل إلى الرجل وهو يصلي التطوع أن يخفف ويقبل إليه . وذكر أيضاً عن ابن عباس . قال : ما من يوم إلا وليلته قبله إلا يوم عرفة فإن ليلته بعده . قلت : هذا مما اختلف فيه . وحكي عن طائفة أن ليلة اليوم بعده . والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله ومنهم من فصل بين الليلة المضافة إلى اليوم كليلة الجمعة وليلة السبت والأحد وسائر الأيام والليلة المضافة إلى مكان أو حال أو فعل ، كليلة عرفة وليلة النفر ونحو ذلك ، فالمضافة إلى اليوم قبله والمضافة إلى غيره بعده ، واحتجوا له بهذا الأثر المروي عن ابن عباس ونقض عليهم بليلة العيد ، والذي فهمه الناس قديماً وحديثاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي إنها الليلة التي تسفر صبيحتها عن يوم الجمعة . فإن الناس يسارعون إلى تعظيمها وكثرة التعبد فيها عن سائر الليالي فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن تخصيصها بالقيام كما نهاهم عن تخصيص يومها بالصيام والله أعلم . قال ، أبو عبد الله الحاكم في كتابه الجامع لذكر أيمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار . سمعت أبا تراب المذكر يقول : سمعت إبراهيم بن عبد الرحمن بن سهل يقول : سمعت العباس بن محمد الهاشمي . يقول : دخل يحيى بن معين مصر فاستقبلته هدايا أبي صالح كانت الليث وجارية ومائة دينار فقبلها ودخل مصر ، فلما تأمل حديثه . قال : لا تكتبوا عن أبي صالح . قال الحاكم : هذه من أجل فضائل يحيى إذ لم يجاب أبا صالح وهو في بلده ونعمته . أنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ناجدي سمعت علي بن المديني يقول : كان أبو الجعد والد سالم بن أبي الجعد إذا تغدى جمع بنيه فكانوا ستة اثنان مرجئان ، واثنان شيعيان ، واثنان خارجيان فكان أبو الجعد يقول : لقد جمع الله بين أيديكم وفرق بين أهوائكم . قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى نا عبد الله بن علي بن المدين . قال : سمعت أبي يقول خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لو صدق السائل ما أفلح من رده . وحديث : لا وجع إلا وجع العين ولا غم إلا غم الدين . وحديث : إن الشمس ردت لعلي بن أبي طالب . وحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : إنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام ، وحديث : أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابان ، قال كاتبه : ونظير هذا قول الإمام أحمد أربعة أحاديث تدور في الأسواق لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من آذى ذمياً فكأنما آذاني ، وحديث : من بشرني بخروج آذار ضمنت له على الله الجنة ، وحديث : للسائل حق وإن جاء على فرس ، وحديث : يوم صومكم يوم نحركم يوم رأس سنتكم ، قال الحاكم : سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سليمان يقول : سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق الثقفي يقول : شاهدت محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى ودفع إليه كتاباً من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ومعمر عن الزهري مثله فكتب البخاري رحمه الله تعالى على ظهر كتابه من حدث بها استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل سمعت أبا الخير محمد بن يعقوب الحافظ يقول : سمعت أبا العباس الدغولي يقول : قلت لأبي حاتم الرازي : هل تعرف في أصحاب رسول الله أحداً اسمه أحمد ؟ قال : لا أعلمه . قلت : فهل تعلم في الصحابة رضي الله عنهم من اسمه إسماعيل ؟ قال : لا . قلت : فهل تعلم فيهم من اسمه أيوب ؟ قال : لا ، قلت : فهل تعرف فيهم من اسمه أسيد ؟ قال : لا أعلمه . قلت : فهل كان فيهم من اسمه أيمن ؟ قال : لا أعلم . قلت : فكان فيهم من اسمه أشعث ؟ قال : لا غير أشعث بن قيس الكندي . قلت : فهل كان فيهم من اسمه أمية ؟ قال صحابي واحد : يقال له أمية بن مخشي الخزاعي ، قلت : فهل كان فيهم من اسمه أسلم ؟ قال : واحد أسلم أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : فهل كان غير اهبان بن صيفي ؟ قال : أهبان بن أوس . قلت : فهل كان فيهم أبيض غير ابن حمال ؟ فقال : لا أعلمه . قلت : فهل كان فيهم أغر غير الأغر المزني ؟ قال : لا أعلمه . قلت : فهل كان فيهم من اسمه أرقم ؟ قال : نعم أرقم بن أبي الأرقم . قلت : فهل كان فيهم من اسمه ابراهيم ؟ قال : نعم إبراهيم اسم قديم قد تسمى به رجل قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم رواه المكيون عن عطاء بن إبراهيم عن أبيه . قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قابلوا بين النعال قال كاتبه وفي كتاب ابن حبان في ترجمة الصحابة أسلم آخر غير أبي رافع . قال أسلم بن عبدل : لما أسلم أسلمت اليهود بإسلامه لم يزد ، تم الانتقاء . 
يا جامع المال ما أعددت للحفر هل يغفل الزاد من أضحى على سفر 
أفنيت عمرك في اللذات تطلبها وأخيبة السعي بل واضيعة العمر 
قف في ديار بني اللذات معتبراً وانظر إليها ولا تسأل عن الخبرا 
ففي الذي فعلت أيدي الشتات بهم من بعد ألفتهم معنى لمعتبر 
غيره : 
قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة 
وصار أهل العلم في وهدة وصار أهل الجهل في رتبة 
فقلت للأبرار أهل التقى والدين لما اشتدت الكربة 
لا تنكروا أحوالكم قد أتت نوبتكم في زمن الغربة 
غيره : 
اقنع بأيسر ميسور من الزمن واشكر لربك ما أولاك من منن 
واذكر ملابس من عدن تخص بها ذوو التقى واهجروا الأبراد من عدن 
إن شئت أن تدخل الجنات مجتنياً قطوفها فتوق النار بالجنن 
وباشر الناس بالمعروف مجتهداً وراقب الله في سر وفي علن 
حديث روى البيهقي من حديث أبي بكر الحنفي : ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها . فأخذ عوداً ليصلي عليه فأخذه فرمى به . وقال : صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومي إيماء وجعل سجودك أخفض من ركوعك ، قال البيهقي : هذا الحديث يعد في إفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري تم كلامه . وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي عن هذا الحديث . فقال : إن هذا خطأ . إنما هو عن جابر . قوله : أنه دخل على مريض قيل له : فإن أبا أسامة قد رواه عن الثوري مرفرعاً . قال : ليس بشيء هو موقوف تم كلامه رحمه الله تعالى . ورواه يحيى بن أبي طالب ثنا عبد الوهاب بن عطاء ثنا سفيان الثوري فذكره بمثله ورواه البيهقي فهؤلاء ثلاثة رفعوه أبو أسامة وعبد الوهاب بن عطاء وأبو بكر الحنفي . فأما أبو أسامة فالعلم المشهور . وأما أبو بكر الحنفي من رجال الصحيحين وقواه ووثقه أحمد . وأما عبد الوهاب بن عطاء فاحتج به مسلم . والظاهر أن الحديث موقوف كما ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه والله أعلم . والآثار في ذلك معروفة عن الصحابة ، كما روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه إيماء ولم يرفع إلى جبهته شيئاً . وقد رفعه عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع وقد ضعفه أحمد وأبو زرعة والصواب وقفه . وروى شعبة عن أبي الحق السبيعي عن زيد مولى ابن معاوية عن علقمة قال : دخلت مع عبد الله بن مسعود على أخيه يعوده وهو مريض فرأى معه مروحة يسجد عليها ، فانتزعها منه عبد الله وقال : اسجد على الأرض فإن لم تستطع فأوم إيماء واجعل السجود أخفض من الركوع . وزيد هذا ثقة حديث . قال حنبل : قال أحمد في حديث حجاج المصيصي عن شريك عن إبراهيم بن حزم عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أتيته بماء فاستنجى ، ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ ، فقال أحمد : هذا حديث منكر ، إنما هو عن أبي الأحوص عن عبد الله ولم يرفعه .
فائدة 
قال بعضهم : قول العامة نسيات ليس بلحن ، لأن الجوهري حكاه ، وكأنه جمع نسية بتصغير نسوة . قلت : وعلى هذا فلا يقال إلا على جماعات متعددة منهن ، لأنه جمع الجمع ، والعامة تطلقه على الجماعة الواحدة منهن .
تفسير حديث : من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه 
قول النبي صلى الله عليه وسلم : من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ، سر هذا التشبيه والله أعلم أن اللاعب بها لما كان مقصوده بلعبه أكل المال بالباطل ، الذي هو حرام كحرمة لحم الخنزير وتوصل إليه بالقمار ، وظن أنه يفيده حل المال كان كالمتوصل إلى أكل لحم الخنزير بذكاته والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللاعب بها بغامس يده في لحم الخنزير ودمه إذ هو مقدمة الأكل ، كما أن اللعب بها مقدمة أكل المال فإن أكل بها المال كان كأكل لحم الخنزير . والتشبه إنما وقع في مقدمة هذا بمقدمة هذا والله أعلم .
فائدة في تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم البقرة التي رآها في نومه بالذين أصبيوا من أصحابه يوم أحد 
تفسير النبي البقر التي رأها في النوم تنحر بالنفر الذين أصيبوا من أصحابه يوم أحد قبل : وجه هذا التأويل أن البقر والنفر مشتركان في صورة الخط ويمتاز أحدهما عن الآخر بالنقط ، وهذه جهة من جهات التعبير ، وهذا قول فاسد جداً . ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك شيئاً من الخط أصلاً ولا هذه جهة صحيحة من جهات التأويل فلا يؤول النرد بالبرد ولا الزيد بالزند ولا العين بالغين ولا الحية بالجنة وأمثال ذلك . 
وقيل : وجه الشبه أن البقر معها أسلحتها التي تقاتل بها وهي قرونها وكانت العرب تستعمل الصياصي والقرون في الرماح عند عدم الأسنة . وهذا أقرب من الأول ، ولكنهم مشترك بين المسلمين والكفار فإن كل طائفة معها سلاحها . وأجود من هذين أن يقال وجه التشبيه أن الأرض لا تعمر ولا تفلح إلا بالبقر فهم عمارة الأرض وبها صلاح العالم وبقاء معيشتهم وقوام أمرهم ، وهكذا المؤمنون بهم إصلاح الأرض وأهلها وهم زينتها وأنفع أهل الأرض للناس ، كما أن البقر أنفع الدواب للأرض . ومن وجه آخر وهو أن البقر تثير الأرض وتهيئها لقبول البدر وإنباته وهكذا أهل العلم والإيمان يثيرون القلوب ويهيئونها لقبول بذر الهدى فيها ونباته وكماله والله أعلم .
فائدة في قول عيسى عليه السلم آمنت بالله وكذبت بصري 
قول النبي صلى الله عليه وسلم : رأى عيسى رجلاً يسرق . فقال : سرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى : آمنت بالله وكذبت بصري ، قيل : هو استفهام من المسيح لا إنه اخبار ، والمعنى أسرقت فلما حلف له صدقه . ويرد هذا قوله وكذبت بصري . وقيل : لما راه المسيح أخذ المال بصورة السارق . فقال : سرقت ، قال : كلا أي ليس بسرقة ، أما لأنه ماله أوله فيه حق ، أو لأنه أخذه ليقلبه ويعيده والمسيح صلى الله عليه وسلم أحال على ظاهر ما رأى فلما حلف له قال : آمنت بالله وكذبت نفسي في ظني أنها سرقة لا أنه كذب نفسه في أخذه المال عياناً . فالتكذيب واقع على الظن لا على العيان وهكذا الرواية كذبت نفسي ولا تنافي بينها وبين رواية وكذبت بصري ، لأن البصر ظن أن ذلك الأخذ سرقة فأنا كذبته في ظن أنه رأى سرقة ، ولعله إنما رأى أخذاً ليس بسرقة ، وفي الحديث معنى ثالث ولعله أليق به وهو أن المسيح صلى الله عليه وسلم لعظمة وقار الله في قلبه وجلاله ، ظن أن هذا الحالف بوحدانية الله صادقاً فحمله إيمانه بالله على تصديقه وجوز أن يكون بصره قد كذبه وأراه ما لم ير . فقال : آمنت بالله وكذبت بصري . ولا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه ويخيل ما لا وجود له في الخارج ، فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه . والمسيح صلوات الله عليه وسلامه حكم إيمانه على بصره ونسب الغلط إليه والله أعلم .
فائدة في قول النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء أولاد علات 
قول النبي صلى الله عليه وسلم : الأنبياء أولاد علات ، وفي لفظ : أخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد . قال الجوهري : بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك ، لأن الذي تزوجها عل أولى كانت قبلها ثم عل من الثانية ، العلل الشرب الثاني يقال له علل بعد نهل ، وعله يعله إذا سقاه السقية الثانية . وقال غيره : سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر والعلات الضرائر وهذا الثاني أظهر . وأما وجه التسمية فقال جماعة منهم القاضي عياض وغيره ، معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض فهم أولاد علات إذ لم يجمعهم زمان واحد ، كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد وعيسى لما كان قريب الزمان من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد . فقال صلى الله عليه وسلم : أنا أولى الناص بعيسى ابن مريم عليه السلام . 
قالوا : كيف يا رسول الله . فقال : الأنبياء أخوة من علات الحديث . وفيه وجه آخر أحسن من هذا وهو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه دين الأنبياء الذي اتفقوا عليه من التوحيد وهو عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه بالأب الواحد لاشتراك جميعهم فيه وهو الدين الذي شرعه الله لأنبيائه كلهم . فقال تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [ الشورى : 13 ] ، وقال البخاري في صحيحه : باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد ، وذكر هذا الحديث وهذا هو دين الإسلام الذي أخبر الله أنه دين أنبيائه ورسله من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو بمنزلة الأب الواحد . 
وأما شرائع الأعمال والمأمورات فقد تختلف فهي بمنزلة الأمهات الشتى التي كانت لقاح تلك الأمهات من أب واحد ، كما أن مادة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد . متفق عليه ، فهذا أولى المعنيين بالحديث ، وليم في تباعد أزمنتهم ما يوجب أن يشبه زمانهم بأمهاتهم ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك ، وكون الأم بمنزلة الشريعة والأب بمنزلة الدين ، وأصالة هذا وتذكيره وفرعيته . الأم وتأنيثها واتحاد الأب وتعدد الأم ما يدل على أنه معنى الحديث والله أعلم .
تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
في قوله تعالى : أسرى بعبده [ الإسراء : 1 ] ، دون بعث بعبده وأرسل به ما يفيد مصاحبته له في مسراه ، فإن الباء هنا للمصاحبة كهي في قوله هاجر بأهله وسافر بغلامه وليست للتعدية ، فإن أسرى يتعدى بنفسه يقال : سرى به وأسراه وهذا ، لأن ذلك السري كان أعظم أسفاره صلى الله عليه وسلم والسفر يعتمد الصاحب ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول : اللهم أنت الصاحب في السفر . فان قيل : فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثي لو قيل : سرى بعبده فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء ففيه أجوبة : 
أحدها : أنهما بمعنى وإن أسرى لازم كسرى تقول سرى زيد وأسرى بمعنى واحد هذا قول جماعة . والثاني : إن أسرى متعد ومفعوله محذوف أي أسرى بعبده البراق هذا قول السهيلي وغيره ، ويشهد للقول الأول قول الصديق أسرينا ليلتنا كلها ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة ، والجواب الصحيح أن الثلاثي المتعدي بالباء يفهم منه شيئان : 
أحدهما : صدور الفعل من فاعله . 
الثاني : مصاحبته لما دخلت عليه الباء . فإذا قلت : سريت بزيد وسافرت به كنت قد وجد منك السري والسفر مصاحباً لزيد فيه كما قال : ولقد سريت على الظلام بمعشر ، ومنه الحديث : أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها وأما المتعدي بالهمزة فيقتضي إيقاع العبد بالمفعول فقط ، كقوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم [ النحل : 78 ] ، فأخرجناهم من جنات وعيون [ الشعراء : 57 ] ، ونظائره ، فإذا قرن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء ، ولو أتى فيه بالثلاثي فهم منه معنى المشاركة في مصدره وهو ممتنع فتامله .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
كانت كرامة رسول الله بالإسراء مفاجأة من غير ميعاد ليحمل عنه ألم الانتظار ، وبفاجأ بالكرامة بغتة . وكرامة موسى بعد انتظار أربعين ليلة .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
لما سافر موسى إلى الخضر وجد في طريقه مس الجوع والنصب . فقال لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً [ الكهف : 62 ] ، فإنه سفر إلى مخلوق ولما واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فلم يأكل فيها لم يجد مس الجوع ولا النصب ، فإنه سفر إلى ربه تعالى . وهكذا سفر القلب وسيره إلى ربه لا يجد فيه من الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
تسخير البراق لحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ، مسيرة شهرين ذهاباً وإياباً ، أعظم من تسخير الريح لسليمان مسيرة شهرين في يوم واحد ذهاباً وإياباً ، فإن الريح سريعة الحركة طبعها الإسراع بما تحمله ، وأما البراق فالآية فيه أعظم .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم والاعتناء بتطهير قلبه وحشوه إيماناً وحكمة دليل على أن محل العقل القلب وهو متصل بالدماغ . واستدل بعض الفقهاء بغسل قلبه صلى الله عليه وسلم في الطست من الذهب على جواز تحلية المصاحف بالذهب والمساجد وهو في غاية البعد . فإن ذلك كان قبل النبوة ، ولم يكن ذلك من ذهب الدنيا وكان كرامة أكرم بها صلى الله عليه وسلم وكان من فعل الملائكة بأمر الله وهم ليسوا داخلين تحت تكاليف البشر . وأبعد منه احتجاج من احتج به على جواز انتفاع الرجل بالحرير تبعاً لامرأته كالفراش واللحاف والمخدة . قال : لأن الملك لا حرج عليه والنبي صلى الله عليه وسلم انتفع بذلك تبعاً . وقد أبعد هذا القائل النجعة وأتى بغير دليل .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
الفعل إذا كان منشأ المفسدة الخالصة أو الراجحة فهو المحرم ، فان ضعفت تلك المفسدة فهو المكروه . ومراتبه في الكراهة بحسب ضعف المفسدة . هذا إذا كان منشأ للمفسدة . وأما أن كان مفضياً إليها فإن كان الإفضاء قريباً فهو حرام أيضاً ، كالخلوة بالأجنبية والسفر بها ورؤية محاسنها ، فهذا القسم يسلب عنه اسم الإباحة وحكمها . وإن كان الإفضاء بعيداً جداً لم يسلب اسم الإباحة ولا حكمها كخلوة ذي رحم المحرم بها وسفره معها ، وكنظر الخاطب الذي مقصوده الإفضاء إلى المصلحة الراجحة ، فإن قرب الإفضاء قرباً ما فهو الورع وهو في المراتب على قدر قرب الإفضاء وبعده ، وكلما قرب الإفضاء كان أولى بالكراهة والورع حتى ينتهي إلى درجة التحريم .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
قول الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلم : ليلة الإسراء مرحباً به أصل في استعمال هذه الألفاظ وما ناسبها عند اللقاء نحو أهلاً وسهلاً ومرحباً وكرامة وخير مقدم وأيمن مورد ونحوها . ووقع الاقتصار منها على لفظ مرحباً وحدها لاقتضاء الحال لها ، فإن الترحيب هو السعة وكان قد أفضى إلى واسع الأماكن ولم يطلق فيها سهلاً ، لأن معناه وطئت مكاناً سهلاً والنبي صلى الله عليه وسلم كان محمولاً إلى السماء .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى : والله لا أحملكم ولاعندي ما أحملكم عليه يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون جملة واحدة والواو واو الحال والمعنى لا أحملكم في حال ليس عندي فيها ما أحملكم عليه ويؤيد هذا جوابه صلى الله عليه وسلم حيث قال : ما أنا حملتكم الله حملكم وعلى هذا فلا تكون هذه اليمين محتاجة إلى تكفير . ويحتمل أن تكون جملتين حلف من إحداهما أنه لا يحملهم وأخبر في الثانية أنه ليس عنده ما يحملهم عليه . ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث لما قيل له إنك حملتنا وقد حلفت فقال : إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها ، خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ولمن نصر الاحتمال الأول أن يجيب عن هذا بجوابين : 
أحدهما : أن هذا لم استئناف لقاعدة كان سببها اليمين ليبين فيها للأمة حكم اليمين لا إنه حنث في تلك اليمين وكفرها . 
الجواب الثاني : أن هذا كلام خرج على التقدير ، أي ولو حنث لكفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير والله أعلم .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
قول النبي صلى الله عليه وسلم عن يوسف : أوتي شطر الحسن . قالت طائفة المراد منه أن يوسف أوتي شطر الحسن الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم فالنبى بلغ الغاية في الحسن ويوسف بلغ شطر تلك الغاية . قالوا : ويحقق ذلك ما رواه الترمذي من حديث قتادة عن أنس قال : ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً والظاهر أن معناه أن يوسف صلى الله عليه وسلم اختص على الناس بشطر الحسن واشترك الناس كلهم في شطره فانفرد عنهم بشطره وحده . وهذا ظاهر اللفظ . فلماذا يعدل عنه ؟ واللام في الحسن للجنس لا للحسن المعين المعهود المختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وما أدري ما الذي حملهم على العدول عن هذا إلا ما ذكروه وحديث أنس لا ينافي هذا ، بل يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الأنبياء وجهاً وأحسنهم صوتاً ولا يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم أحسنهم وجهاً أن لا يكون يوسف اختص عن الناس بشطر الحسن ، واشتركوا هم في الشطر الآخر . ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد شارك يوسف فيما اختص به من الشطر وزاد عليه بحسن آخر من الشطر الثاني والله أعلم .
تابع تفسير قوله تعالى : أسرى بعبده ويليه عدة فوائد فيما حصل ليلة الإسراء 
قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة ، لأن اللعن إساءة ، بل من أبلغ الإساءة والشفاعة إحسان ، فالمسيء في هذه الدار باللعن سلبه الله الإحسان في الأخرى بالشفاعة ، فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع ، والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان . وأما منع اللعن من الشهادة فإن اللعن عداوة وهي منافية للشهادة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشفعاء وشفيع الخلائق لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم صلى الله عليه وسلم .
فائدة في بيان السر في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم 
السر والله أعلم في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان أن علياً لو تولى الخلافة بعد موته لأوشك أن يقول المبطلون : إنه ملك ورث ملكه أهل بيته فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة ، وتأمل قول هرقل لأبي سفيان هل كان في آبائه من ملك . قال : لا ، فقال له : لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه فصان الله منصبه العلي من شبهة الملك في آبائه وأهل بيته ، وهذا والله أعلم هو السر في كونه لم يورث هو والأنبياء قطعاً لهذه الشبهة لئلا يظن المبطل أن الأنبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الإنسان من زهده في نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته فصانهم الله عن ذلك ، ومنعهم من توريث ورثتهم شيئاً من المال لئلا يتطرق التهمة إلى حجج الله ورسله ، فلا يبقى في نبوتهم ورسالتهم شبهة أصلاً ، ولا يقال : فقد وليها علي وأهل بيته لأن الأمر لما سبق أنها ليست بملك موروث ، وانما هي خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم كان علي في وقته هو سابق الأمة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه ولا خير منه فلم يحصل لمبطل بذلك شبهة والحمد لله .
تابع فائدة في بيان السر في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم 
في شراء رجل مسجد المديخنة من اليتيمين ، وجعلها مسجداً من الفقه دليل على جواز بيع عقار اليتبم وإن لم يكن محتاجاً إلى بيعه للنفقة إذا كان في البيع مصلحة للمسلمين عامة لبناء مسجد أو سور أو نحوه . ويؤخذ من ذلك أيضاً بيعه إذا عوض عنه بما هو خير له منه . وفي نبش قبور المشركين من الأرض وجعلها مسجداً دليل على طهارة المقبرة ، فإن الصلاة فيها لم ينه عنها لنجاستها ، لم إنما هو صيانة للتوحيد وسداً لذريعة الشرك بالقبور الذي هو أصل عبادة الأصنام كما قال ابن عباس وغيره .
تابع فائدة في بيان السر في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم 
في استئجار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل رالأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافراً ، أن لا يوثق به في شيء أصلاً فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ، ولا سيما في مثل طريق الهجرة .
تابع فائدة في بيان السر في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم 
في حدبث عبدالله بن جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى يسير يومين . وأن عبد الله امتثل أمره ففتح الكتاب بعد اليومين . فقرأه . الحديث فيه من الفقه جواز الشهادة على الكتاب الذي لا يدري ما فيه ، بل إذا قال : هذا كتابي فاشهد علي بما فيه جازت الشهادة ، وهي مسألة خلاف مشهورة وتسمى شهادة التقليد ويدل عليها أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث كتبه إلى الملوك والنواحي ، ولا يقرأها على من يبعثها معه ، بل يقول : هذا كتابي فأوصله إلى فلان . وكذلك عمل به خلفاؤه من بعده . وفيه جواز تراخي القبول عن الإيجاب ، فإن في هذا الكتاب أن أقرأه ولا تكره أحداً . فمن أجابك فامض به حتى تنزل نخله . وفيه مسألة بديعة وهي جواز العقد والتولية على أمر مجهول . حال العقد يتبين في ثاني الحال .
تابع فائدة في بيان السر في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم 
قول النبي صلى الله عليه وسلم : لما أنشدته قبيلة بنت الحارث شعرها المعروف ترثي به أخاها النضر : لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله . 
ليس فيه الندم على قتله فإنه لم يقتله إلا بالحق ولكن ، كان صلى الله عليه وسلم رفيقاً رحيماً يقبل الشفاعة ويمن على الجاني فمعناه لو شفعت عندي بما قالت قبل أن أقتله لقبلت شفاعتها وتركته . وقريب من هذا قوله : لو استقبل من أمري ما استدبرت لها سقت الهدي ولجعلتها متعة ليس فيها ندامة على أفضل مما أتي به من النسك . فإن الله لم يكن ليختار له إلا أفضل الأنساك وأعلاها ، ولكن كان لمحبة تألف قلوب أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهم بأن يفعل كما فعلوا ، ود لو أنه أحل كما أحلوا ، ولكن منعه سوق الهدي وعلى هذا ، فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتألف قلوبهم بنيته ومناه . فجمع له بين الأمرين وهذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه .
استشكال في حديث كعب بن الأشرف والجواب عنه 
استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة . أن يقولوا في النبي وذلك ينافي الايمان وقد أذن لهم فيه ، وأجيب عنه بأجوبة : 
أحدها : بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفراً مع طمأنينة القلب بالإيمان . وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرض على قتالهم وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك ، فكان أكره الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان وليس هذا بقوي الجواب . 
الثاني : إن ذلك القتل والكلام لم يكن صريحاً بما يتضمن كفراً ، بل تعريضاً وتورية فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه ، وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة . 
الجواب الثالث : إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه صلى الله عليه وسلم والحق له . وصاحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة لم يكن ذلك محظوراً .
الكلام على حديث ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها إلخ 
قوله صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه احتج به من يقول إن النوافل تلزم بالشروع ، وأن الشروع فيها جار مجرى التزامها بالنذر ، فإن الشروع التزام بالفعل والنذر التزام بالقول والالتزام بالفعل أقوى لأنه الغاية . وفي الاستدلال بالحديث شيء فإن فيه الإشارة إلى الاختصاص بقوله ما ينبغي لنبي ولم يقل ما بنبغي لأحد ولا ما ينبغي لكم فدل على مخالفة حكم غيره له في هذا وإنه من خواصه ، ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملاً أثبته وداوم عليه ، ولهذا لما قضى سنة الظهر بعد العصر أثبتها وداوم عليها . وقولهم الشروع التزام بالفعل . يقال : تعنون بالالتزام إيجابه إياه على نفسه أم تعنون به دخوله فيه الأول : محل النزاع ، والثاني : لا يفيد وبه خرج الجواب عن قولكم الالتزام بالفعل أقوى . وسر المسألة : أن الشارع في النافلة لم يلتزمها التزام الواجبات ، بل شرع فيها نية تكميلها وفعلها فعل سائر النوافل ، وأما الناذر لها فبنذره قد التزم أداءها كما يؤدي الواجبات فافترقا .
فوائد مستنبطة من الأحاديث 
عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال بعض العلماء بالأخبار : إنه استقرى نسله فلا يبلغ أحد منهم الحلم إلا انجرا واهتم يعرف ذلك فيهم ، وهو من شؤم الأباء على الأبناء . واختلف فيما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من هذا ونحوه ، فقيل : هو قبل نزول قوله : والله يعصمك من الناس [ المائدة : 67 ] ، وقيل : العصمة الموعود بها عصمة النفس من القتل لا عصمته من أذاهم بالكلية ، بل أبقى الله تعالى لرسوله ثواب ذلك الأذى ولأمته حسن التأسي به إذا أوذي أحدهم نظر إلى ما جرى عليه صلى الله عليه وسلم فتأسى وصبر . وللمؤذين الأشقياء الأخذة الرابية .
تابع فوائد مستنبطة من الأحاديث 
قيل : إنما فدا النبي صلى الله عليه وسلم سعداً بأبويه لما ماتا عليه ، وأما الأبوان المسلمان فلا يجوز أن يفدي بهما ولهذا لا يحتاج إليه ، فإن التفدية نقلت بالعرف عن وضعها الأول وصارت علامة على الرضى والمحبة ، وكأنه قال : افعل كذا مغبوطاً مرضياً عنك .
تابع فوائد مستنبطة من الأحاديث 
في حديث أبا لبابة لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ارتباطه قال : لو أتاني لاستغفرت له وإذا فعل فلست أطلقه حتى يطلقه الله فأنزل الله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم [ التوبة : 102 ] ، إلى قوله : عسى الله أن يتوب عليهم [ التوبة : 102 ] ، فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ وفي هذا ما يدل على صحة قول المفسرين إن عسى من الله واجب وفيه أن فاطمة جاءت تحله . فقال : لا إلا رسول الله في فقال : فاطمة بضعة مني . فان قيل : فهل يبر الحالف بمثل هذا لو اتفق اليوم . قيل : لا إما لأنه مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأما لأن فاطمة بضعة منه قطعاً والله أعلم .
تابع فوائد مستنبطة من الأحاديث 
اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم . ونقل عن مالك واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لما قيل له : يا سيدنا : قال إنما السيد الله وجوزه قوم واحتجوا يقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار : قوموا الى سيدكم وهذا أصح من الحديث الأول . قال هؤلاء : السيد أحد ما يضاف إليه ، فلا يقال لتميمي إنه سيد كندة ، ولا يقال لمالك أنه سيد البشر . قال : وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم . وفي هذا نظر ، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب ، لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق والله سبحانه وتعالى أعلم .
تابع فوائد مستنبطة من الأحاديث 
وأخلاق كأخلاق الزجاج دققت بها فصارت كالزجاج 
إلى أن عدن لي عسلاً وماء كذاك يكون عاقبة العلاج 
الأول : جمع زج وهو نصل الرمح . والثاني : القوارير . 
ما أنت أول سار غره قمر ورائد أعجبته خضرة الدمن 
فاربأ بنفسك عني انني رجل مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني 
غيره : 
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت عن الماء فاشتاقت إليها المناهل 
تحاما الرزايا كل خف ومنسم وتلقى رداهن الذرى والكواهل 
وترجع أعقاب الرماح سليمة وقد حطمت في الدار عين العوامل 
من أراد من العمال أن ينظر قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه . وحد زيد وما رأى الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه القبلتين . لما تقدم اختبار الطين المنهبط صعد على النار المرتفعة فكانت الغلبة لآدم في حرب إبليس . سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى بيتها ، فجاء طفل بلا أم إلى امرأة بلا ولد يا من هو من جملة عسكر الرسول أيحسن بك كل يوم هزيمة . الحيوانات تذل في طلب القوت والفيل يتملق حتى يأكل . 
إن كان يوجب صبري رحمتي فرضي بسوء حالي وحل للضنا بدني 
منحتك القلب لا أبغى به ثمناً إلا رضاك ووافقري إلى الثمن 
قال غيره : 
أحن بأطراف النهار صبابة وبالليل يدعوني الهوى فأجيب 
غيره : 
سأتعب نقمي أو أصادف راحة فإن هوان النفس أكرم للنفس 
يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك ، إنما خلقت الأكوان كلها لك يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشياء شجرة ، وأنت الثمرة وصورة ، وأنت المعنى وصدف ، وأنت الدر ومخيض ، وأنت الزبد منشور اختيارنا لك واضح الخط ، لكن استخراجك ضعيف متى رمت طلبي فاطلبني عندك ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي إنما أبعدنا إبليس لأنه لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك . 
فوا عجباً كيف صالحته وتركتنا وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [ الكهف : 50 ] ، لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك . 
عجب ربنا من رجل ثار عن وطائه ولحافه إلى صلاته . تأمل معنى ثار ولم يقل قام لأن القيام قد يقع بفتور . فأما الثوران فلا يكون إلا بإسراع حذراً من فائت ما . انتفع آدم في بلية وعصى بكمال وعلم ولا رد عنه عز اسجدوا ، وإنما خلصه ذل ربنا ظلمنا أنفسنا لما عشقت للبلاء به الشجر تعلقت طلباً للعناق فقيل لها مع الكثافة : لا يمكن فرضيت بالنحول والتفت . 
تلق قلبي فقد أرسلته عجلا إلى لقائك والأشواق تقدمه 
ولا تكلني على بعد الديار إلى صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه 
قال الشاعر : 
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل فريح الصبا مني إليك رسول 
ملأوا مراكب القلوب متاعاً لا ينفق إلا على الملك فلما هبت رياح السحر أقلعت تلك المراكب قطعوا بادية الهوى بأقدام الجد فما كان إلا القليل حتى قدموا من السفر فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ريح الأبد . 
فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فأقاموا العيون تحرس تارة وترسق الأرض أخرى . سرادق المحبة لا تضرب إلا في قاع فارغ نزه . 
فرغ لي بيتاً أسكنه أعرف مقدار ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت . لو تخيلت قرب الأحباب لأقمت المأتم على بعدك . 
لو استنشقت ريح الأسحار لأفاق قلبك المخمور . من استطال الطريق ضعف مشيه . 
وما أنت بالمشتاق إن قلت بيننا طوال الليالي أو بعيد المفاوز 
أما علمت أن الصادق إذا هم ألقى بين عينيه عزمه إذا نزل آب في القلب سكن آذار في العين . من قبل فم اللذة لا ينكر عض أسنان الندامة . هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بمسمع الملك رفيقك قيسي وأنت يماني إذا كنت كلما لاحمت لك شهوة طفيل العرائس فانتظر قبلة وضاح اليمن . من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا . إذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف . يا أقدام الصبر احملي بقي القليل . تذكر حلاوة الوصال بهن عليك مر المجاهدة . قد علمت أين المنزل فأحد لها تسر . قال أبو يزيد : ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها إليه وهي تضحك . 
الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقي فاستبشر عند القدوم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه [ البقرة : 223 ] . الجنة ترضى منك بأداء الفرائض والنار تندفع عنك بترك المعاصي والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بدم المحب يباع وصلهم ، فمن الذي يبتاع بالثمن ، لله ما أحلا زيارة تسعى بها أقدام الرضى على أرض الاشتياق . 
زرناك شوقاً ولو أن النوى بسطت فرش الفلا بيننا جمراً لزرناك 
ما سافر الخليل سفراً ولا سلك طريقاً أطيب من الفلاة التي دخلها حين خرج من كفة المنجنيق ، رآه جبريل قد ودع بلد العادة فظن ضعف قدم التوكل فعرض عليه ، زاد ألك حاجة فرده بأنفة أما إليك فلا . لما تكامل وفاؤه ما أمر به جاءته خلعته وإبراهيم الذي وفي : 
قالت لطيف خيال زارها ومضى بالله صفه ولا تنقص ولا تزد 
فقال خلفته لو مات من ظمأ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد 
قالت صدقت الوفا في الحب شيمته يا نرد ذاك الذي قالت على كبدي 
وقال غيره : 
إن قومي بانوا ، فرقوا بينه وبيني فإذا نهت أنا الرهن ، فمن يقبض ديني 
وقال غيره : 
وكم مغرم بين تلك الخيا م تحسبه بعض أطنابها 
للنفس حظ وعليها حق فلا تميلوا كل الميل وزنوا بالقسطاس المستقيم . وإن رأيتم منها فتوراً فاضربوها بسوط الهجر في المضاجع ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً . أرفقوا بمطايا الأبدان ففد ألفت الترف ، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن . إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تحملوا على النفس فوق الطاقة إلى أن تتمكن المحبة فلها حينئذ حكمها . شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق . من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة . يا معرقلاً في شرك الهوى حموة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر ، فاجنح للسلم أي تصرف بقي لك في قلبك وهو بين أصبعين . يا منقطعين عن القوم سيروا في بادية الدجى وانتحوا بوادي الذل ، فإذا فتح باب للواصلين فدونكم ، فاهجموا هجوم اللوافين وابسطوا أكف وتصدق علينا ، لعل هاتف الرحمة يقول لا تثريب . لله ملك السموات والأرض [ النور : 42 ] ، واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة أبحر واستقرض دمعة فقحطت عينك بها . إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور ، والقلب كعبة وما يرضى المعبود بمزاحمة الأصنام . لذات الدنيا كسوداء ، وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عليهن غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سفت في عين البصيرة ، فخفيت الجادة تدور عينك على المحرمات ، كأنك قد ضاع منك شيء ورواحل همتك في الهوى ما تحمل لها قتب . إن قهر نفسك حب الفاني فذكرها العيش الباقي فإن أبت إلا بيع الغبن ، فاحجر عليها حجر السفيه وغط بصر باشقك إلى أن ينسى ما رأى واغسل باطن عينيك بطهور المدامع ، وكلما تذكرت ما أبصرت فاطرق بدمعة ، لعل فرط البكاء يدفع فساد البصر فيصلح لرؤية الحبيب . 
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طهرتها بالمدامع 
وتسمع منها لفظة بعدما جرى حديث سواها في خروق المسامع 
قال غيره : 
إذا لم أنل منكم حديثاً ونظرة إليكم فما نفعي بسمعي وناظري 
تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهور . تعرف رب العزة للمحبين فعملوا على اللقاء . وأنت مشغول بالجيف ما يساوي ربع الدينار خجل الفضيحة فكيف بألم القطع . المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليه إلا محب مغرم والحب غدير في صحراء ليس عليه جادة ، فلهذا قال وراده . المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبه والتعلق بذكره ، كهرب الحوت إلى الماء ، والطفل إلى أمه . 
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خالياً 
لو رأيت المحبين في الدجى تمر عليهم زمر النجوم مر الوصائف إلى أن تقبل هوادج هل من سائل ، فينثرون عليه الأرواح نثر الفراش على النار . ليس للعابدين مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحبين قرار إلا يوم المزيد ، فمثل لقلبك الاستراحة تحت شجرة طوبى يهن عليك النصب ، واستحضر يوم المزيد يهن عليك ما تتحمل من أجله . كنوز الجواهر مودعة في مصر الليل ، فتتبع آثار المحبين لعلك تظفر بكنز . أنت طفل في حجر العادة ، مشدود بقماط الهوى فمالك ولمزاحمة الرجال ؟ أين أنت والمحبة . وأنت أسير الحبة . تمسكت بالدنيا تمسك الرضيع بالظئر والقوم ما أعاروها الطرف . أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر . انقسم الصالحون عند السباق فمنهم من أخذه القلق ، فكان يقول ويل لي إن لم يغفرها أنا أمضي إلى النار أو يغفر . ومنهم من غلب عليه الرجاء كبلال كانت زوجته تقول واحزناه ، وهو يقول واطرباه . غداً ألقي الأحبة محمداً وحزبه . واهاً لبلال علم أن الإمام لا ينسى المؤذن . اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت . دق كؤوس الرحيل فسار الركب وتأهبوا للمسير ، وعكمت أحمال الزاد وسار رفقة المجدين ، وأنت في الرقدة الأولى بعد كيف تطيق السهر مع الشبع أم كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل ، هيهات ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد مواصلة السرى ، ولا عبروا إلى مقر الراحة إلا على جسر التعب . 
وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى سم الخياط مع المحبوب ميدان 
لو رأيت أهل القبور في وثاق الأسر فلا يستطيعون الحركة إلى نجاة وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ، ليس في أعدائك أشد شراً عليك منك . 
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه 
غيره : 
هذا المحب لديك فانظر هل ترى قلباً فإن صادفت قلباً فاعذل 
غاية العاذل إيصال اللوم إلى الأذن فأما القلب فلا سبيل له إليه . سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجاعة . تمر النجائب في الأول ، وحاملات الزاد في الآخر ، ولو وردت ماء مدين ، لوجدت عليه أمة من الناس يسقون . إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسف في أجفان يعقوب . لو أحببت المخدوم حضر قلبك في خدمته . 
فيا دارها بالحزن إن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال 
العروس تلبس عند العرض تحت الثياب شعار الخوف من الرد ، وفوق الثياب حلة الانكسار وحمرة الخجل تغنيها عن تخمير مستعار ، لإنها لا تدري على ماذا تقدم فكيف يسكن من لا يعرف العواقب . مداراة قيس ممكن ، ولكن لا مع ذكر ليلة . انقسم العباد ثلاثة أقسام فمنهم من لاحظ الحصاد فزاد في البذر . ومنهم من رأى حق المحذوم فقام بأدائه . ومنه من خدم حباً وشوقاً فتلذذ بالخدمة ، وهذه الخدمة لا ثقل لها ، لأن محركها الحب وغيرها ثقيل على البدن . نوق أبدان المحبين لا تحس بالنصب ، وأسماعها مشغولة بصوت الحادي وقلوبها معلقة بالمنزل . من عبده خوفاً أمنه ومن عبده رجاء إعطاه أمله ومن عبده حياً فلا تعلم نفس ما أخفي لها . 
يراها بعين الشوق قلبي على النوى فتحظى ولكن من لعيني برؤياها 
وهبكم منعتم أن يراها بعينه فهل تمنعون القلب أن يتمناها 
كم دخل المجلس عاص في باطنه باطية خمر فما زالت تعمل فيها حدة شمس التذكير حتى انقلبت خلاً فحلت . 
يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى إليكم تلقى نشركم فيطيب 
تابع فوائد مستنبطة من الأحاديث 
حلا الشيء في عيني وحلا في فمي . الحذف بالعصا والحذف بالحصا . حسر عن رأسه وسفر عن وجهه . وافتر عن نابه وكشر عن أسنانه وأبدى عن ذراعيه وكشف عن ساقيه . مائدة لما عليها الطعام . خوان لما لا طعام عليه . عرق العظم عليه اللحم وعراق جمعه وبدون اللحم عظم . كأس لما فيه شراب وبدونه زجاجة . وإناء وقدح كوز لذي العروة وبدونها كوب رضاب للريق في الفم فإذا انفصل فبصاق . أريكة السرير عليه قبة وبدونها سرير . خدر للخباء فيه المرأة وبدونها ستر . ظعينة للمرأة في الهودج . قلم للمبري وبدون بريه أنبوب . عهن للصوف المصبوغ وبدون صبغه صوف . وقود للحطب المشتعل ناراً وبدونها حطب . ركية للبئر ذي الماء وراوية للإبل حاملات الماء . سجل للدلو فيها الماء فإذا ملئت فهي ذنوب ودلو بدونهما . نفق إذا كان له منفذ وبدونه سرب . 
نعش للسرير عليه الميت وبدونه سرير . خاتم لذي الفص وبدونه حلقة رمح لذي الزج وبدونه قناة . لطيمه الإبل التي لحمل الطيب والبز خاصة وحمولة الحاملات الأمتعة وبدنة للممهداة . هضبة للحمراء من التلول . غيث للمطر في ابانه وإلا فمطر . الفرق البغض بين الزوجين خاصة . الشيم نظير البرق وحده . الناعية الصائحة على الميت خاصة . الأباق هرب العبد خاصة . القتار ريح الشواء خاصة . 
القذف الشتم بالزنا خاصة . لا يؤوبه به وله وإما إليه فمن لحن الخاصة . يتفل بالكسر والضم ويفسق مثله آسيتك وواكلتك وآخيتك . 
وحكى أبو عبيد واستيك بالواو فيهن وليس إذا من لحن الخاصة ، وله وجه في العربية فإنهم يقولون أواسيه بقلب الهمزة واواً في المستقبل ، فاعطوها ذلك في الماضي . لا يقال أقلبه إلا في موضع واحد قلبت الخبز إذا حان وقت قلبها . القوة الماسكة ليس بغلط ، كما زعم طائفة لأنه قد ورد مسك ثلاثي تعس بفتح العين . ما أعطى أحد النصف فأباه إلا أخذ أقل منه . أعجبني الشيء يراد به معنيان أحدهما : سرني وهو من الإعجاب ، والثاني : بمعنى دعاني إلى التعجب منه . فتقول : عجب يعجب معدي بالهمزة. 
قال كعب بن زهير : 
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني سعى الفتى وهو مخبوء له القدر 
فأعجبني هنا من العجب لا من الإعجاب . فتقول أعجبني ، وما ا أعجبني بالاعتبارين . يتحدر في قراءته يسرع ويهدر يهتاج في قراءته مع علو صوته فيها . من قولهم هدر الفحل إذا هاج ، وهدر الحمام وهدرت الضفادع . فليس من لحن العامة إذا حلت الشمس بالشرطين بفتح الشين والراء وضمهما لحن . يقال : عنيت في كذا ، فأنا عان فيه وعنيت بالضم بها وعنيت بالفتح أي قصدت تقول عنيت كذا أي قصدته غير معدي بالباء فهذا من القصد ، وأما من العنا فإنما يقال معنى وأما من العناية ، فإنما يقال عنى به مبني للمفعول .
أسماء بعض الرجال وأسماء آبائهم 
بلال بن حمامة وأبوه رباح ابن أم مكتوم وأبوه عمرو . بشر ابن الخصاصية وأبوه عبد الحارث بن الرضا وأبوه مالك . خفاف ابن ندبة وأبوه عمير . شرحبيل ابن حسنة وأبوه مالك . مالك ابن نميلة وأبوه ثابت . معاذ ومعوذ ابني عفرا وأبوهما الحارث ، يعلى ابن منية وأبوه أمية عبد الله بن بحينة وأبوه مالك .
تابع أسماء بعض الرجال وأسماء آبائهم 
إسماعيل ابن علية وأبوه إبراهيم ، منصور ابن صفية وأبوه عبد الرحمن . محمد ابن عائشة وأبوه حفص . إبراهيم ابن هراشة وأبوه سلمة . محمد ابن عثمة وأبوه خالد .
فصل في بعض ما رواه عطاء عن أبي هريرة وفيه الكلام على الفرار من الطاعون 
عطاء عن أبي هريرة في كل صلاة قراءة ، وعطاء مرفوعاً لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن ، فذكر الخلفاء الأربعة . 
وعطاء عنه مرفوعاً إذا أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة . وعطاء عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في اقرأ باسم ربك . وعطاء عنه مرفوعاً إذا مضى ثلث الليل . يقول الله تعالى : الداع ، فالأول ابن أبي رباح ، والثاني الخراساني ، والثالث ابن يسار ، والرابع ابن ميناء ، والخامس مولى أم صفية . عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة ، فسألتها ما سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول في الفرار من الطاعون . قالت : سمعته يقول : كالفرار من الزحف . وعمرة . قالت : خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة ، فمررنا بالمدينة وأرينا المصحف الذي قتل وهو في حجره فكانت أول قطرة قطرت على هذه الآية فسيكفيكهم الله [ البقرة : 137 ] ، قالت عمرة : فما مات منهم رجل سوياً . وعمرة عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الوصال . الأولى بنت عبد الرحمن ، الثانية : بنت قيس العدوية ، الثالثة بنت ارطأة ، الرابعة يقال لها الصاحية . حماد عن ثابت عن أنس سمع النبي صلى الله عليه وسلم في النخل صوتاً الحديث حماد عن ثابت عن أنس رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن صفرة . الحديث حماد عن ثابت عن أنس يرفعه مثل أمتي كالمطر . الأول ابن سلمة الثاني ابن زيد ، الثالث الأشج ، قتادة يروي عن عكرمة مولى ابن عباس . وعن عكرمة بن خالد ضعيف . وكيع يروي عن النضر بن عدي ثقة . وعن النضر بن عبد الرحمن ضعيف . حفص بن غياث يروي عن أشعث بن عبد الرحمن ثقة . وعن أشعث بن سوار ضعيف . مومي بن عبيدة الربذي كان أخوه عبد الله بن عبيدة أسن منه بثمانين سنة . طالب أسن من عقيل بعشر سنين . وعقيل أسن من جعفر بعشر . وجعفر أسن من علي بعشر . يزيد وزياد ومدرك بنو المهلب بن أبي صفرة ولدوا في عام واحد وقتلوا في عام واحد ، وعاش كل منهم ثمانياً وأربعين سنة . أربعة أنفس ولد لكل منهم مائة ولد . أنس بن مالك . وعبد الله بن عمر الليثي . وخليفة السعدي . وجعفر بن سليمان الهاشمي . علي بن الحسين وعلي بن عبدالله بن عباس وعلي بن عبدالله جعفر بن بنو عم . ولكل منهم ابن اسمه محمد والكل أشراف والكل علماء والكل أخيار .
فصل 
الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه . فقال : إني جاعل في الأرض خليفة [ البقرة : 30 ] ، وقضى أن يعرفه قدر المخالفة وأقام عذره بقوله : فأزلهما الشيطان [ البقرة : 36 ] ، وتداركه برحمة بقوله : ثم اجتباه ربه [ طه : 122 ] ، يا آدم لا تجزع من كأس خطا كان سبب كيسك ، فقد استخرج منك داء العجب ، وألبسك رداء العبودية لو لم تذنبوا . لا تحزن بقولي لك اهبطوا منها فلك خلقتها ، ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة واجتهد في البذر واسق شجرة الندم بساقية الدمع ، فإذا عاد العود أخضر فعد لما كان . منصب الخلة منصب لا يقبل المزاحمة بغير المحبوب . وأخذ الولد شعبة من شعاب القلب . غار الحبيب على خليله أن يسكن غيره في شعبة من شعاب قلبه فأمره بذبحه فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة وخلصت المحبة لأهلها فجاءته البشرى وفديناه بذبح عظيم . ليس المراد أن يعذب ، ولكن يبتلى ليهذب . ليس العجب من أمر الخليل بذبح الولد ، إنما العجل من مباشرة الذبح بيده . 
ولولا الاستغراق في حب الآمر لما هان مثل هذا المأمور ، فلذلك جعلت آثارها مثابة للقلوب تحن إليها أعظم من حنين الطيور إلى أوكارها ، قول لوط لقومه يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد [ هود : 78 ] ، يجمع أنواعاً من الاستعطاف . 
أحدها : خطابهم بخطاب الناصح المشفق بقوله : يا قوم ولم يقل يا هؤلاء . 
الثاني : عرضه بناته عليهم بقوله : هؤلاء بناتي . 
الثالث : تنجيز ذلك بالإشارة بلفظ الحضور . 
الرابع : ترغيبه فيهن لطهارتهن وطيبهن . 
الخامس : تذكيرهم بالله بقوله فاتقوا الله . 
السادس : المطالبة بحفظ الذمام وترك الأذى بقوله ولا تخزون . 
السابع : التوبيخ الشديد بقوله أليس منكم رجل رشيد . لما تمكن الحسد من قلوب أخوة يوسف أرى المظلوم مال الظالم في مرآة إني رأيت أحد عشر كوكباً . شكرك لا يساوي قدر قوتك . لا كانت دابة لا تعمل بعلفها . متى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي ، فاعلم أنه قد مسخ . ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضى بالحياة الدنيا ، والطمأنينة بها . فاعلم أنه قد خسف به . ومتى اقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب . وأبعد القلوب من الله القلب القاسي . ومتى رأيت نفسك تهرب من الأنس به إلى الأنس بالخلق . ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار ، فاعلم أنك لا تصلح له . ومتى رأيته يستزيد غيرك وأنت لا تطلب ويستدني سواك وأنت لا تقرب ، فإن تحركت لك قدم في الزيارة تخلف قلبك في المنزل ، فاعلم أنه الحجاب والعذاب . مزاج الإيمان منحرف عن الصحة ، ونبض الهوى شديد الخفقان تحكمت أخلاط الشهوات في أعضاء الكسل فثبطت عن الحركة فتولدت الأمراض المختلفة هذا ، وما يسهل عليك شرب مسهل ، فإن تداركت المرض وإلا قتل . لو احتميت ساعة لم تحتج إلى معالجة الدواء مدة . من ركب ظهر التفريط والتواني نزل به دار العسرة والندامة . ربك يحب حياة نفسك ، وأنت تريد قتلها . يريد بك اليسر ، وأنت تريد العسر ، يريد بها الكرامة ، وأنت جاهد في اهايتها . 
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه 
من أدلج في غياهب الليل على نجائب الصب صبح منزل السرور . ومن نام علىفراش الكسل أصبح ملقى بوادي الأسف . الجد كله حركة ، والكسل كله سكون . فتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم . إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة وقت خروجه من البيضة فعلقه بمنقاره ، فإن تحرك فديك ، وإلا فدجاجة الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج ، فلذلك عيب عشاقها . 
ميزت بين جمالها وفعالها فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي 
حلفت لنا أن لا تخون عهودها فكأنما حلفت لنا أن لا تفي 
ما حظى الدينار بنقش اسم الملك فيه حتى صيرت سبيكته على الترداد إلى النار ، فنفت عنها كل خبث ، ثم صبرت على تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها على السكة ، فحينئذ يظهر عليها رقم النقش ، فكيف يطمع في نقش كتب في قلوبهم الإيمان من كله خبث . مكابدة البادية تهون عند ذكر البيت المضحى بوادي الجوع ، والمعشى بوادي السهر ، إلى أن تلوح أعلام المنزل . إذا ونت الركاب في السير فبثوا حداة العزم في نواحيها يطيب لها السري . إذا حال غيم الهوى بين القلوب وبين شمس الهدى تحير السالك . الحيوان البهيم يتأمل العواقب وأنت لا ترى إلا الحاضر . ما تكاد تهتم بمؤونة الشتاء حتى يقوى البرد ، ولا بمؤونة الصيف حتى يقوى الحر . والذر يدخر الزاد من الصيف لأيام الشتاء . وهذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع . أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر ، فهلا بعثت فراش من عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون . وهذا اليربوع لا يتخذ بيتاً إلا في موضع صلب ليسلم من الحافر ويكون مرتفعاً ليسلم من السيل ، ويكون عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه ثم يجعل له أبواباً ويرقق بعضها ، فلا ينفذه . فإذا أتى من باب مفتوح دفع برأسه مارق من التراب وخرج منه ، وأنت قد ضيقت على نفسك الخناق فما أبقيت للنجاة موضعاً . النفس كالعدو إن عرفت صولة الجد منك استاسرت لك ، وإن أنست عنك المهانة أسرتك أتمنعها ملذوذ مباحاتها ليقع الصلح على ترك الحرام ، فإذا احتجت لطلب المباح ، فأما منا بعد وأما فداء . الدنيا والشيطان عدوان خارجان عنك ، والنفس عدو بين جنبيك . ومن سنة الجهاد قاتلوا الذين يلونكم . أليس المبارز بالمحاربة كالكمين الذي يطلع عليك من حيث لا تشعر . أقل ما تفعل النفس معك أنها تمزق العمر بكف التبذير والبطالة أخل معها في بيت الفكر سويعة ثم انظر هل هي معك أو عليك ؟ ثم عاملها بما تعامل به . واحداً منهما . من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه . سينقشع غيم التعب عن فجر الآخرة . 
كم صبر بشر عن شهوة حتى سمع كل يا من لم يأكل . يا من حسد سجاف نعم العبد على فيه ووهناً له حتى وصل على قدر أنا وجدناه صابراً . كيف يفلح من يشكو الليل إلى ربه من طول يومه والنهار من قبيح فعله . كيف يفلح من هو جيفة بالليل قطرب بالنهار ينصب بميزان البخس ، ومكيال التطفيف والقدر ثالثة الأثافي . لو فكر الطائر في الذبح ما حام حول القمح . لولا صبر المضمرات على قلة العلف ما قيل لها سوابق . 
مما أضر بأهل العشق أنهم هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا 
تفنى نفوسهم شوقاً وأعينهم في أثر كل قبيح وجهه حسن 
تحمل حميلكم . كل رابحة فكل بين علي اليوم مؤتمن 
ما في هوادجكم من مهجتي عوض إن مت شوقاً ولا فيها لها ثمن 
سهرت بعد الرحيل وحشة لكم ثم استمر مريري وارعوى الوسن 
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ما دام تصحب فيه روحك البدن 
فما يديم سروراً قد سررت به ولا يرد عليك الغائب الحزن 
إذا لم تكن من أنصار الرسول فتنازل الحرب . فكن من حراس الخيام ، فإن لم تفعل فكن من نظارة الحرب الذين يتمنون الظفر للمسلمين ، ولا تكن الرابعة فتهلك ، إذا رأيت الباب مسدوداً في وجهك فاقنع بالوقوف خارج الدار مستقبل الباب سائلاً مستعطياً فعسى ، ولكن لا تول ظهرك وتقول ما حيلتي وقد سد الباب دوني . لما نادى منادي الأفضال . من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها سارت نجائب الأعمال . قام الجزاء يصيح بالدليل ، ولولا أن ثبتناك فقال ما منكم من ينجيه عمله إن لم تقدر على مشارع أرباب العزائم ، فرد باقي الحياض فمن لم يكن عنده ابن لبون قبلت منه ابنة مخاض لا تحتقر معصية فكم أحرقت شررة . أما عرفت سر ولا تقربا هذه الشجرة . لو قنع آدم لاكتفى ، ولكن المحنة كانت في الشره 0 الخلوة شرك لصيد المؤآنسة . أخفى الصيادين شخصاً ، وأقلهم حركة أكثرهم التقاطاً للصيد . ما صاد هرنوا . أي صوت . 
أبدا نفوس العاش قين إلى ربوعكم تحن 
وكذا القلوب بذكركم بعد المخافة تطمئن 
غيره : 
طلولي إذا يشكو إليها متيم شكي غير ذي نطق إلى غير ذي فهم 
غيره : 
وإنما عمر الفتى سوق له يصدر عنه غانماً أو خاسراً 
غيره : 
نراع إذا الجنائز قالمتنا ونلهو حين تخفى ذاهبات 
كروعة ثلة لظهور ذئب فلما غاب عادت راتعات 
خذ نفك بالعزانم لا ترخص . حائط الباطن خراب فعلام ذا تجصص . العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة . والجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل . أيها المعلم تثبت على المبتدي وقدر في السرد فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق . ويا أيها الطالب تواضع في الطلب ، فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهوراً للوجه . تجلى عليك عروس المعرفة ، ولكن على غير كفؤ . وإنما يحل النظر إذا كان العقد جائزاً . فغض الطرف إنك من نمير . ليس العالم شخصاً واحداً ، العالم عالم تصانيف . العالم أولاده المخلدون دون أولاده . من خلق للعلم شف جوهره من الصغر . طول الشهر مفض إلى طيب المرقد والهوان في ظل الهوينا كامن . وجلالة الأخطار في ركوب الأخطار . مياه المعاني مخزونة في قلب العالم يفتح منها للسقي سيحاً بعد سيح ، ويدخر أصفاها لأهل الصفا ، فإذا تكاثرت عليه نادى للسبيل فيبقى علمه سيح ، ولهذا يتضاعف عليه زكاة الشكر . كل وقت تسافر بضائع فكره من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين فينادي عليها دلال لسانه وهو يعرضها في مواسم النصح على تجار الطلب والإرادة من يشتري حكمة وعلماً بتخبير الثمن . فيا من يرى علو تلك المرتبة لا تنس الدرج . كم خاض بحراً ملحاً حتى وقع بالعذب ، وكم تاه في مهمه قفر حتى سمي بالدليل ، وكم أنض مراكب الجسم وفض شهوات الحس وواصل السرى ليلاً ونهاراً ، وأوقد نار الصبر في دياجي الهوى فإن وثقتم بأمانته ، فهذا تخبير السرى . الدنيا تفوق سهامها نحو بنيها . وتقول خذوا حذركم فلهذا دم قتلاها هدر . غاب الهدهد عن سليمان ساعة فتوعده ، فيا من أطال الغيبة عن ربه هل أمنت غضبه . تخلف الثلاثة عن الرسول في غزوة واحدة فجرى لهم ما سمعت فكيف بمن عمره في التخلف عنه . إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحى من خماره ندم على الطلل . خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بيد هذا فراق بيني وبينك أفما تخاف يا من لم يف لربه قط أن تقول في بعفى زلاتك هذا فراق بيني وبينك . أعظم عذاب أهل جهنم جهلهم بالمعذب . لو صحت معرفتهم بما لمالك هنالك لما استغانوا بمالك يا مالك . وقع بينهم شخص ليس من الجنس كان في باطنه ذرة من المعرفة ، فكلما حملت عليه النار اتقاها بدرع يا حنان يا منان . كان موته في المعاصي سكته فقبر في جهنم ، فلما تحرك الررح في الباطن أخرج من القبر . حرص العصفور يخنقه وقع العنكبوت في زاوية الضعف يسوق إليها الذباب قوتاً لها . رب ساع لقاعد . أرسلت قلبك مع كل مطلوب من الهوى ثم تبعث وراءه وقت الصلاة فربما لا يلقاه الرسول فتصلي بلا قلب : 
خلفت قلبك في الأظعان إذ نزلت بالمازمين غداة النفر بالنفر 
ورحت تطلب في أرض العراق ضحى ما ضاع عند منى فاعجب لذا الخبر 
لما طرقنا منى كان الفؤاد معي فضل عني بين الضال والسمر 
بأرجل العيس تتبيك الرمال فما أمشي بوجدي غداً إلا على الأثر 
يا من فقد قلبه لا تيأس من عوده . 
فقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظعنان كل الظن أن لا تلاقيا 
الهوى قاطن والصواب خاطر وطرد القاطن صعب وإمساك الخاطر أصعب ، إنك لم تزل في حبس فأول الحبوس صلب الأب . والثاني بطن الأم . والثالث : القماط والمهد . والرابع المكتب . والخامس الكد على العيال . والسادس مرض الموت . والسابع القبر ، فإن وقعت في الثامن نسيت مرارة كل حبس تقدم ، ادخل حبس التقوى باختيارك أياماً ليحصل لك الإطلاق على الدوام ولا تؤثر إطلاق نفسك فيما تحب فإنه يؤثر حبس الأبد . العذل على حمل العشق علاوة . ومريخ قطب الشم يوجده فروى له خبر التعذيب فعرضا متى تركت المعصية وما حللت عقد الإصرار لم يفد شيئاً ، كما لو سكن المرض من غير استفراغ ، فإنه على حاله إن لم يتحقق ، قصد القلب لم يؤثر النطق شيئاً . يمين المكره لا تنعقد . ويحك نفسك سلعتك وقد استامها المشتري بأفخر الثمن ، فاجهد في إصلاح عيوبها لعله يرض بها . منام المنى أضغاث . ورائد الآمال كذوب . ومرتع الشهوات وخيم . العجز شريك الحرمان ، التفريط مصائب الكسل ، قفل قلبك رومي ما يقع عليه غش . متى خامر من جنود عزمك عليك واحد لم يأمن قلبك الهزيمة عليه . وإذا كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في رؤوس الصعاد . كن قيماً على جوارحك ورعيتك إذا وفيتها الحظوظ فاستوف منها الحقوق . 
تأمل قوله تعالى : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى [ طه : 117 ] ، كيف شرك بينهما في الخروج ، وخص الذكر بالشقاء لاشتغاله بالكسب والمعاش والمرأة في خدرها . 
تزود من الماء القراح فلن يرى بوادي الغضا ماء نقاحاً ولا برداً 
فهل من نسيم البان والرند نفحة فهيهات واد ينبت البان والرندا 
وكر إلى نجد بطرفك أنه متى تسر لا تنظر عقيقاً ولا نجدا 
انظر يمنة فهل ترى محنة ، ثم اعطف يسرة فهل ترى إلا حسرة ، أما الربع العامر فدرس ، وأما أسر الممات فغرس ، وأما الراكب فكبت به الفرس ساروا في ظلم ظلامتهم فما عندهم قبس وقفت بهم سفن نجاتهم ، لأن البحر يبس . وانقلبت تلك الدور كلها في تعس . وجاء منكر بآخر سبأ ونكير بأول عبس . أفلا يقوم لنجاته من طال ما قد جلس . 
يا نفس ما هي إلا صبر أيام كان مدتها أضغاث أحلام 
يا نفس جودي عن الدنيا ولذتها وخل عنها فإن العيش قدامي 
ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة ، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه وكم فيه من حبة . 
وإن حننت للحمى وروضه فبالغضا ماء وروضات أخر 
حامل الكتب من الطير أقوى عزيمة ، فلعل وضعك على غير الاعتدال لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة ، إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأودية ، فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتستر ، وهو مع شدة جوعه يحذر الحب الملقى خوفاً من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح ، ويضيع ما حمل ، فإذا بلغ الرسالة أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج . فيا حاملي كتب الأمانة أكثركم على غير الجادة وما يستدن منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل فارتهن وربح ، فيسلم تعرقل جناحه وينتظر الذبح فلا الحبة حصلت ولا الرسالة وصلت . 
قطاة غرها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح 
فلا في الليل نالت ما تمنت ولا في الصبح كان لها سراح 
لو صابرتم مشقة الطريق لانتهى السفر . فتوطنتم مستريحين في جنات عدن . يا مهملين النظر في العواقب أسلفوا في وقت الرخص ، فما يؤمن تغير الأسعار . لا ترم بسهام النظر ، فإنها والله فيك تقع رب راع مقلة أهملها فأغير على السرح . 
كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر 
كم نظرة فعلت في قلب ناظرها فعل السهام بلا قوص ولا وتر 
غيره : 
وأرى السهام نام من يرمي بها فعلام سهم اللحظ يصمي من رمى 
أعرف قدر لطفه بل وحفظه لك . إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك ، وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحساناً . لا حاجة منه إليك ، لما عرفته بالعقل حرم ما يزيله ، وهو الخمر صيانة لبيت المعرفة . يا متناولاً للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين سكرين . سلعة وإني لغفار لا تبذل إلا بثمن لمن تاب . يا خارجاً من سبيله وأمن عن سكه وعمل صالحاً . من دار ضرب ثم اهتدى أن لم تقدر على الجد في العمل ، فقف على باب الطلب . تعرض لنفحة من نفحات الرب ففي لحظة أفلح السحرة . 
لا تجزعن من كل خطب عرى ولا ترى الأعداء ما يشمت 
واصبر فبالصبر تنال المنى إذا لقيتم فئة فاثبتوا 
ثمن المعالي الجد والفتور داء أمر من السلوة . أفي عينيك آيات وآثار إذا ما برد القلب فما تسخنه النار . الوجود بحر ، والعلماء جواهره ، والزهاد عنبره ، والتجار حيتانه ، والأشرار تماسيحه ، والجهال على ظهره كالزبد . لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزاً وما ترضى إلا بقتل عشاقها ، وكم تدللت عليهم بالنشوز . أذاقتهم برد كانون الأماني وإذا هم في وسط تموز . تطلب مشاركة الغانمين وما شهدت الحرب تحل الغنيمة لمن شهد الوقعة . البلايا تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي . 
تنام عينيك وتشكو الهوى لو كنت صبا لم تكن هكذا 
يا مؤثراً ما يفني على ما يبقى . هذا رأي هواك فهلا استشرت العقل لتعلم أنصحهما لك . لا تحقرن يسير المعصية كالعشب الضعيف يفتل منه حبال تجر السفن . أو ما نفذت في سد سباحيلة جرد . العمر ثوب غير مكفوف وكل نفس خيط يسل منه . أنت أجير وعليك عمل ، فأخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل . كم غرقت سفينة في بحر شوق ساروا وما يسألون ما فعل الفجر ولا كيف مالت الشهب . عودهم هجرهم مطالبة الراحات أن يظفروا بما طلبوا . الشجاع يلبس القلب على الدرع ، والجبان يلبس الدرع على القلب . 
أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون الدمن : 
ومعال لو ادعاها سواهم لزمته جناية السراق 
نالوا السماء وحطوا من نفوسهم إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا 
لو صدقء عزمك قذفتك ديار الكسل إلى بيداء الطلب . الناقد يخاف دخول المبهرج عليه واختلاطه بماله والبهرج آمنة . هذا الصديق يمسك بلسانه ويقول : هذا أوردني الموارد . وعمر يناشد حذيفة . هل أنا منهم ؟ والمخلط على بساط الأمن . إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر ، فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة ، وصار الكسل والتواني في كثيبة الغفلة ، فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم فحصل الظفر والغنيمة ، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان ، وما عند النائمين خبر . قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجى وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل وحادي العزم يقول : 
يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا المسرى فمن نام طول الليل لم يصل 
إلى أن هب نسيم السحر فقام الصادح يبغي ظلام الليل فلما هم بالرحيل تشبث القوم بأذياله يبكون على فراق المحبوب ، فلما طلع الفجر حدى حاديهم عند الصباح يحمد القوم السري . يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل من جمع بين العلم بالسنة ومتابعتها انتحاله المعاني البديعة فهي تنادي على رؤوس الأشهاد ، ولدت من نكاح لا من سفاح ، ومن قرين بين البدعة والهوى انتحاله ضروب الهذيان فهي تنادي على رؤوس الأشهاد . أيها الفطن لا تغتر إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك ، حولها فلتصبر على مجاورته قليلاً ، فوحدها تقصد وتقبل وتشم . إذا تكلم من يريد الدنيا بكلامه فإنه كلما حفر في قليب قلبه وأمعن في الاستنباط أنهار عليه تراب الطمع فطمه . إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك فاعلم أنه لطف بك ، لأن المنعم لم يقبضه بخلاً أن يتمزق ، ولكن رفقاً بالساعي أن يتعثر . فش على القلب الضائع قبل الشروع فحضور القلب أول منزل من منازل الصلاة فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى ، فإذا رحلت عنها انخت بباب المناجاة ، فكان أول قرى ضيف اليقظة . كشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية بعد ؟ إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم أخرج عليهن استغرقت إحساس الناظرات فقطعن أيديهن وما شعرن فكيف بالحال يوم المزيد . لو أحببت المعبود لحضر قلبك في عبادته . قيل لعامر بن عبد القيس . أما تسهو في صلاتك ؟ قال : أو حديث أحب إلي من القرآن حتى أشتغل به . وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته حتى انهدمت ناحية من نواحي المسجد فزع لها أهل السوق . فما التفت وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته ، فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علماً منهم بالغيبة . وقيل لبعضهم : إنا لنوسوس في صلاتنا . قال : بأي شيء بالجنة أو الحور العين والقيامة ، قالوا : لا بل بالدنيا . فقال : لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من ذلك ، تقف في صلاتك بجسدك . وقد وجهت وجهك إلى القبلة ، ووجهت قلبك إلى قطر آخر . 
ويحك ما تصلح هذه الصلاة مهر للجنة فكيف تصلح ثمناً للمحبة ؟ رأت فأرة جملاً فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصلت إلى باب بيتها وقف فنادى بلسان الحال إما أن تتخذي داراً تليق بمحبوبك أو محبوباً يليق بدارك ، وهكذا أنت أما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك وأما أن تتخد معبوداً يليق بصلاتك . 
تعاهد قلبك فإن رأيت الهوى قد أمال أحد الحملين فاجعل في الجانب الآخر ذكر الجنة والنار ليعتدل الحمل ، فإن غلبك الهوى فاستعنت بصاحب القلب يعينك على الحمل . فإن تأخرت الإجابة فابعث رائد الانكسار خلفها تجده عند المنكسرة قلوبهم . اللطف مع الضعف أكثر فتضاعف ما أمكنك . لما كانت الدجاجة لا تحنو على الولد أخرج كاسباً . ولما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم ، فهي تجد ريح المطعوم من البعد . ولما كانت الخلد عمياء ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح فاها ، فيبعث إليها الذباب فيسقط فيه فتتناول فه حاجتها . الأطيار تترنم طول النهار . فقيل للضفضع : ما لك لا تنطقين . فقالت : مع صوت المزمار يستبشع صوتي ولكن الليل أجمل بي . لا تنس العناية بالسحرة ، جاؤوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضي قد وضعت ، وشراب الوصال مروق ، فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى ، فإذا بها قد انقلبت خلاً فأفطروا عليه فسكروا بشراب المحبة ، فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل . واعجباً لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف . 
سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق . فقالوا : اقض ما أنت قاض ، إنما نقضي هذه الحياة الدنيا . 
تمر الصبا صبحاً بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها 
قريبة عهد بالحبيب وإنما هوى كل نفس أين حل حبيبها 
قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب ، فالطريق إلى المحبوب لا تطول . 
بعيد على كسلان أو ذي ملالة وأما على المشتاق فهو قريب 
يا حاضرين معنا بنية النزهة لستم معنا . عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب ويا مودعين ارجعوا ، فقد عبرنا العذيب وعن قريب تأتيكم أخبارنا بعد قليل ، ويا أيها الحادي عرس بالخيف من منى تعلمك الدموع كيف ترمي حصا الجمار . ضيف المحبة ما له قرى إلا المهج ، إذا رأيت محباً ولم تدر لمن وضع يدك على نبضه ، وسم له من تطبه به فإن النبض ينزعج عند ذكره . 
المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم . حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء شتاء العطلة ومن لطف به فزمانه كله فصل الربيع . 
عين تسر إذا رأتك وأختها تبكي لطول تباعد وفراق 
فاحفظ لواحدة دوام سرورها وعد التي أبكيتها بتلاق 
إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة ، فإن أيدي المعاشرة نهابة ، واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لص . لا تصادقن فاسقاً ولا تثق إليه فإن من خان أول منعم عليه لا يفي لك . يا فرح التوبة لازم ذكر الخلوة فإن هر الهوى صيود . إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى تتكامل نيات الحوافي وإلا كنت رزق الصائد . الأنس بالخلوة دبق أول ما يعلق جناح الطير والمخالطة توجب التخليط ، وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة . 
أقل ما في سقوط الذئب في غنم إن لم يصب بعضها أن تنفر الغنم 
إن لم تكن من جملة المستحقين للميراث فكن من رفقة . وإذا حضر القسمة أولو القربى ، ويحك لا تحقر نفسك ، فالتائب حبيب والمنكسر صحيح . إقرارك بالإفلاس عين الغنى . تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة . اعترافك بالخطأ نفس الإصابة . عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد . ونحن نسبح بحمدك . فقال آدم : ما عندي إلا فلوس الإفلاس . نقشها ربنا ظلمنا أنفسنا . فقيل : هذا الذي ينفق على خزانة الخاص ، أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين إن كان يأجوج الطبع ومأجوج الهوى قد عانوا في أرض القلوب فأفسدوا فيها فأعينوا الملك بقوة يجعل بينكم وبينهم ردماً . أجمعوا له من العزائم ما يشابه زبر الحديد ثم تفكروا فيما أسلفتم ليثور صعد الأسف ، فلا يحتاج إلى أن يقول لكم انفخوا . شدوا بنيان العزم بهجر المألوفات والعوائد وقد استحكم البناء فحينئذ ، أفرغوا عليه قطر الصبر . وهكذا بنى الأولياء قبلكم فجاء العدو ، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً . ضاقت أيام الموسم فأسرعوا بالإبل . لا تفتكم الوقفة إذا لم تخلص فلا تتعب . لا تحد ومالك بعير . لا تمد القوس وما لها وتر . كم بذل نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذماً . ولو بذلها لله . لبقيت ما بقي الدهر . عمل المرائي بصلة كلها قشور . المرائي يحشو جراب الزوادة رملاً يثقله في الطريق وما ينفعه . ريح الرياء جيفة تجافاها مشام القلوب . لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تشبهه . وقالت : لك نسج ولي نسج ، فقالت دودة القز : ولكن نسجي أدية الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس الحاجة يتبين الفرق : 
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكا ممن تباكا 
شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة . وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين . فتقول للصنوبرة : إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين ، ويقال : لي شجرة ولك شجرتم . فقالت لها الصنوبرة : مهلاً حتى تهب رياح الخريف ، فإن ثبت لها تم فخرك . كان التصوف والفقر في مواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب . كان خرقة فصار حرفة . غير زيك أيها المرائي فإنه يصيح بك خذوني . السيف والدرع لتزيين هيئتك فضيحة البهرج تبين عند المحك . لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل الركب ، أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب ، أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب . لعلمت أنك قد انقطعت تحت شجر أم غيلان . واحسرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل . 
أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً ولا أعد اللياليا 
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا 
إلى م الرواح في الهوى والتفليس وحتام السعي في صحبة إبليس وكم بهرجة في العمل وتدليس . أين أقرانك هل تسمع لهم من حسيس . أعلمت أنهم اشتد ندمهم وحسرتهم على إيثار الخسيس . تالله لقد ودوا أن لو كانوا طلقوا الدنبا قبل المسيس : 
عين المنية تغضي غير مطرقة وطرف مطلوبها مذ كان وسنان 
جهلاً تمكن منه حين مولده فالنطق صاح ولب المرء سكران 
لا تنفع الرياضة إلا في نجيب . لو سقي الحنظل بماء السكر لم يخرج إلا مراً شجر الأثل والصفصاف والحور ونحوها ، ولو دام الماء في عروقها لا تثمر أبداً ، سحاب الهوى قد طبق بيداء الأكوان وأمطر مشارق الأرض ومغربها ، ولكن قيعان أرض قلبك قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . ومع هذا فلا تيأس فقد يستحيل الخمر خلا ، ولكن إنما ذلك لطيب العنصر . خلا الفكر في القلب في بيت التلاوة فجرى ذكر الحبيب وأوصافه فنهض الشوق على قدم السعي . يا من لم يشاهد جمال يوسف لم يعرف ما الذي آلم قلب يعقوب . 
من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد 
يا من هبت على قلبه جنوب المجانبة فتكاثفت عليه غيوم الغفلة فأظلم أفق المعرفة . لا تيأس فالشمس تحت الغيم . لو تصاعد منك نفس أسف استحالت شمالاً فتقطع السحاب فبانت الشمس تحته . لما كان رزق الطائر اختلاساً لم يجعل له أسنان ، لأن زمن الانتهاب لا يحتمل المضغ . وجعل له حوصلة كالمخلاة ينقل إليها ، ما يستلب ثم تنقله إلى القانصة في زمن الإمكان . فإن كانت له أفراخ أسهمهم قبل النقل . كلما طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول الأطعمة من الأرض . رميت صخرة الهوى على ينبوع الفطنة فاحتبس الماء ، فإن لم تطق رفعها فانقب حولها لعل ينابيع الماء تتفجر . لو بعت لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قارون ، لكنت مغبوناً في العقد . عشاق الدنيا بين مقتول ومأسور ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر . 
يا طالبي العلم قد كتبتم ودرستم فلو طلبكم العلم في بيت العمل فلستم . وإن ناقشكم على الإخلاص أفلستم . شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع . أين شركائي الذين كنتم تزعمون ؟ وأما شجرة الدباء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئاً فليتبعه . رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة لا تقم فيه أبداً . وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث . رب أشعث أغبر . قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك إلى غيرك ، فلا على ثواب المخلصين حصلت ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت وفات الأجر والمدح . فلا هذا ولا هذا . لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك ، فإنه لا يدخل الخزانة إلا بعد النقد . المخلص يتبهرج على الخلق بستر حاله وببهرجته يصح له النقد . والمرائي يتبرطل على باب الملك يوهم أنه من الخواص وهو غريب فسله عن أسرار الملك يفتضح . فإن خفي عليك فانظر حاله مع خاصة الملك . يا من لم يصبر عن الهوى صبر يوسف يتعين عليه بكاء يعقوب . فإن لم يطق فذل أخوته يوم تصدق علينا . إذا طاب لبث الطين على حافات الأنهار تكامل ربه ، فإذا نضب عنه الماء استلبت الشمس ما فيه من الرطوبة ، فيشتد شوقه إلى الماء . فلو وضعت منه قطعة على لسانك لأمسكه وعلق به شوقاً إلى الورد . فيا من نضب ماء معاملته . هل أحسست بالعطش ، وقالوا : يعود الماء في البئر بعدما ، وكانت بالحجاز لنا ليال ، نهبناهن من أيدي الزمان . 
ولا تنصب خيامك في محل فإن النازلين على ارتحال 
مداراة الضعفاء باللطف . فاذا قووا شدد عليهم . مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشر . كان الإسلام في بدايته كالنطفة فاقتنع بكلمة التوحيد ، فلما نفخ فيه الروح احتاج إلى الغذاء ففرضت الصلاة ، فلما تحرك وجبت الهجرة ، فلما اشتد وجبت الزكاة فلما قربت الولادة لزم الحج ، فلما ظهر طفلاً حبى بلطف يريد الله بكم اليسر ، فلما خاف من الزلل والعقاب جاءت بشارة لا تقنطوا ، فلما ترعرع قال المؤدب من يعمل سواء يجز به ، فلما بلغ أشده واستوى جاء ويحذركم الله نفسه . 
المتعبدون باليل يقربون إلى نوق الأبدان خيط الرقاد . فإذا تناولت سد الفاقة رفعت رؤوسها ، فإذا الدليل على الجادة فتأخذ في السير . من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم فأرباب العزائم يؤذن في محلتهم بليل ويقام لهم أول الوقت ، وأهل يصلون في أول الوقت ، وأهل الفتور في آخره . إذا هجمت جنود الرقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين الصلاة خير من النوم . وهتف رقيب المعاتبة كذب من ادعى محبتي حتى إذا جنه الليل نام عني . فيصيح المشتاق : 
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم هل اكتحلت بالغمض لي في أجفان 
ثم تمر بالمتهجدين سيارة النجوم ، فيبعثون مع كل فيج رسالة فتسلم أخباره إلى ركب السحر فتهب لمجيئها رياح الأسحار . 
فيقول المنتظر : إني لأجد ريح يوسف سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طلب ، فلما وجدت بسطت أكف السؤال لطلب تكميلها . فالأجنحة في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق والبذر تحت التراب يطلب قوته من الري . ومخ الثمار ينتظر من فضله كمال نضجه . ومراكب البحار ترجو تحريكها بالرياح . وأصحاب البضائع ينتظرون وجود الأرباح عليهم . وطلاب العلم يسألون فتح منغلق الفهم . وأهل المجاهدة يرومون المعاونة على الطبع . ومظلوم يترقب طلوع فجر النصر . والمريض يتململ بين يديه طلباً للطفه . والمكروب ينتظر كشف ما به . والخائف يترقب بريد الأمن . والأبدان المتمزقة في اللحود تنتظر جمع الشمل بعد الشتات ، وعرائس الجنان يسألن سلامة بعولتهن وتعجيل اللقاء . فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعث نكس صاحب الزلل رأس الندم طلباً للعفو . ومد العابد يد التقاضي بالمسلم فيه عند حلول الأجل ، وحدق الزاهد إلى جزاء الصبر . وأشرف المحب على أطلال الشوق إلى الحبيب . وصاح العارف بلسان الوجد إذ لم يبق وقت للصمت . 
لي عندكم دين فواعجباً الدين لي وفؤادي الرهن 
من شاء باهلني باهلته بهم وبعد عند ورود الحوض نستبق 
غيره : 
ويا جبل الريان إن تعر منهم فإني سأكسوك الدموع الجواريا 
ومن حذري لا أسال الركب عنهم وإغلاق وجدي باقيات كما هيا 
ومن يسأل الركبان عن كل غائب فلا بد أن يلقي بشيراً وناعيا 
الفرق بين من له غرض في دقائق المعاني ومن يقف مع ظواهر الألفاظ 
من له عرض من دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لب المعنى ، والواقف مع الألفاظ مقصود على الزينة اللفظية . فتأمل قوله تعالي : إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى [ طه : 118 ] ، كيف قابل الجوع بالعرى والظمأ بالضحى والواقف مع القالب ، ربما يخيل إليه أن الجوع يقابل بالظمأ والعرى بالضحى . والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلا الفصاحة والحلالة ، لأن الجوع ألم الباطن والعرى ألم الظاهر فهما متناسبان في المعنى ، وكذلك الظمأ مع الضحى ، لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر . فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهراً وباطناً . وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان قال يوماً للمتنبي : قد انتقد عليك قولك : 
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم 
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم 
قالوا ركبت صدر كل بيت على عجز الآخر وكان الأولى أن يقول : 
وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم 
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم 
فليتم المعنى حينئذ ، لأن انبساط الوجد ووضوحه مع الوقوف في موقف الموت أشبه بأوصاف الكماة والسلامة من الردى مع مرور الأبطال كلمى هزيمة أعجب في حصول النجاة . وهذا كما انتقد على امرىء القيس قوله : 
كأني لم أركب جواداً للذة ولم أبتطن كاعباً ذات خلخال 
ولم أسبا الزق الروي ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال 
فلو قال : 
كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد أجفال 
ولم أسبا الزق الروي للذة ولم أبتطن كاعباً ذات خلخال 
كان أشبه بالمعنى ، لأن ركوب الخيل أشبه بالكر على الأبطال وسبا الزق أليق بتبطن الكواعب . فقال المتنبه : يعني قائل الشعر المدعو بالمتبي الكذاب . اعلم أن القزاز أعلم بالثوب من البزاز ، لأن القزاز يعلم أوله وآخره ، والبزاز لا يرى منه إلا ظاهره . وهذا الانتقاد غير صحيح فإن قلت : وقفت وما في الموت شك لواقف . 
فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت ثم تممت المعنى بقولي : كأنك في جفن الردى وهو نائم ، والردى الموت بعينه فكأني قلت : وقفت في مواضع الموت ولم تمت . كان الموت نائم عنك فحصل المعنى مناسباً للقصد . ثم قلت : تمر بك الأبطال كلمي هزيمة ، ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل . فقلت : ووجهك وضاح وثغرك باسم . 
لتحصل المطابقة بين عبوس الوجه وقطوبه ونضارته وشحوبه ، وإن لم تكن ظاهرة في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراك دقائق المعاني قدم راسخ . 
وأما قول امرىء القيس كأني لم أركب جواداً للذة فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب ليحصل لذة ركوب مهر الحرب وركوب مهر اللذة . وأما البيت الثاني فمن شأن الشارب إذا انتشا أن تتحرك كوامن صدره ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج . فلما ذكر الشرب وحاله وتخيل نفسه كذلك فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة فأردفه بما يليق به ، ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم : 
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم فكل ذنب جناه الحب مغفور 
حكم ومواعظ 
من نبت جسمه على الحرام فمكاسبه كبريت به يوقد عليه . الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب . أتراهم نسوا طي الليالي لمن تقدمهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فما هذا الاغترار وقد خلت من قبلهم المثلات فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم من لهم إذا طلبوا العودة فحيل بينهم وبين ما يشتهون ، سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين . كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون [ المرسلات : 46 ] ، ولتعلمن نبأه بعد حين [ ص : 88 ] ، ما ابيض لون رغيفهم حتى اسود لون ضعيفهم . وما سمنت أجسامهم حتى انتحلت أجسام ما استأثروا عليه ، لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك . ويحك نبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت . قوسه قلبه المقروح ، ووتره سواد الليل ، وأستاذه صاحب لأنصرنك ولو بعد حين ، وقد رأيت ولكن لست تعتبر . احذر عداوة من ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء . 
يرمي سهاماً ما لها غرض سوى الإحشاء منك ، فربما ولعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمر العقوبة لم يحسن تناولها . ما تساوي لذة سنة غم ساعة . فكيف والأمر بالعكس . كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص . ستعلم أيها الغريم قصتك عند تعلق الغرماء بك : 
إذا التقى كل ذي دين وماطله ستعلم ليلى أي دين تداينت 
من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب . يا أرباب الدول لا تعربدوا في سكر القدرة فصاحب الشرطة بالمرصاد . سليمان الحكم قد حبس عاصف العقوبة في حصن فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا [ مريم : 84 ] ، وأجرى رحا الرخا لئلا يكون للناس على الله حجة [ النساء : 165 ] ، فلو هبت سموم الجزاء من مهب ولئن مستهم نفحة [ الأنبياء : 46 ] ، قلعت سكري إنما نملي لهم [ آل عمران : 178 ] ، فإذا طوفان التلف ينادي فيهم لا عاصم اليوم من أمر الله [ هود : 43 ] ، فالحذر أن تقول - نفس : يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [ الزمر : 56 ] ، وأنت أيها المظلوم . فتذكر من أين أتيت ، فإنك لا تلقى كدراً إلا من طريق جناية . إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ الرعد : 11 ] ، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [ الشورى : 30 ] ، كان لبان يشرب الماء باللبن ، فجاء سيل فذهب بالغنم فجعل يبكي فهتف به هاتف . اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلاً ، ولسان الجزاء يناديه يداك أوقدتا وفوك نفخ . اذكر غفلتك عن الأمر والأمر وقت الكسب . ولا تنس اطراح التقوى عند معاملة الخلق ، فإذا انقض غاصب فسمعت صوت صوله يضرب . 
عقد المكسب جزاء لخيانته العقود فلا تستعظم ذاك فأنت الجاني والبادي أظلم .
تابع حكم ومواعظ 
ما يقول الفقيه أيده الله ما زال عنده إحسان 
في فتى علق الطلاق بشهر قبل ماقبل قبله رمضان 
في هذا البيت ثمانية أوجه : 
أحدها : هذا والثاني : بعدما بعد بعده ، والثالث : قبل ما بعد بعده ، والرابع : بعدما قبل قبله فهذه أربعة متقابلة ، والخامس : قبل ما بعد قبله ، والسادس : بعد ما قبل بعده . والسابع : بعد ما بعد قبله ، والثامن : قبل ما قبل بعده . وتلخيصها أنك إن قدمت لفظة بعد جاء أربعة : أحدها : بعدات كلها . 
الثانية : بعد أن وقبل . 
الثالثة : بعد وقبلان . 
الرابعة : بعد وقبل ئم بعد . وإن قدمت لفظة قبل جاءت أربعة . كذلك فإذا عرفت هذا فضابط الجواب عن هذه الأقسام الثمانية ، أنه إذا اتفقت الألفاظ . فإن كانت قبلاً فيكون هذا السهر الذي تقدمه رمضان بثلاثة أشهر ، فيقع الطلاق في ذي الحجة ، فكأنه قال : أنت طالق في شهر ذي الحجة ، لأن المعنى أنت طالق في شهر رمضان قبل قبل قبله فلو قال رمضان : قبله طلقت في شوال . ولو قال : قبل قبله لطلقت في ذي القعدة . فإن قال : قبل قبل قبله طلقت في ذي الحجة ، وإن كانت الألفاظ بعدات طلقت في جمادى الأخرة ، لأن المعنى أنت طالق في شهر يكون رمضان بعد بعد بعده . ولو قال رمضان . بعده : طلقت في شعبان . 
ولو قال : بعد بعده طلقت في رجب فإذا قال : بعد بعد بعده طلقت في جمادى الآخرة ، وإن اختلفت الألفاظ وهي في ست مسائل فضابطها أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فالغهما نحو قبل بعده وبعد قبله ، واعتبر الثالث . فإذا قال : قبل بعد بعده أو بعد قبل قبله فالغ اللفظين الأولين يصير ، كأنه قال في الأول : بعده رمضان فيكون شعبان وفي الثاني كأنه قال قبله رمضان فيكون شوال . وتقرير هذا إن كل شهر واقع قبل ما هو بعده ، وبعد ما هو قبله . وإن توسطت لفظة بين مضادين لها نحو قبل بعد قبله وبعد قبل بعده فالغ اللفظين الأولين ويكون شوالاً في الصورة الأولى كأنه قال في شهر رمضان وشعبان في الثانية كأنه قال بعده رمضان وإذا قال بعد بعد قبله أو قبل قبل بعده وهما تمام الثمانية طلقت في الأولى في شعبان كأنه قال بعده رمضان . وفي الثانية في شوال كأنه قال قبله رمضان .
فائدة في بيت من الشعر يشتمل على أربعين ألف بيت من الشعر وثلاثمائة وعشرين بيتاً 
قال بعض الفضلاء بيتاً من الشعر يشتمل على أربعين ألف بيت من الشعر وثلاثمائة وعشرين بيتاً وهو زين الدين المقري : 
لقلبي حبيب مليح ظريف بديع جميل رشيق لطيف 
وبيان ذلك أن هذا البيت ثمانية أجزاء ، يمكن أن ينطق بكل جزء من أجزائه مع الجزء الآخر فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات . 
فالجزءان الأولان لقلبي حبيب يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير ، ثم خذ الجزء الثالث فيحدث منه مع الأولين ست صور ، لأن له ثلاثة أحوال تقديمه عليهما وتأخيره وتوسطه ولهما حالان ، فاضرب أحواله في الحالين يكون ستة ، ثم خذ الجزء الرابع وله أربعة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي الستة التي لما قبله تكن أربعة وعشرين ثم خذ الخامس تجد له خمسة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي أربعة وعشرون تكن مائة وعشرين . ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال فاضربها في مائة وعشرين تكن سبعمائة وعشرين ثم خذ السابع تجد له سبعة أحوال فاضربها في سبعمائة وعشرين تكن خمسة آلاف وأربعين . 
ثم خذ الثامن تجد أحواله ثمانية فاضربها في خمسة آلاف وأربعين . تكن أربعين ألفاً وثلاثمائة وعشرين بيتاً فامتحنها تجدها كذلك . ومثله لي قلته في القدس . 
محب صبورغريب فقير وحيد ضعيف كتوم حمول 
فائدة في دخول الشرط على الشرط وهو صور 
في دخول الشرط على الشرط وهو صور : 
أحدها : إن خرجت ولبست فأنت طالق لا يحنث إلا بهما كيفما كانا . 
الثانية : إن لبست فخرجت لم يحنث إلا بخروج بعد لبس . 
الثالثة : إن لبست ثم خرجت لا يحنث إلا بخروجها بعد لبسها لا معه ويكون متراخياً هذا بناء على ظاهر اللفظ ، وأما قصده فيراعى ولا يلتفت إلى هذا . 
الرابعة : إن خرجت لا إن لبست يحنث بالخروج وحده ، ولا يحنث باللبس ويحتمل هذا التعليق أمرين : 
أحدهما : أن يجعل الخروج شرطاً ويبقى أن يكون اللبس شرطاً فحكمه ما ذكرنا . 
الثاني : أن يجعل الخروج مع عدم اللبس شرطاً فلا يحنث بخروج معه لبس ويكون المعنى إن خرجت لا لابسة أو غير لابسة ، فإن خرجت لابسة لم يحنث . 
الخامسة : إن خرجت ، بل إن لبست فلا يحنث إلا باللبس دون الخروج ، ويحتمل هذا التعليق أيضاً أمرين ، أحدهما : هذا ، والثاني أن يكون كل منهما شرطاً فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب إضراب اقتصار لا إضراب إلغاء فكأنه يقول : لا أقتصر على جعل الأول وحده شرطاً ، بل أيهما وجد فهو شرط فعلى التقدير الأول يكون اضراب الغاء ورجوع . وعلى الثاني إضراب اقتصار وإفراد . 
السادسة : إن خرجت أو إن لبست يحنث بأيهما وجد . 
السابعة : إن لبست ، لكن إن خرجت فالشرط الثاني قد لغا الأول بلكن لأنها للاستدراك . 
الثامنة : وهي أشكلها إن لبست إن خرجت وهذه مسألة دخول الشرط على الشرط ويحتمل التعليق في ذلك أمرين . أحدهما : أن يجعل كل واحد منهما شرطاً مستقلاً فيكون كالمعطلوف بالواو سواء ولا إشكال . والثاني : أن يجعل أحدهما شرطاً في الآخر . 
واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة . فقال أصحاب مالك هو تعليق للتعليق ففي هذا الكلام تعليقان : أحدهما : إن لبست فأنت طالق ، ثم علق هذه الجملة المعلقة بالخروج ، فكأنه قال : شرط نفوذ هذا التعليق الخروج فعلى هذا لا يحنث حتى يوجد الخروج بعد اللبس . وممن نص عليها ابن شاش في الجواهر . وقال أبو إسحاق في المهذب وقد صور المسألة إن كلمت زيداً ، إن دخلت الدار ، فأنت طالق ثم كلمت زيداً طلقت ، وإن كلمت زيداً أولاً ، ثم دخلت الدار لم تطلق ، لأنه جعل دخول الدار شرطاً في كلام زيد فوجب تقديمه عليه ، وهكذا عكس قول المالكية ورجح أبو المعالي قول المالكية في نهايته . وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله عز وجل في مواضع . 
أحدها : قوله حكاية عن نوح : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم [ هود : 34 ] ، وهذا ظاهر في أن الشرط الثاني شرط في الشرط الأول . والمعنى إن أراد الله أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن أردته وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ ابو إسحاق . 
الموضع الثاني : قوله تعالى : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك [ الأحزاب : 50 ] ، قالوا : فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية ، لأن إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم متأخرة عن هبتها فإنها تجرى مجرى القبول في هذا العقد . والإيجاب هو هبتها . ونظير هذا أن يقول : إن وهب لي شيئاً إن أردت قبوله أخذته فإرادة القبول متأخرة عن الهبة فلا يكون شرطاً فيها ، قال الأولون : يجوز أن تكون إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقدمة ، فلما فهمت المرأة منه ذلك وهبت نفسها له فيكون كالآية الأولى . وهذا غير صحيح والقصة تأباه ، فإن المرأة قامت . وقالت : يا رسول الله إني وهبت لك نفسي . فصعد فيها النظر وصوبه ثم لم يتزوجها وزوجها غيره . 
الموضع الثالث : قوله تعالى : فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين [ الواقعة : 87 ] . المعنى : فلولا ترجعونها أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين إن كنتم صادقين . وهنا الثاني شرط للأول . والمعنى : إن كنتم صادقين في قولكم : فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين ، ويدل عليه قول الشاعر أنشده عبد الله بن مالك : 
 إن تستغيثوا بنا أن تذعروا تجنوا منا معاقل عززانها الكرم  
ومعلوم أن الاستغاثة ، إنما تكون بعد الذعر ، فالذعر شرط فيها . ومن هذا قول الدريدي : 
فإن عثرت بعدها إن والت نفسي من هاتا فقولا لا لعا 
ومعلوم أن العثور مرة ثانية ، إنما يكون بعد النجاة من الأولى فوالت شرط في الشرط الثاني وعلى هذا فإذا ذكرت الشرطين وأتيت بالجواب . كان جواباً للأول خاصة . والثاني جرى معه مجرى الفضلة والتتمة كالحال وغيرها من الفضلات قاله ابن مالك . 
وأحسن من هذا أن يقال : ليس الكلام بشرطين يستدعيان جوابين ، بل هو شرط واحد وتعليق واحد ، اعتبر في شرطه قيد خاص جعل شرطاً فيه . وصار الجواب للشرط المقيد فهو جواب لهما معاً بهذا الاعتبار وإيضاحه ، إنك إذا قلت إن كلمت زيداً إن رأيته فأنت طالق جعلت الطلاق جزاء على كلام مقيد بالرؤية لا على كلام مطلق ، وكأنه قال : إن كلمته ناظرة إليه فأنت طالق . وهذا يبين لك حرف المسألة ، ويزيد عنك أشكالها جملة ، وبالله التوفيق .
بيان أن الأعم لا يستلزم الأخص 
قولهم : الأعم لا يستلزم الأخص عيناً ، وإنما يستلزم مطلق الأخص ضرورة وقوعه في الوجود . ولا بد في هذا من تفصيل . وهو أن الحقيقة العامة ، تارة تقع في رتب متساوية ، فهذه تستلزم الأخص عيناً ولا بد ، كما إذا قال : افعل كذا فإنه أعم من مرة ومرات ، وهو يستلزم المرة الواحدة عيناً واتفق ما لا يستلزم أقل القليل عيناً ، وتارة يقع في رتب غير متساوية كالحيوان والعدد فإنهما لا يستلزمان أحد أنواعهما عيناً والله سبحانه وتعالى أعلم .
الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي وحمله عليه في الكلية 
حمل المطلق على المقيد في الكلي شيء وحمل المطلق على المقيد في الكلية شيء آخر فالأول كقوله تعالى : فتحرير رقبة [النساء : 92 ] ، وقيدها بالإيمان في مكان آخر ، فهذا إذا حمل المطلق على المقيد فيه لم يكن متضمناً لمخالفة أحدهما ، بل هو عمل بهما وتوفية بمقتضاهما . ولو عمل بالمطلق دون المقيد لخالف ولا بد ، وأما الثاني فكما إذا كان الإطلاق في العام كقوله في كل أربعين شاة شاة ، فإذا قيل في الغنم السائمة في كل أربعين شاة شاة ، فليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد ، فإن اللفظ العام متناول لجميع أفراده . فحمله على التخصيص إخراج لبعض مدلوله والفرق بين إخراج بعض مدلول اللفظ وبين تقييد سلب عنه اللفظ الأول . رافع لموجب الخطاب . والثاني رافع لموجب الاستصحاب ، وإنما يرجع هذا إلى أصل آخر وهو تخصيص العموم بالمفهوم فتأمله .
تابع الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي وحمله عليه في الكلية 
وعلى هذا ، فلا ينبغي أن يقال يحمل المطلق على المقيد مطلقاً ، بل يفرق بين الأمر والنهي ، فإن المطلق إذا كان في الأمر لم يكن عاماً ، فحمله على المقيد لا يكون مخالفة لظاهره ولا تخصيصاً . وإذا كان الإطلاق في النهي ، فإنه يعم ضرورة عموم النكرة في سياق النهي . وإذا حمل عليه مقيد آخر كان تخصيصاً . ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم : لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه فهذا عام في الإمساك وقت البول ووقت الجماع وغيرهما وقال : لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول فهذا مقيد بحالة البول . فحمل الأول عليه تخصيص محض .
الكلام على حمل المطلق على المقيد 
حمل المطلق على المقيد مشروط بأن لا يقيد بقيدين متنافيين . فإن قيد بقيدين متنافيين امتنع الحمل وبقي على إطلاقه وعلم أن القيدين تمثيل لا تقييد مثاله قوله صلى الله عليه وسلم في ولوغ الكلب : فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب مطلق . وفي لفظ أولاهن وهذا مقيد بالأول . وفي لفظ أخراهن وهذا مقيد بالآخرة ، فلا يحمل على أحدهما ، بل يبقى على إطلاقه .
تابع الكلام على حمل المطلق على المقيد 
إنما يحمل المطلق على المقيد ، إذا لم يستلزم حمله تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فإن استلزمه حمل على إطلاقه وله مثالان : 
أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم بعرفات : من لم يجد نعلين فليلبس خفين ولم يشترط قطعاً . وقال بالمدينة على المنبر لمن سأله ما يلبس المحرم : من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من كعبيه فهذا مقيد ولا يحمل عليه ذلك المطلق ، لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي لم يشهدوا خطبته بالمدينة . فلو كان القطع شرطاً لبينه لهم لعدم علمهم به ، ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدم من خطبته بالمدينة . ومن هنا قال أحمد ومن تابعه أن القطع منسوخ بإطلاقه بعرفات اللبس ، ولم يأمر بقطع في أعظم أوقات الحاجة . 
المثال الثاني : قوله لمن سألته عن دم الحيض : حتيه ثم اغسليه ولم يشترط عدداً مع أنه وقت حاجة ، فلو كان العدد شرطاً لبينه لها ولم يحملها على غسل ولوغ الكلب فإنها ربما لم تسمعه ، ولعله لم يكن شرع الأمر بغسل ولوغه .
فائدة في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه 
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه ، ونهى عن بيع ما لم يقبض في حديث حكيم بن حزام و زيد بن ثابت . 
فقال أصحاب مالك : النهي مخصوص بالطعام دون غيره ، فمنهم من قال : هو من باب حمل المطلق على المقيد وهو فاسد كما تقدم فإنه عام وخاص ولفظه : إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه . ومنهم من قال : خاص وعام تعارضاً فقدم الخاص على العام ، وهو أفسد من الأول . إذ لا تعارض بين ذكر الشيء بحكم وذكر بعضه به بعينه . ومنهم من قال : هو من باب تخصيص العموم بالمفهوم ، وهذا المأخذ أقرب ، لكنه ضعيف هنا لأن الطعام هنا وإن كان مشتقاً فاللقبية أغلب عليه ، حيث لم يلج معنى يقتضي اختصاص النهي به دون الشراب واللباس والأمتعة فالصواب التعميم .
فائدة في قوله صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجد وطهوراً 
قوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وفي لفظ وترابها طهوراً فقيل تخصيص الطهور بالتراب حملاً للمطلق على المقيد وهو ضعيف لأنه من باب الخاص والعام . وقيل هو من باب التخصيص بالمفهوم . واعترض عليه بثلاثة أمور . 
أحدها : أن دلالة العموم أقوى لأنها لفظية متفق عليها . 
الثاني : أنه مفهوم لقب وهو أضعف المفهومات . 
الثالث : أن التخصيص بالتربة خرج لكونه غالب أجزاء الأرض والتخصيص إذا كان له سبب لم يعتبر بمفهومه وأجيب بأن ذكر التربة الخاصة بعد ذكر لفظ الأرض عاماً في مقام بيان ما اختص به ، وأمنن الله عليه وعلى الأمة به دليل ظاهر على اختصاص الحكم باللفظ الخاص ، فإن عدوله عن عطفه على اللفظ العام إلى اسم خاص بعده . يتضمن زيادة اللفظ والتفريق بين الحكمين ، وإن الطهور متعلق بالتربة وكونها مسجداً متعلق بمسمى الأرض يفهم تقييد كل حكم بما نسب إليه ، وتخصيصه بما جعل خبراً عنه وهذا واضح .
استشكل جمهور الفقهاء مذهب مالك فيمن قال لنسائه إحداكن طالق فإن الجميع يحرمن عليه بالطلاق 
استشكل جمهور الفقهاء مذهب مالك فيمن قال لنسائه : إحداكن طالق فإن الجميع يحرمن عليه بالطلاق . وقالوا : هذا الزام بالطلاق لمن لم يطلقها وهو باطل . قالوا : ويلزم من هذا خلاف الإجماع ، ولا بد لأن الله تعالى أوجب إحدى خصال الكفارة ، فإضافة الحكم لأحد الأمور إن اقتضى التعميم . وجب أن يوجبوا جميع الخصال وهو خلاف الإجماع وإن لم يقتض العموم وجب أن لا يقتضيه في قوله : إحداكن طالق ، لأنه لو عم لعم بغير مقتض وهو باطل بالإجماع ، ولكن لقوله : رضي الله عنه غور وهو الفرق بين إيجاب القدر المشترك وتحريم القدر المشترك ، فالإيجاب في الكفارة إيجاب لقدر مشترك وهو مسمى أحد الخصال ، وذلك لا يقتضي العموم . كما إذا أوجب عتق رقبة وهي مشتركة بين الرقاب لم يعم سائرها ، وأما تحرير القدر المشترك فيلزم منه العموم ، لأن التحريم من باب النهي وإذا نهى عن القدر المشترك كان نهياً عن كل فرد من أفراده بطريق العموم . وإذا ثبت هذا ، فالطلاق تحريم لأنه رافع لحل النكاح ، فإذا وقع في القدر المشترك وهو إحدى نسائه عم جميعهن كما لو قال : والله لا قربت إحداكن شهراً . 
وأما أصحاب أحمد فإنهم قالوا إذا قال عبدي حر وامرأتي طالق عتق عليه جميع عبيده وطلق جميع نسائه ، ولكن ليس بناء منهم على هذا المأخذ ، بل لأن عندهم المفرد المضاف يعم كالجمع المضاف . وأما أصحاب أبي حنيفة و الشافعي فلم يقولوا بالعموم في واحدة من الصورتين . وقال أصحاب مالك إذا قال لعبيده أحدكم حر كان له أن يختار من شاء منهم فيعينه للعتق ولا يتق الجميع . قالوا : لأن العتق قربة وطاعة لا تحريم فهو إيجاب للقدر المشترك وإن لزم منه التي التحريم ، ولهذا لو قال : لله علي أن أعتق أحدكم لزمه عتق واحد دون الجميع . فيقال : لا فرق بين الطلاق والعتق في ذلك . وقول الجمهور : أصح وقولكم : إن الطلاق تحريم .ليس كذلك بل هو كاسمه إطلاق وإرسال للمرأة ويلزم منه التحريم ، كما أن العتق إرسال للأمة ويلزم منه التحريم فهما سواء . ويدل عليه إن قال إن كلمت زيداً فلله علي أن أطلق واحدة منكن ، أو إحداكن لم يلزمه طلاق جميعهم عند من يعين عليه الوفاء عيناً دون الكفارة . ومعلوم قطعاً أن القائل لنسائه إحداكن طالق . غير مطلق لبقيتهن لا بلفظه ولا بقصده . فكيف يطلقن جميعاً ؟ فلو طلقن لطلقن بغير مقتض لطلاقهن ، ويدل على أن الطلاق ليس بتحريم إن الله تعالى أباحه ، ولم يبح قط تحريم الحلال والتحريم ليس إلى العبد ، إنما إليه الأسباب . والتحليل والتحريم يتبعها فهو كالعتق سواء . وقد قال تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [ التحريم : 1 ] ، ثم فرض تحلة اليمين في تحريم الحلال ، وقد طلق صلى الله عليه وسلم حفصة ، ولم يكن ذلك تحريماً لها ، ولو كان الطلاق تحريماً لشرعت فيه الكفارة ، كما شرعت في تحريم الحلال ، وكما شرعت فى الظهار الذي هو تحريم ، فإن قيل : فما تقولون : إذا قال لنسائه : إحداكن علي حرام . . فإن هذا تحريم للمشترك . فينبغي أن يعم . قيل : هذا السؤال غير مسموع منكم فإن التحريم عندكم طلاق . فهو كقوله : إحداكن طالق ، وأما من يجعله تحريماً تزيله الكفارة كالظهار كقول أحمد : ومن وافقه فعندهم لا يعم ، لأنه مطلق في إثبات فهو كقوله : حرمت واحدة منكن بخلاف ما إذا أراد المطلق في نفي كقوله : والله لا قربت واحدة منكن أو في نهي كقوله : لا تقرب واحدة منهن فإنه يعم .
ارتفاع الواقع في الماضي شرعاً محال وتقدير ارتفاعه مع وجوده ممكن وأمثلة ذلك 
ارتفاع الواقع شرعاً محال . أي ارتفاعه في الزمن الماضي ، وأما تقدير ارتفاعه مع وجود ، ممكن وله أمثلة . أحدها : أن من يقول الفسخ رفع للعقد من أصله فيستتبع الولد والثمرة والكسب . نقول : يقدر ارتفاعه من أصله واقعاً لا أنا نقول برفعه من أصله . 
الثاني : إذا قال لامرأته إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق أوله وقلنا : تطلق أول الشهر بقدومه آخره . فإنا نقدر ارتفاع تلك الإباحة قبل قدومه ، لا انا نرفعها ونجعل الوطء حراماً، بل نقدر أن تلك الإباحة في حكم العدم تنزيلاً للموجود بمنزلة المعدوم . 
وثالثها : أنا ننزل المجهول كالمعدوم في باب اللقطة فننقل الملك بعد الحول إلى الملتقط مع بقاء المالك تنزيلاً له بمنزلة المعدوم . 
ورابعها : أنا في المفقود نزلنا الزوج الذي فقد منزلة المعدوم فأبحنا لامرأته أن تعتد وتتزوج كما قضى فيه الصحابة . وخامسها : إن من مات ولا يعرف له قرابة كان ماله لبيت المال تنزيلاً للمجهول منزلة المعدوم . ولا نقول نوقفه حتى يتبين له قرابة ، وكذلك لو علمنا له وارثاً واحداً وشككنا في غيره ، دفعنا إلى المعلوم ميراثه ولم نوقفه إلا إن تيقن أنه كان له وارث وشككنا في عدمه ، فإنه ينبني على تقدير وجوده لأنه الأصل ،وعكس هذا تنزيل المعدوم منزلة الموجود تقديراً لا تحقيقاً وله أمثلة . أحدها : أن المقتول خطأ تورث عنه ديته المستحقة بعد موته تنزيلاً لحياته المعدومة وقت ثبوت الدية منزلة الحياة الموجودة ليثبت له الملك . وثانيها : لو أعتق عبده عن غيره ، فإنا نقدر الملك المعدوم للمعتق عنه بمنزلة الموجود الثابت له ليقع العتق عنه . وثالثها : الأجزاء التي لم تخلق بعد في بيع الثمار بعد بدو صلاحها ،فإنها تنزل بمنزلة الموجود حتى يكون مورداً للعقد . ورابعها : المنافع المعدومة في الإجازة فإنها تنزل منزلة الموجود . 
ونظائر القاعدتين كثيرة .
رفض الأعمال بعد الفراغ منها باطل 
القياس وأصول الشرع يقتضي أنه لا يصح رفض شيء من الأعمال بعد الفراغ منه . وإن نية رفضه وإبطاله لا تؤثر شيئاً ، فإن الشارع لم يجعل ذلك إليه ، ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمن الماضي . فيقصد إبطال ما مضى من حجه وجهاده وهجرته وزكاته وسائر أعماله الحسنة والقبيحة فيقصد إبطال زناه وسرقته وشربه وقتله ورباه وأكله أموال اليتامى وغير ذلك ،فما بال الوضوء والصلاة والصوم والحج دون سائر الأعمال . خرج فيها الخلاف ،فالمشهور في مذهب مالك صحة الرفض في الصلاة والصوم وفي الحج والطهارة خلاف ، وفي الطهارة خاصة وجهان لأصحابنا وليس في هذه المسائل نص ولا إجماع ولافرق صحيح بينها وبين سائر الأعمال ، بل المعلوم من قاعدة الشرع أن إبطال ما وقع من الأعمال ، إنما يكون بأسباب نصبه الله تعالى مبطلات لتلك الأعمال كالردة المبطلة للإيمان ، والحدث المبطل للوضوء ، والإسلام المبطل للكفر ، والتوبة المبطلة لآثار الذنوب وقريب منه المن والأذى المبطل للصدقة . وفي الرياء اللاحق بعد العمل خلاف فهذه الأسباب جعلها الشارع مبطلات لآثار الأعمال . وأما الرفض فلا دليل في الشرع يدل على أنه مبطل ولا يمكن طرده وليس له أصل يقاس عليه بل قد يقترن بالعمل أمور تمنع صحته وترتب أثره عليه كالرياء والسمعة وغيرهما ، وليس هذا إبطالاً لما صح ، وإنما هو مانع من الصحة .
الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية وبيان ذلك 
الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية . ولهذا تصح الفعلية من المحجور عليه دون القولية فلو استولد ثبت استيلاده ، ولو عتق كان لغواً ولو تملك مالاً بالشراء كان لغواً ، ولو تملكه باصطياداً واحتطاب ونحوه ملكه ، وكذلك لو أحياه ملكه بالإحياء ، ثم قيل : الفرق بينهما احتياجه إلى الفعل دون القول . فإنا لو منعناه من وطئه أمته أضررنا بها ولا حاجة به إلى عتقها ، وهذا غير طائل فإنه قد يحتاج إلى القول أيضاً كالشراء والنكاح والإقرار ، ولكن الفرق أن أقواله يمكن إلغاؤها ، فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء . وأما الأفعال فإذا وقعت لا يمكن إلغاؤها ، فلا يمكن أن يقال : إنا لم يسرق ولم يقتل ولم يستولد ولم يتلف . وقد وجدت منه هذه الأفعال فجرى مجرى المكره في إلغاء أقواله ، ومجرى المأذون له في صحة أفعاله والله أعلم .
فائدة في الكلام على الحائض إذا انقطع دمها 
الحائض إذا انقطع دمها فهي كالجنب ، فيما يجب عليها ويحرم . فيصح صومها وغسلها وتجب عليها الصلاة ، ولها أن تتوضأ وتجلس في المسجد ، ويجوز طلاقها على أحد القولين إلا في مسألة واحدة فإنها تخالف الجنب فيها ، وهي جواز وطئها فإنه يتوقف على الاغتسال والفرق بينها وبين الجنب في ذلك أن حدث الحيض أوجب تحريم الوطء وحدثه لا يزول إلا بالغسل ، بخلاف حدث الجنابة ، فإنه لا يوجب تحريم الوطء ، ولا يمكن ذلك فيه البتة . واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي نفض الشعر للغسل ، فإنه يجب على الحائض في أحد القولين دون الجنب ولا حاجة إلى هذا الاستثناء فتأمله .
قاعدة في المسائل التي يتعلق بها الاحتياط الواجب وترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس ومدارها على ثلاث قواعد 
في المسائل التي يتعلق بها الاحتياط الواجب وترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس . ومدارها على ثلاثة قواعد : قاعدة في اختلاط المباح بالمحظور حساً ، وقاعدة في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلف . وقاعدة في الشك في العين الواحدة هل هي من قسم المباح ، أم من قسم المحظور . فهذه القواعد الثلاث هي معاقد هذا الباب . 
فأما القاعدة الأولى : وهي اختلاط المباح بالمحظور فهي قسمان : أحدهما أن يكون المحظور محرماً لعينه كالدم والبول والخمر والميتة ، والثاني : أن يكون محرماً لكسبه ، لأنه حرام في عينه كالدرهم المغصوب مثلاً . فهذا القسم الثاني لا يوجب اجتناب الحلال ولا تحريمه البتة . بل إذا خالط ما له درهم حرام أو أكثر منه أخرج مقدار الحرام وحل له الباقي بلا كراهة سواء كان المخرج عين الحرام أو نظيره ، لأن التحريم لم يتعلق ذات الدرهم وجوهره ، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه ، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى . هذا هو الصحيح في هذا النوع ولا تقوم مصالح الخلق إلا به . وأما القسم الأول وهو الحرام لعينه كالدم و الخمر ونحوهما ، فهذا إذا خالط حلالاً وظهر أثره فيه حرم تناول الحلال ، ولا نقول إنه صير الحلال حراماً فإن الحلال لا ينقلب حراماً البتة ، ما دام وصفه باقياً ، وإنما حرم تناوله لأنه ما تعذر الوصول إليه إلا بتناول الحرام فلم يجز تناوله ، وهذه العلة بعينها منصوصة للإمام أحمد ، وقد سئل بأي شيء يحرم الماء إذا ظهرت فيه النجاسة . فأجاب بهذا ، وقال : حرم الله تعالى الميتة والدم ولحم الخنزير ، فإذا خالطت هذه الماء فمتناوله ، كأنه قد تناول هذه الأشياء ، هذا معنى كلامه ، هذا إذا ظهر أثر المخالطة . فلو استهلك ولم يظهر أثره فهنا معترك النزال وتلاطم أمواج الأقوال وهي مسألة الماء . والمانع إذا خالطته النجاسة فاستهلكت ، ولم يظهر لها فيه أثر البتة . 
والمذاهب فيها لا تزيد على اثني عشر مذهباً نذكرها في غير عذا الموضع إن شاء الله . أصحها مذهب الطهارة مطلقاً مانعاً كان ما خالطته أو جامداً ماء أو غيره قليلاً أوكثيراً لبراهين كثيرة قطعية أو تكاد . تذكر هناك إن شاء الله . وعلى هذا فإذا وقعت قطرة من لبن في ماء فاستهلكت وشربه الرضيع لم تنتشر الحرمة ، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة ، لم يجد بشربه ولو كانت قطرة بول لم يغير ويشربه ، وهذا لأن الحقيقة لما استهلكت امتنع ثبوت الاسم الخاص بها فنفي الاسم والحقيقة للغالب فيتعين ثبوت أحكامه ، لأن الأحكام تتبع الحقائق والاسماء وهذا أحد البراهين في المسألة .
القاعدة الثانية وهي اشتباه المباح بالمحظور 
وأما القاعدة الثانية وهي اشتباه المباح بالمحظور . فهذا إن كان له بدل لا اشتباه فيه انتقل إليه وتركه . وإن لم يكن له بدل ودعت الضرورة إليه اجتهد في المباح واتقى الله ما استطاع ، فإذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس انتقل إلى بدله وهو التيمم ، ولو اشتبها عليه في الشرب اجتهد في أحدهما وشربه . وكذلك لو اشتبهت ميتة بمذكاة انتقل إلى غيرهما ، ولم يتحر فيهما فإن تعذر عليه الانتقال ودعته الحاجة اجتهد . ولو اشتبهت أخته بأجنبية انتقل إلى نساء لم يشتبه فيهن ، فإن كان بلداً كبيراً تحرى ونكح . 
ولو اشتبه ثوب طاهر بنجس انتقل إلى غيرهما ، فإن لم يجد فقيل يصلي في كل ثوب صلاة ليؤذي الفرض في ثوب متيقن الطهارة وقيل : بل يجتهد في أحد الثوبين ويصلي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . 
قال : لأن اجتناب النجاسة من باب التروك ، ولهذا لا تشترط له النية . ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يعد ، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على ظن طهارته وهذا هو الواجب عليه لا غير . قلت : وهذا كما لو اشترى ثوباً لا يعلم حاله جاز له أن يصلي فيه اعتماداً على غلبة ظنه وإن كان نجساً في نفس الأمر ، فكذلك إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين ، وغلب عنى ظنه جاز أن يصلي فيه وإن كان نجساً في نفس الأمر ، فالمؤثر في بطلان الصلاة العلم بنجاسة الثوب لا نجاسته المجهولة . بدليل ما لو جهلها في الصلاة ثم علمها بعد الصلاة لم يعد الصلاة . فهذا القول ظاهر جداً وهو قياس المذهب . وقيل : يراعى في ذلك جانب المشقة ، فإن كثرت الثياب اجتهد في أحدها ، وإن قلت صلى بعدد الثياب النجسة وزاد صلاة وهذا اختيار ابن عقيل . ومن هذا الباب ما لو استيقظ فرأى في ثوبه بللاً واشتبه عليه . أمني هو أم مذي ؟ ففي هذه المسألة قولان : في كل مذهب من المذاهب الأربعة . إلا أن أصحاب الإمام أحمد قالوا : إن سبق منه سبب يمكن إحالة كونه مذياً عليه مثل القبلة والملاعبة والفكر مع الانتشار فهو مذي إذ الظاهر أن الذكر بعد ذلك ، إنما نكسر به فهو المتيقن ، وما زاد عليه فمشكوك فيه فلا يجب عليه غسل بالشك ، وإن لم يتقدم منه شيء من ذلك فهو مني في الحكم إذ هو الغالب على النائم ولم يتقدم سبب يعارضه . 
والنوم في مظنة الاحتلام وقد قام شاهد المظنة ظاهر القياس بموجب شهادته وقوة هذا المسلك ، مما لا يخفى على منصف . 
ومن هذا الباب إذا اشتبهت عليه جهة القبلة ففيها ثلاثة أقوال . أحدها : يجتهد ويصلي صلاة واحدة هذا أصح الأقوال في المذاهب الأربعة وهو المشهور . الثاني : أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدي مستيقناً كما قالوا في الثياب النجسة ، وكما قالوا : فيمن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها صلى خمس صلوات . والقول الثالث : أنه قد سقط عنه فرض الاستقبال في هذه الحال فيصلي حيث شاء . وهذا مذهب أبي محمد بن حزم واحتج بأن الله إنما فرض الاستقبال على العالم بجهة الكعبة القادر على التوجه إليها ، فأما العاجز عنها فلم يفرض الته عليه التوجه إليها قط ، فلا يجوز أن يلزم بما لا يلزمه الله ورسوله به . وإذا لم يكن التوجه واجباً عليه لأن وجوبه مشروط بالقدرة صلى إلى أي جهة ، كالمسافر المتطوع والزمن الذي لا يمكنه التوجه إلى جهة القبلة . قلت : وهذا القول أرجح وأصح من القول بوجوب أربع صلوات عليه فإنه إيجاب ما لم يوجبه الثه ورسوله ولا نظير له في إيجابات الشارع البتة ، ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها أولاً ، كتارك الطمأنية والمصلي بلا وضوء ونحوه ، وأما أن يأمره بصلاة فيصليها بأمره بإعادتها بعينها ، فهذا لم يقع قط وأصول الشريعة ترده . وقياس هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم قياس لمختلف فيه على مثله ، ولعل الكلام إلا في تينك المسألين أيضاً ، فلو أن حكمهما ثبت بكتاب أو سنة أو اجماع لكان في القياس عليها مافيه ، بل لم يكن صحيحاً لان جهة الفرق أما مساوية لجهة الجمع أو أظهر . وعلى التقديرين فالقياس منتف . بقي النظر في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة القبلة على الآخر ، فمن نصر التخيير احتج بما في الترمذي وسنن ابن ماجه عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل : فأينما تولوا فثم وجه الله [ البقرة : 115 ] ، قال الترمذي : هذا حديث حسن ألا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف . وروى الدارقطني من حديث عطاء عن جابر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرنا بالإعادة . فقال : قد أجزأتكم صلاتكم قال الدارقطني : رواه محمد بن سالم عن عطاء قال : ويروى أيضاً عن محمد بن عبدالله العرزمي عن عطاء ، مكلاهما ضعيف . وقال العقيلي : لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت . واحتجوا أيضاً بما تقدم حكايته أن الله لم يأمر بالاستقبال إلا من كان عالماً به وقادراً عليه ، وأما العاجز الجاهل فساقط عنه فرض الاستقبال فلا يكلف به ، ومن نصر الاجتهاد احتج بأن الله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع ، وهذا مقتضى وجوب الاجتهاد عليه في تقوى ربه تعالى والتقوى هي في فعل ما أمر وترك ما نهى ، قالوا : وأيضاً فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لم يجز له أن يستقبل أي جهة شاء ابتداء ،بل ينظر إلى مطالع الكوكب ومساقطها . وسمت جهة القبلة حتى إذا علم جهتها استقبلها . وهذا نوع اجتهاد وأدلة الجهة متفاوتة الخفاء والظهور فيجب على كل أحد فعل مقدوره من ذلك ، فإن لم يصبها قطعاً أصابها ظناً وهو الذي يقدر عليه فمتى ترك مقدوره لم يكن قد اتقى الله بحسب استطاعته . وقولكم : إن الله إنما أوجب الاستقبال على القادر عليه العالم به . قلنا : الله سبحانه وتعالى أوجب على كل عبد ما تؤديه إليه استطاعته من طاعته ، فإذا عجز عن هذا اليقين وأدلة الجهة سقط عنه . ولكن من أين يسقط عنه بذل وسعه ومقدوره اللأ ئق به ؟
فصل : ومن هذا الباب لو طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم اشتبهت عليه الأخرى فقيل يجب اعتزالهما وقيل يقرع بينهما 
ومن هذا الباب لو طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم اشتبهت عليه بالأخرى ، فقيل : يجب عليه اعتزالهما ويوقف الأمر حتى يتبين الحال وعليه نفقتهما ، وهذا مذهب الشافعي و أبي حنيفة و أحمد في إحدى الروايتين وهي اختيار صاحب المغني ، وقيل : يقرع بينهما كما لو أبهم الطلاق في واحدة لا بعينها . وهذا هو المشهور في المذهب وهذا اختيار عامة أصحاب أحمد . ونص عليه الخرقي في المختصر فقال : ولو طلق واحدة من نسائه ونسيها أخرجت بالقرعة . قال المانعون من القرعة في هذه الصورة اشتبهت عليه زوجته بأجنبية ، فلا تحل له إحداهما بالقرعة ، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية لم يكن له أن يعقد على إحداهما بالقرعة . قالوا : ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ، ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ، ولا تزيل احتمال كون المطلقة غير من وقعت عليها القرعة ، بدليل أن التحريم لو ارتفع بالقرعة لما عاد إذا ذكرها ، فلما عاد التحريم بالذكر دل على أن القرعة لم ترفع تحريم المطلقة . قالوا : وأيضاً القرعة لا يؤمن وقوعها على غير المطلقة وعدولها عن المطلقة . وذلك يتضمن مفسدتين : تحريم المحللة له بلا سبب . وتحليل المحرمة عليه مع جواز كونها المطلقة . قالوا : وأيضاً فلو حلف لا يأكل تمرة بعينها ثم وقعت في تمر فإنها لا تخرج بالقرعة ، ولو حلف لا يكلم إنساناً بعينه ثم اختلط في آخرين لم يخرج بالقرعة إلى أمثال ذلك من الصور فهكذا قالوا . وأيضاً فلا نعلم سلفاً باستعمال القرعة في مثل هذه الصورة . قالوا : وأيضاً لو حلف لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة ، فقد قال الخرقي : لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها فحرمها ، مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعارضه يقين التحريم فههنا أولى قالوا : وأيضاً فقد قال الخرقي : فيمن طلق امرأته ولم يدر أو واحدة طلق أو ثلاثاً اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة ، د فإن راجعها في العدة لم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق فلم يبح له وطئها لاحتمال كون الطلاق ثلاثاً والأصل عدمه . واحتمال كون غير من خرجت عليها القرعة هي المطلقة ، كاحتمال كون هذه مطلقة ثلاثاً ، بل هو هناك أقوى فإن في صورة الشك في عدد الطلاق لم يتيقن تحريماً يرفع النكاح والأصل بقاء الحل وفي المنسية قد تيقنا ارتفاع النكاح جملة عن إحداهما وأنها أجنبية وحصل الشك في تعيينها . قالوا : ولا يصح قياس هذه الصورة على ما إذا طلق واحدة مبهمة ، فقال : واحدة منكن طالق جاز له أن يعينها بالقرعة ، لأن الطلاق ههنها لم يثبت لواحدة بعينها ، فإذا عينتها القرعة تعينت ، لأن الشارع جعل القرعة صالحة للتعيين منشأة له . وفي مسألتنا المطلقة معينة في نفسها لا محالة والقرعة لا ترفع الطلاق عنها ولا توقعه على غيرها كما تقدم . 
وسر المسألة : أن القرعة ، إنما تعمل في إنشاء التعيين الذي لم يكن لا في إظهار تعيين كائن قد نسي . فهذا ما احتج به من نصر هذا القول ، وأما من نصر القول بالقرعة فقالوا : الشارغ جعل القرعة معينة في كل موضع تتساوى فيه الحقوق ، ولا يمكن التعيين إلا بها إذ لولاها لزم أحد باطلين ، إما الترجيح بمجرد الاختيار والشهوة وهو باطل في تصرفات الشارع ، وإما التعطيل ووقف الأعيان وفي ذلك تعطيل الحقوق وتضرر المكلفين بما لا تأتي به الشريعة الكاملة . بل ولا السياسة العادلة ، فإن الضرر الذي في تعطيل الحقوق أعظم من الضرر المقدر في القرعة بكثير ومحال أن تجيء الشريعة بالتزام أعظم الضررية لدفع أدناهما . 
إذا عرف هذا فالحق إذا كان لواحد غير معين فإن الفرعة تعينه فيسعد الله بها من يشاء ويكون تعيين القرعة له هو غاية ما يقدر عليه المكلف ، فالتعيين بها تعيين لتعلق حكم الله لما عينته فهي دليل من أدلة الشرع واجب العمل به ، وإن كان في نفس الأمر بخلافه كالبينة والإقرار والنكول فإنها أدلة منصوبة من الشارع لفصل النزاع ، وإن كانت غير مطابقة لمتعلقها في بعض الصور فلهذا نصب الشارع القرعة معينة للمستحق قاطعة للنزاع . وإن تعلقت بغير صاحب الحق في نفس الأمر فإن جماعة المستحقين إذا استووا في سبب الاستحقاق لم تكن القرعة ناقلة لحق أحدهم ولا مبطلة له ، بل لما لم يمكن تعميمهم كلهم ولا حرمانهم كلهم ، وليس أحدهم أولى بالتعيين من الآخرين . جعلت القرعة فاصلة بينهم معينة لأحدهما ، فكأن المقرع يقول : اللهم قد ضاق الحق عن الجميع وهم عبيدك فخص بها من تشاء منهم به ثم تلقى فيسعد الله بها من يشاء ويحكم بها على من يشاء ، وهذا سر القرعة في الشرع . وبهذا علم بطلان قول من شبهها بالقمار الذي هو ظلم وجور ، وكيف يلحق غاية الممكن من العدل والمصلحة بالظلم والجور . هذا من أفسد القياس وأظهره بطلاناً وهو كقياس البيع على الربا . فإن الشريعة فرقت بين القرعة والقمار كما فرقت بين الربا والبيع فأحل الله البيع وحرم الربا وأحل الشارع القرعة وحرم القمار وقد قال تعالى : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون [ آل عمران : 44 ] ، وقال تعالى إخباراً عن ذي النون : فساهم فكان من المدحضين [ الصافات : 141 ] ، وقد احتج الأئمة بشرع من قبلنا . جاء ذلك منصوصاً عنهم في مواضع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وثبت عنه في الصحيح أيضاً أن رجلاً أعتق ستة مملوكين لا مال له سواهم فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء وضرب عليهم بسهمي رق وسهم حرية فأعتق اثنين وأرق أربعة ، وكل ما ذكروه في الطلاق فهو منتقض عليهم بهذه الصورة ، بل القرعة في الطلاق أولى ، لأن القرعة ههنا ، إنما هي لجمع الحرية في بعضهم . وقد كان في الممكن أن يتق من كل واحد سدسه وليستسعى في بقية نفسه كما يقول أبوحنيفة : أو يترك رقيقاً ، ومع هذا فاقرع بينهم لجمع الحرية في اثنين منهم وعين بها عبدبن من الستة مع تشوفه إلى العتق وحكمه به في السراية في ملكه وملك شريكه ، فما الظن بالطلاق الذي هو أرضغ الحلال إلى الله ورسوله . ولأنا لو لم نستعمل القرعة في المنسية لزم أحد محذورين . 
إما إيقاع الطلاق على الأربع إذ أنسيت بينهن وهذا باطل ، لأنه يتضمن تحريم من لم يطلقها ولا حرمها الله عليه . وأما أن يعطل انتفاعه بهن ويتركهن معلقات أبداً إلى الممات ، ومع هذا نوجب عليه نفقتهن وكسوتهن وإسكانهن . ونقول : لا يحل لك قربان واحدة منهن وعليك القيام بجميع حقوقهن ، فهذا لو جاء به الشارع لقوبل بالسمع والطاعة ، ولكن حكمة شرعه ورحمته تأبياه ولا شاهد له يرد إليه ويعتبر به . 
وأما القول بالقرعة فقد ذكرنا من أصول شرعه ما يدل عليه ، وإنه أولى الأقوال في المسألة وقد روى البخاري في صحيحه : أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف وفي السنن و المسند عن أبي هريرة أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها . وفي المسند و السنن أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فليستهما عليها . وفي السنن عن أم سلمة أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال : إنكم تختصمون إلي ، وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاماً في عنقه يوم القيامة ، فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما عليه ثم ليتحلل كل منكما صاحبه . وأقرع سعد يوم القادسية بين المؤذنين ، فهذه قرعة في الحضانة وفي تخفيف السفينة وفي السفر بالزوجة والبداءة بها في القسم وفي الحلف على الحق ، وفي تعيين الحق المتنازع فيه وفي الأذان ، وفي العتق وجمع الحرية وتكميلها في رقبة كاملة . وصح عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ونكح ثم مات لا يدري الشهود أيتهن طلق . فقال : أقرع بين الأربع وانذر منهن واحدة وأقسم بينهن الميراث ، فهذه قرعة ، أما في الطلاق وأما في الاستحقاق للمال وأياً ما كان . فالموانع التي ذكروها في الطلاق بعينها قائمة في استحقاق المال سواء بسواء ، فأي فرق بين تحريم مال أحله الله ، وبين تحريم فرج أحله الله ؟ فإن كانت القرعة تتضمن أحد الفسادين فهي متضمنة للآخر قطعاً وإن لم تتضمن من الآخر لم تتضمن ذلك . وقولكم : المال أسهل لا ينفعكم في دفع هذا الإلزام والله أعلم . قالوا : ونحن نجيب عن كلماتكم . 
أما قولكم : اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم يحل المشتبه بالقرعة ، كما لو اشتبهت قبل العقد أخته بأجنبية فجوابه . أن الأصل قبل العقد التحريم ، وقد شككنا في دفعه والأصل بقاؤه فمنعنا ثم أصل مستصحب لا يجوز تركه إلا بسبب يزيله ، ولا كذلك في مسألتنا . إذ ثبت الحل قطعاً . فنحن إذا أخرجنا المطلقة بالقرعة بقيت الأخرى على الحل المستصحب قبل الطلاق . وقد شككنا في إصابة الطلاق لها فنتمسك بالأصل حتى يثبت ما يزيله وهذا واضح . وقد اتفق على هذا الأصل أعني استصحاب ما ثبت حتى يثبت رفعه . وأما قولكم القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ولا تزيل احتمال كون المطلقة غير التي وقع عليها القرعة . فجوابه أنه منقوض بالعتق وما كان جوبكم عن العتق فهو جوابنا بعينه ، ومنقوض بالقرعة في الملك المطلق ، فحق المالك في ملك المال كحقه في ملك البضع . والعتق بالقرعة متضمن ارقاق رقبة من ثبت له الحرية وسقوط الحج والجهاد عنه وثبوت أحكام العبيد له . على تقدير كونه هو المعتق في نفس الأمر وإن كانت امة يضمن إباحة فرجها لغير مالكها ومع هذا فالقرعة معينة للمعتق . فتعيينها للمطلقة كذلك أولى ، وجواب آخر : وهو أن القرعة لم تزل تحريماً ثابتاً في المطلقة وإنما عينت حكماً لم يكن لنا سبيل إلى تعيينه إلا بالقرعة واحتمال كون غير التي خرجت لها القرعة هي المطلقة في نفس الأمر ، كما لم يكلفنا به الشارع لتعذر الوصول إلى علمه فنزل منزلة المعدوم . وهذا كما أن احتمال كون غير الأمة التي خرجت لها القرعة هي الحرة في نفس الأمر ساقطاً عنا لتعذر علمنا به فتنزل منزلة المعدوم . وكذلك كون مالك المال الضائع موجوداً في نفس الأمر لا يمتنع من نقله عنه إلى الملتقط بعد حول التعريف لتعذر معرفته فنزل منزلة المعدوم ، وكذلك حكم الصحابة عمر وغيره في المفقود تتزوج امرأته وإن كان باقياً حياً على وجه الأرض . وقد أبيح فرج زوجته لغيره من غير طلاق منه ولا وفاة لتعذر معرفته ، فنزل في منزلة المعدوم . قولكم : لو ارتفع التحريم بالقرعة ، لما عاد إذا ذكرها . قلنا : ارتفاع التحريم مشروط باستمرار النسيان وإذا زال النسيان زال شرط الارتفاع ، والقرعة إنما صرنا إليها للضرورة ولا ضرورة مع التذكر . قولكم : القرعة لا يؤمن وقوعها على غير المطلقة وعدولها عن المطلقة ، وذلك يتضمن مفسدتين إلى آخره . قلنا : منقوض بالعتق وبالملك المطلق ، وأيضاً لما كان ذلك مجهولاً معجوزاً عن علمه نزل منزلة المعدوم ولم يضر كون المستحق في نفس الأمر غير المستحق بالقرعة كما قدمنا من النظائر . 
فلسنا مؤاخذين بما في نفس الأمر ما لم نعلم به . وهذه قاعدة من قواعد الشرع وهي أن المؤاخذة وترتب الأحكام على المكلف ، إنما هي على علمه لا على ما في نفس الأمر إذا لم يعلمه ، وعليها جل الشريعة في الطهارات والنجاسات والمعاملات والمناكحات والأحكام والشهادات . فإن الشاهد إذا عرف أن لزيد قبل عمرو حقاً وجب عليه أن يشهد به ، وإن كان قد برىء إليه منه ويحكم به الحاكم . فالشريعة غير منكر فيها ذلك وهل تتم مصالح العباد إلا بذلك . قولكم : لو حلف لا يأكل تمرة ولا يكلم انساناً ثم اختلط المحلوف عليه بغيره لم يخرج بالقرعة . فيقال : هذه المسألة ليست منصوصاً عليها ولا يعلم فيها إجماع البتة . فإن كانت مثل مسألتنا سواء ، فالصواب التسوية بينهما وان كان بينهما فرق بطل الإلحاق ، فبطل الإلزام بها على التقديرين نعم غاية ما يفيدكم الزام الفرق بينهما وإن كان بينهم فرق بطل التقديران بالتنافض ، وإنه يجب عليه التسوية بينهما في الحكم وهذا ليس بدليل يثبت لكم حكم المسألة ، إذ منازعكم يقول : تناقضي في الفرق بين المسألتين ليس بدليل على صحة ما ذهبتم إليه ، فإن كان التفريق باطلاً . جاز أن يكون الباطل في عدم القول بالقرعة في مسألة الإلزام ، ولا يتعين أن يكون الباطل القول بها في المسألة المتنازع فيها ، فهذا جواب إجمالي كاف فكيف والفرق بينهما في غاية الظهور ؟ فإنه إذا حلف لا يأكل تمرة بعينها ثم وقعت في تمر فأكل منه واحدة فإنه لا يحنث حتى يأكل الجميع أو ما يعلم به أنه أكلها وما لم يتيقن أكلها لم يتيقن حنثه فلا حاجة إلى القرعة . وكذلك مسألة كلام رجل بعينه فإن قيل : فهل يأمرونه بالإقدام على الأكل مع الاختلاط . قيل : الورع أن لا يقدم على الأكل فإن أكل لم يحنث حتى يتيقن أكله لها قولكم : لا سلف بالقرعة في هذه الصورة ، فيقال : سبحان الله وأي سلف معكم يوقف الرجل عن جميع زوجاته وجعلهن معلقات لا مزوجات ولا مطلقات إلى الموت مع وجوب نفقتهن وكسوتهن وسكناهن عليه وينبغي أن يعلم أن القول الذي لا سلف به الذي يجب إنكاره . إن المسألة وقعت في زمن السلف فأفتوا فيها بقول أو أكثر من قول . فجاء بعض الخلق فأفتى فيها بقول لم يقله فيها أحد منهم فهذا هو المنكر . فأما إذا لم تكن الحادثة قد وقعت بينهم ، وإنما وقعت بعدهم فإذا أفتى المتأخرون فيها بقول لا يحفظ عن السلف لم يقل أنه لا سلف لكم في المسألة . اللهم إلا أن يفتوا في نظيرها سواء بخلاف ما أفتى به المتأخرون فيقال حينئذ ، أنه لا سلف لكم بهذه الفتوى وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا الموضع فإنه يستدعي تحريراً أكثر من هذا . وأما قولكم : لو حلف لا يأكل تمرة قد وقعت في تمر فأكل منه واحدة فإن الخرقي يحرم عليه امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين . مع أن الأصل بقاء النكاح فهنا أولى . قلت : الخرقي لم يصرح بالتحريم ، بل أفتى بأنه لا يقرب زوجته حتى يتبين الحال ، وهذا لا ينهض للتحريم ولفظ الخرقي في مختصره هذا . وإذا حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فإن أكل منه واحدة منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين . ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله هذا لفظه . وآخر كلامه يدل على أن منعه من وطئها ، إنما هو على سبيل الورع فإنه لا يحرمها عليه بحنث مشكوك فيه وهذا ظاهر . 
وأما مسألة من طلق ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثاً فالاحتجاج بها في غاية الضعف . وكذلك الإلزام بها فإن الخرقي بناها على كون الرجعية محرمة . ولهذا صرح في المختصر بذلك في تعليل المسألة فقال : وإذا طلق فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثاً اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة ، فإن راجعها في العدة لم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق ، لأنه متيقن للتحريم شاك في التحليل . 
فالخرقي يقول : هذا قد تيقن وقوع الطلاق وشك هل الرجعة رافعة أم لا ؟ وغيره ينازعه في إحدى المقدمتين ويستفصل في الأخرى . فيقول : لا نسلم أن الرجعية محرمة فلم يتيقن تحريماً البتة . وعلى تقدير أن تكون محرمة فالتحريم المتيقن أي تحريم يعنون به تحريماً تزيله الرجعة أو تحريماً لا تزيله الأول مسلم ولا يفيدكم شيئاً والثاني ممنوع وعلى التقديرين فلا حجة لكم في هذه المسألة ولا إلزام ، فإنها ليست منصوصة ولا متفق عليها ولا ملزمة أيضاً ، فإنه بناها على أصله من كون الرجعية محرمة فقد تيقن تحريمها وشك في رفع هذا التحريم إلا بالرجعة ، ولا كذلك فيمن خرجت على سواها فإنه لم يتيقن تحريمها وإزالة التحريم بالقرعة فافترقا . وأما قولكم : لا يصح قياسها على ما إذا طلق واحدة مبهمة حيث يعينها بالقرعة لأن الطلاق لم يثبت لواحدة بعينها فتعيينها بالقرعة بخلاف المنسية . قلت : لا ريب أن يبن المسألتين فرقاً ، ولكن الشأن في تأثيره ومنعه من إلحاق أحدهما بالأخرى . فإن صح تأثير الفرق بطل هذا الدليل المعين . ولا يلزم من بطلان دليل معين بطلان الحكم إلا أن لا يكون لهم دليل سواه ، ونحن لم نحتج بهذا الدليل أصلاً حتى يلزم بطلان ما ذكرناه ، وإن بطل تأثير الفرق وجب إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى . ونحن نبين بحمد الله أن هذا الفرق ملغى فنقول : إذا قال لنسائه : إحداكن طالق . فأما أن ينفذ الطلاق على واحدة منهن عقب إيقاعه ، أو لا يقع إلا بتعيينه والثاني باطل ، لأن التعيين ليس بسبب صالح للتطليق فلا يصح إضافة الطلاق إليه ، فيتعين أن الطلاق استند إلى واحدة في إيقاظه أو لا فقد وقع بواحدة منهن ولا بد . والأقوال هنا ثلاثة ، أحدها : أنه يملك تعيين المطلقة فيمن شاء وهذا قول الشافعي و أبي حنيفة . والثاني : أنه تطلق عليه الجميع وهذا قول مالك ومن وافقه . والثالث : أنه يخرج المطلقة بالقرعة ، وهذا مذهب أحمد وهو قول علي و ابن عباس ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة . وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وغيرهما، وهو الصحيح من الأقوال : فإن طلاق الأربع مع كون اللفظ غير صالح له ، والإرادة غير متناولة له مخالفة للأصول . وإيقاع الطلاق من غير سببه . وقد تقدم الكلام على مأخذ هذا القول وما فيه فلا نعيده ، وعلى هذا القول لا قرعة ولا تعيين ، وإنما الكلام على قولي القرعة والتعيين . فنقول : القول بالقرعة أصح وإذا كان القول بها أصح في هذه المسألة ، فالقول بها في مسألة المنسية أولى فهذان مقامان بهما يتم الكلام في المسألة . فأما المقام الأول فيدل عليه أن القرعة قد ثبت لها اعتبار في الشرع كما قدمناه . وهي أقرب إلى العدل وأطيب للقلوب وأبعد عن تهمة الغرض والميل بالهوى إذ لولاها لزم أحد الأمرين : أما الترجيح بالميل والغرض ، وأما التوقف وتعطيل ، الانتفاع وفي كل منهما من الضرر ما لا خفاء به . 
فكانت القرعة من محاسن هذه الشريعة وكمالها وعموم مصالحها . 
وأما تعيين المطلقة بعد ابهامها وانتظار ما يعينه النصيب والقسمة التي لا تتطرق إليها تهمة ولا ظنه ، فليس ذلك إلى المكلف ، بل إليه إنشاء الطلاق ابتداء في واحدة منهن . وأما أن يكون إليه تعيين من جعل طريق تعيينه خارجاً عن مقدوره وموكولاً إلى ما يأتي به القدر ويخرجه النصيب المقسوم المغيب عن العباد . فكلا وسر المسألة : أن العبد له التعيين ابتداء . 
وأما تعيين ما أبهمه أولاً فلم يجعل إليه ولا ملكه الشارع إياه . والفرق بينهما أن التعيين الابتدائي تعلق به إرادته وباشره بسبب الحكم فتعين بتعيينه وبمباشرته بالسبب . وأما التعيين بعد الإبهام فلم يجعل إليه لأنه لم يباشره بالسبب . والسبب كان قاصراً عن تناوله معيناً ، وإنما تناوله مبهماً والمكلف كان مخيراً بين أن يوقع الحكم معيناً فيتعين بتعيينه أو يوقعه مبهماً فيصير تعيينه إلى الشارع . وسر ذلك أن الحكم قد تعلق في المبهم بالمشترك ، فلا بد من حاكم منزه عن التهمة يعين ذلك المشترك في فرد من أفراده . والمكلف ليس بمنزه عن التهمة فكانت القرعة هي المعينة . وأما إذا عينه ابتداء فلم يتعلق الحكم بمشترك ، بل تعلق بما اقتضاه تعيينه وغرضه فأنفذه الشارع عليه . فهذا مما يدلك على دقة فقه الصحابة رضي الله عنهم وبعد غور مداركهم ، ولهذا أفتى علي و ابن عباس بالقرعة ولم يجعلا التعيين إليه . ولا نحفظ عن صحابي خلافهما . وإذا ثبت أن القرعة في هذه الصورة راجحة على تعيين المكلف تبين بذلك تقرير المقام الثاني : وهو أن القول بها في مسألة المنسية أولى ، لأنها إذا علمت في محل قد يعلق الحكم فيه بالمشترك وهو أحد الزوجات إذ كل واحدة منهن يصدق عليها أنها أحدها ، وهذا هو مأخذ من عمم الوقوع فلأن يعمل في محل تعلق الحكم فيه ببعض أفراده أولى ، فإن الحكم في الأول كان صالحاً لجميع الأفراد لتعلقه بالقدر المشترك ومع هذا فالقرعة قطعت هذه الصلاحية وخصتها بفرد بعينه . والحكم في الثانية إنما تعلق بفرد بعينه ، لكنه جهل فاستفيد علمه من القرعة ولما جهل صار كالمعدوم . إذ المجهول المطلق في الشريعة كالمعدوم وليس لنا طريق إلى اعتباره موجوداً إلا بالقرعة . فإذا قطعت القرعة الحق المشترك من غير المعين فلأن يعين مجهولاً لا سبيل إلى تعينه إلا بها أولى وأحرى . فإن شئت قلت : إخراج المجهول أيسر من تعيين المبهم وأوسع طريقاً وأقل مانعاً ، لأن المبهم لا يثبت له حقيقة معينة بعد ولا سيما إذا كان مشتركاً بين أفراد تقتضيه اقتضاء واحداً . فليس ثبوث التعيين لفرد أولى من ثبوته لغيره ، والمجهول قد ثبتت له الحقيقة أولاً ثم جهلت . فيكفي في الدلالة أعليها أي دليل واحد وأي علامة أمكنت فإنها علامة ودليل على وجودها لا علة لانيتها ، وبغير المبهم ليس دليلاً محضاً ، بل هو كالعلة لانيته وثبوته ، فإذا صلحت القرعة لتعيين المبهم فلأن تصلح للدلالة على المجهول بطريق الأولى ، ونحن لا ندعي ولا عاقل أن القرعة تجعل المخرج بها هو متعلق الحكم في نفس الأمر ، بل نقول أن القرعة تجعل المخرج بها متعلق الحكم ظاهراً وشرعاً ، وهو غاية ما يقدر عليه المكلف ولم يكلفه الله علم الغيب ولا موافقة أما في نفس الأمر ، بل القرعة عندنا لا تزيد على البينة والنكول والإمارات الظاهرة التي هي طرق لفصل النزاع والله سبحانه وتعالى أعلم .
القاعدة الثلاثة : وهي قاعدة الشك فينبغي أن يعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أماتين إلخ 
وأما القاعدة الثالثة : وهي قاعدة الشك فينبغي أن يعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيهه البتة . وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض إمارتين فصاعداً عده ، فتصير المسألة مشكوكاً فيها بالنسبة إليه فهي شكية عنده ، وربما تكون ظنية لغيره أو له في وقت آخر . وتكون قطعية عند آخرين . فكون المسألة شكية أو ظنية أو قطعية ليس وصفاً ثابتاً لها ، بل هو أمر يعرض لها عند إضافتها إلى حكم المكلف ، وإذا عرف هذا . فالشك الواقع في المسائل نوعان : أحدهما شك سببه تعارض الأدلة والأمارات كقولهم في سؤر البغل والحمار مشكوك فيه فتتوضأ به وتتيمم ، فهذا الشك لتعارض دليلي الطهارة والنجاسة . وإن كان دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة فإنه لم يقم على تنجيس سؤرهما دليل ، وغاية ما احتج به لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : في الحمر الأهلية إنها رجس والرجس هو النجس وهذا لا دليل فيه ، لأنه إنما نهاهم عن لحومها . وقال : إنها رجس ولا ريب أن شحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيها . فهي رجس ، ولكن من أين يلزم أن تكون نجسة في حياتها حتى يكون سؤرها نجساً ؟ وليس هذا موضع هذه المسألة . ومن هذا قولهم للدم الذي تراه المرأة بين الخمسين سنة إلى الستين أنه مشكوك فيه ، فتصوم وتصلي وتقضي فرض الصوم لتعارض دليلي الصحة والفساد وإن كان الصحيح إنه حيض ولا معارض لدليل كونه حيضاً أصلاً لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا معقول ، فليس هذا مشكوكاً فيه والمقصود التمثيل . 
القسم الثاني : الشك العارض للمكلف بسبب اشتباه أسباب الحكم عليه وخفائها لنسيانه وذهوله أو لعدم معرفته بالسبب القاطع للشك . فهذا الحكم واقع كثيراً في الأعيان والأفعال وهو المقصود لذكر القاعدة التي تضبط أنواعه . والضابط فيه أنه إن كان للمشكوك فيه حال قبل الشك استصحبها المكلف ، وبنى عليها حتى يتيقن الانتقال عنها ، هذا ضابط مسائله . فمن ذلك إذا شك في الماء هل أصابته نجاسة أم لا ؟ في على يقين الطهارة . ولو تيقن نجاسته ثم شك هل زالت أم لا ؟ بنى علي يقين النجاسة . 
الثالثة : إذا أحدث ثم شك هل توضأ أم لا بنى على يقين الحدث . ولو توضأ وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة . وفروع المسألة مبنية على هذا الأصل . 
الرابعة : إذا شك الصائم في غروب الشمس لم يجز له الفطر ، ولو أكل أفطر . ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل ولو أكل لم يفطر . 
الخامسة : لو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً وهو منفرد ؟ بنى على اليقين إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته . وإن كان إماماً فعلى غالب ظنه لأن المأموم ينبهه ، فقد عارض الأصل هنا ظهور تنبيه المأموم على الصواب . وقال الشافعي و مالك يبنى على اليقين مطلقاً لأنه الأصل . 
السادسة : إذا رمى صيداً فوقع في ماء فشك هل كان موته بالجرح أو بالماء لم يأكله ، لأن الأصل تحريمه وقد شك في السبب المبيح . وكذلك لو خالط كلبه كلاباً أخر ولم يدر أصاده كلبه أو غيره لم يأكله ، لأنه لم يتيقن شروط الحل في غير كلبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره . 
السابعة : إذا شك هل طاف ستاً أو سبعاً أو رمى ست حصيات أو سبعاً بنى على اليقين . 
الثامنة : إذا شك هل عم الماء بدنه وهو جنب أم لا لزمه يقين تعميمه ما لم يكن ذلك وسواساً . 
التاسعة : إذا اشترى ثوباً جديداً أو لبيساً وشك . هل هو طاهر أم نجس ؟ فيبني الأمر على الطهارة ولم يلزمه غسله . 
العاشرة : إذا أصابه بلل ولم يدر ما هو لم يجب عليه أن يبحث عنه ولا يسأل من أصابه به . ولو سأله لم يجب عليه إجابته على الصحيح . وعلى هذا لو أصاب ذيله رطوبة بالليل أو بالنهار لم يجب عليه شمها ولا تعرفها ، فإذا تيقنها عمل بموجب يقينه . 
الحادية عشرة : إذا كان عليه حق لله عز وجل من صلاة أو زكاة أو كفارة أو عتق أو صيام وشك هل أتى به أم لا ؟ لزمه الإتيان به . 
الثانية عشرة : إذا شك هل مات مورثه ؟ فيحل له ماله . أو لم يمت لم يحل له المال حتى يتيقن موته . 
الثالثة عشرة : إذا شك في الشاهد ، هل هو عدل أم لا ؟ لم يحكم بشهادته ، لأن الغالب في الناس عدم العدالة . وقول من قال الأصل في الناس العدالة كلام مستدرك ، بل العدالة طارئة متجددة والأصل عدمها ، فإن خلاف العدالة مستندة جهل الإنسان وظلمه . 
والإنسان خلق جهولاً ظلوماً ، فالمؤمن بكمل بالعلم والعدل وهما جماع الخير وغيره ، يبقى على الأصل أي فليس الأصل في الناس العدالة ولا الغالب . 
الرابعة عشرة : إذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً ؟ بنى على اليقين وألغا المشكوك فيه ، واستثنى من هذا موضعين . 
أحدهما : أن يقع الشك بعد الفراغ في الصلاة لم يتفت إليه . 
الثاني : أن يكون إماماً فيبنى على غالب ظنه . 
فأما الموضع الأول : فهو مبني على قاعدة الشك في العبادة بعد الفراغ منها فإنه لا يؤثر شيئاً وفي الوضوء خلاف . فمن ألحقه بهذه القاعدة نظر إلى أنه قد انقض بالفراغ منه . وهن نظر إلى بقاء حكمه وعمله وأنه لم يفعل المقصود به ألحقه بالشك في العبادة قبل انقطاعها والفراغ منها . 
وأما الموضع الثاني : فإنما استثنى لظهور قطع الشك والرجوع إلى الصواب بتنبيه المأموم له فسكوتهم وإقرارهم دليل على الصواب . هذا ظاهر المذهب عند الإمام أحمد ومذهب الشافعي أنه يبنى على اليقين مطلقاً إماماً كان أو منفرداً ، ولا يلتفت إلى قول غيره . ومذهب مالك أنه يبنى على اليقين إلا أن يكون مستنكحاً بالشك فلا يلتفت إليه ويلهي عنه فإن لم يمكنه أن يلهي عنه بني على أنزل خواطره . ومذهب أبي حنيفة أنه إن عرض له ذلك في أول صلاته أعادها . وإن عرض له فيما بعدها بني على اليقين . 
الخامس عشر : إذا شك هل دخل وقت الصلاة أو لا ؟ لم يصل حتى يتيقين دخوله فإن صلى مع الشك ، ثم بان له أنه صلى في الوقت . فقد قالوا : إنه يعيد صلاته وعلى هذا ، إذا صلى وهو يشك . هل هو محدث أو متطهر ؟ ثم تيقن أنه كان متطهراً فإنه يعيدها أيضاً . وكذلك إذا صلى إلى جهة وشك . هل هي القبلة أو غيرها ؟ ثم تبين له أنها جهة القبلة . ولا كذلك إذا شك في طهارة الثوب والبدن والمكان فصلى فيه ، ثم تيقن إن ذلك كان طاهراً ، لأن الأصل هنا الطهارة وقد تيقنه آخراً . فتوسط الشك بين الأصل واليقين لا يؤثر بخلاف المسائل الأول ، لأن الأصل فيها عدم الشك . فالشك فيها مستند إلى أصل يوجب عليه حكماً لم يأت به والذي يقتضيه أصول الشرع وقواعد الفقه في ذلك ، هو التفرقة بين المعذور والقادر . فالمعذور لا يجب عليه الإعادة إذا لم ينسب إلى تفريط وقد فعل ما أداه إليه اجتهاده وأصاب فهو كالمجتهد المصيب . وعلى هذا فإذا تحرى الأسير وفعل جهده وصام شهراً يظنه رمضان وهو يشك فيه فبان رمضان أو ما بعده أجزاه ، مع كونه شاكاً فيه . وكذلك المصلي إذا كان معذوراً محتاجاً إلى تعجيل الصلاة في أول الوقت ، إما لسفر لا يمكنه النزول في الوقت ولا الوقوف أو لمرض يغمى عليه فيه أو لغير ذلك من الأعذار ، فتحرى الوقت وصلى فيه مع شكه ، ثم تبين له أنه أوقع الصلاة في الوقت لم يجب عليه الإعادة ، بل الذي يقوم عليه الدليل في مسألة الأسير أنه لو وافق شعبان لم يجب عليه الإعادة . وهو قول الشافعي . لأنه فعل مقدوره ومأموره والواجب على مثله صوم شهر يظنه من رمضان ، وإن لم يكنه والفرق بين الواجب على القادر المتمكن والعاجز . فإن قيل : فما تقولون في مسألة الصلاة ؟ إذا بان أنه صلاها قبل الوقت . قيل : الفرق بين المسألتين أن الصوم قابل لإيقاعه في غير الوقت للعذر ، كالمريض أو المسافر والمرضع والحبلى فإن هؤلاء يسوغ لهم تأخيره ونقله إلى زمن آخر نظراً لمصلحتهم ، ولم يسوغ لأحد منهم تأخير الصلاة عن وقتها البتة . فإن قيل : فقد يسوغ تأخيرها للمسافر والمريض والممطور من وقت إحداهما إلى وقت الأخرى . قيل : ليس بتأخير من وقت إلى وقت ، وإنما جعل الشارع وقت العبادتين في حق المعذور وقتاً واحداً فهو يصلي الصلاة في وقتها المشروع الذي جعله الشارع وقتاً لها بالنسبة إلى أهل الأعذار ، فهو كالنائم والناسي إذا استيقظ وذكر فإنه يصلي الصلاة حينئذ ، لكون ذلك وقتها بالنسبة إليهما . وإن لم يكن وقتاً بالنسبة إلى الذاكر المستيقظ على أن للشافعي قولين في المسألتين والله أعلم .
بيان ما جاء في مدح العلماء العاملين 
ابن عيينة عن محمد بن المنكدر قال : إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم . وقال سهل بن عبد الله : من أراد أن ينظر إلى محاسن الأنبياء فلينظر محاسن العلماء . يجيء الرجل فيقول : يا فلان أيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا . 
فيقول : طلقت امرأته وهذا مقام للأنبياء فأعرفوا لهم ذلك . قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركت عشرين مائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم ا المسألة ، فيردها هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا . وقال ابن مسعود : من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون . وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه . وقان حصين الأسدي : إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر ، وعن الحسن والشعبي مثله ، وقال الحاكم : سمعت أبا عبد الله الصفار يقول : سمعت عبد الله بن أحمد يقول : سمعت أبي يقول سمعت الشافعي يقول سمعت مالك بن أنس يقول سمعت محمد بن عجلان يقول إذا أخطأ العمالم لا أدري أصيبت مقاتله . 
وروى ذلك بنحوه عن ابن عباس . وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد . أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم : لا أحسنه فجعل الرجل يقول : إني دفعت إليك لا أعرف غيرك ، فقال القاسم : لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي . والله لا أحسنه . فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه : يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم . فقال القاسم : والله لئن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا أعلم . وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً ، وكان مالك يقول : من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها . أن يعرض نفسه على الجنة أو النار . 
وكيف يكون خلاصه في الآخرة ؟ سأل عن مسألة . فقال : لا أدري : فقيل له : إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال : ليس في العلم شيء خفيف ألم تسمع قوله جل ثناؤه إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا [ المزمل : 5 ] ، فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة وقال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق مع الطهارة فكيف بنا الذي غطت الخطايا والذنوب قلوبنا . وقال عبد الرحمن بن مهدي : جاء رجل إلى مالك يسأله عن شيء أياماً ما يجيبه . فقال : يا أبا عبد الرحمن إني أريد الخروج ، وقد طال التردد إليك فأطرق طويلاً ، ثم رفع رأسه وقال : ما شاء الله يا هذا . إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ، ولست أحسن مسألتك هذه . وسئل الشافعي عن مسألة فسكت . فقيل له : ألا تجب يرحمك الله . فقال : حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب . وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتياً ولا يقول شيئاً إلا قال : اللهم سلمني وسلم مني . 
وقال سحنون أشقى الناس من باع آخرته بدنياه ، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره ، فقال : تفكرت فيه وجدته المفتي يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقه . فيقول له : لا شيء عليك فيذهب الحانث فيستمتع بامرأته ورقيقته . وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا . وجاء رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام ، فقال : مسألتين أصلحك الله اليوم ثلاثة أيام . فقال له : وما أصنع بمسألتك . مسألتك معضلة وفيها أقاويل ، وأنا متحير في ذلك . فقال : وأنت أصلحك الله لكل معضلة . فقال سحنون : هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لحمي ودمي للنار ، وما أكثر ما لا أعرف إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامضي تجاب في مسألتك في ساعة . فقال : إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك ، قال : فاصبر ثم أجابه بعد ذلك . وقيل له : إنك تسأل عن المسألة ، لو سأل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها . فتتوقف فيها . فقال : إن فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنة المال . وقال بعض العلماء : قل من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه ولضطرب في أمره ، وإن كان كارهاً لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه ، وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره ، كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب . وقال بشر الحافي : من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسأل ، وذكر أبو عمر عن مالك ، أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي . فقال : ما يبكيك ؟ أمصيبة دخلت عليك ؟ وارتاع لبكائه . فقال لا ولكن ، أستفتي من لا علم له . وظهر في الإسلام أمر عظيم . قال ربيعة : ولبعض من يفتي ههنا أحق بالحبس من السراق . 
ومن مسائل إسحاق بن منصور الكوسج لأحمد 
قلت : يتوضأ الرجل في المسجد . قال : قد فعل ذلك قوم . قال إسحاق : هو حسن ما لم يستنتج فيه . قلت : إذا عطس الرجل يوم الجمعة . قال : لا تشمته . قلت : يقاتل اللص . قال : إذا كان مقبلاً فقاتله . وإذا ولي لا تقاتل . قال إسحاق كما قال : ويناشده في الإقبال ثلاثاً فإن أبى وإلا يقاتله . قلت : الضالة المكتومة . قال : الذي يكتمها إذا زالت القطع ، فغرامة مثلها عليه . 
قال إسحاق : كما قال سنة مسنونة . قلت : سئل سفيان عن صبي افتض صبية . قال لها : مهر مثلها في ماله . قال أحمد : يكون في عاقلته إذا بلغ الثلث . قال إسحاق كما قال سفيان في ماله : قلت : قال سفيان : استفتى يوسف بن عمر بن أبي ليلى في هذه . فقال : لها مهر مثلها في ماله . قال أحمد : لا بل على عاقلته . قال إسحاق : كما قال ابن أبي ليلى ، قلت : كانه أراد والله أعلم ، أرش البكارة فسماه مهراً . أو يقال : إن استيفاء هذه المتعة منه تجري مجرى جنايته عليها ، فإذا أوجبت مالاً كان على من يحمل جنايته ، ولا ريب أن الوطء يجري مجرى الجناية ، إذ لا بد فيه من عفو أو عقوبة وجناية الصبي على النفوس والأعضاء والمنافع على عاقلته ، وهذه جناية على منفعة الصبية ، فتكون على عاقلته . وهذا أصوب الاحتمالين ولم أر أصحابنا تعرضوا لهذا النص ولا وجهه . قلت : أيقطع في الطير ؟ قال : لا يقطع في الطير . قال كما قال : قلت : لعله أراد به الطير إذا تفلت من قفصه فصاد وهو خلاف ظاهر كلامه ، إذ يقال : الطير لا تستقر عليه اليد ولا يثبت في الحرز ، ولا سيما إذا اعتاد الخروج والمجيء كالحمام ، وأجود من هذين المأخذين أن يقال : إذا أخذه فهو بمنزلة من فتح القفص عنه حتى ذهب ثم صاده من الهواء ، فإن ملك صاحبه عليه في الحالين واحد وهو لو تفلت من قفصه ثم جاء إلى دار إنسان فأخذه لم يقطع ولو صاده من الهواء لم يقطع ، فكذلك إذا فتح قفصه وأخذه منه والقاضي تأول هذا النص على الطير غير المملوك ولا يخفى فساد هذا التأويل والذي عندي في . أن أحمد ذهب إلى قول أبي يوسف في ذلك والله أعلم . قلت : رجل زوج جاريته ثم وقع عليها . قال أحمد : أما الرجم فادرأ عنه ، ولكن أضربه الحد محصناً كان أو غير محصن . قال كما قال : يجلد مائة نكالاً كما قال عمر : قلت : لعله سمي التعزير حداً وبلغ به مائة أو لما سقط عنه الرجم حده حد الزاني غير المحصن . قلت : سئل سفيان عن رجل قال لرجل : ما كان فلان ليلد مثلك . قال : ما أرى في هذا شيئاً . فقال أحمد : هو تعريض شديد فيه الحد . قلت : سئل سفيان من رجل . قال لرجل : أنت أكثر زنا من فلان ، وقد ضرب فلان في الزنا قال ما أرى الحد بيناً أرى أن يعزر ، قال أحمد : هذا تعريض بضرب الحد : قال إسحاق كما قال أحمد . فقد نص على وجوب الحد بالتعريض وهو الصواب بلا ريب ، فإنه أنكى وأوجع من التصريح وهو ثابت عن عمر . قلت : قال سفيان : من رمى الجمرتين ولم يقم عندهما فليذبح شاه ، أو ليتصدق بصاع . قال احمد : لا أعلم شيئاً ويتقرب إلى الله تعالى بما شاء وقد أساء . قال إسحاق كما قال أحمد . قلت : الحائك يدفع إليه ثوباً على الثلث والربع . قال : كل شيء من هذا الغزل والدار والدابة وكل شيء يدفع إلى الرجل يعمل فيه على الثلث والربع فعلى قصة خيبر . قال إسحاق كما قال قلت : من بنى في فناء قوم بإذنهم أو بغير إذنهم . قال : إذا كان بإذنهم فله عليهم نفقته وإن كان بغير إذنهم قلع بناءه ، وأحب إلي إذا كان البناء ينتفع به هنا أن يعطيه النفقة ولا يقلع بناءه . قال إسحاق كما قال سواء : قلت : رجل ضل بعير له أعجف فوجده في يد رجل قد أنفق عليه حتى سمن . قال : هو بعيره يأخذه من أمر هذا أن يأخذه قال النبي صلى الله عليه وسلم : دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ، قال إسحاق : إذا كان أخذه في دار مضيعة فأنفق عليه ليرده إلى الأول ويأخذ النفقة كان له ذلك . قلت : ولا يناقض هذا قاعدته فيمن أدى عن غيره واجباً بغير إذنه أنه يرجع عليه ، لأن هذا متعد بأخذ البعير حيث نهاه الشارع عن أخذه والله سبحانه أعلم .
فصول في أصول الفقه والجدل وآدابه . والإرشاد إلى المنافع منه ، كما جاء في القرآن والسنة .
فصل في بيان الآيات التي يستفاد منها عموم النكرة في النفي والإثبات 
النكرة في سياق النفي تعم مستفاد من قوله تعالى : ولا يظلم ربك أحداً [ الكهف : 49 ] ، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [ السجدة : 17 ] ، وفي الاستفهام من قوله : هل تعلم له سمياً [ مريم : 65 ] ، وفي الشرط من قوله : فإما ترين من البشر أحدا [ مريم : 26 ] ، وإن أحد من المشركين استجارك [ التوبة : 6 ] ، وفي النهي من قوله : ولا يلتفت منكم أحد [ هود : 81 ] . وفي سياق الإثبات بعموم العامة والمقتضى كقوله : علمت نفس ما أحضرت [ التكوير : 14 ] . 
وإذا أضيف إليها كل نحو وجاءت كل نفس [ ق : 21 ] . ومن عمومها بعموم المقتضى . ونفس وما سواها [ الشمس : 7 ] .
فصل في الآيات التي يستفاد منها عموم المفرد المحلى باللام والمفرد المضاف والجمع المحلى والمضاف وأدوات الشرط 
ويستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله : إن الإنسان لفي خسر [ العصر : 2 ] ، وقوله : وسيعلم الكفار [ الرعد : 42 ] ، وعموم المفرد المضاف من قوله : وصدقت بكلمات ربها وكتبه [ التحريم : 12 ] ، وقوله : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق [ الجاثية : 29 ] ، والمراد جميع الكتب التي أحصيت فيها أعمالهم . وعموم الجمع المحلى باللام من قوله : وإذا الرسل أقتت [ المرسلات : 11 ] ، وقوله : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم [ الأحزاب : 7 ] ، وقوله : إن المسلمين والمسلمات [ الأحزاب : 35 ] ، إلى آخرها : والمضاف من قوله : كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله [ البقرة : 285 ] ، وعموم أدوات الشرط الأسماء من قوله : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً [ طه : 112 ] ، وقوله : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره [ الزلزلة : 7 ] ، وما تفعلوا من خير يعلمه الله [ البقرة : 197 ] ، أينما تكونوا يدرككم الموت [ النساء : 78 ] ، وقوله : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 144 ] ، وقوله : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم [ الأنعام : 68 ] ، وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم [ الأنعام : 54 ] ، هذا إذا كان الجواب طلباً مثل هاتين الآيتين ، فإن كان خبراً ماضياً لم يلزم العموم كقوله : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها [ الجمعة : 11 ] ، إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله [ المنافقون : 1 ] ، وإن كان مستقبلاً ، فأكثر موارده للعموم كقوله : وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [ المطففين : 3 ] ، وإذا مروا بهم يتغامزون [ المطففين : 30 ] ، وقوله : إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون [ الصافات : 35 ] ، وقد لا تعم كقوله : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم [ المنافقون : 4 ] .
فصل في بيان طريق استفادة الوجوب والتحريم وغيرهما 
ويستفاد كون الأمر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه وتسميته إياه عاصياً وترتيبه عليه العقاب العاجل ، أو الآجل . ويستفاد كون النهي للتحريم من ذمه ، لمن ارتكبه وتسميته عاصياً وترتيبه العقاب على فعله . ويستفاد الوجوب بالأمر تارة ، وبالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب ولفظة على ولفظة حق على العباد وعلى المؤمنين وترتيب الذم والعقاب على الترك وإحباط العمل بالترك وغير ذلك . ويستفاد التحريم من النهي والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل وذم الفاعل وإيجاب الكفارة بالفعل . وقوله : لا ينبغي فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلاً أو شرعاً . ولفظة ما كان لهم كذا ، ولم يكن لهم وترتيب الحد على الفعل ، ولفظة لا يحل ولا يصلح . ووصف الفعل بأنه فساد وأنه من تزيين الشيطان وعمله وإن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده ، ولا يزكي فاعله ، ولا يكلمه ، ولا ينظر إليه ونحو ذلك . وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر . ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة والإخبار بأنه معفو عنه . وبالإقرار على فعله في زمن الوحي وبالإنكار على من حرم الشيء ، والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا ، وامتنانه علينا به وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه ، فإن اقترن بإخباره مدح فاعله لأجله دل على رجحانه استحباباً أو وجوباً .
تابع فصل في بيان طريق استفادة الوجوب والتحريم وغيرهما 
وكل فعل عظمه الله ورسوله ومدحه أو مدح فاعله لأجله أو فرحه به أو أحبه أو أحب فاعله أو رضي به أو رضي عن فاعله أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن أو نصبه سبباً لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سبباً لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارة فاعله بالطيب أو وصف الفعل بكونه معروفاً أو نفي الحزن والخوف عن فاعله أو وعده بالأمن أو نصبه سبباً لولايته أو أخبر عن دعاء الرسل بحصوله ، أو وصفه بكونه قربة ، أو أقسم به أو بفاعله . كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها أو ضحك الرب جل جلاله من فاعله أو عجبه به ، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب .
تابع فصل في بيان طريق استفادة الوجوب والتحريم وغيرهما 
وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو لعنه أو مقته أو مقت فاعله أو نفى محبته إياه ، أو محبة فاعله ، أو نفى الرضى به أو الرضاء عن فاعله ، أو شبه فاعله بالبهائم أو بالشياطين ، أو جعله مانعاً من الهدي أو من القبول ، أو وصفه بسوء أو كراهة أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه ، أو جعل سبباً لنفي الصلاح أو لعذاب عاجل أو آجل أو لذم أو لوم ، أو لضلالة أو معصية أو وصف خبيث أو رجس أو نجس ، أو بكونه فسقاً أو اسماً أو سبباً لإثم أو رجس أو لعن أو غضب أو زوال نعمة ، أو حلول نقمة أو حد من الحدود ، أو قسوة أو خزي أو ارتهان نفس أو لعداوة الله أو لمحاربته أو لاستهزاء به وسخريته أو جعله الرب سبباً لنسيانه لفاعله ، أو وصف نفسه بالصبر عليه ، أو بالحلم والصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه ، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار ، أو نسبه إلى عمل الشيطان وتزيينه ، أو تولى الشيطان فاعله أو وصفه بصفة ذم ، مثل كونه ظلماً أو بغياً أو عدواناً أو إثماً أو تبرأ الأنبياء منه ، أو من فاعله أو شكواً إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة أو نصب سبباً لخيبة فاعله عاجلاً أو آجلاً ، أو ترتب عليه حرمان الجنة ، أو وصف فاعله بأنه عدو لله ، وإن الله عدوه أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله ، أو حمل فاعله إثم غيره أو قيل فيه : لا ينبغي هذا ولا يصلح . أو امر بالتقوى عند السؤال عنه ، أو أمر بفعل يضاد ، أو هجر فاعله أو تلاعن فاعلوه في الاخرة وتبرأ بعضهم من بعض ، أو وصف فاعله بالضلالة ، أو أنه ليس من الله في شيء أو أنه ليس من الرسول وأصحابه أو قرن بمحرم ظاهر التحريم في الحكم والخبر عنهما بخبر واحد ، أو جعل اجتنابه سبباً للفلاح أو فعله سبباً لايقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين . أو قيل لفاعله : هل أنت منته ؟ أو نهى الأنبياء عن الدعاء لفاعله ، أو رتب عليه أبعاداً وطرداً ولفظة قتل من فعله ، أو قاتل الله من فعله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه . وإن الله لا يصلح عمله ولا يهدي كيده وإن فاعله لا يفلح ولا يكون يوم القيامة من الشهداء ولا من الشفعاء أو أن الله يغار من فعله ، أو منه على وجه المفسدة فيه أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفاً ولا عدلاً أو أخبر أن من فعله قيض له شيطان فهو له قرين ، أو جعل الفعل سبباً لإزاغة الله قلب فاعله . أو صرفه عن آياته وفهم كلامه أو سؤال الله عن علة الفعل لم فعل نحو لم تصدون عن سبيل الله [ آل عمران : 99 ] ، لم تلبسون الحق بالباطل [ آل عمران : 71 ] ، ما منعك أن تسجد [ ص : 75 ] ، لم تقولون ما لا تفعلون [ الصف : 2 ] ، ما لم يقترن به جواب من المسؤول . فان اقترن به جواب كان بحسب جوابه . فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل ودلالته على التحريم اطرد من دلالته على مجرد الكراهة . وأما لفظة يكرهه الله ورسوله أو مكروه ، فأكثر ما يستعمل في المحرم وقد يستعمل في كراهة التنزيه ، وأما لفظة أما أنا فلا أفعل فالمتحقق منه الكراهة كقوله : أما أنا فلا آكل متكئاً . وأما لفظة ما يكون لك وما يكون لنا . فاطرد استعمالها في المحرم نحو ما يكون لك أن تتكبر فيها [ الأعراف : 13 ] ، ما يكون لنا أن نعود فيها [ الاعراف : 89 ] ، ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق [ المائدة : 116 ] .
فصل في كيفية استفادة الإباحة 
وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال ورفع الجناح والإذن والعفو ، وإن شئت فافعل . وإن شئت فلا تفعل . ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع وما يتعلق بها من الافعال نحو من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً [ النحل : 80 ] ، ونحو وبالنجم هم يهتدون [ النحل : 16 ] ، ومن السكوت عن التحريم . ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي وهو نوعان : إقرار الرب تبارك وتعالى وإقرار رسوله إذا علم الفعل . فمن إقرار الرب تعالى قول جابر : كنا نعزل والقرآن ينزل . ومن إقرار رسوله قول حسان لعمر : كنت أنشد وفيه من هو خير منك .
فائدة : قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم الآية جمعت أحكام الشريعة كلها 
قوله تعالى : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [ الأعراف : 31 ] ، جمعت أصول أحكام الشريعة كلها ، فجمعت الأمر والنهي والإباحة والخبر .
فائدة : تقدم العتاب على الفعل لا يدل على تحريمه 
تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدل على تحريمه وقد عاتب الله نبيه في خمسة مواضع من كتابه : في الأنفال وبراءة والأحزاب وسورة التحريم وسورة عبس ، خلافاً لأبي محمد بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي .
لا يصح الامتنان بممنوع منه 
لا يصح الامتنان بممنوع منه ، خلافاً لمن زعم أنه يصح ويصرف الامتنان إلى خلقه للصبر عنه .
فائدة : قوله تعالى : قل متاع الدنيا قليل الخ جمع بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة 
قوله تعالى : قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً [ النساء : 77 ] ، جمعت بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحض على فعل الخير والزجر عن فعل الشر إذ قوله : ولا تظلمون فتيلاً [ النساء : 77 ] ، يتضمن حثهم على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر .
فائدة : التعجب كما يدل على محبة الله للفعل قد يدل على بعض الفعل وأمثلة ذلك 
التعجب كما يدل على محبة الله للفعل . نحو عجب ربك من شاب ليست له صبوة . ويعجب ربك من رجل ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة . ونحو ذلك فقد يدل على بعض الفعل نحو قوله : وإن تعجب فعجب قولهم [ الرعد : ه ] ، وقوله : بل عجبت ويسخرون [ الصافات : 12 ] ، كيف تكفرون بالله [ البقرة : 28 ] . وقوله : وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله [ آل عمران : 101 ] ، وقد يدل على امتناع الحكم وعدم حسنه نحو كيف يكون للمشركين عهد [ التوبة : 7 ] ، وقد يدل على حسن المنع منه وإنه لا يليق به فعله نحو : كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم [ آل عمران : 86 ] .
فائدة : نفي التساوي في كتاب الله قد يأتي بين الفعلين وبين الفاعلين وبين الجزائين 
نفي التساوي في كتاب الله قد ياتي بين الفعلين كقوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله [ التوبة : 19 ] ، وقد تأتي بين الفاعلين نحو لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله [ النساء : 95 ] ، وقد تأتي بين الجزأين كقوله : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة [ الحشر : 20 ] ، وقد جمع الله بين الثلاثة في آية واحدة وهي قوله تعالى : وما يستوي الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات [ فاطر : 19 ، 20 ، 21 ، 22 ] ، فالأعمى والبصير الجاهل والعالم والظلمات والنور الكفر والإيمان والظل والحرور الجنة والنار والأحياء والأموات المؤمنون والكفار .
فائدة : فيما يستفاد من ضرب الأمثال في القرآن 
ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل ، وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس ، وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم ، وعلى الثواب والعقاب ، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره ، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر والله أعلم .
فائدة السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق 
السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد . وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة . 
وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم . فمن أهمله غلط في نظره ، وغالط في مناظرته . فانظر إلى قوله تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير .
لأخبار الرب تبارك وتعالى عن المحسوس الواقع عدة فوائد وبيانها 
اخبار الرب تبارك وتعالى عن المحسوس الواقع له عدة فوائد : منها أن يكون توطئة وتقدمة لإبطال ما بعده . ومنها أن يكون موعظة وتذكيراً : ومنها أن يكون شاهد على ما أخبر به من توحيده وصدق رسوله وإحياء الموتى . ومنها أن يذكر في معرض الامتنان . ومنها أن يذكر في معرض اللوم والتوبيخ . ومنها أن يذكر في معرض المدح والذم . ومنها أن يذكر في معرض الإخبار عن اطلاع الرب عليه ، وغير ذلك من الفوائد .
فائدة في قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً 
قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين [ يونس : 87 ] ، هو من أحسن النظم وأبدعه فإنه ثنى أولاً ، إذ كان موسى وهارون هما الرسولان المطاعان ويجب على بني إسرائيل طاعة كل واحد منهما سواء وإذا تبوء البيوت لقومهما فهم تبع لهما ثم جمع الضمير . فقال : وأقيموا الصلاة [ يونس : 87 ] ، لأن إقامتها فرض على الجميع ثم وحده في قوله : وبشر المؤمنين [ يونس : 87 ] ، إن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه رداً ووزيراً وكما كان الأصل في الرسالة فهو الأصل في البشارة وأيضاً فإن موسى وأخاه لما أرسلا برسالة واحدة كانا رسولاً واحداً كقوله تعالى : إني رسول رب العالمين [ الزخرف : 46 ] ، فهذا الرسول ، هو الذي قيل له : وبشر المؤمنين [ يونس : 87 ] .
فائدة في قول الفقهاء عدم المانع شرط في ثبوت الحكم واعتراض القرافي عليهم والجواب عن اعتراضه 
الفقهاء يقولون : عدم المانع شرط في ثبوت الحكم ، لأن الحكم يتوقف عليه ولا يلزم من تحقق عدم المانع ثبوت الحكم ، وهذا حقيقة الشرط واعترض على هذا الشهاب القرافي وزعم أنه غير صحيح بأن قال : المشكوك فيه ملغى في الشريعة فإذا شككنا في الشرط أو في السبب ، لم يترتب الحكم ، وإذا شككنا في المانع رتبنا الحكم ، كما إذا شككنا في ردة زيد قبل وفاته أو في طلاقه لامرأته لم يمنع ذلك ترتب الميراث ، ثم قال : فلو كان عدم المانع شرطاً لاجتمع النقيضان ، فيما إذا شككنا في طريان المانع لأن الشك في أحد النقيضين يوجب الشك في النقيض الآخر ، فإذا شككنا في وجود المانع شككنا في عدمه ضرورة فلو كان عدمه شرطاً ، لكنا قد شككنا في الشرط . والشك في الشرط يمنع ترتب الحكم والشك في المانع لا يمنع ترتب الحكم فيجتمع النقيضان . قلت : وهذا الاعتراض في غاية الفساد ، فان الشك في عدم المانع ، إنما لم يؤثر إذا كان عدمه مستصحباً بالأصل ، فكون الشك في وجوده ملغى بالأصل فلا يؤثر الشك ولا فرق بينه وبين الشرط في ذلك ، فلو شككنا في إسلام الكافر وعتق العبد عند الموت لم نورث قريبه المسلم منه ، إذ الأصل بقاء الكفر والرق ، وقد شككنا في ثبوت شرط التوريث . وهكذا إذا شككنا في الردة أو الطلاق لم يمنع الميراث لأن الأصل عدمهما ولا يمنع كون عدمهما شرطاً ترتب الحكم مع الشك فيه ، لأنه مستند إلى الأصل كما لم يمنع الشك في إسلام الميت الذي هو شرط التوريث منه ، لأن بقاءه مستند إلى الأصل فلا يمنع الشك فيه من ترتب الحكم . فالضابط أن الشك في بقاء الوصف على أصله أو خروجه عنه ، لا يؤثر في الحكم استناداً إلى الأصل سواء كان شرطاً أو عدم مانع ، فكما لا يمنع الشك في بقاء الشرط من ترتب الحكم . فكذلك لا يمنع الشك استمرار عدم المانع من ترتب الحكم ، فإذا شككنا . هل وجد مانع الحكم أم لا ؟ لم يمنع من ترتب الحكم ولا من كون عدمه شرطاً ، لأن استمراره على النفي الأصلي يجعله بمنزلة العدم المحقق في الشرع ، وإن أمكن بطلانه ، كما أن استمرار الشرط على ثبوته الأصلي يجعله بمنزلة الثابت المحقق شرعاً وإن أمكن خلافه فعلم أن إطلاق الفقهاء صحيح . واعتراض هذا المعترض فاسد ، ومما يبين لك الأمر اتفاق الناس على أن الشرط ينقسم إلى وجودي وعدمي . بمعنى أن وجود كذا شرط في الحكم وعدم كذا شرط فيه . وهذا متفق عليه بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وسائر الطوائف . وما كان عدمه شرطاً فوجوده مانع ، كما أن ما وجوده شرط فعدمه مانع . فعدم الشرط مانع من موانع الحكم وعدم المانع شرط من شروطه وبالله التوفيق .
فائدة : الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها : الآلة ، والأسباب ، والبينات وتفصيل ذلك 
الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها . معرفة الأدلة ، والأسباب ، والبينات ، فالأدلة تعرفه الحكم الشرعي الكلي . والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أو انتفاءه عنه . والبينات تعرفه طريق الحكم عند التنازع ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم ، وجميع خطأ الحكام مداره على الخطأ فيها أو في بعضها . مثال ذلك إذا تنازع عنده اثنان في رد سلعة مشتراة بعيب ، فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي يسلط المشتري على الرد ، وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصراة وغيره ، وعلى العلم بالسبب المثبت بحكم الشارع في هذا البيع المعين وهو كون هذا الوصف عيباً يسلط على الرد أم ليس بعيب . وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع ، بل على الحس أو العادة والعرف أو الخبر ونحو ذلك . وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين وهي كل ما تبين له صدق أحدهما يقيناً أو ظناً من إقرار أو شهادة أربعة عدول أو ثلاثة في دعوى الإعسار بتلف ماله على أصح القولين ، أو شاهدين أو رجل وامرأتين ، أو شاهد ويمين أو شهادة رجل واحد . وهو الذي يسميه بعضهم الأخبار ويفرق بينه وبين الشهادة مجرد اللفظ ، أو شهادة امرأة واحدة كالقابلة والمرضعة أو شهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره . أو شهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا ، أو شهادة الأربع من النسوة أو المرأتين أو القرائن الظاهرة عند الجمهور كمالك و أحمد و أبي حنيفة كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما وكتب العلم ونحو ذلك . وكتنازغ النجار والخياط في القدوم والجلم والأبرة والذراع ، وكتنازع الوراق والحداد في الدواة والمسطرة والقلم والمطرقة والكلبتين والسندان ونحو ذلك مما يقضي فيه أكثر أهل العلم لكل واحد من المتنازعين بآلة صنعته بمجرد دعواه ، و الشافعي يقسم الخف بين الرجل والمرأة ويقسم الكتاب الذي يقرأ فيه بينهما وكذلك طيلسانه وعمامته . أو الشاهد واليمين أو اليمين المردودة أو النكول المجرد . أو القسامة أو التعان الزوج ونكول الزوجة أو شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر أو شهادة بعضهم على بعض أو الوصف للقطة أو شهادة الدار أو الحبل في ثبوت زنا التي لا زوج لها أو رائحة المسكر أو قيئه أو وجود المسروق عند من ادعى عليه سرقته على أصح القولين أو وجود الآجر ومعاقد القمط وعقد الأزج عند من يقول بها . فهذه كلها داخلة في اسم البينة ، فإنها اسم لما يبين الحق ويوضحه . 
وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه حيث حكى عن شاهد يوسف اعتباره قد القميص . وحكى عن يعقوب وبنيه أخذهم البضائع التي باعوا بها بمجرد وجودهم لها في رحالهم اعتماداً على القرائن الظاهرة ، بأنها وهبت لهم ممن ملك التصرف فيها . وهم لم يشاهدوا ذلك ولا علموا به ، ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة . وكذلك سليمان بن داود عليهما السلام حكم للمرأة بالولد بقرينة رحمتها له لما قال : ايتوني بالسكين أشقه بينهما . فقالت الصغرى : لا تفعل هو ابنها فقض به لها . وهذا من أحسن القرائن وألطفها . وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعذيب أحد ابني الحقيق اليهودي ليدله على كنزل حيي بن أخطب وقد ادعى ذهابه فقال : هو أكثر من ذلك والعهد قريب فاستدل بهذه القرينة الظاهرة على كذبه في دعواه . فأمر الزبير أن يعذبه حتى يقر به ، فإذا عذب الوالي المتهم إذا ظهر له كذبه ليقر بالسرقة لم يخرج عن الشريعة . إذا ظهرت له ريبة ، بل ضربه له في هذه الحال من الشرع . وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمة وقد عزم علي والزبير على تجريد المرأة التي معها الكتاب ، وتفتيشها لما تيقنا أن الكتاب معها . فإذا غلب على ظن الحاكم أن المال المسروق أو غيره ، في بيت المدعى عليه أو معه فأمر بتفتيشه حتى يظهر المال لم يكن بذلك خارجاً عن الشرع . وقد قال النعمان : بين بشير للمدعي على قوم بسرقة مال لهم إن شئتم أن أضربهم ، فإن ظهر متاعكم عندهم وإلا أخذت من ظهوركم مثله يعني مثل ضربهم . فقالوا : هذا حكمك . قال : بل هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد . والرجوع إلى القرائن في الأحكام متفق عليه بين الفقهاء ، بل بين المسلمين كلهم . وقد اعتمد الصحابة على القرائن في الحدود فرجموا بالحبل وجلدوا في الخمر بالقيء والرائحة ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستنكاه المقر بالزنا وهو اعتماد على الرائحة . والأمة مجمعة على جواز وطء الزوج للمرأة التي تهديها إليه النساء ليلة العرس ورجوعه إلى دلالة الحال ، إنها هي التي وقع عليها العقد وإن لم يرها ولم يشهد بتعيينها رجلان . ومجمعة على جواز أكل الهدية ، وإن كانت من فاسق ، أو كانت صبي ومن نازع في ذلك لم يمكنه العمل بخلافه وإن قاله بلسانه . ومجمعة على جواز شراء ما بيد الرجل اعتماداً على قرينة كونه في يده ، وإن جاز أن يكون مغصوباً . وكذلك يجوز انفاق النقد إذا أخبر بأنه صحيح رجل واحد ولو كان ذمياً ، فالعمل بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعرف .
بيان الفرق بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم 
الفرق بين دليل مشروعية الحكم ، وبين دليل وقوع الحكم . فالأول متوقف على الشارع . والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو الزيادة . فالأول : الكتاب والسنة ليس إلا ، وكل دليل سواهما يستنبط منهما . والثاني : مثل العلم بسبب الحكم وشروطه وموانعه فدليل مشروعيته يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث . ودليل وقوعه يرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأسباب والشروط والموانع . 
ومن أمثلة ذلك ، بيع المغيب في الأرض من السلجم والجزر والقلقاس وغيره ، فدليل المشروعية أو منعها موقوف على الشارع لا يعلم إلا من جهته . ودليل سبب الحكم أو شروطه أو مانعه يرجع فيه إلى أصله . فإذا قال : المانع من الصحة هذا غرر لأنه مستور تحت الأرض . قيل : كون هذا غرراً أو ليس بغرر يرجع إلى الواقع لا يتوقف على الشرع فإنه من الأمور العادية المعلومة بالحس أو العادة مثل كونه صحيحاً أو سقيماً وكباراً أو صغاراً ونحو ذلك ، فلا يستدل على وقوع أسباب الحكم بالأدلة الشرعية ، كما لا يستدل على شرعيته بالأدلة الحسية . فكون الشيء متردداً بين السلامة والعطب ، وكونه مما يجهل عاقبته وتطوى مغبته أو ليس كذلك يعلم بالحس أو العادة لا يتوقف على الشرع . ومن استدل على ذلك بالشرع ، فهو كمن استدل على أن هذا الشراب مسكر بالشرع وهذا ممتنع بل دليل إسكاره الحس ودليل تحريمه الشرع . 
فتأمل هذه الفائدة ونفعها ولهذه القاعدة عبارة أخرى وهي أن دليل سببية الوصف غير دليل إجوته فيستدل على سببيته بالشرع ، وعلى ثبوته بالحس أو العقل أو العادة . فهدا شيء وذلك شيء .
الفرق بين الأمر المطلق ومطلق الأمر 
الأمر المطلق والجرح والمطلق والعلم المطلق والترتيب المطلق والبيع المطلق والماء المطلق والملك المطلق غير مطلق الأمر والجرح والعلم إلى آخرها والفرق بينهما من وجوه : 
أحدها : أن الأمر المطلق لا ينقسم إلى أمر الندب وغيره ، فلا يكون مورداً للتقسيم . ومطلق الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر ندب فمطلق الأمر ينقسم والأمر المطلق غير منقسم . 
الثاني : أن الأمر المطلق فرد من أفراد مطلق الأمر ولا ينعكس . 
الثالث : إن نفي مطلق الأمر يستلزم نفي الأمر المطلق دون العكس . 
الرابع : إن ثبوت مطلق الأمر لا يستلزم ثبوت الأمر المطلق ، دون العكس . 
الخامس : إن الأمر المطلق نوع لمطلق الأمر ومطلق الأمر جنس للأمر المطلق . 
السادس : إن الأمر المطلق مقيد بالإطلاق لفظاً مجرد عن التقييد معنى ، ومطلق الأمر مجرد عن التقييد لفظاً مستعمل في المقيد وغيره معنى . 
السابع : إن الأمر المطلق لا يصلح للمقيد . ومطلق الأمر يصلح للمطلق والمقيد . 
الثامن : أن الأمر المطلق هو المقيد بقيد الإطلاق فهو متضمن للإطلاق والتقييد . ومطلق الأمر غير مقيد وإن كان بعض أفراده مقيداً . 
التاسع : إن من بعض أمثلة هذه القاعدة الإيمان المطلق . ومطلق الإيمان ، فالإيمان المطلق لا يطلق إلا على الكامل الكمال المأمور به ، ومطلق الإيمان يطلق على الناقص والكامل ، ولهذا نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان المطلق عن الزاني وشارب الخمر والسارق ولم ينف عنه مطلق الإيمان لئلا يدخل في قوله : والله ولي المؤمنين [ آل عمران : 68 ] ، ولا في قوله : قد أفلح المؤمنون [ المؤمنون : 1 ] ، ولا في قوله : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [ الأنفال : 2 ] ، إلى آخر الأيات ويدخل في قوله : فتحرير رقبة مؤمنة [ النساء : 92 ] ، وفي قوله : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [ الحجرات : 9 ] ، وفي قوله : لا يقتل مؤمن بكافر وأمثال ذلك . فلهذا كان قوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [ الحجرات : 14 ] ، نفياً للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه . منها أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا : أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك . ومنها أنه قال : قالت الأعراب [ الحجرات : 14 ] ، ولم يقل قال المنافقون ومنها أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاء لا نفاقاً وكفراً . ومنها أنه قال : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [ الحجرات : 14 ] ، ولم ينف دخول الإسلام في قلوبهم ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام ، كما نفى الإيمان . ومنها أن الله تعالى قال : وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً أي لا ينقصكم والمنافق لا طاعة له . ومنها أنه قال : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم [ الحجرات : 17 ] ، فأثبت لهم إسلاماً ونهاهم أن يمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إسلاماً صحيحاً لقال لم تسلموا ، بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم : نشهد إنك لرسول الله [ المنافقون : 1 ] ، لما لم تطابق شهادتهم اعتقادهم . ومنها أنه قال : بل الله يمن عليكم [ الحجرات : 17 ] ، ولو كانوا منافقين لما من عليهم . ومنها أنه قال : أن هداكم للإيمان [ الحجرات : 17 ] ، ولا ينافي هذا قوله : قل لم تؤمنوا [ الحجرات : 14 ] ، فإنه نفى الإيمان المطلق ، ومن عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان . ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم القسم . قال له سعد: أعطيت فلاناً وتركت فلاناً وهو مؤمن ، فقال : أو مسلم ثلاث مرات وأثبت له الإسلام دون الإيمان . وفي الآية أسرار بديعة ليس هذا موضعها . والمقصود الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان . فالإيمان المطلق يمنع دخول النار ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها . 
العاشر : إنك إذا قلت : الأمر المطلق ، وقد أدخلت اللام على الأمر وهي تفيد العموم والشمول ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة أو غيرهما ، فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها . وأما مطلق الأمر فالإضافة فيه ليست للعموم ، بل للتمييز فهو قدر مشترك مطلق لا عام فيصدق بفرد من أفراده وعلى هذا ، فمطلق البيع جانز والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره ، والأمر المطلق للوجرب . ومطلق الأمر ينقسم إلى الواجب والمندوب . والماء المطلق طهور ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره . والملك المطلق هو الذي يثبت للحر ومطلق الملك يثبت للعبد . فإذا قيل : العبد هل يملك أم لا يملك . كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق . وإذا قيل : الفاسق مؤمن أو غير مؤمن ، فهو على هذا التفصيل والله تعالى أعلم . فبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب . هل هو مأمور به أم لا ؟ وفي مسألة الفاسق الملي . هل هو مؤمن أم لا ؟
فائدة : نص الشافعي على أن البيع لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول وخرج ابن شريح عنه أنه بالمعاطاة واختلف في تخريجه 
نص الشافعي على أن البيع لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول ، وخرج ابن شريح له قولاً : إنه ينعقد بالمعاطاة . واختلف أصحابه . من أين خرجه ؟ فقال بعضهم : خرجه من قوله في الهدي إذا عطب قبل المحل ، فإن المهدي ينحره ويغمس نعله في دمه ويخلي بينه وبين المساكين ، ولا يحتاج إلى لفظ ، بل القرينة كافية . واعترض على هذا التخريج بأن ذلك من باب الإباحات وهي مبنية على المسامحات يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها ، كتقديم الطعام للضيف والبيع من باب المعاوضات التي تعقد على المسامحة ويطلب الشارع قطع النزاع والخصومة بكل طريق . وقال بعضهم : هو مخرج عن مسألة الغسال والطباخ ونحوهما ، فإنه يستحق الأجرة مع أنه لم يسم شيئاً . واعترض على ذلك بأنه لا نص للشافعي فيها إلا عدم الاستحقاق ، وإنما قال بعض أصحابه : يستحق الأجرة . وقال بعضهم : هو مخرج من مسألة الخلع إذا قال لها : أنت طالق إن أعطيتني ألفاً فوضعتها بين يديه فإنها تطلق ويملك الألف مع أنه لم يصدر منها لفظ يدل على التمليك . وحكي أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يرجح التخريج من ههنا . واعترض عليه بأن في الخلع شائبة التعلق والمعاوضة ، وأما البيع فمعاوضة محضه ، ولهذا يصح الخلع بالمجهول دون البيع .
ما علق جواز البدل فيه على فقد المبدل فإذا فقدا معاً فهل يجب عليه تحصيل المبدل أو يتخير بينه وبين البدل 
ما علق جواز البدل فيه على فقد المبدل ، فإذا فقدا معاً . فهل يجب عليه تحصيل المبدل أو يتخير بينه وبين البدل ؟ فيه خلاف وعليه إذا وجب عليه بنت مخاض فعدمها فابن لبون فإن عدمه فقولان : أحدهما : متخير بينهما في الشراء . والثاني : أنه يتعين شراء الأصل . ومنها أنه لو ملك مائتين من الإبل وقلنا يخرج أربع حقاق فعدمها ، فهل يجوز أن يشتري خمس بنات لبون فيه خلاف ؟
ثلاثة من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصاراً ومهاجرين وبيان أسمائهم 
ثلاثة من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصاراً مهاجرين . ذكرهم ابن إسحاق في سيرته . أحدهم : ذكوان بن عبد قيس من بني الخزرج . قال ابن إسحاق : كان خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معه بمكة ، ثم هاجر منها إلى المدينة وكان يقال له : مهاجري أنصاري شهد بدراً وقتل بأحد شهيداً . والعباس بن عبادة بن نضلة من بني الخزرج أيضاً . قال ابن إسحاق : كان فيمن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، فأقام معه بها قتل يوم أحد شهيداً . وعقبة بن وهب خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً من المدينة إلى مكة . وكان يقال له مهاجري أنصاري حليف لبني الخزرج .
مذاهب العلماء فيما إذا قال الحاكم المولي كنت حكمت بكذا 
إذا قال الحاكم المولى : كنت حكمت بكذا قبل قوله عند أحمد و الشافعي والجمهور وعند مالك لا يقبل قوله . قال الجمهور : هو يملك للإنشاء فيملك الإقرار كولي المجبرة ، إذا قال زوجتها من فلان قبل قوله اتفاقاً . قال أصحاب مالك : الفرق بينهما أن ولي المجبرة غير متهم بخلعها لكمال شفقته وكمال رعايته لمصالح ابنته ، بخلاف الحاكم . قال أصحاب القول : وكذلك نحن ، إنما نقبل قول الحاكم : حكمت حيث تنتفي التهمة ، فأما إذا كان تهمة لم يقبل . قال أصحاب مالك : هذا نفسه في مظنة التهمة ، فوجب رده كما يرد حكمه لنفسه ، وحكمه بعلمه فمظنة التهمة كافية . وأما الأب فهو في مظنة كمال الشفقة ورعاية مصلحة ابنته فافترقا . وهذا فقه ظاهر ومأخذ حسن والإنصاف أولى من غيره .
فائدة فيما إذا حلف على شيء بالطلاق الثلاث أن لا يفعله ثم خالع ولم يفعله ثم تزوجها 
إذا حلف على شيء بالطلاق الثلاث أنه لا يفعله ، ثم خالع ولم يفعله ، ثم تزوجها فقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : الصحيح أنه لا يعود الحنث ، فذكر له اختيار الشيخ أبي إسحاق في كتاب الطلاق . فقال : ذلك غلط . قال : ومأخذنا في هذه المسألة أنه لو عاد الحنث في النكاح الثاني تملك بالعقد الواحد أكثر من ثلاث تطليقات . بيانه أن النكاح يملك به ثلاثاً والتنجيز كالتعليق ، فإنه يملك بالعقد الطلاق المنجز والمعلق ولا يزيد ذلك على ثلاث . فلو عاد الحنث لملك ثلاثاً بالعقد لو نجزها لوقعت وملك المعلق بتقدير عود الحنث وهو محال .
فائدة في عدة المتوفى عنها زوجها 
ربما يظن بعض الناس أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال ، فإذا طلع فجر الليلة العاشرة انقضت العدة . ووقع في التنبيه وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال . ويقوي هذا الوهم حذف التاء من العشر ، وإنما يحذف مع المؤنث نحو سبع ليال وثمانية أيام . وجواب هذا ، أن المعدود إذا ذكر مع عدده . فالأمر كما ذكر تحذف التاء مع المؤنث وتثبت مع المذكر . وإذا ذكر العدد دون معدوده المذكر جاز فيه الوجهان ، حذف التاء وذكرها حكاه الفراء وابن السكيت وغيرهما ، وعلى هذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان وأتبعه بست من شوال ولم يقل بستة . وقوله تعالى : يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً [ طه : 103 ] ، فهذه أيام بدليل ما بعدها وعلى هذا فلا تنقضي العدة حتى تغيب شمس اليوم العاشر وما وقع في التنبيه فغلظ والله سبحانه وتعالى أعلم . ووقع له هذا في باب العدد وباب الاستبراء .
فائدة في تفسير المرضع والمرضعة 
المرضع من لها ولد ترضعه والمرضعة من القمت الثدي للرضيع وعلى هذا ، فقوله تعالى : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت [ الحج : 2 ] ، أبلغ من مرضع في هذا المقام . فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة ، فإذا التقم الثدي وإشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع . وتأمل رحمك الله تعالى السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله ذات حمل ، فإن الحامل قد تطلق على المهيئة للحمل ، وعلى من هي في أول حملها ومباديه ، فإذا قيل : ذات حمل لم يكن إلا لمن ظهر حملها وصلح للوضع كاملاً أو سقطاً . كما يقال : ذات ولد فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها . وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع . والله سبحانه وتعالى أعلم .
فائدة في معنى قول المطلق الرجعي راجعت زوجتي إلى نكاحي 
قال الشيخ تاج الدين : سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن معنى قول الفقهاء للمطلق الطلاق الرجعي . قل : راجعت زوجتي إلى نكاحي ما معنا ؟ وهي لم تخرج من النكاح ، فإنها زوجة في جميع الأحكام فقلت له : معناه أنها رجعت إلى النكاح الكامل الذي لم تكن فيه صائرة إلى بينونة بانقضاء زمان . وبالطلاق صارت إلى بينونة بانقضاء العدة فقال : أحسنت .
القاضي والمفتي يجب عليهما إظهار الحكم ويتميز الحاكم بالإلزام 
القاضي والمفتي مشتركان في أن كلاً منهما يجب عليه إظهار حكم الشرع في الواقعة . ويتميز الحاكم بالإلزام به إمضائه . فشروط الحاكم ترجع إلى شروط الشاهد والمفتي والوالي ، فهو مخبر عن حكم الشارع بعلمه مقبول بعدالته منفذ بقدرته .
هل يستمر الحجر على الصبي بمجرد الفسق والسفه في الدين أم لا 
كان الشيخ عز الدين يتشكل مذهب الشافعي في أن حجر الصبي يستمر بمجرد الفسق والسفه في الدين . وقال : قد اتفق الناس على أن المجهول يسمع الحاكم دعواه . والدعوى عليه . فالغالب في الناس وجوداً عدم الرشد في الدين ، فلو كان الصلاح في الدين شرطاً في كل الحجر لزم أن لا يسمع دعوى المجهول ولا إقراره ، وذلك خلاف الإجماع المستمر عليه العمل .
اختلاف العلماء هل السماء أشرف من الأرض أو بالعكس 
اختلف الناس هل السماء أشرف من الأرض ؟ أم الأرض أشرف من السماء ؟ فالأكثرون على الأول . واحتج من فضل الأرض بأن الله أنشأ منها أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين ، وبأنها مساكنهم ومحلهم أحياء وأمواتاً . وبأن الله سبحانه وتعالى لما أراد إظهار فضل آدم للملائكة قال : إني جاعل في الأرض خليفة [ البقرة : 30 ] ، فأظهر فضله عليهم بعلمه واستخلافه في الأرض ، وبأن الله سبحانه وتعالى وضعها بأن جعلها محل بركاته عموماً وخصوصاً . فقال : وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر [ فصلت : 10 ] ، ووصف الشام بالبركة في ست آيات ، ووصف بعضها بأنها مقدسة ، ففيها الأرض المباركة والمقدسة والوادي المقدس ، وفيها بيته الحرام ومشاعر الحج والمساجد التي هي بيوته سبحانه والطور الذي كلم عليه كليمه ونجيه . 
وبأقسامه سبحانه بالأرض عموماً . وخصوصاً أكثر من أقسامه بالسماء فإنه أقسم بالطور والبلد الأمين والتين والزيتون . ولما أقسم بالسماء أقسم بالأرض معها وبأنه سبحانه خلقها قبل خلق السماء . كما دلت عليه سورة حم السجدة وبأنها مهبط وحيه ومستقر كتبه ورسله ومحل أحب الأعمال إليه وهو الجهاد والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومغايظة أعدائه ونصر أوليائه . وليس في السماء من ذلك شيء . وبأن ساكنيها من الرسل والأنبياء والمتقين أفضل من سكان السماء من الملائكة ، كما هو مذهب أهل السنة . فمسكنهم أشرف من مسكن الملائكة وبأن ما أودع فيها من المنافع والأنهار والثمار والمعارف والأقوات والحيوان والنبات ما هو من بركاتهم لم يودع في السماء . مثله وبأن الله سبحانه قال : وفي الأرض آيات للموقنين [ الذاريات : 22 ] ، ثم قال : وفي السماء رزقكم وما توعدون [ الذاريات : 22 ] ، فجعل الأرض محل آياته ، والسماء محل رزقه ولو لم يكن له فيها إلا بيته وبيته خاتم أنبيائه ورسله حياً وميتاً وبأن الأرض جعلها الله قراراً وبساطاً ومهاداً وفراشاً وكفاتاً ومادة للساكن لملابسه وطعامه وشرابه ومراكبه وجميع آلاته ، ولا سيما إذا أخرجت بركتها وأزينت وأنبتت من كل زوج بهيج . 
قال المفضلون للسماء : يكفي في فضلها أن رب العالمين سبحانه فيها وإن عرشه وكرسيه فيها وإن الرفيق الأعلى الذي أنعم الله عليه فيها وإن دار كرامته فيها وإنها مستقر أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يوم الحشر وإنها مطهرة مبرأة من كل شر خبث ودنس ، يكون في الأرض ، ولهذا لا تفتح أبوابها للأرواح الخبيثة ولا يلج ملكوتها ، ولأنها مسكن من لا يعصون الله طرفة عين ، فليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد أو قائم ، وبأنها أشرف مادة من الأرض وأوسع وأنور وأصفى وأحسن خلقة وأعظم آيات . وبأن الأرض محتاجة في كمالها إليها ولا تحتاج هي إلى الأرض . ولهذا جاءت في كتاب الله في غالب المواضع مقدمة على الأرض وجمعت وأفردت الأرض فبشرفها وفضلها أتى بها مجموعة . وأما الأرض فلم يأت بها إلا مفردة وحيث أريد تعدادها قال : وفي الأرض مثلهن . وهذا القول هو الصواب والله سبحانه وتعالى أعلم .
فائدة : فرق النكاح عشرون فرقة وبيانها 
فرق النكاح عشرون فرقة : الأولى : فرقة الطلاق ، الثانية : الفسخ للعسرة بالمهر ، الثالثة : الفسخ للعسر عن النفقة ، الرابعة : فرقة الإيلاء ، الخامسة ، فرقة الخلع ، السادسة : تفريق الحكمين ، السابعة : فرقة العنين ، الثامنة : فرقة اللعان ، التاسعة : فرقة العتق تحت العبد ، العاشرة : فرقة الغرور ، الحادية عشر : فرقة العيوب ، الثانية عشرة : فرقة الرضاع ، الثانية عشر : فرقة وطء الشبهة حيث تحرم الزوجة ، الرابعة عشر : فرقة إسلام أحد الزوجين ، الخامسة عشر : فرقة ارتداد أحدهما ، السادسة عشر : فرقة إسلام الزوج وعنده أختان أو أكثر من أربع أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها . السابعة عشر : فرقة السبا ، الثامنة عشر : فرقة ملك أحد الزوجين صاحبه . التاسعة عشر: فرقة الجهل بسبق أحد النكاحين ، العشرون : فرقة الموت . فهذه الفروق منها إلى المرأة وحدها فرقة الحرية والغرور والعيب . ومنها إلى الزوج وحده الطلاق والغرور والعيب أيضاً ، ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو فرقة العنين والحكمين والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونكاح الوليين . ومنها ما لا يتوقف على أحد الزوجين ولا الحاكم ، وهو اللعان والردة والوطء بالشبهة وإسلام أحدهما ، وملك أحد الزوجين صاحبه والرضاع . وهذه الفرق منها ما لا يتلافى إلا بعد زوج وإصابة وهو استيفاء الثلاث . ومنها ما لا يتلافى أبداً وهو فرقة اللعان والرضاع والوطء بشبهة ، ومنها ما لا يتلافى في العدة ، خاصة وهي فرقة الردة وإسلام أحد الزوجين والطلاق الرجعي . ومنها ما يتلافى بعقد . جديد وهي فرقة الخلع والإعسار بالمهر والنفقة وفرقة الإيلاء والعيوب والغرور وكلها فسخ ، إلا الطلاق وفرقة الإيلاء والفرقة بالحكمين .
فائدة : في المراد بلفظ الشك عند الفقهاء 
حيث أطلق الفقهاء لفظ الشك ، فمرادهم به التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء تساوى الاحتمالان أو رجح أحدهما . كقوله : إذا شك في نجاسة الماء أو طارته أو انتقاض الطهارة أو حصولها أو فعل ركن في الصلاة أو شك . هل طلق واحدة أو أكثر ؟ أو شك هل غربت الشمس أم لا ؟ ونحو ذلك بني على اليقين ويدل على صحة قوله صلى الله عليه وسلم : وليطرح الشك وليبن على ما استيقن ، وقال ، أهل اللغة : الشك خلاف اليقين ، وهذا ينتقض بصور . منها أن الإمام متى تردد في عدد الركعات بنى على الأغلب من الاحتمالين . ومنها أنه إذا شك في الأولى بنى على الأغلب في ظنه عندما يجوز له التحري . ومنها أنه إذا شك في القبلة بنى على غالب ظنه في الجهات . ومنها أنه إذا شك في دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلي إذا غلب على ظنه دخول الوقت . ومنها أنه إذا غلب على ظنه عدالة الراوي والشاهد عمل بها ولم يقف على اليقين . ومنها إذا شك في المال . هل هو نصاب أم لا ؟ وغلب على ظنة أنه نصاب فإنه يزكيه كما لو أخبره خارص واحد بأنه نصاب . ومنها لو وجد في بيته طعاماً وغلب على ظنه أنه أهدى له ، جاز له الأكل وإن لم يتيقن كما لو أخبره به ولده أو امرأته . ومنها أنه لو شك في مال زيد . هل هو حلال أو حرام ؟ 
وغلب على ظنه أنه حرام ، فإنه لا يجوز له الأكل منه . ونظائر ذلك كثيرة جداً ، فما ذكر من القاعدة ليس بمطرد .
إذا تزاحم حقان في محل أحدهما متعلق بذمة من هو عليه والآخر متعلق بعين من هي له قدم المتعلق بالعين الخ 
إذا تزاحم حقان في محل أحدهما متعلق بذمة من هو عليه ، والآخر متعلق بعين من هي له قدم الحق المتعلق بالعين على الآخر . لأنه يفوت بفواتها بخلاف الحق الآخر . وعلى ذلك مسائل أحدها : إذا جنى العبد المرهون قدم المجني عليه بموجب جنايته على المرتهن لاختصاص حقه بالعين ، بخلاف المرتهن . 
الثانية : إذا جنى عبد المدين فدم المجني عليه على الغرماء كذلك . 
الثالثة : إذا تشاح البائع والمشتري في المبتدي بالتسليم فإن كانا عينين جعل بينهما عدل ، وإن كان الثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع أولاً لتعلق حقه بعين المبيع بخلاف المشتري ، فإن حقه متعلق بذمة البائع .
الفرق بين ما ثبت ضمناً وبين ما ثبت أصالة وما يترتب على ذلك من المسائل 
فرق بين ما ثبت ضمناً وبين ما ثبت أصالة بأنه يغتفر في الثبوت الضمني ما لا يغتفر في الأصل وعلى ذلك مسائل . منها لو أقر المريض بمال لوارث لم يقبل إقراره ، ولو أقر بوارث قبل إقراره واستحق ذلك المال وغيره . ومنها لو اشترى منه سلعة فخرجت مستحقة رجع عليه بدرك المبيع وقد تضمن شراؤه منه إقراره له بالملك وقد أقر له ، بالملك صريحاً ، ثم اشتراها فخرجت مستحقة لا يرجع عليه بالدرك . ومنها لو قال الكافر لمسلم اعتق عبدك المسلم عني وعلي ثمنه ، فإنه يصح في أحد الوجهين ونظيره ، إذا اعتق الكافر الموسر شركاً له في عبد مسلم عتق عليه جميعه في أحد الوجهين . ولو قال للمسلم بعني عبدك المسلم حتى أعتقه لم يصح بيعه .
قاعدة : ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه وما لا تبيحه فلا وعليه مسائل 
ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه حال الاشتباه ، وما لا تبيحه الضرورة فلا . على هذه مسائل : 
أحدها : إذا اشتبهت أخته بأجنبية لم يجز له الاجتهاد في أحدهما . 
الثانية : طلق إحدى امرأتيه واشتبهت عليه ، لم يجز له أن يجتهد في إحداهما . 
الثالثة : اشتبه عليه الطاهر بالنجس لم يجب عليه أن يتحرى في أحدهما ، وهذا بخلاف ما لو اشتبهت ميتة بمذكاة أو طاهر بنجس للشرب عند الضرورة ، أو اشتبهت جهة القبلة فإنه يتحرى في ذلك كله ، لأن الضرورة تبيحه وتبيح ترك القبلة في حال المسايفة وغيرها .
قاعدة : ما بطل حكمه من الإبدال بحصول مبدله لم يبق متعبداً به وما يبطله حكمه لم يبطل وجود المبدل بعد الشروع فيه وعلى هذا مسائل 
ما بطل حكمه من الإبدال بحصول مبدله لم يبق متعبداً به بحال ، فإن وجود المبدل بعد الشروع فيه ، كوجوده قبل الشروع فيه . وما لم يبطل حكمه رأساً ، بل بقي معتبراً في الجملة لم يبطله وجود المبدل بعد الشروع فيه . وعلى هذا مسائل : 
إحداها : المعتدة بالأشهر إذا صارت من ذوات القرء قبل انقضاء عدتها انتقلت إليها لبطلان اعتبار الأشهر حال الحيض . 
الثانية : المتيمم إذا قدر على الماء بعد التيمم سواء شرع في الصلاة أو لم يشرع فيها بطل تيممه . 
الثالثة : إذا شرع في صوم الكفارة ، ثم قدر على الإطعام أو العتق لم يلزمه الانتقال عنه إليهما ، لأن الصوم لم يبطل اعتباره بالقدرة على الطعام ، بل هو معتبر في كونه عبادة وقربة . وقد شرع فيه كذلك ولم يبطل تقربه وتعبده به . 
الرابعة : المتمتع إذا شرع في الصوم ، ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال لذلك . وفرق ثان أن الاعتبار في الكفارات بحال وجوبها على المكلف ، لأنه حال استقرار الواجب في ذمته فالواجب عليه أداؤها كما وجبت في ذمته ، ولهذا لو قدر على الطعام بعد الحنث وقبل الصوم لم يلزمه الانتقال إليه . كذلك بخلاف العدة والصلاة ، فإن الواجب عليه أداء الصلاة على أكمل الأحوال ، وإنما أبيح له ترك ذلك للضرورة وما أبيح بشرط الضرورة . فهو عدم عند عدمها ، وكذلك العدة سواء .
قاعدة : للمكلف أربعة أحوال بالنسبة إلى القدرة والعجز في الشيء المأمور به والآلات بمباشرتها من البدن 
المكلف بالنسبة إلى القدرة والعجز في الشيء المأمور به ، والآلات المأمور بمباشرتها من البدن له أربعة أحوال : 
إحداها : قدرته بهما ، فحكمه ظاهر كالصحيح القادر على الماء والحر القادر على الرقبة الكاملة . 
الثانية : عجزه عنهما كالمريض العادم للماء والرقيق العادم للرقبة فحكمه أيضاً ظاهر . 
الثالثة : قدرته ببدنه وعجزه عن المأمور به كالصحيح العادم للماء . والجر العاجز عن الرقبة في الكفارة فحكمه الانتقال إلى بدله إن كان له بدل يقدر عليه كالتيمم أو الصيام في الكفارة ونحو ذلك ، فإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه كالعريان العاجز عن ستر عورته في الصلاة فإنه يصلي ولا يعيد . 
الرابعة : عجزه ببدنه وقدرته على المأمور به أو بدله فهذا مورد الإشكال في هذه الأقسام وله صور إحداها المغصوب الذي لا يستمسك على الراحلة وله مال يقدر أن يحج به عنه . فالصحيح وجوب الحج عليه بماله لقدرته على المأمور به ، وإن عجز عن مباشرته هو بنفسه وهذا قول الأكثرين ونظيره القادر على الجهاد بماله العاجز ببدنه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء : وهما روايتان منصوصتان عن أحمد رحمه الله تعالى . 
الصورة الثالثة : الشيخ الكبير العاجز عن الصوم القادر على الإطعام فهذا يجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكيناً في أصح أقوال العلماء . 
الرابعة : المريض العاجز عن استعمال الماء ، فهذا حكمه حكم العادم وينتقل إلى بدله كالشيخ العاجز عن الصيام ينتقل إلى الإطعام . وضابط هذا أن المعجوز عنه في ذلك كله ، إن كان له بدل انتقل إلى بدله ، وإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه . فإذا تمهدت هذه القاعدة ففرق بين العجز ببعض البدن والعجز عن بعض الواجب فليسا سواء ، بل متى عجز ببعض البدن لم يسقط عنه حكم البعض الآخر ، وعلى هذا إذا كان بعض بدنه جريحاً وبعضه صحيحاً غسل الصحيح وتيمم للجريح على المذهب الصحيح كما دل عليه حديث الجريح . ونظيره إذا ملك المعتق بعض ما يتمكن به من عتق واجب لزمه الإعتاق . ونظيره ، إذا ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسل الباقي ، وأما إذا عجز عن بعض الواجب فهذا معترك الأشكال ، حيث يلزمه به مرة ولا يلزمه به مرة ويخرج الخلاف مرة ، فمن قدر على إمساك بعض اليوم دون اتمامه لم يلزمه اتفاقاً ، ومن قدر على بعض مناسك الحج . عجز عن بعضها لزم فعل ما يقدر عليه ويستناب عنه فيما عجز عنه ، ولو قدر على بعض رقبة وعجز عن كاملة لم يلزمه عتق البعض ، ولو قدر على بعض ما يكفيه لوضوئه أو غسله لزمه استعماله في الغسل وفي الوضوء وجهان : أحدهما : يلزمه . والثاني : له أن ينتقل إلى التيمم ولا يستعمل الماء . وضابط الباب أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به ، كإمساك بعض اليوم وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به ، كتطهير الجنب بعض أعضائه فإنه يشرغ كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوء تخفيفاً للجنابة . وعلى هذا جوز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه . وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر . يبقى أن يقال : فهذا ينتقض عليكم بالقدرة على عتق بعض العبد فإنه مشروع ، ومع هذا فلا يلزمونه به ، قيل : الفرق بينه وبين القدرة على بعض ماء الطهارة أن الله سبحانه وتعالى إنما نقل المكلف إلى البدل عند عدم ما يسمى ماء فقال تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا [ المائدة : 6 ] ، وبعض ماء الطهارة ماء فلا يتيمم مع وجوده . وأما في العتق فإن الله سبحانه وتعالى نقله إلى الإطعام والصيام عند عدم استطاعته اعتاق الرقبة فقال : فمن لم يستطع [ المجادلة : 4 ] ، ولا ريب أن المعنى فمن لم يستطع فتحرير رقبة ولا يحتمل الكلام غير هذا البتة . والقادر على بعض الرقبة غير مستطيع تحرير رقبة والله سبحانه وتعالى أعلم . فهذا ما ظهر لي في هذه القاعدة .
فائدة : من وجب عليه شيء وأمر بإنشائه وامنتع فهل يفعله الحاكم عنه أو يجبره عليه 
من وجب عليه شيء وأمر بإنشائه ، فامتنع . فهل يفعله الحاكم عنه أو يجبره عليه ؟ فيه خلاف مأخذه أن الحاكم نصب نائباً ووكيلاً من جهة الشارع لصاحب الحق حتى يستوفيه له أو مجبراً وملزماً لمن هو عليه حتى يؤديه . فإذا اجتمع الأمران في حكم فهل يغلب وصف الإلزام والإجبار أو وصف الوكالة والنيابة . هذا سر المسألة . 
وعلى هذا مسائل . 
إحداها : المولى إذا امتنع من الفيئة والطلاق . فهل يطلق الحاكم عليه أو يجبره على الطلاق ؟ فيه خلاف . 
الثانية : إذا امتنع من الإنفاق على رقيقه أو على بهيمته لإعساره ، كلف بيع البعض للإنفاق على الباقي ، فإذا امتنع . فهل يجبر عليه أو يبيع الحاكم عليه ؟ فيه خلاف أيضاً . 
الثالثة : إذا اشترى عبداً بشرط العتق وامتنع من عتقه . وقلنا : لا نجبر البائع بين الفسخ والإمضاء ، فهل يجبر على العتق أو يعتق الحاكم عليه ؟ فيه خلاف .
فائدة : الشافعي يبالغ في رد الاستحسان ، وقد قال به في مسائل 
الشافعي يبالغ في رد الاستحسان وقد قال به في مسائل : 
أحدها : إنه استحسن في المتعة في حق الغني أن يكون خادماً وفي حق الفقير مقنعة ، وفي حق المتوسط ثلاثين درهماً . 
الثانية : استحسن التحليف بالمصحف . 
الثالثة : أنه استحسن في خيار الشفعه أن تكون ثلاثة أيام . 
الرابعة : أنه نص في أحد أقواله . إنه يبدأ في النضال بمخرج السبق اتباعاً لعادة الرماة . قال أصحابه : هو استحسان .
فائدة في بعض أصول مالك و أبي حنيفة و أحمد رضي الله عنهم وهي على اختصارها جامعة فعليك بها 
من أصول مالك اتباع عمل أهل المدينة . وإن خائف الحديث . وسد الذرائع . وإبطال الحيل . ومراعاة المقصود . والنبات في العقود . واعتبار القرائن وشواهد الحال في الدعاوى والحكومات . والقول بالمصالح . والسياسة الشرعية ، ومن أصوث أبي حنيفة الاستحسان وتقديم القياس . وترك القول بالمفهوم ، ونسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر . والقول بالحيل . ومن أصول الشافعي مراءاة الألفاظ . والوقوف معها وتقديم الحديث على غيره . ومن أصول أحمد الأخذ بالحديث ما وجد إليه سبيلاً ، فإن ، تعذر فقول الصحابي ما لم يخالف فإن اختلف أخذ من أقوالهم بأقواها دليلاً وكثير ما يختلف قوله عند اختلاف أقوال الصحابة . فإن تعذر عليه ذلك كله ، أخذ بالقياس عند الضرورة ، وهذا ضريب من أصول الشافعي ، بل هما عليه متفقان .
فائدة في بيان شرط العمل بالظنيات 
شرط العمل بالظنيات الترجيح عند التعارض ، فإن وقع التساوي ففيه قولان : التخيير ، والتوقف ، فإن كان طريق العمل التقليد . 
فهل يشترط الترجيح في أعيان من يقلده ؟ فيه وجهان فإن كان طريق العمل اليقين فلا مدخل للترجيح هناك ، إذ الترجيح ، إنه يكون بين متعارضين ولا تعارض في اليقينيات . وهل تسمع المعارضة فيها ؟ فيه لأهل الجدل قولان : منهم من يسمعها . ومنهم من لا يسمعها والحق التفصيل أنها إن كانت معارضة في مقدمة قطعية لم تسمع بحال ، وإن كانت معارضة في غيرها سمعت .
فائدة في بيان الحقوق المالية الواجبة لله تعالى وبيان ما يسقط منها عند العجز وما لا يسقط 
الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام : 
أحدها : حقوق المال كالزكاة ، فهذا يثبت في الذمة بعد التمكن من أدائه ، فلو عجز عنه بعد ذلك لم يسقط ولا يثبت في الذمة . إذا عجز عنه وقت الوجوب وألحق بهذا زكاة الفطر . 
القسم الثاني : ما يجب بسبب الكفارة ككفارة الإيمان والظهار والوطء في رمضان . وكفارة القتل ، فإذا عجز عنها وقت انعقاد أسبابها ففي ثبوتها في ذمته إلى الميسرة أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشافعي و أحمد . 
القسم الثالث : ما فيه معنى ضمان المتلف كجزاء الصيد وألحق به فدية الحلق والطيب واللباس في الإحرام ، فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمته تغليباً لمعنى الغرامة ، وجزاء المتلف وهذا في الصيد ظاهر ، وأما في الطيب وبابه ، فليس كذلك لأنه ترفه لا اتلاف إذ الشعر والظفر ليسا بمتلفين ولم تجب الفدية في إزالتهما في مقابلة الاتلاف ، لأنها لو وجبت لكونها إتلافاً لتقيدت بالقيمة ولا قيمة لها ، وإنما هي من باب الترفه المحض كتغطية الرأس واللبس فأي إتلاف هاهنا وعلى هذا فالراجح من الأقوال أن الفدية في ذلك لا تجب مع النسيان والجهل . 
القسم الرابع : دم النسك كالمتعة والقران ، فهذه إذا عجز عنها وجب عنها بدلها من الصيام ، فإن عجز عنها ترتب في ذمته أحدهما . فمتى قدر عليه لزمه وهل الاعتبار بحال الوجوب ، أو بأغلظ الأحوال فيه خلاف . 
وأما حقوق الآدميين فإنها لا تسقط بالعجز عنها لكن إن كان عجزه بتفريط منه في أدائها طولب بها في الآخرة وأخذ لأصحابها في حسناته وإن كان عجزه بغير تفريط كمن احترق ماله ، أو غرق ، أو كان الاتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانه ، ففي إشغال ذمته به وأخذ أصحابها من حسناته نظر . ولم أقف على كلام شاف للناس في ذلك . والله تعالى أعلم .
فائدة : قولهم من ملك الإنشاء لعقد ملك الإقرار به ومن عجز عن إنشائه عجز عن الإقرار به غير مطرد ولا منعكس وبيان ذلك 
قولهم : من ملك الإنشاء لعقد ملك الإقرار به ومن عجز عن إنشائه عجز عن الإقرار به غير مطرد ولا منعكس . فأما اختلال طرده 
في مسائل : 
أحدها : ولي المرأة غير المجبرة يملك إنشاء العقد عليها دون الإقرار به . 
الثانية : الوكيل في الشراء إذا ادعى أنه اشترى ما وكل فيه ، وأنكره الموكل لم يقبل إقراره عليه مع ملكه لإنشائه . 
الثالثة : الوكيل بالبيع إذا أقر به وأنكر الموكل . فالقول قول الموكل . وأما اختلال عكسه ففيه مسائل . 
أحدها : أن العاقل لا يملك انشاء إرقاق نفسه ولو أقر به قبل ، فهذا عاجز عن الإنشاء قادر على الإقرار . 
الثانية : المرأة عاجزة عن إنشاء النكاح ولو أقرت به قبل إقرارها . 
الثالثة : لو أقر العبد المأذون بعد الحجر عليه بدين قبل إقراره ولم يملك الإنشاء . 
الرابعة : لو أقر المريض لأجنبي أنه كان وهبه في الصحة ما يزيد على الثلث قبل إقراره في أصح الروايتين ، ولم يملك الإنشاء . 
الخامسة : الحاكم إذا قال بعد العزل كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بكذا قبل قوله وحده وإن لم يملك الإنشاء . وكذلك لو قال القاضي : المعزول عن مال في يد أمين أقر أنه تسلمه منه هو لفلان . وقال الأمين : بل هو لفلان قبل قول القاضي دون الأمين . وهذه المسألة مما يعايا بها وهي رجلان في يد أحدهما مال وهو أمين عليه والآخر ليس المال في يده ولا له حكم ولا هو أمين عليه يقبل إقرار هذا الثاني في المال دون الأمين . 
من كان يعلم أن الموت مدركه والقبر مسكنه والبعث مخرجه 
وإنه بين جنات ستبهجه يوم القيامة أو نار ستنضجه 
فكل شيء سوى التقوى به سمج وما أقام عليه منه أسمجه 
ترى الذي اتخذ الدنيا له وطناً لم يدر أن المنايا سوف تزعجه 
تظل على أكتاف أبطالها القنا وهاتيك في أغمارهن المناصل 
تحامي الرزايا كل ضف ومنسم وتلقى رداهن الذرى والكواهل 
وترجع أعقاب الرماح سليمة وقد حطمت في الدارعين العوامل 
فإن كنت تبغي العيش فاقنع توسطاً فعند التناهي يقص المتطاول 
هل يجوز للحاكم سماع شهادة أبيه وابنه وحكمه بها والجواب عن ذلك 
هل يجوز للحاكم أن يسمع شهادة أبيه وابنه ويحكم بها . أجاب أبو الخطاب : تجوز له سماع شهادتهما لغيره ، ويحكم بها ، جواب ابن عقيل يجوز إذا لم يتعلق عليهما من ذلك تهمة ولم يوجب لهما بقبول شهادته ريبة لم تثبت بطريق التزكية ، إذا سأل الحاكم الشهود عن مستند شهادتهم . فقالوا : أخبرنا جماعة ، أجاب أبو الخطاب : تقبل شهادتهم في ذلك ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة . 
جواب ابن عقيل أن صرحا بالاستفاضة أو استفاض بين الناس قبل في الوفاة والنسب جميعاً . من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني . هل للذمي أن يصلي بإذن المسلم ؟ أجاب أبو الخطاب : لا يجوز له إذن المسلم أو لم يأذن ، لأنه حق لله تعالى . 
أجاب ابن عقيل مثله : هل يصح أن يوقف على المسجد ستوراً ؟ أجاب أبو الخطاب : يصح وقفها على المسجد ويبيعها وينفق أثمانها على عمارته ولا يستر حيطانه بخلاف الكعبة فإنها خصت بذلك كما خصت بالطواف حولها . وأجاب ابن عقيل : لا ينعقد هذا الوقف رأساً لأنه بدعة وهو على حكم الميراث ، إذا وجد لقطة فخاف إذا عرفها أن ينتزعها منه ظالم . أجاب أبو الخطاب : لا يكون معذوراً في ترك التعريف ولا يملكها إلا بعد تعريفها . أجاب ابن عقيل : التعريف يراد به حفظها على مالكها ، وهذا التعريف يفضي إلى تضييعها فيدعها أبداً في يده ، إلى أن يجد فسحة وأمناً فيعرفها حولاً . إذا وجد في البرية شاة أخذها وذبحها وجب عليه ضمانها ، إذا جاء مالكها وفي المصر يعرفها ، لأن الظاهر أنها خرجت من داراً أهل المحلة بخلاف البرية ، هذا جواب أبي الخطاب . 
وجواب ابن عقيل : لا يجوز له ذبحها وإن ذبحها أثم ولزمه ضمان قيمتها . إذا صادر السلطان إنساناً وعنده وديعة هل يضمن أجاب أبو الخطاب عليه الإثم والضمان إذا فرط فيها فإن تحقق أنه يتاذى في نفسه ، كان عليه الضمان من غير إثم . فإن استدعى السلطان المودع إذا لم يدله عليه وأخذت بغير اختياره فلا ضمان عليه جواب ابن عقيل : إذا غلب على ظنه أنه يأخذها منه بإقراره ، كان ذلك دلالة عليها وعليه الضمان . إذا كان عنده وديعة فاعترض السلطان لها ظلماً . أجاب أبو الخطاب : إن حلف ووري عنها وتأول كان مثاباً مثل أن يحلف أنه لم يودعني في المسجد الحرام ، أو بموضع لم يسلكاه أو في زمان ، كرمضان ونحوه ، فإن لم يحلف ، وأخذها السلطان من حرزه لم يضمن ، فإن طلب منه أن يحلف بالطلاق فدفعها إليه ، أو دله على مكانها ضمن . وأجاب ابن عقيل : لا يسقط الضمان بخوفه من وقوع الطلاق ، بل يضمن بدفعها إليه ، لأنه افتدى بها عن ضرره بوقوع الطلاق . إذا كان كلب المسلم قد علمه مجوسي أجاب أبو الخطاب وابن عقيل : لا يكره للمسلم أن يصطاد به . هل يجوز كتابة المصحف بالذهب . وهل تجب فيه الزكاة فإن وجبت فهل يجوز حكه لمعرفة قدره ؟ أجاب أبو الخطاب : تجب فيه الزكاة إن كان نصاباً . ويجوز له حكه وأخذه . وسأل عنها ابن عقيل الزاغوني فأجاب : كتب القرآن بالذهب حرام ، لانه من جملة زخرفة المصاحف ويؤمر بحكه ورفعه وإن كان مما إذا حك اجتمع منه شيء يتمول وجبت فيه الزكاة ، لأنه ينزل منزلة الأواني المحرمة ، وإن كان إذا حك لا يجتمع منه شيء كان بمنزلة التالف فلا شيء فيه . إذا أجرت نفسها للرضاع ، فكان الصوم ينقص من لبنها أو يغيره فطالبها أهل الصبي بالفطر في رمضان لأجل ذلك . هل يجوز لها الفطر ؟ فإن لم يجز هل يثب لأهل الصبي الخيار وما المانع من جوازه وقد قلنا يجوز للأم أن تفطر ؟ أجاب أبو الخطاب : إذا كانت قد أجرت نفسها إجارة صحيحة جاز لها الإفطار إذا نقص لبنها أو تغير بحيث يتأذى بذلك المرتضع ، وإذا امتنعت لزمها ذلك ، فإن لم تفعل كان لأهل الصبي الخيار في الفسخ . أجاب ابن الزاغوني : وقد سئل عنها يجوز لها أن تؤجر نفسها للرضاع لولدها ولغير ولدها ، سواء وجد غيرها ، أو لم يوجد فإذا أدركها الصوم الفرض فإن كان لا يلحقها المشقة ولا يلحق الصبي الضرر لم يجز لها الفطر وإن لحقها المشقة في خاصتها دون الصبي جاز لها الفطر وتقضي ولا فدية عليها ، وإن لحقها ولحق الصبي المشقة والضرر جاز لها الفطر ووجب عليها مع القضاء الفدية ، وإن أبت الفطر مع تغيير اللبن ونقصانه بالصوم ، فمستأجرها لرضاع الصبي بالخيار في المقام على العقد وفي الفسخ فإن قصدت بالصوم الإضرار بالصبي أثمت وعصت وكان للحاكم إلزامها الفطر إذا طلب ذلك . إذا علم قرداً أن يدخل دور الناس ويخرج المتاع فهل يقطع بذلك صاحبه ؟ أجاب أبو الخطاب : لا يلزمه القطع . وأجاب ابن عقيل : لا حكم لفعل القرد في نفسه ، ولا قطع على صاحبه ، وإنما عليه الرد لما أخذه والغرم لما أتلفه . وسئل ابن الزاغوني عن هذه المسألة بعينها . وقيل له : ما الفرق بينها وبين لو أمر صبياً لا يعقل بالقتل فإنه يجب القود على الآمر ؟ فأجاب : بأنه لا قطع ويجب الرد والضمان . وأما إذا أمر صبياً أو أعجمياً فإنه يتعلق به الضمان لأن فعل الصبي أو الأعجمي مضمون في الخطأ على عاقلته . وقد قال قوم من الفقهاء للصبي عمل في القتل لم يقل أحد في فعل القرد مثل ذلك . قلت : لو قيل بالقطع لكان أولى ، لأن القرد آلته فهو ككلابه وخطافته وكما لو رمى حبلاً فيه دبق فعلق به المتاع ولا يقوى الفرق بين هذه الصورة ومسألة القرد . وقد قالوا : لو أرسل عليه حية أو سبعاً فقتله افتداه نزلوا الحية والسبع منزلة سلاحه فتنزيل القرد هنا منزلة آلته وعدته التي يتناول بها المتاع منه أولى . فهذه الأسباب التي يخرج بها المسروق من الحرز لا يمكن الاحتراز منها غالباً ، وأسباب القتل يمكن التحرز منها غالباً . وأيضاً فجناية القرد حصلت بتعليم صاحبه وجناية الحية والسبع لم يحصل بتعليم من أنهشها والله أعلم . 
إذا وطىء ميتة هل عليه إعادة غسلها . أجاب ابن الزاغوني : ينظر فيه فإن كان صلى عليها فلا غسل عليها ، لأن الغسل طهارتها لأجل الصلاة عليها وقد سقط فرض الصلاة عليها بالأولى ، غير أنه يمنع من إعادة الصلاة عليها وان لم يكن صلى عليها أعيد غسلها . وقد اختلف أصحابنا في وطء المتية هل يوجب الحد وينشر الحرمة على وجهين : أحدهما يوجب الحد وينشر الحرمة فعلى هذا إيجاب الغسل أولى ، والثاني : لا يجب الحد ولا ينشر الحرمة . فعلى هذا يكون الأمر على التفصيل المتقدم . وأجاب أبو الخطاب : عن هذه المسألة . بأن قال : يجب غسلها بعد الوطء . كذا الضاهر عندي ولا أعرف فيه رواية . فوائد شتى 
قال القاضي : نص أحمد على أن الإسراء كان يقظة ، وحكى له أن موسى بن عقبة قال أحاديث الإسراء منام . فقال : هذا كلام الجهمية ونقل حنبل أن الرؤية منام . ونقل الأشرم وغيره أنه رآه ولا يطلق سوى ذلك . وقال أبو بكر النجار : رآه إحدى عشرة مرة بالسنة تسع مرات ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين ربه عز وجل ومرتين بالكتاب .
بعض مسائل فقهية من فتاوى أبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني 
قال القاضي : صنف المروزي كتاباً في فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر فيه اقعاده على العرش . قال القاضي : وهو قول أبي داود وأحمد بن أصرم ويحيى بن أبي طالب وأبي بكر بن حماد وأبي جعفر الدمشقي وعياش الدوري واسحاق بن راهويه وعبد الوهاب الوراق وإبراهيم الأسبهاني وإبراهيم الحربي وهارون بن معروف ومحمد بن إسماعيل السلمي ومحمد بن مصعب العابد وأبو بكر بن صدقة ومحمد بن بشر بن شريك وأبي قلابة وعلي بن سهل وأبي عبد الله بن عبد النور وأبي عبيد والحسن بن فضل وهارون بن العباس ، الهاشمي وإسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد ومحمد بن يونس البصري وعبد الله ابن الإمام أحمد والمروزي وبشر الحافي انتهى . قلت : وهو قول ابن جرير الطبري وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير ، وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه . 
حديث الشفاعة عن أحمد إلى أحمد المصطفى مسنده 
وجاء حديث بإقعاده على العرش أيضاً فلا نجحده 
أمروا الحديث على وجهه ولا تدخلوا فيه ما يفسده 
ولا تنكروا أنه قاعد ولا تنكروا أنه ينقعده 
فائدة في مسائل وردت على القاضي من مكة فأجاب عنها 
سئل القاضي عن مسائل عديدة وردت عليه من مكة . وكان منها : ما تقول في قول الإنسان ، إذا عثر محمد أو علي . فقال : إن قصد الاستعانة فهو مخطىء ، لأن الغوث من الله تعالى . فقال : وهما ميتان فلا يصح الغوث منهما ، ولأنه يجب تقديم الله على غيره . ومنها إذا قال القاضي : أفضل الناس بعد رسول الله الخلفاء ثم طلحة ، ثم الزبير ، ثم سعد إلى آخر العشرة . فأجاب : الأولى العطف على الأربعة بالواو ، لأن ثم تقتضي الترتيب ، فيقتضي تقديم طلحة على الزبير والزبير على عبد الرحمن ولا يمكن ، لأنه ليس فيه نقل يرجع إليه وعمر رضي الله عنه أمرهم أن يختاروا للخلافة واحداً من ستة ولم ينص على واحد منهم وظاهره التساوي . ومنها : وقد سئل عن حركة اللسان بالقرآن . فقال : لا يجوز أن يقال إنها قديمة ، بل حركة اللسان بالقرآن محدثه ومنها : في البدريين أنهم أفضل في الجملة من غيرهم ، ولا تفضل آحادهم على غيرهم لأنه قد يكون في غيرهم من هو أفضل من آحادهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : خيركم القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فخاير بين القرون في الجملة لأنه قد يكون في التفضيل من غيره أفضل منه . ولهذا يعلم أن أحمد أفضل من يزيد ويزيد في عصر التابعين لما جرى من يزيد بما عاد في القدح في عدالته ، ومنها : هل يجوز أن يقال إن الله يرحم الكافر ، فقال : لا يجوز أن يقال : إن الله يرحم الكافر ، لأن فيه رد الخبر الصادق : إن الله لا يغفر أن يشرك به [ النساء : 116 ] ، لا يخفف عنهم العذاب [ البقرة : 86 ] ، إلى أمثاله ، بل يقال : يخفف عذاب بعضهم قال تعالى : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [ غافر : 46 ] ، آتهم ضعفين من العذاب [ الأحزاب : 68 ] .
فائدة في شهوة الرجل أقوى من شهوة المرأة 
قال ابن عقيل : قولهم إن الله جعل للمرأة شهوة تزيد على شهوة الرجل بسبعة أجزاء . قال : لو كان كذلك ما جعل الله للرجل أن يتزوج بأربع ويتسرى بما شاء من الإماء ، وضيق على المرأة فلا تزيد على رجل . ولها من القسم الربع وحاشا حكمته أن تضيق على الأحرج وتوسع على من دونه في الحرج ، أجابه : حنبلي آخر فقال إن ذلك ، إنما كان لعارض راجح وهو خوفه اشتباه الأنساب . وأيضاً ففي التوسعة للرجل يكثر النسل الذي هو من أهم مقاصد النكاح ، وأيضاً فإن الرجل والمرأة لما اشتركا في التذاذ كل منهما بصاحبه وقضاء وطره منه وخص الرجل بالنفقة والكسوة وكلفة المرأة عوض بأن أطلق له الاستمتاع بغيرها ، وأيضاً فإن المرأة مقصورة في الخدر لا تدخل ولا تخرج إلا لحاجة حتى أن صلاتها في بيتها ، أفضل من صلاتها في المسجد لم يقع نظرها من الرجال على ما يقع نظر الرجل عليه . فحاجته إلى أكثر من واحدة أشد من حاجتها . وأيضاً فإن طبيعة الذكر الحرارة وطبيعة الأنثى البرودة وصاحب الحرارة يحتاج من الجماع فوق ما يحتاج إليه صاحب البرودة . وأيضاً فإن الله فضل الذكر على الأنثى في الميراث والدية والشهادة والعقيقة وغير ذلك ، ولهذا قال تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض [ النساء : 32 ] ، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله [ النساء : 32 ] ، فكان من تفضيله الذكر على الأنثى أن خص بجواز نكاح أكثر من واحدة والله أعلم .
فوائدة متنوعة 
سئل ابن عقيل : هل يجوز أن يتخذ النساء السفر والمطارح والمخاد وغير ذلك حريراً ؟ فقال : لا بل ملابس فقط .
تابع فوائدة متنوعة 
في الفنون سئل أحمد بن حنبل عن رجل سمع مؤذناً يقول : أشهد أن محمداً رسول الله . فقال : كذبت هل يكفر ؟ فقال : لا لا يكفر لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال لا في أصل الكلمة ، فكأنه قال : أنت لا تشهد هذه الشهادة كقوله : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [ المنافقون : 1 ] .
تابع فوائدة متنوعة 
قال الخلال : حدثنا العباس بن أحمد اليمامي بطرسوس ثنا ، أو انبأ عبد الله رجل عن الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يكفر أحد من أهل التوحيد بذنب فقال : موضوع لا أصل له ، فكيف بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك الصلاة فقد كفر فقال له : يورث بالملة . فقال : لا يورث ولا يرث .
تابع فوائدة متنوعة 
قال ابن الجوزي : في آخر منتخب الفنون مما بلغه عن ابن عقيل من غير الفنون . قال سمعت أبا يعلى بن الفراء يقول : من قال إن بينه وبين الله سراً ، فقد كفر وأي وصلة وبينه الإله وإنما تم ظواهر الشرع ، فإن عنى بالسر ظاهر الشرع فقد كذب ، لأنه ليس بسر وإن عنى شيئاً وراء ذلك فقد كفر . وقال في قول المتوسلين بالميت : اللهم إني أسألك بالسر الذي بينك وبين فلان ، أي سر بين العبد وبين ربه لولا حماقة هذا القائل . قال ابن الجوزي معترضاً عليه إنما يعني المتوسل بذلك العبادات المستورة عن الخلق .
تابع فوائدة متنوعة 
سئل رجل عن رجل تزوج أم رجل وأختيه . فقال : صورة المسألة رجلان وطئا أمة في طهر واحد فأتت بولد فتداعياه ، فأرى القافة فألحقوه بهما على مذهب من يرى ذلك . وكان للرجلين ثنتان فجاء رجل أجنبي فتزوج بالأمة بعد عتقها وتزوج بنتي الواطئين ، لأنه ليس إحداهما أختاً للأخرى وإن كانتا اختين للولد الملحق بالواطئين ، فقد جمع هذا الرجل الأجنبي بين أم ذلك الولد وأختيه من الواطئين فأمه ليست أمهما .
استدل بعضهم على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد بتخصيص آية الميراث بحديث لا نورث ما تركناه صدقة وهو استدلال خطأ 
استدل على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد بتخصيص آية الميرأث بقوله : لا تورث ما تركناه صدقة والصديق أول من خصصه . قال ابن عقيل : وهذه بلاهة من هذا المستدل ، فإن الصديق لم يخصصه إلا بما سمعه شفاهاً من النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو قطعي وليس النزاع فيه .
فائدة من كلام ابن عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة 
قال ابن عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة . أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع ، وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال ، لأنا إذا قدرنا أنه تعالى أراد تحريك جسم وأراد العبد تسكينه فلا يخلو إلى آخره ، وفعل الله لا يدخل تحت مقدور العبد ، وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم فلا انفكاك لكم البتة عن هذا السؤال فأين توحيدكم ؟
يجوز الفطر لمن تيقن تخليص الغريق ، ولم يمكنه الصوم مع التخليص 
جعفر بن محمد سألت أبا عبد الله عن رجل ينقد للناس مائة دينار بدرهم ، فخرج في نقده دينار رديء . قال : وجب عليه أن يرد من أجرته جزءاً من مائة من درهم . قال القاضي : إنما صحت هذه الإجارة وإن لم يشاهد الدنانير ، لأنه لا تفاوت بين الدنانير في النقد فصحت الإجارة انتهى ، فعلى هذا إذا استأجره ليكيل له مائة مكوك من طعام في بيت لم يره . صحت الإجارة للعلة التي ذكرناها ، وإنما رجع عليه بجزء من مائة جزء من الدرهم ، لأن العمل لا يتفاوت في كل واحد منها ، كما لو كان له مائة مكوك إلا مكوكاً واحداً . 
إذا رأى إنساناً يغرق فلا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر . هل يجوز له الفطر ؟ أجاب أبو الخطاب : يجوز له الفطر إذا تيقن تخليصه من الغرق ولم يمكنه الصوم مع التخليص ، وأجاب ابن الزاغوني عنها : إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنه ذلك لزمه الإفطار وتخليصه ، ولا فرق بين أن يفطر بدخول الماء في حلقه وقت السباحة أو كان يجد من نفسه ضعفاً عن تخليصه لأجل الجوع حتى يأكل ، لأنه يفطر للسفر المباح فلأن يفطر للواجب أولى . قلت : أسباب الفطر أربعة : السفر والمرض والحيض والخوف على هلاك من يخشى عليه الصوم ، كالمرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما . ومثله مسألة الغريق . وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوى على الجهاد وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان فأنكر عليه بعض المتفقهين . وقال : ليس هذا سفر طويل ، فقال الشيخ : هذا فطر للتقوى على جهاد العدو وهو أولى من الفطر للسفر . يومين سفراً مباحاً أو معصية ، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم ، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام ، وهل يشك فقيه أن الفطر ههنا ، أولى من فطر المسافر ، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم ، فعلل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم . قلت : إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما وفطر من يخلص الغريق ففطر المقاتلين أولى بالجواز ، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقد غلط ، بل هذا أمر من باب قياس الأولى ومن باب دلالة النص وإيمانه . 
إذا وطء ميتة ، هل يجوز إعادة غسلها ؟ أجاب ابن الزاغوني : ينظر فيه فإن كان صلى عليها فلا غسل عليها ، لأن الغسل طهارتها لأجل الصلاة عيها وقد سقط فرض الصلاة عنها بالأولى ، غير أنه يمنع من إعادة الصلاة عليها بعد ذلك وإن لم يكن صلى عليها أعيد غسلها ، وقد اختلف أصحابنا في وطء الميتة هل يوجب الحد وينشر الحرمة على وجهين أحدهما : يوجب الحد وينشر الحرمة فعلى هذا إيجاب الغسل أولى ، والثاني : لا يجب الحد ولا ينشر الحرمة فعلى هذا يكون الأمر على التفصيل المتقدم . 
وأجاب أبو الخطاب : عن هذه المسألة بأن قال : يجب غسلها بعد الوطء كذا الظاهر عندي ولا أعرف فيه رواية . 
إذا صلى سهواً خلف المرأة أجاب أبو الخطاب : تلزمه الإعادة إذا علم وتجوز امامة المرأة بالنساء ويجوز على رواية عن أحمد أن تصلي بالرجال نافلة وتكون وراءهم وهي بعيدة قلت : إن كان أمياً وهي قارئة . لم تلزمه الإعادة ، وإن كان قارئاً مثلها . ففي وجوب الإعادة نظر ، إذ غاية ذلك أن يكون كرجل صلى خلف محدث لا يعلم حدثه فإنه لا تلزمه الإعادة وهنا أولى ، لأن صلاة المرأة في نفسها صحيحة بخلاف المحدث . وأجاب ابن الزاغوني : إذا علم ذلك حكم ببطلان صلاته وعليه الإعادة ولم يجوز إمامنا أحمد أن يتابع رجل امرأة في الصلاة مفترضاً . فأما في النفل فإنه أجازه في موضع وهو إذا كانت امرأة تحفظ القرآن فإنه يجوز للأمي أن يتابعها في النافلة ، كصلاة التراويح وتكون صفوف الرجال بين يديها وهي والنساء خلفهم . 
إذا امتنع من صلاة الجمعة . وقال : أنا أصلي الظهر هل يقتل أم لا ؟ أجاب أبو الخطاب : يستتاب فإن تاب وإلا قتل زاد ابن عقيل في جوابه إذا لم يكن على وجه قد اعتقد اعتقاد بعض المجتهدين ، في أنها لا تنعقد في القرايا . جواب ابن الزاغوني الجمعة تفعل في موضعين : أحدهما متفق على وجوبه فيه وهو البلد الكبير الواسع مع إذن الإمام في إقامتها ، فهذا متى ترك الجمعة في هذه الحالة قتل كما يقتل في سائر الصلوات . والموضع الثاني ما اختلف الفقهاء في وجوبها معه كالأرباض والقرى ، وإذا لم يأذن الإمام وأمثال ذلك ، فهذا إن ترك الجمعة متأولاً قول أحد من الفقهاء فإنه يكون معذوراً بذلك ولا يعترض عليه . 
إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته . فهل تبطل ؟ أجاب ابن الزاغوني : أما الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الأخرس والمتكلم ، وأما غير ذلك إنه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيراً عفى عنه ، وإن كان كثيراً أبطل الصلاة . وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه ، بطلت صلاته . وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل . قلت : إشارة الأخرس منزلة . منزلة كلامه مطلقاً . وأما تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له ، وإنما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء . كما دل على النص إن إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الأخرس ، فإن إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام . إذا توضأ بماء زمزم هل يجوز أم لا ؟ أجاب ابن الزاغوني : لا يختلف المذهب إنه منهي عن الوضوء منه ، والأصل في النهي قول العباس لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل ، واختلف في السبب الذي لأجله ثبت النهي وفيه طريقان أحدهما : إنه اختيار الواقف وشرطه . وهو قول العباس ، وقد اختلف أصحابنا في مسألة مثل هذه وهي أن رجلاً لو سبل ماء للشرب . فهل يجوز لأحد أن يأخذ منه ما يتوضأ به ؟ قال بعضهم : يجوز ويكره فعلى هذا يكون النهي عنها كراهة تنزيه لا تحريم . وقال آخرون من أصحابنا : لا يجوز له الوضوء به ، لأنه خلاف مراد الواقف فعلى هذا لا يجوز الوضوء بماء زمزم . فأما الطريق الآخر أن سببه الكرامة والتعظيم . فإن قلنا : ما يتحدر عن أعضاء المتوضىء طاهر غير مطهر كأشهر الروايات كره الوضوء بماء زمزم . وإن قلنا : بالرواية الثانية أنه يحكم بنجاسته ما ينفصل من أعضاء الوضوء حرم الوضوء به . وإن قلنا بالرواية الثالثة أن المنفصل طاهر مطهر لم يحرم الوضوء به ولم يكره ، لأنه لم يؤثر الوضوء فيه بما يوجب رفع التعظيم عنه . فاما أن أزال به نجاسة وتغير كان فعله محرماً وإن لم يتغير وكان في الغسلة السابعة فهل يحرم أو يكره على روايتين ؟ وإن قلنا : إن الماء لا ينجس إلا بالتغير فمتى انفصل غير متغير في أي الغسلات كان كره ولم يحرم . قلت : وطريقة شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية كراهة الغسل به دون الوضوء ، وفرق بأن غسل الجنابة يجري مجرى إزالة النجاسة من وجه ، ولهذا عم البدن كله لما صار كله جنباً ولأن حدثها أغلظ ولأن العباس ، إنما حجرها على المغتسل خاصة . وجواب أبي الخطاب وابن عقيل يصح الوضوء به رواية واحدة وهل تكره على روايتين .
فوائد شتى من خط القاضي أبي يعلى 
سمعت المروزي يقول : سئل أحمد عما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله احتجر التوبة عن صاحب بدعة وحجب التوبة إيش معناه فقال أحمد : لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : لما قرأ هذه الآية إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هم أهل الأهواء والبدع ليست لهم توبة .
فوائد من مسائل أبي جعفر محمد بن حرب الجرجاني بخط القاضي أبي يعلى 
من مسائل أبي جعفر محمد بن أبي حرب الجرجاني بخط القاضي أبي يعلى قيل لأبي عبد الله : الرجل يحفر إلى جنب قناة الرجل ولا يضربها أله أن يمنعه . قال يروى عن الزهري أنه قال : حريم العيون خمسمائة ذراع كأنه ذهب إليه . قيل : لأبي عبد الله فإن حفر على أكثر من خمسمائة ذراع فاضربه . هل له أن يمنعه ؟ قال : ليس له أن يمنعه إذا جاوز حريمه أضربه أو لم يضربه . قيل : لأبي عبد الله رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء ، فجاء صاحب القناة . فقال : لهذا الذي عمل نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة في الحاشية بخط القاضي ، إنما رجع بنفقته ، لأن الآبار كالأعيان ، ولو عمل في ملك غيره عملاً له فيه أعيان رجع بها . كذلك في الآبار هذا كلام القاضي وفيه نظر قيل : لأبي عبد الله الرجل يسبق إلى دكاكين السوق . قال : إذا لم يكن لأحد ولم يحجزه أخذه فيمن سبق إليه عدوة فهو له إلى الليل ، قال : وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى . قيل : أيكره بيع الطعام وأن تكون تجارة الرجل كلها في الطعام . قال : إذا لم يرد الحكرة فلا بأس هذا ضيق بالمدينة ومكة ، فأما ههنا فربما كان خيراً لهم . ثم قال : إنما ههنا شبه البحر . قيل : من أحق بالسوم . قال البائع : قلت له فإن أوقد ناراً في السفينة . فقال : لا بد له من أن يطبخ وكأنه لم يرد عليه . قيل له رجل اشترى من رجل حائطاً على أن يعمل فيه سنة أو سنتين . قال : لا بأس وكتبت إلى أبي عبد الله أسأله . قلت : بنت أخ لي خطبها ابن أخت لي فقير ، وأمها تقرأ ذلك . قال : لا تفعل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وأمروا النساء في بناتهن وما ذكرت من أمر الفقر . 
فزوج فإن الفقر والغنى إلى الله فزوجت الفقير فلم أر إلا خيراً ، وسألته عن الرجل يشتري البقر للاكار فكرهه . قلت : يأخذ الرجل يحتج عن الرجل قال : لا يأخذ ، قلت : فيأخذ الفرس أو لا يأخذ في السبيل . قال : يأخذ لم يزل الناس يأخذون فإذا بلغ مغزاه فهو كسائر ماله ، وسئل عن الطواف فقال : ثلاثة واجبة طواف القدوم وطواف الزيارة وطواف الصدر . وأما طواف الزيارة فلا بد منه ولو أنسيه الرجل حتى يرجع إلى مدينته على أن يأتي به ، قيل له : كيف يصنع . قال : يدخل معتمراً فيطوف بعمرة ، ثم يطوف للزيارة بعد ذلك . وسئل عن المحرم يغسل بدنه بالمحلب قال : أراه يكرهه وكره الأشنان . وسئل عن الخضاب للمحرم . فقال : ليس هو بمنزلة الطيب ، ولكنه زينة ، وسئل عن صيد الليل . فقال : لا أعلم فيه شيئاً حديث ثابت روى فيه حديث ابن عباس ثم ذكر تفسيره أراه عن نافع أو غيره ، قال كانوا في الجاهلية إذا خرجوا يطيرون الطير من مكانه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقروه في مكانه يعني أنه لا يضر ولا ينفع ولم ير به بأساً ، وسئل عن أكل الكراث والبصل في السفر . قال : إن كان من علة فأرجو ، وإن كان من غير ذلك فلا يأكل . وأما الكراث فليس له كبير شيء وهو أهون من البصل قيل له : فالثوم ، قال : إنما جاءت الكراهة في الثوم والبصل فلا تأكل . وسألته عن أكل الجبن هل سمعت في كراهيته شيئاً ثبت . قال : لا وكأنه لم يكرهه ولم يتكلم فيه . وسألته عن شراء الأرض بالثغور . فقال : هو أيسر من غيره ، لأنهم بإزاء العدو وهم يدفعون عن المسلمين .
فوائد من مسائل أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي 
من مسائل أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي لأحمد : سمعت أبا عبد الله يقول : السائمة التي ترعى والسائبة التي تسيب ، وليس لها رعاء في السائمة الزكاة . وقال رجل لأحمد : بلغني أن نصارى يكتبون المصاحف فهل يكون ذلك ؟ قال : نعم نصارى الحيرة كانوا يكتبون المصاحف ، وإنما كانوا يكتبون لقلة من كان يكتبها . فقال رجل : يعجبك ذلك . فقال : لا يعجبني ، سئل عن رجل أعطى رجلاً درهما يشتري له شيئاً فخلطه مع دراهمه فضاعا قال ؟ ليس عليه شيء . وسئل عن رجل أوصى أن يشتري بألف درهم فرساً للجهاد ومائة للنفقة . قال : يشتري له مثل ما أوصى لا يزاد على ذلك شيء . قال : فإن أصيبا بأقل من ألف بخمسين أو أكثر . قال : يزاد على نفقته . 
إذا قال : بعتك هذه السلعة ولم يسم الثمن . أجاب أبو الخطاب : لا يصح البيع وإذا قبض السلعة فهي مضمونة عليه . وجواب ابن الزاغوني : أما البيع من غير ذكر العوض فباطل ، وإذا اقتض السلعة عند هذا العقد فله ردها فإن تلفت تحت يده وجب عليه ضمانها في المشهور من المذهب لأنها تجري مجرى المقبوضة على وجه السوم . وقد روي عن أحمد في المقبوض على وجه السوم إذا تلف من غير تفريط فلا ضمان فيه ومثله ههنا ، وجواب شيخنا ابن تيمية صحة البيع بدون تسمية الثمن فانصرافه إلى ثمن المثل كالنكاح والإجارة كما في دخول الحمام ودفع الثوب إلى القصار والغسال واللحم إلى الطباخ ونظائره . قال : فالمعاوضة بثمن المثل ثابتة بالنص والإجماع في النكاح وبالنص في إجارة المرضع في قوله تعالى : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [ الطلاق : 6 ] ، وعمل الناس قديماً وحديثاً عليه في كثير من عقود الإجارة ، وكذلك البيع بما ينقطع به السعر هو بيع بثمن المثل وقد نص أحمد على جوازه وعمل الأمة عليه . قلت : والمحرمون له لا يكادون يخلصون منه ، فإن الرجل يعامل اللحام والخباز والبقال ويأخذ كل يوم ما يحتاج إليه من أحدهم من غير تقدير ثمن المثل الذي ينقطع به ، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها ، فحاجة الناس إلى هذه المسألة تجري مجرى الضرورة وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه البتة . كيف وقد جاء بجوازه في العقد الذي الوفاء بموجبه أؤكد من غيره من العقود وهو النكاح وتفريقهم بينه وبين البيع بأن الصداق داخل فيه لا يصح ، بل هو ركن فيه يبطل العقد بنفيه كما نص عليه صاحب الشرع في الشعار وجاء بجوازه أيضاً في عقد الإجارة الذي تقدير العوض فيها آكد من تقديره في البيع ، لأن قيمة العين في البيع أقل اختلافاً في المنفعة ، لأنها تتجدد بتجدد الأوقات فتختلف باختلافها غالباً ، فإذا جازت الإجارة بعوض المثل ، فالبيع بثمن المثل وما ينقطع به السعر أولى ، ولو فرعنا على بطلان العقد فالمقبوض به يضمن بنظيره ، وهو إما مثله وإما قيمته . ولا يصح إلحاقه للمقبوض على وجه السوم فإن القابض هناك لم يدخل على أنه ضامن ، بل مختبر مقلب للمقبوض والقارض هنا دخل على أنه ضامن بثمن المثل لم يقبضه على أنه مستام مقلب ، بل مالك له بعوضه فإذا تلف ضمنه . فإن قيل : هو لم يملكه بهذا العقد الفاسد قلنا : دخل على أنه مالك ضامن فلا وجه لإسقاط الضمان عنه ، وكونه لم يملكه في نفس الأمر لا يوجب سقوط الضمان عنه . كالمستعار والمقبوض بالعقود الفاسدة والمغصوب . 
وأما إذا فرعنا على صحة العقد ، فالضمان يكون بثمن المثل وهو القيمة لا بالمثل نفسه والله أعلم . 
كم مقدار التراب المعتبر في الولوغ ؟ جواب أبي الخطاب ليس له حد ، إنما هو بحيث تمر أجزاء التراب مع الماء على جميع الإناء وأجاب ابن عقيل بأن يكون بحيث تظهر صفته ويغير صفة الماء . وأجاب ابن الزاغوني فقال : النجاسات على ضربين نجاسة لا تزول عن محلها إلا بالحث والفرك والتراب الذي يظهر أثره ، فهذا الحث والقرص والتراب في إزالتها واجب . الثاني : ما يكفي فيها فراغ الماء ففي وجوب التراب فيها لأصحابنا وجهان : أحدهما وجوبه عيناً وهو اختيار أبي بكر . والثاني مستحب غير واجب والقائلون بوجوبه إذا كان المغسول مما لا يضره التراب الكثير ، فلا بد أن يطرح في الغسل ما يؤثر وإن كان مما يضره التراب كالثوب ونحوه ، فهل يجري ما يقع عليه اسم التراب وإن لم يظهر أثره فيه ؟ عن أصحابنا وجهان : أحدهما : لا يجزئه إلا ما يظهر أثره . 
الثاني : يجزئه ما يقع على الاسم وإن لم يظهر أثره . وهل ينوب عنه الصابون والأشنان وأمثال ذلك مما يضره التراب فيه أيضاً ؟ عن أصحابنا وجهان : إذا قلنا : الواجب التوجه إلى عين القبلة وكان الصف طويلاً يزيد على سمت الكعبة . اختلفىكلام أحمد في ذلك على روايتين . إحداهما : أن طول الصف مع البعد الكثير لا يؤثر ذلك ميلاً عن الكعبة إلا قدراً يخفي أمره ويعسر اعتباره ، لا سيما فيما هو مأخوذ بالاجتهاد فعفى عنه . والرواية الثانية إنه إذا طال الصف من جانبي الإمام انحرف الطرفان إلى ما يلي الإمام انحرافاً يسيراً يجمع به توجيه الجميع إلى العين ولا يشبه هذا خلاف المجتهدين ، لأن كل واحد من المجتهدين يعتقد خطأ صاحبه في اجتهاده . وفي مسألتنا قد اتفقا في الاجتهاد . قلت : الصواب أنه مع كثرة البعد يكثر المحاذي للعين ، فإن قيل : هذا إنما يكون مع التقوس كالدائرة حول النقطة ، قلنا : نعم ، ولكن الدائرة إذا عظمت واتسعت جداً ، فإن التقوس لا يظهر في جوانب محيطها إلا خفيفاً، فيكون الخط الطويل متقوساً نحو شعرة وهذا لا يظهر للحس . 
إذا وطىء الصبي هل يجب عليه الغسل ؟ أجاب ابن الزاغوني : هذا لا نسميه جنباً ، لأن الجنب اسم لمن انزل الماء والصبي لا ماء له . وهل يجب عليه الغسل لالتقاء الختانين ؟ ينظر فيه فإن كان مراهقاً وهو أن يجد الشهوة في ذلك ، وجب عليه الاغتسال وإن لم يجد ذلك فلا اغتسال عليه ، لكن يؤمر به تمريناً وعادة ، وهكذا أجاب ابن عقيل : عن هذه المسألة في صبي وطىء مثله . قال : إن كان له شهوة لزمه الغسل ، وإن كان ذلك على سبيل اللعب لغير شهوة فلا غسل عليه . 
إذا سجد على شيء مرتفع لعذر ، فهل يجوز ؟ أجاب ابن الزاغوني : إذا كانت الأرض ذات صعود وهبوط فلا يضر إن سجد على الأعلى ويجلس في المنهبط . فأما إذا كان متخذاً كالدرجة والصفة وأمثال ذلك ، ولا حاجة تدعوه إلى السجود عليها ، فإنه لا يجوز له ذلك وإن كان مريضاً لم يجز له أن يعتمد مثل ذلك ، بل يومىء بركوعه وسجوده ولا ينزل تحت جبهته شيئاً دون الأرض يسجد عليه . فأما إذا زحم ولم يقدر إلا أن يسجد على ظهر أخيه سجد على ظهر أخيه وأجزأه . وأجاب أبو الخطاب : إن كان ارتفاعه بحيث يخرج به عن صفة السجود لم يجزئه ، وإن فعل ذلك لعذر جاز . 
هل يجوز له أن يحدث مداراً أو حماماً يتأذى به الجيران ؟ أجاب أبو الخطاب : لا ريب يجوز له فعل ما يتأذى به عقار الجيران وأبنيتهم ، ويؤذيهم في أجسامهم . وأجاب ابن عقيل : إذا كان ذلك في خاصة ملكه بحيث لا يتزلزل حيطانهم بالرحا ولا يتعدى دخان نار حمامه ، ولا ينزو ماؤه إلى جدار جاره جاز وأجاب ابن الزاغوني : لا يجوز له أن يتصرف في ملكه على وجه يضر بجيرانه بزلزال حائط أو حر نار أو ماء ينزل في بالوعة أو غير ذلك ، مما فيه ضرر عليهم إلا بإذنهم . 
إذا قال القاضي لشاهدين : أعلمكما أني حكمت بكذا وكذا هل يجوز أن يقولا : أشهدنا أنه حكم على نفسه بكذا وكذا ؟ أجاب ابن الزاغوني : الشهادة على الحاكم تكون في وقت حكمه ، فأما بعد ذلك فإنه مخبر لهما بحكمه . فيقول الشاهد : أخبرني أو أعلمني في أنه حكم بكذا في وقت كذا . وأجاب أبو الخطاب وابن عقيل : بأنه لا يجوز أن يقولا أشهدنا ، وإنما يقولان : أخبرنا وأعلمنا . قلت : الصواب المقطوع به أنه يجوز أن يقولا أشهدنا كما يقولان أعلمنا وأخبرنا ، لأن الخبر شهادة وكل مخبر شاهد . قال تعالى : وشهد شاهد من أهله [ يوسف : 26 ] ، ثم ذكر شهادته فقال : إن كان قميصه قد من قبل يوسف : 26 ] ، وقال ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر الحديث . وقال علي بن المديني : أقول : إن العشرة في الجنة ولا أشهد بذلك . فقال الإمام أحمد : متى قلت هم في الجنة فقد شهدت . قال شيخنا : وهذا صريح من أحمد . إن لفظ الشهادة ليس بشرط . قال : وهو الصحيح ، قلت عن أحمد ثلاث روايات منصوصات حكاها أبو عبد الله بن تيمية في ترغيبه . 
أحدها : الاشتراط وهي المعروفة عند متأخري أصحابنا . 
الثانية : عدم الاشتراط اختارها شيخنا . 
الثالثة : الفرق بين الأقوال والأفعال ، فإن شهد على الفعل لم يشترط لفظ الشهادة ، بل يكفيه أن يقول : رأيت وشاهدت وتيقنت ونحوه ، وإن شهد على القول فلا بد من لفظ الشهادة إذا عرف هذا فإذا قال الحاكم أعلمكما أو أخبركما أو قال شاهد الأصل لشاهدي الفرع يعلمكما أو يخبركما بأنا نشهد بكذا وكذا ساغ أن يقولا أشهدنا كما ساغ أن يقولا أخبرنا وأعلمنا ولا فرق بينهما البتة لا في اللفظ ولا في المعنى ولا في الشرع ولا في الحقيقة فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين . قلت : والشريعة تأباه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع كتبه إلى رسله ينفذونها إلى المكتوب إليه ولم يقل لأحد منهم أشهدك أو هذا كتابي وكان الرسول يدفع كتابه إلى المرسل إليه ولا يقول : أشهد أن هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقول أشهدني على ما فيه ولو سئل الشهادة لشهد قطعاً وقال أشهد أنه كتابه . ومما يدل على أن لفظ الشهادة غير مشترط قوله تعالى : قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [ الأنعام : 15 ] ، ومعلوم قطعاً أنه لم ينكر عليهم إلا مجرد قولهم : إن الله حرم هذا لم يخص الإنكار بقول من قال : يشهد أن الله حرمه ولا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلفظ بالشهادة على التحريم ، بل هو نهي له أن يقول : إن الله حرمه .
فائدة من مسائل شتى من جامع الأنباري 
سألته عن رجل استودع مالاً وديعة فمات الرجل الذي أودعه ، وله صبي فكان أوسع له أن يدفع المستوغ المال إلى رجل مستور ينفق عليه . قال القاضي : ومعنى هذا ، إذا لم يكن وصي ولا حاكم ، وسئل عن الرجل يكون له الجاه عند السلطان فيسأل له الماء فاستقى منه إذا لم يكن تركي له يرد على من قد سئل عنه ، أو نحواً مما قلت له . فأجاز لي ذلك إذا أخذت بقدر حاجتي . وذهب في الشفعة أن لا يحلف للذي يطالبه وإن قدمه إلى الحاكم فأخرجه خرج . ورأى أن ما كان في النطفة والعلقة أنه لا يكون نفاساً وما كان في حد المضغة أنه نفاس ، وودعته غير مرة ، فقال : أحسن الله لك الصحابة وطوى لك البعيد . قلت له : كيف الحديث الذي جاء في المعاريض في الكلام ؟ قال : المعاريض لا تكون في الشراء والبيع وتصلح بين الناس . 
وسألته عن الآذان الذي يوجب على من كان خارجاً من المصر أن يشهد الجمعة هو الآذان الذي على المنارة أو الآذان الذي بين يدي المنبر . قال : هو الذي في المنارة . وسألته عن كتابة الحديث بالأجرة فلم ير به بأساً وكتابة القرآن أيضاً . وسألته عن رجل اشترى من رجل شيئاً بدنانير أو دراهم فدفعها إليه . فقال : اذهب فانتقدها وزن حقك ورد علي الباقي ، فضاعت فرأى أنها من مال المشتري إلا أنه يقول : هذا حقك فخذه ، ورد علي الباقي فكان معنى قوله : يكون من مال البائع إذا ضاعت ، الرجل يوجد ميتاً مخضوباً أقلف فرأى الصلاة عليه . قلت : فإن وجد ميت أقلف فرأى دفنه ولم يرى الصلاة عليه . وكنت على باب أحمد فجاء رجل يسأل عن رجل أراد أن يتصدق يعني بمال يشتري به موضع غلته أو يتصدق به فخرج إليه الجواب أنه لا يدري من يقوم بها . وقال : إن كان له قرابة محتاجون تصدق عليهم قلت له : ما تقول فيمن باع دابة بنساء ، هل يشتريها من صاحبها إذا حل ماله بأقل مما باعها ؟ إذا كان قد هزلها وعمل عليها ، فقال : فيه اختلاف ولم يجزه ولم يعدل عنده أن يكون مثل من باع ما يكال فيأخذ ما يكال فذكرت له الشراء عند الضرورة فلم يكرهه . قلت : ما تقول إذا ضرب رجل بضرتي أو شتمه فأرادني أن أشهد له عليه عند السلطان . فقال : إن خاف أن يتعدى عليه لم يشهد وإن لم يخف شهد . ولم يعجبه أن يكون في الكفن ثوباً رقيقاً . قال : وكانوا يكرهون الرقيق .
ومن مسائل البرزاطي بخط القاضي انتقاه من خط ابن بطة 
حديث ابن عمر : مضت السنة أن ما أدركته الصفة حياً مجموعاً فهو من مال المبتاع ، قال ابن بطة : أنا أقول : هذا الحديث مرفوع ويدخل في المسند لقوله : مضت السنة مسجد فيه نخلة أفترى لجيران المسجد أن يأكلوا من ثمرتها ؟ فقال : إن كانت النخلة في أرض لرجل فجعلها مسجداً ، والنخلة فيه لا بأس أن يأكلوا منها ، وإن كانت النخلة غرست بعد أن صار مسجداً وصلى فيه ، فهذه غرست بغير حق والذي غرسها ظالم غرس فيما لا يملك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس لعرق ظالم حق فلا أحب الأكل منها والتوقي منها أحب إلي . قلت : فترى إن كانت النخلة هكذا غرست أن تقلع . قال : من يقلعها لو فعل ذلك الإمام جاز ، وسئل عن رجل تيمم في السفر لسجود القرآن ، أو للقراءة في المصحف ، وصلى به فريضة قال : يعيد ما صلى من الفريضة بذلك التيمم . قلت : يخرج الرجل من الصف ويقدم أباه في موضعه . قال : ما يعجبني هو يقدر أن يبر أباه بغير هذا . رجل تيمم في السفر وصلى على جنازة ثم جيء بجنازة أخرى فصلى عليها بذلك التيمم . فقال : إن جيء بالأخرى حين سلم من الأولى صلى عليها بذلك التيمم ، وإن كان بينهما مقدار ما يمكنه التيمم لم يصل على الأخرى حتى يعيد التيمم . قال القاضي : قد ذكر هنا أنه يتيمم لكل صلاة . وقال في الفوائت : يصليها بتيمم واحد فتخرج الجميع على روايتين . قوله : إن جيء بالأخرى حين يسلم صلى بذلك التيمم لأحد وجهين : أحدهما : إن وقت الأولى إلى تمام فعلها ، فإذا جاء بعد ذلك فقد خرج الوقت والتيمم بقدر بالوقت . والثاني : أنه إذا جاءت الثانية عقيب الأولى لحقته المشقة في التيمم لتفاوت الزمان ، وإذا تراخى لم يشق . ويجب أن تكون المسألة محمولة على أنه تعين عليه الصلاة عليها ، فأما إن لم يتعين عليه . جاز أن يصلي بتيمم واحد ، كالنوافل تجمع بتيمم واحد . ولو قيل : إنه يصلي عليها بتيمم واحد مع التعين وجهاً واحداً . وفي الفوائت على روايتين ، لأن الجنازة إذا تعينت فهي فرض على الكفاية ، فهي أخف وتلك فرض على الأعيان فهي أكد انتهى كلام القاضي . 
وعدنا إلى مسائل البرزاطي . الرجل يتوضأ بفضل وضوء المرأة وسؤرها . قال : أكره ذلك . قلت : فإن توضأ وصلى قال : لا آمره بالإعادة ، رجل في سوقه مسجد لا يصلي فيه إلا الظهر والعصر ويسأله أهل سوقه أن يصلي بهم فيه هاتين الصلاتين . 
قال : أحب له أن يخرج يصلي مع الناس في مساجد الجماعة التي يصلي فيها الصلوات الخمس . مسجد في بعضه غصب . قال : إذا كان موقف الإمام منه في الغصب أعاد الإمام . ومن صلى خلفه وإذا لم يكن موقف الإمام في الغصب ، أعاد من صلى في الغصب . قلت : رجل دخل المسجد ورجلان يقرآن سورتين فيهما سجدة فسجدا جميعاً . قال : إذا سمعهما جميعاً يقرآن السجدة وقد سجدا سجد الرجل سجدتين ، سألت أحمد عن رجل يعمل القلانس ويبيعها ، فربما خلط القطن العتيق بالقطن الجديد ، أو بشيء من الصوف وحشي القلانس به ، قال : هذا من الغش ، وأكره له ذلك إلا أن يعرف من يشتريها أن القطن فيه عتيق وفيه صوف . 
سألت أحمد عن رجل مات وخلف أولاداً صغاراً وخلف لهم مالاً ولهم والدة . أترى لها أن تأكل من مالهم ؟ قال : لا أحب لها أن تأكل من مالهم إذا كان لها مال . قلت : إنها تكفلهم وتحصنهم وتقوم عليهم ، أفلا يجوز لها أن تأكل من مالهم ؟ قال : لا إلا من ضرورة وحاجة ولا تجد إلا ذلك أو تصير إلى الحاكم حتى يفرض لها من مالهم حق الحضانه لمثلها . سألت أحمد عن الرجل يرهن الثوب عند التاجر ، فلما رام انفكاكه أخرج المرتهن الثوب إليه ، فقال الراهن : ليس هذا ثوبي . قال المرتهن : هذا ثوبك الذي رهنته . قال : القول قول الراهن مع يمينه . إن هذا ثوبك وإنه ما خرج من يده إلى يد غيره منذ أخذه إلى يوم أخرجه إليه. وفي الحاشية بخط القاضي . قوله : القول قول الراهن سهو من الراوي ومعناه المرتهن ، لأن كلامه فيما بعد يدل عليه ، وهو قوله : يمينك . إن هذا ثوبك ما خرج من يده إلى يد غيره منذ أخذه ، لأنه غارم ولأنه أمين . قلت لأحمد ماتت زوجته وقد حكم عليه القاضي أن يدفع صبيانه إلى جدتهم لتحضنهم وهي في قرية بعيدة عن قريته . قال : إن كانت بحيث يمكن أن يراهم في كل يوم ويرونه فلا بأس بذلك . قد قضى أبو بكر على عمر أن يدفع ابنه لجدته وهي بقبا وعمر بالمدينة . سألته عن معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن منع نفع البئر . قال : هو الرجل تكون له الأرض وليس فيها بئر ولجاره بئر في أرضه ، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره . سألته عن إجارة بيت الرحا الذي يديره الماء ، قال : الإجارة على البيت والأحجار والحديد والخشب ، فأما الماء فإنه يزيد وينقص وينضب ويذهب فلا تقع عليه إجارة . قلت : إذا قال لعبده أنت حر . وقال : إنما أردت من هذه الصنعة ، قال : هو حر ونيته فيما بينه وبين الله . وسألته عن رجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقي والعزائم ، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم وفيهم من يحدثه . فترى أنه يدفع إليه الرجل المجنون ليعالجه . قال : ما أدري ما هذا ؟ ما سمعت في هذا شيئاً ولا أحب لأحد أن يفعله وتركه أحب إلي .وسأل عن رجل مات وخلف ألف درهم وعليه للغرماء ألفا درهم ، وليس له وارث غير ابنه . 
فقال ابنه لغرمائه : اتركوا هذه الألف في يدي ، وأخروا لي حقوقكم ثلاث سنين حتى أوفيكم جميع حقوقكم . ترى هذا جائزاً ، قال : إذا كان قد استحقوا قبض هذه الألف ، وإنما يؤخرون لأجل تركها في يديه ، فهذا لا يؤخر فيه إلا أن يقبضوا الألف منه ويؤخرونه بالباقي ما شاؤوا . قلت : وجه هذا أن الألف قد انتقلت إلى ملكهم ، وليس له في ذمة الإبن شيء ، فإذا أخروا قبضها استوفوها ألفين . صار كالنسيئة بزيادة وبعد فلا يخلو ذلك من نظر فإنهم لو أخروا قبض الألف اتفاقاً لا لآجل الزيادة ، ثم انجر الولد بالتركة وربح فيها ما يقوم بوفائهم لاستوفوا حقهم كله ، ولا يكون هذا من باب عمل الإنسان في مال غيره ، فإنه لا يستحقون الربح كله . وإنما يستحقون منه تمام حقهم وحق الغرماء . وإن تعلق بالتركة فهو كتعلق الرهن لا أنهم يملكون التركة بمجرد موت الغريم . ولو وفاهم الورثة من غيرها لم يكن لهم أن يمتنعوا من الإستيفاء . وهذا على قولنا إن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الورثة أظهر فإن التركة تنتقل إليهم وتبقى ديون الغرماء على نفس التركة فلو ربحت لاستحقوا من الربح بقدر ديونهم ، وليس هذا من الربا في شيء ، فإن الغريم يستحق الألفين استحقاقاً صحيحاً بوجه لا ربا فيه ، وإنما يؤخر قبض بعض حقه ليستوفيه كاملاً . فليس هذا من باب الزيادة على رأس ماله لأجل الأجل في شيء وهذا حقيقة الربا ، وإنما هذا صبر منه يستوفي ما وجب له بأصل العقد ، كما لو كان الغريم حياً وأفلس ولم يسع ماله لوفاء ما عليه فصبر الغرماء ليستوفوا حقهم كاملاً ولا يغني الفرق بأن ذمة الميت قد خربت بالموت وذمة المعسر باقية لوجهين : أحدهما المنع بل الدين باقي في ذمة الميت كما هو باقي في ذمة الحي ، وإنما تعذرت المطالبة بالموت والذمة مشغولة مرتهنة بالدين وتعذر مطالبته كتعذر مطالبة الغريم إذا سقط عنه التكليف بالجنون وذلك غير مانع من التأخير بتمام الإستيفاء ، وكذا في الموت ، وهذا على أصول أبي عبد الله . وقواعده أطرد والله سبحانه وتعالى أعلم . 
رجل قال لعبده إذا فرغت من هذا العمل فأنت حر . وقال : أردت أنك حر من العمل أجاب ابن عقيل وأبو الخطاب وابن الزاغواني : لا يقبل قوله في ظاهر الحكم ، وأما بينه وبين الله فيحتمل . قلت : أما التوقف لكونه يدين فلا وجه له ، فإنه إذا أراد بلفظه ما يحتمله ولم يخطر بقلبه العتق ، وليس هناك قرينة ظاهرة تكذبه فهو أعلم بنيته ومراده . وقد قال أحمد : في رواية بشر بن موسى في الرجل يكتب إلى أخيه أعتق جاريتي فلانة ويريد أن يهددها بذلك وينوي التصحيف أكره ذلك . لا بخبر وهو عبث فيهددها ويسعه فيما بينه وبين الله أن يبيعها ، والقاضي يفرق بينهما . قلت : مراده بالتصحيف التعريض وكأنه تصحيف للمعنى وهو العدول باللفظ عن معناه الموضوع له ، وقد قال في رواية أبي الحارث : إذا قال : أنت طالق وهو يريد طالق من عقال إذا كانت قد سألته الطلاق أو كان بينهما غضب لم يقبل قوله . وهذا يدل على قبوله عند عدم القرينة الدالة على الطلاق ، فعلى هذا إذا قال له : عبده أعتقني لله فقال : إذا فرغت من هذا العمل ، فأنت حر لم يقبل قوله . وأما إذا قال أرحني من هذا العمل واستعملني في غيره ، أو أعتقني من هذا العمل . فقال : إذا فرغت منه فأنت حر وأراد من هذا العمل قبل قوله : فالمراتب ثلاثة بما يبعد معه صرف اللفظ عن غرضه لما هنالك من القرائن ، فلا يقبل قوله وبما يعرف معه الصرف ، كقرائن تحف به فيقبل قوله : وما يكون متجرداً عن الأمرين فهو محل تردد . 
إذا لقي امرأة في الطريق فقال : تنحي يا حرة ، فإذا هي جاريته فأجاب ابن الزاغوني بأن قال : اختلف أصحابنا فيما إذا لقي امرأة في الطريق . فقال : تنحي يا طالق ، فإذا هي امرأته فهل تطلق على وجهين . قال : والعتق مثله . قلت : وقوع العتق في هذه الصورة بعيد إذ من عادة الناس في خطابهم في الطرقات وغيرها إطلاق هذا اللفظ . ولا يريد به المخاطب إنشاء العتق هذا عرف مستقر وأمر معلوم . وأيضاً فإنما يريدون حرية الأفعال وحرية العفة لا حرية العتق ولم تجر العادة بأن تخاطب المرأة الأجنبية بالطلاق فلا يلزم من الحكم بوقوع الطلاق في مثل هذا الحكم بوقوع العتق. 
إذا علم الحاكم من حال الشاهدين أنهما لا يفترقان بين أن يشهدا بما يذكر أن الشهادة به وبين أن يعتمدا على معرفة الخط من غير ذكر . هل يجوز إذا شهد الشهادة قديمة أن يسألهما ؟ هل يعتمدان على الخط أو هما ذاكران للشهادة ؟ أجاب ابن الزاغوني : إذا علم الحاكم أنهما يجوزان بذلك ، صار حكمهما في ذلك حكم المغفلين أو المحرفين . إذا علم أنهما يحرفان ومن هذه صفته لا يجوز له قبول شهادتهما بحال ، فإذا كان يتوهم ذلك من غير تحقيق ، لم يجز له أن يسألهما عن ذلك ولا يجب عليهما أن يخبراه بالصفة . وأجاب أبو الخطاب : لا يلزم الحاكم سؤالهما عن ذلك ، ولا يلزم جوابه إذا قالا : نشهد من حيث جاز لنا الشهادة . وإذا عالم تجوزهما في الشهادة صارا كالمغفلين فلا يجوز له قبول شهادتهما . 
إذا شهدا أنا لا نعلم لفلان وارثاً إلا هذا . فدفع إليه الحاكم الملك ثم عاد : وشهد الأخر أنه وارثه معه . فهل يشارك الأول ؟ أجاب ابن الزاغوني : ليس بين الشهادتين تناقض ، لأنه قد يعلم الإنسان بعض المعلوم في وقت . ويعلم في وقت آخر ما بقي ، وإذا ثبت هذا ، وجب أن يشارك الثاني الأول . وأجاب أبو الخطاب : يقبل قولهما وتقسم التركة بينهما . وأجاب ابن عقيل : الشهادة الأولى لا تنافي الثانية ولا تناقض بينهما ، وأن نفي العلم في حال لا ينافي ثبوته بطريقه فيما بعد فيرثان جميعاً . 
إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين ثم بان له فسقهما أو كذبهما وقت الشهادة أجاب أبو الخطاب : ينقض الحكم الأول ، ولا يجوز تنفيذه . وأجاب ابن عقيل : لا يقبل ، قوله بعد الحكم . فإن قال : كنت عالماً بفسقهما قبل قوله . وجواب ابن الزاغوني : لا يخلو قبوله لشهادة الشاهدين . إما أن يكون لعدالة ثبتت عنده بعلمه ، أو بعدالة ثبتت بتعديل مزك أو بظاهر عدالة الإسلام ، فإن كان لعدالة ثبتت عنده بعلمه ، فالامر في ذلك مبني على الحاكم هل يجوز له أن يحكم بعلمه ؟ وفي ذلك عن أحمد روايتان . 
إحداهما : أنه لا يحكم بعلمه فعلى هذا . قد أخبر بأنه حكم على وجه لا يجوز له الحكم به فنقض حكمه . والرواية الثانية أنه يجوز له الحكم بعلمه فعلى هذه الراوية لا ينتقض حكمه ، لأنه متهم في نقضه وذلك بأنه أتى بقولين مختلفين يضيفهما إلى نفسه لعمل يكون على الأول دون الثاني ، وإن كان حكم بعدالتهما لشاهدة مزكى بعدالتهما لم يجز له أن ينقض حكمه إذا أضافه إلى علمه ، وهل يقتصر في حكمه إلى شاهدين غيره يشهدان بفسقهما أو يكتفي معه بشاهد واحد . فيه وجهان ذكرهما أبو علي بن أبي موسى من أصحابنا ، فإن حكم بشهادتهما لظاهر عدالة الإسلام . فهل يجوز له ذلك ؟ فيه عن أحمد روايتان : إحداهما : لا يجوز له الحكم بشهادة شاهد حتى يعلم عدالته باطناً وظاهراً ، فعلى هذا ينقض حكمه ، والرواية الثانية : أنه لا يجوز له ذلك ، فعلى هذا يجوز له أن ينقض حكمه يحتمل وجهين : أحدهما لا يجوز له ذلك إلا أن يثبت عنده ببينة. والثاني : يجوز له نقض الحكم لأنه قد تظهر بالإسلام عدالة من لو كشفت حاله لم يكن عدلاً وكان قوله محتملاً يبعد عن التهمة ثم ينظر بعد هذا فإن وافقه المشهود له على ما ذكر وجب عليه رد ما أخذ فإن كان ما نقض الحكم بنفسه دون الحاكم وإن خالفه فيه فإن أوجبه دون غرامة لزمت الحاكم إذا قال المشهود عليه أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب ولم أعلم ما في ولم يقرأ علي وليس في الكتاب أنه قرىء عليه هل يمنع ذلك الحكم به وهل يجوز للشاهد أن يقول للمشهود عليه أشهد عليك بجميع ما نسب إليك في هذا الكتاب من غير أن يعرفه ما فيه ويشهد به ، أجاب ابن الزاغوني : لا يجوز للشاهد أن يشهد على المشهود عليه إلا بأن يقرأ عليه الكتاب ويقول المشهود عليه قد قرىء علي أو يقول : قد فهمت جميع ما فيه وعرفته فإذا أقر بذلك عند الشهود شهدوا عليه به وإذا شهد الشاهدان عند الحاكم أنه قد أقر عندهم بفهم جميع ما في الكتاب لم يلتفت إلى انكار المشهود عليه . وأجاب أبو الخطاب : إذا قال المشهود عليه أشهدت على نفسي بما في هذا الكتاب . لا يشهد الشاهدان إلا أن بقولا له . نشهد عليك بجميع ما في هذا الكتاب . وقد فهمته أو قرىء عليك فيقول : نعم ، أو يقرأ عليه فإذا وجد ذلك لم يقبل قوله لم أعلم ما فيه ، ولزمه الحكم في الظاهر . قلت : وعلى هذا . فكثير من كتب هذه الأوقاف المطولة التي وافقها امرأة ، أو أعجمي ، أو تركي ، أو عامي ، لا يعرف مقاصد الشروط لا يجب القيام بكثير من الشروط التي تضمنته ، لأن الواقف لم يقصدها ولا فهمها . وقد صرح كثير من الواقفين بذلك بعد الوقف . وعلى هذا فيصير كالوقف الذي لا تعلم شروطه .
ومن مسائل أبي جعفر محمد بن علي الوراق 
قيل له ، قال : حج عني ، قال : يحج عنه ، يعني يفرد الحج ، قيل له قال : وما فضل فهو لك . كيف ترى . قال : إذا قال فأرجو أن يطيب له . صلى بنا أبو عبد الله يوم جمعة صلاة الفجر فقرأ تنزيل السجدة ، وعبس فسهى أن يقرأ السجدة فجاوزها فسجد سجدتي السهو قبل التسليم ، قيل له : لم سجدت سجدتي السهو ؟ قال : لا يضره ، وذكر حديث ابن عباس : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين . أما رأيتني ما صنعت . يقول : إني لم أقرأ السجدة . قلت : هذه الرواية في غاية الإشكال ، لأن سجدة يوم الجمعة ليست من سنن صلاة الفجر ، ولهذا لا يستحب أن يتعمد قراءة آية سجدة من هذه الصورة ، ولا من غيرها في فجر الجمعة . وإنما المقصود قراءة هاتين السورتين تنزيل . وهل أتى وذلك لما فيهما من بدء خلق الإنسان . 
وذكر القيامة فإنها في يوم الجمعة فإن آدم خلق يوم الجمعة ، وفي يوم الجمعة تقوم الساعة فاستحب قراءة هاتين السورتين في هذا اليوم تذكيراً للأمة بما كان فيه . ويكون والسجدة جاءت تبعاً غير مقصودة . فلا يستحب لمن لم يقرأ سورة تنزيل أن يتعمد قراءة آية سجدة من غيرها . لا سيما وقد آل هذا بخلق كثير إلى اعتقادهم أن يوم الجمعة خص بزيادة سجدة فيشتد إنكارهم على من لم يسجد ذلك اليوم ، وربما يعيدون الصلاة وينسبونه مع سعة علمه وفقهه إلى أنه لا يحسن يصلي . ولهذا والله أعلم كرهها مالك و أبو حنيفة وغيرهما ، فالسجدة ليست من سنن الصلاة فلا يستحب سجود السهو لتركها . وهذا إن كان قد صح عن أحمد ، فالظاهر والله أعلم أنه رجع عن ذلك فلم يستقر مذهبه عليه وقول ابن عباس إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين . إنما أراد به ابن عباس الركعتين بعد الفريضة جابرين بما يكون من الفريضة من خلل والركعة تسمى سجدة . وقال ابن عمر : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الصبح ، وسجدتين قبل الظهر ، وسجدتين بعدها ، الحديث وهو كثير في الأحاديث والآثار إطلاق اسم السجدتين على الركعتين . وقد ذهبت طائفة من الزيدية إلى أنه يشرع لكل مصل أن يسجد سجدتين . للسهو في آخر كل صلاة ، ولعلهم فهموا ذلك من قول ابن عباس والله أعلم ولا أعلم للوراق متابعاً على هذه الرواية والمذهب على خلافها . عدنا إلى مسائله قال : قلت الإمام إذا ختم قرأ المعوذتين ، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب ويبتدىء بالقراءة قال : لا أدري ما سمعت في هذا بشيء ، قلت : تجزىء العمامة في الكسوة في كفارة اليمين . فقال لي : تجزىء القلنسوة ، ثم قال : لا إلا الثوب أوالقميص ، وإن كسا امرأة فقميص ومقنعة ، لأنه لا يجوز للمرأة أن تصلي إلا في قميص ومقنعة الكسوة فيما تجوز فيه الصلاة . وسأله رسل عن مسألة . فقال : لا أدري فردها الرجل عليه ، فقال : أكل العلم نحسنه نحن . قال : فاذهب إلى هؤلاء فاسألهم يعني أصحاب الرأي . فقال : لا أنظر إلى من يذهب إلى رأي أهل المدينة . وسمعت أحمد يقول : كان الحجاج بن أرطأة يقول : لا تقولوا من حدثك ، ولا من أخبرك . قولوا من ذكره . قيل له كان يدلس . قال : نعم . 
ومن مسائل أبي العباس أحمد بن محمد البزي . قلت : إذا تلاعن الزوجان ما أمرهما فسخ أو طلاق بتفريق الحاكم ، وكيف يكون حال المرأة إذا ارتدت عن الإسلام والخلع وما أشبه هذا . فقال : هذه مسألة أنا فيها منذ ثلاثين سنة لم يتضح الأمر فيها فلا أدري اللعان فيها أو لا .
ومن مسائل زياد الطوسي 
سألته عن العقيقة . فقال : ليست بواجبة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق عن الحسن والحسين . قال زياد : وأخبرني أبو عبد الله أنه قال : تعطي القابلة الرحل كذا بخط القاضي بحاء مهملة وهو سهو منه وصوابه الرجل بالجيم . وروى أحمد بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يبعثوا إلى القابلة برجل يعني من العقيقة ذكره الخلال في جامعه . قال : وسمعت أحمد يقول : لا يعجبنا أن يقول مؤمن حقاً ولا يكفر من قال . وقال : وسمعته يقول : لا تسمي في التشهد إلا ما روي عن عبد الله التحيات لله .
ومن مسائل بكر بن أحمد 
سألت أبا عبد الله إذا فاتتني أول صلاة الإمام فأدركت معه ركعة من آخر صلاته . قال لي : تقرأ فيما تقضي يعني الحمد لله ، وسورة وفي القعود تقعد على ابتداء صلاتك .
ومن مسائل الفضل بن زياد 
قال : سمعت أبا عبد الله قيل له : ما تقول في التزويج في هذا الزمان ؟ فقال : مثل هذا الزمان ينبغي للرجل أن يتزوج ، ليت أن الرجل إذا تزوج اليوم ثنتين فقلت : ما يأمن أحدكم أن ينظر النظر فيحبط عمله . قلت له : كيف يصنع من أين يطعمهم ؟ فقال : أرزاقهم عليك أرزاقهم على الله عز وجل .
ومن مسائل عبد الملك الميموني 
قال الزكاة أهون من الصدقة ، لأن الله قال فيها وابن السبيل وهو حين يأخذ الزكاة . فيخرج من منزله تلك الساعة هو ابن السبيل . قال القاضي قوله حين يأخذ الزكاة يخرج من منزله تلك الساعة هو ابن السبيل . يدل على أن ابن السبيل هو المنشي للسفر وعنه خلاف وإنه المختار انتهى كلامه . ولم يفسر قول أحمد الزكاة أهون من الصدقة. وأراه قد خفي عليه معنى كلام أحمد ولم يرد أحمد ما فهم القاضي . وقال الميموني : قلت يعتق من زكاته . قال : نعم . قلنا له : فإن جنى جناية ، أو أحدث حدثاً أليس يرجع عليه . قال : بلى ، قلنا : فميراثه له ، قال : لا ، قلنا : ولم قال إن ذا لله فإذا ورث منه شيئاً جعله في مثله . 
قلت : يعقل عنه ويؤخذ بجريرته في جنايته . فإذا مات ذهب ميراثه . قال : هو أراده وضيعه بنفسه ، وسألته عن الحب يجمع ، قال : مسألة فيها اختلاف . قلت : إذا كنا نذهب في الذهب والفضة إلى أن لا نجمعها لم لا تشبه الحبوب بها . قال : هذه يقع عليها اسم طعام واسم حبوب . قال : ورأيت أبا عبد الله في الحبوب يحب جمعها ، ومذهبه في الذهب والفضة والبقر والغنم أن يزكي كل واحد منها على حدة ، ولا يجمع بعضها إلى بعض ، سألته عن الرجل من أهل الكتاب لي عليه اليمين أستحلفه . قال : نعم إلا أن من الناس من يقول : أستحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه بأيمانهم . ومنهم من يقول : يستحلفه بالله . قلت : فإن استحلفه بالله أو بالكنيسة ، أليس ترى ذلك جائزاً . قال : بلى وإذا رفع إلى الحاكم استحلفه بالكنيسة ، ويغلظ عليه أو بالله عزوجل . في الحاشية بخط القاضي قوله أو بالكنيسة . يحتمل أن يريد به يستحلفه بالله في الكنيسة . ولم يرد أن يحلفه بها . ويحتمل أن يريد يستحلفه بالله ويضم إليه وهدم الله الكنيسة . قلت : ما تقول في الصفي . قا ل . ذلك شيء للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . قلت : فيكون للخليفة بعده ، قال : لا ، إنما كان للنبي ضصص خاصة . قلت : قال الله عز وجل : لله وللرسول [ الأنفال : 124 ] الآية أن جعلها رجل في صنف واحد أجزأ عنه . قال لي : ما علمت أن أحدا قال بذا يجعل في الأصناف كلها . وقال : أرأيت إن كان عنده عشرة آلاف ، وعليه عشرة آلاف لا يحج ما تقول في حج هذا . إذا حج قلت على القياس حجه فاسد على قول من قال : ليس له أن يحج من هذا المال ، فقال لي : ما يرى هذا إلا شنيع ، قلت : هذا القياس غير صحيح ، لأنه وإن كان دنه بقدر ، ما بيده فهو لم يحج بمال حرام حتى تكون مسألة الحج بالمال الحرام . وإنما حج بمال نفسه . ولكنه أثم بتأخير قضاء الدين من هذا المال ولو أنه اكتسب في هذا المال ونما ، لكان نماؤه لم يختص به . ولو تصدق منه لكان ثوابه له . فلا يصح قياسها على ما لو سرق مالاً لغيره ، وحج به . عدنا إلى المسائل قلت وتخرج صدقة قوم من بلد إلى بلد . قال : لا إلا أن يكون فيها فضل عنهم . قلت : كيف يكون عن فضل ؟ قال : يعطيهم ما يكفيهم ويخرج الفضل عنهم ، لأن الذي كان يجيء المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر . إنما كان من فضل عنهم . وقال لي أبو عبد الله : إذا بيت فأصاب نساءهم ، فليس عليه كفارة وليس عليه شيء ، وإذا عمد فليس عليه أيضاً لا دية ولا كفارة . ولكن لا يقتل لا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو عبد الله إنما الجهر بالقراءة في الجماعة أرأيت إن صلى وحده عليه أن يجهر . إنما الجهر في الجماعة إذا صلى . وسألوه عن الجرح يكون بالإنسان يخاف عليه . كيف يمسح عليه . قال : ينزع الخرقة ، ثم يمسح على الجرح نفسه . قلت : هذا النص خلاف المشهور عند الأصحاب ، فإنهم يقولون : إذا كان مكشوفاً لم يمسح عليه حتى يستره . فإن لم يكن مستوراً تيمم له ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ، ثم يباشر الجرح بالمسح وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة وإنه خير من التيمم وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين . ولا ريب أنه بمقتضى القياس . فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب . ولم أزل أستبعد هذا حتى رأيت نص أحمد هذا بخلافه ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة الشقة بكشفه فكيف يكون أولى من المسح على الجرح نفسه بغير حائل . فالقياس والآثار تشهد بصحة هذا النص والله أعلم . وقد ذكرت في الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار . من قال بذلك من السلف وذكرت الآثار عنهم بذلك . وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله يذهب إلى هذا ، ويضعف القول بالتيمم بدل المسح ، رجعنا إلى المسائل . 
وقال : إذا كان الإمام من أئمة الأحياء يسكر هذا لا تقبل صلاته أربعين يوماً . كيف أصلي خلف هذا لي أن أختار ليس هو والي المسلمين والصلاة خلف الولاة . لا بد والصلاة خلف أئمة الأحياء لنا أن نختار . قال أبو عبد الله : لم ترث بنات عم من مواليه شيئاً .
ومن مسائل الفضل بن زياد القطان 
سمعت أحمد وسئل عن الرجل يختن نفسه . فقال : إذا قوي على ذلك . قلت : من أقرأهم ؟ قال : احفظهم . وسالت أحمد عن المتطوع جالساً . هل يتربع ؟ قال : إن كان يطيل القراءة تربع وإن كان يكثر الركوع والسجود لم يتربع ، وسألت أحمد عن الرجل يصلي تطوعاً . فيصير بعض ذلك عن والديه . فقال : أما الطواف فقد سمعنا ، وأما الصلاة فما أدري أحتاج أن أنظر فيه . 
وسمعته يسأل عن القنوت قبل الركوع أو بعد . فقال : كل حسن إلا أني اختار بعد الركوع . وسألته إذا قنت الرجل في الوتر يكبر ، ثم يقنت . فقال : إذا قنت قبل الركوع ففرغ من القراءة كبر ، ثم قنت وإن قنت بعد الركوع فرفع رأسه من الركوع ، قال : اللهم إنا نستعينك ونستهديك ولم يكبر وسألته عن قدر القيام في القنوت . فقال : كقنوت عمر . وسمعته وسئل عن الإمام يقنت ويؤمن من خلفه . قال : ما أحسنه إلا إنا نحن ندعو جميعاً . سألت أحمد . قلت : أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح . 
قال : اجعله في التراويح . قلت : كيف أصنع ؟ قال : إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة ، وأطل القيام . وسألت أحمد عن إمام قوم إذا كان آخر ليلة من الشهر أقبل على الناس ووعظ وذكر . وحمد الله وأثنى عليه ، ودعا ، قال : حسن قد كان عامة البصريين يفعلون هذا . أخبرنا أحمد ثنا عبدالرزاق انبأ عقيل عن معقل عن وهب بن منبه عن جابر بن عبدالله . إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال : هي من الشيطان ، كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث ابن عباس إياكم والغلو . ما معنى الغلو ؟ فأتاني الجواب يغلو في كل شيء في الحب والبغض . صافحت أبا عبد الله كثيراً فصافحني وابتدأني بالمصافحة غير مرة ، ورأيته يصافح الناس كثيراً . 
أخبرنا أبو طالب عن أبي عبد الله ، قال : قلت هؤلاء إذا قلنا لهم : يهديكم الله ، ويصلح بالكم . قالوا : إنما يقال هذا ليهود ، أليس بقرآن أهدنا الصراط المستقيم ، قلت : أليس دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدني فيمن هديت . قال : بلى . الفضل قال أبو طالب سألته عن اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . قال : لا . النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أمتي أمتي يقع على اليهود والنصارى وسألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الأضحية ، ثم يبدو له أن يشتري خيراً منها قال : إذا سماها فلا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحي بها ، وسألته عن الإزار تحت السرة أعجب إليك ، أم فوق السرة ، فقال : تحت السرة ، وسمعته يسأل عن معنى لا تراءى ناراهما ، فقال : لا ينزل في المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك ، وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم . ولكن تباعد عنهم . وسألته عن طواف الزيارة كما هو قال أحد وعشرون طوافاً ثلاثة أسابيع لذلك أعجب إلينا . قلت : يريد أحمد أن أكمل الطواف ثلاثة أسابيع سبع للقدوم وسبع للإفاضة وسبع للوداع ، فأجاب السائل عن سؤاله وغيره ، وقد صرح بهذا في مواضع أخر . وسمعته يقول لقوم : قدموا من مكة يبارك الله لكم في مقدمكم وتقبل منكم . وسمعته ، وسئل عن المرأة تلبس الحلي وهي محرمة . فقال : لا بأس به . وسمعته وسأل عن محرم أحرم من خراسان . فلما صار ببغداد مات أوصى أن يحج عنه بحرم عنه من بغداد أو من المواقيت . قال : من المواقيت . وسألته عن المحرم يستظل . قال : لا يستظل قلت : عليه دم . فقال : الدم عندي كثير . وكتبت إليه أسأله عن رجل له قرابات محاويج لا يعرفون شرائع الإسلام ، ولا يتعلمونه أيضع زكاته فيهم ، أو في من يعرف شرائع الإسلام من غير القرابات . فأتى الجواب ينبغي له أن يعلمهم ويضعها فيهم ويعطيهم من غير الزكاة ، وكتبت أسأله عن الحديث من أقر بالخراج وهو قادر على أن لا يقر به فعليه لعنة الله ، فأتى الجواب ما سمعت بهذا هو حديث منكر . وقد روى عن ابن عمر أنه كان يكره الدخول في الخراج ، وإنما كان الخراج على عهد عمر . وسألته عن الرجل يكتب عن الرجل ولا يراه . فقال : كتبت عن علي بن هشام ولم أره . نافع عن ابن عمر قال : كان يبعث بها قبل الفطر باليومين والثلاثة إلى المجمع . وكان عطاء يعطي عن أبويه صدقة الفطر حتى مات . قيل لأبي عبدالله : يعجبك هذا ، قال : هذا تبرع ما أحسن هذا . سمعت أبا عبد الله يقول : أكذب الناس القصاص والسؤال . وسمعته يرد على السائل إذا وقف ببابه . أعاننا الله وإياك كتبت إليه أسأله عن رجل يعمل الخوص قوته ليس يصيب منه أكثر من ذلك . هل يقدم على التزويج ؟ فأتاني الجواب : يقدم على التزويج ، فإن الله يأتي برزقها ويتزوج ويستقرض . وسألته عن رجل تزوج امرأة على ألف درهم فبعث إليها بقيمته متاعاً وثياباً . ولم يخبرهم أنه من الصداق ، فلما دخل بها سألته الصداق ، فقال أبو عبد الله لها . ذلك قلت : فإنه قال لها : إني قد بعثت إليك بهذا المتاع واحتسبته من الصداق . فقالت المرأة : إنما صداقي دراهم . فقال ابن عبد الله : صدقت . قلت : كيف يصنع بهذا ؟ قال : ترد عليه الثياب والمتاع وترجع المرأة عليه بصداقها . وسئل عن رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إن لبست من غزلك وعليه من غزلها يلقي ما عليه من غزلها ساعة وقعت اليمين . قيل له : فإن هو نسي وذكر بعد ، قال : يلقيه عنه ساعة ، ذكر قيل له : فإن مشى خطوات وهو ذاكر له يقول الساعة ألقيه أخشى أن يكون قد حنث ، قلت : هذا منصوص أحمد ههنا . وفي مسألة الحمل . إذا قال : إن حملت فأنت طالق فبانت حاملاً طلقت . وقال صاحب المحرر . وعندي أنها لا تطلق إلا بحمل متجدد . وقد وافق أبي البركات على مسألة اللبس . فقال : إذا حلف لا يلبس ثوباً هو لابسه ، أو لا يسكن داراً هو ساكنها ، أو لا يساكن فلاناً وهو مساكنه ، فاستدام ذلك حنث ، وكذلك إذا حلف أن لا يتسرى فوطىء أمة له . قال : يحنث ، ثم قال : وإن حلف لا يتطيب وهو متطيب ، أو لا يتطهر وهو متطهر . أو لا يتزوج وهو متزوج . فاستدام ذلك لم يحنث ، ثم قال : وإن حلف لا يدخل داراً هو فيها . فهل يحنث بالاستدامة إذا لم تكن له نية فعلى وجهين . وهذه المسألة تحتاج إلى فرق صحيح ويعسر ، أو يتعذر ابداؤه فأما إن اعتبرنا النية فالجميع سواء . وإن تعذر اعتبار النية لم يظهر فرق البتة بين أن يحلف أن لا يتسرى ، أو أن يحلف أن لا يتزوج ، وغاية ما يمكن أن يفرق بينهما أن التسري مأخوذ من السر وأصله التسرر وهو الوطء ، لأنه يكون سراً فيحنث بوطء أمته بخلاف التزوج فإن وطء الزوجة لا يقال له تزوج وهذا الفرق ليس بشيء . فإن التزوج أيضاً مأخوذ من ضم الزوج إلى زوجه . ولكن عند الإطلاق لا يفهم من التسري والتزوج إلا تجديد فراش أمته ، أو زوجه . فإن كان استدامة فراش الأمة يعد تسرياً فاستدامة فراش الزوجة يعد زواجاً . وبالجملة فلا يظهر لي في هذه المسائل فرق يعتمد عليه . عدنا وسئل عن امرأة اختلعت من زوجها في مرضه فمات وهي في العدة لا ترثه ليس هي مثل الطلاق . الطلاق ابتداء والخلع هو من قبلها حديثاً . أبو طالب عن أبي عبد الله أنه سأله عن الأمة إذا فقدت زوجها تتربص سنتين على النصف من الحرة . سمعت أحمد يقول في حديث أبي هريرة : من حمل في جنازة فليتوضأ ، فقال : كأنه يقول : لا يحملها حتى يتوضأ، أو كما قال : وسألته عن قوم مات فيهم ميت وليس عندهم ماء . فقال : يتيمم . قلت : فإنهم يمموه وصلوا عليه وأصابوا الماء ، قال : لا أدري ما هذا لم أسمع في هذا بشيء وكتبت إليه أسأله عن زائر القبر يقف قائماً ، أو يجلس فيدعو فأتى الجواب أرجو أن لا يكون به بأس .
ومن مسائل أحمد بن أحرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله بن حسان بن عبد الله بن المغفل المزني الصحابي 
سمعته وقال له رجل : جمعنا الله وإياك في مستقر رحمته فقال : لا تقل هكذا . قلت : اختلف السلف في هذه الدعوة وذكرها البخاري في كتاب الأدب المفرد له ، وحكى عن بعض السلف أنه كرهها وقال : مستقر رحمته ذاته . هذا معشى كلامه وحجة من أجازها ولم يكرهها الرحمة هنا . المراد الرحمة المخلوقة ومستقرها الجنة ، وكان شيخنا يميل إلى هذا القول انتهى . وسئل عن رجل استأجر أجيراً على أن يحتطب له على حمارين كل يوم ينقل عليهما ، وكان الأجير ينقل على الحمارين وعلى حمار رجل آخر في نوبة هذا ، أو يأخذ منه الأجر . فقال : إن كان يدخل عليه فيه ضرراً رجع عليه بالقيمة ، أو قال كلاماً هذا معناه . قلت : وشبيه بهذه المسألة إذا أخذ من رجل مالاً مضاربة ، ثم ضارب لغيره . وعلى الأول ضرر في ذلك فإنه يرد حصته من الربح في شركة الأول . ووجه هذا أن منافعه صارت مستحقة للمستأجر والمضارب ، فإذا بذلها لغيره بعوض كان العوض لمستحقها . وسأله رجل : أن والدي توفي وترك عليه ديناً أفأقضيه من زكاة مالي . قال : لا ، وسئل عن رجل أسلم في طعام إلى أجل مسمى . 
فإذا حل الأجل يشتري منه عقاراً ، أو داراً . فقال : نعم يستري منه ما لا يكال ولا يوزن . وسمعته : سئل عن رجل حلف أن لا يلبس من غزل امرأته فخاط الخياط من غزلها فلم يجب فيه شيء . وسئل عن امرأة رميت فأقرت على نفسها ، ثم ولدت فبلغ زوجها فطلقها قال الولد للفراش : حتى يلاعن . وسئل عن رجل أسلم من أهل الحرب في دار الحرب ، ثم دخل دار الإسلام وليس له ولي في دار الإسلام فقتله رجل من المسلمين خطأ. أيلزم المسلم الدية مع الرقبة ؟ قال : الذي أذهب إليه أنه ليس عليه دية وعليه رقبة . وسئل عمن طاف وراء المقام ، وقيل له : روي عن عطاء أنه قال من لم يمكنه الطواف إلا خلف المقام جلس كأن عطاء كره الطواف خلف المقام . فقال : من وروى هذا ليس هذا بشيء الذي يكره من هذا هو كثر لتعبه وأعظم لأجره . قيل له : طاف من وراء السقاية . قال : نعم هو أكثر لتعبه . قيل له : تذهب إلى حديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب قال : نعم . 
قيل له : وقد رواه خالد الحذاء عمن سمع عبد الله بن عكيم . قال : قد رواه شعبة عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن عكيم أصح من هذا . وقد رواه عباد ، ورواه شعبة عن الحكم كأنه صححه من غير حديث خالد .
ومن مسائل الفضل بن زياد القطان 
كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث النعمان بن بشير من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ما الشبهات ؟ فأتاني الجواب هي منزلة بين الحلال والحرام ، إذا استبرأ لدينه لم يقع فيها . أحمد حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد يعني ابن واسع أنه كان يكره أن يشتري بالدنانير إلا العتق ، وبالدراهم التي فيها كتاب الله أن يشتري بها أو يبيع . وقال أحمد : سمعت من معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب . قال : كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البحر منهم طلحة بن عبد الله ، و سعيد بن زيد . سمعت أبا عبد الله ، وسئل عن بيع الجزاف . فقال : إذا استوى علمهما فلا بأس يعني إذا جهلا به فإذا علم أحدهما وجهل الآخر فلا ، وسألته قلت : القطن يبيعه فيرفع ظرفه العدل خمسة أمنان . قلت : نعم ، وربما زاد فيحسبه المشتري فرخص فيه ، ولم ينكره على طريق الصلح ، قلت : فإنا نبيع بيعاً آخر نبيع القطن في الكساء ، فقال : هذا أحب إلي من ذلك ، لأنه يكون بمنزلة التمر في جلاله وقواصره . ما زال هذا يباع في الإسلام . قلت : فإنهم يحملونا على أن نكشفه . فقال : هذا ضرورة ليس عليكم هذا . قال القاضي : إنما لم يشترط كشفه على الرواية التي أجاز بيع الجرب قبل حلها ، وقوله : نبيعه بظرفه أحب إلي من أن يحتسب بوزن الظرف ، لأنهم ربما اختلفوا في وزنه انتهى كلامه . قلت : قول أحمد نبيع القطن في الكساء أحب إلي وقوله ، لأنه يكون بمنزلة التمر في جلاله وقواصره ما زال هذا يباع في الإسلام يؤخذ منه بيع المغيبات في الأرض كالجزر والقلقاس والسلجم ونحوها . بل أولى وما زال هذا يباع في الإسلام ويتعذر عليهم بيع المزارع إلا هكذا ، وعلمهم بما في الأرض أتم من علم المشتري بما في الجرب والاعدال ، لأنهم يعرفونه بورقه . ولا يكاد تخلو معرفتهم به ، بل ربما كان اختلاف ما في الجرب والإعدال أكثر من اختلاف المغيب في الأرض والعسر فيه أكثر ، لأنه بحسب دواعي البسر وما في الأرض لا صنع لهم فيه . فالغالب تساويه وبالجملة فلم يزل ذلك يباع في الإسلام ، وهذه قاعدة من قواعد الشرع عظيمة النفع أن كل ما يعلم أنه لا غنى بالأمة عنه . ولم يزل لا يقع في الإسلام ولم يعلم من النبي صلى الله عليه وسلم تغييره ولا إنكاره ، ولا من الصحابة فهو من الدين وهذا كإجارة الإقطاع وبيع المعاطاة وقرض الخبز والخمير ورد أكثر منه وأصغر ، وأكل الصيد من غير تفريز محل أنياب الكلب ، ولا غسله وصلاة المسلمين في جراحاتهم ، كما قال البخاري : لم يزل المسلمون يصلون في جراحاتهم ومسحهم سيوفهم من غير غسل وصلاتهم وهم حاملوها ، ولو غسلت السيوف لفسدت ولا يعرف في الإسلام غسل السيوف ، ولا إلقاؤها وقت الصلاة ، وكذلك صلاة النساء في ثياب الرضاعة أمر مستمر في الإسلام . مع أن الصبيان لا يزال لعابهم يسيل على الأمهات وهم يتقيئون ، ولا تغسل أفواههم ، وكذلك البيع والشراء بالسعر لم يزل واقعاً في الإسلام . حتى أن من أنكره لا يجد منه بداً فإنه يأخذ من اللحام والخباز وغيرهم كل يوم ما يحتاج إليه من غير أن يساومه على كل حاجة ، ثم يحاسبه في الشهر أو العام ويعطيه ثمن ذلك . فما يأخذه كل يوم إنما يأخذه بالسعر الواقع من غير مساومة ، وكذلك الإجارة بالسعر في مثل دخول الحمام وغسل الغسال وطبخ الطباخ والخباز وغيرهم . لم يزل الناس يفعلون ذلك من غير تقدير إجارة اكتفاء منهم بإجارة المثل . وقد نص الله تعالى على جواز النكاح من غير تسمية وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بمهر المثل . فإذا كان هذا في النكاح ففي سائر العقود من البيوع والإجارات أولى وأحرى . وقول القائل : الصداق في النكاح دخيل غير مقصود ، ولا ركن كلام لا تحقيق وراءه . بل هو عوض مقصود تنكح عليه ، المرأة وترد بالعيب ، وتطالب به وتمنع نفسها من التسليم قبل قبضه حيث يكون لها ذلك وهو أحق أن يوفي به من ثمن المبيع وعوض الإجارة فهو في هذا العقد أدخل من ثمن المبيع وعوض الإجارة فيهما ، لأن منافع الإجارة والأعيان المبيعة قد تستباح بغير عوض ، بل تباح بالبدل بخلاف منفعة البضع المرأة لم تبذل بضعها إلا في مقابلة المهر وبضعها أعز عليها من مالها ، فكيف يقال : إن الصداق عارية في النكاح غير دخيل فيه . وهل هو إلا أحق بالوفاء من ثمن المبيع . والذي أوجب لمن قال إنه دخيل في العقد إنهم رأوا النكاح يصح بدون تسمية . فدلت على أنه ليس ركناً في العقد فهذا هو الذي دعاهم إلى هذا القول . وجواب هذا أن النكاح لم ينعقد بدونه البتة . وإنما انعقد عند الإطلاق بصداق المثل فوجب صداق المثل بنفس العقد حتى صار كالمسمى وجعل الشارع سكوتهم عنه بمنزلة الرضى به وتسميته . فلم ينعقد النكاح بغير صداق . وإنما انعقد بغير تسمية صداق ، وفرق بين الأمرين . 
والمقصود أن الشارع جوز أن يكون أعراض المبيعات والمنافع في الإجارات ، ومنفعة البضع منصرفة عند الإطلاق إلى عوض المثل . وإن لم يسم عند العقد وليس هذا موضع تقرير هذه المسائل . وإنما أشرنا إليها إشارة . قال : وسألته عن الرجل يشتري الثوب بدينار ودرهم فقال : لا بأس به . قلت : فإن اشتراه بدينار غير درهم . قال : لا يجوز هذا ، وسمعته سئل عن المكحلة قال : لا يشتر بها شيئاً . ولكن إذا كان لك على رجل دراهم فأعطاك مكحلة فخذ منه . كأنك أخذت دون حقك . ورأيته يشدد في الشريعة جداً . وسئل عن رجل كان ساكناً فقال له صاحب الداء : تحول فقال الساكن : قد دفنت في دارك شيئاً . فقال صاحب الدار : ليس ذلك لك . فقال أبو عبد الله ينبش كل واحد منهما ما دفن فكل من أصاب الوصف كان ذلك له ، أو نحو هذا ، قلت : هذا له ثلاثة أصول . 
أحدها : وصف اللقطة فإنه يوجب أو يسوغ على القول الآخر دفعها إلى الواصف . 
الثاني : الدعوى المؤيدة بالظاهر والعادة كدعوى كل من الزوجين ما يصلح له دون صاحبه فإنه يعطاه بدعواه المتأيدة بالظاهر والعادة . 
الثالث : ان العلم المستفاد من وصف أحدهما له بصدقه أقوى من العلم المستفاد بالشاهد الواحد واليمين أو نكول الخصم وهذا مما لا سبيل للنفس إلى دفعه ومحلل أن يحكم بالأضعف ، ويلغي حكم ما هو أقوى منه . والذي منع منه الشرع ، أن المدعي لا يعطى بدعوى مجردة لا دليل معها شيئاً فإذا تميزت بدليل لم يحكم له بدعوى مجردة . ولهذا يحكم له بالشاهدين تارة ، وبالواحد تارة ، وبالمرأة تارة ، وبالنكول تارة ، وبالقرائن الظاهرة وبالصفة وبالشبه ، وهذا كله أمر زائد على مجرد الدعوى . فلم يحكم له بدعوى مجردة . وأين يقع معاقد القمط ووجوه الاجر والجص من الصفة ههنا . وفي اللقطة والله الموفق . 
وقال أحمد : إذا ادعى أحدهما الدار أجمع . وقال الآخر : لي نصفها فهي بينهما نصفان . وقد يقول بعض الناس : هي بينهما ثلاثة أرباع لمدعي الجميع وللآخر الربع . قلت : وجه هذا أن مدعي النصف قد اعترف أن النصف الآخر لا حق له فيه فلا منازع لخصمه فيه فينفرد به ، وخصمه ينازعه في هذا النصف المدعي وكلاهما يدعيه فهما فيه سواء . ووجه المنصوص وهو القياس أن أيديهما على الدار سواء . فلكل واحد نصفها ومدعي الكل يدعي النصف الذي للآخر وهو ينكره . فلو أعطى منه شيئاً لأعطى بمجرد دعواه وهو باطل . فإن خصمه إنما يقر له بالنصف فلأي شيء يعطي نصف ما بيد خصمه بمجرد الدعوى . فهذا القول ضعيف جداً . وقولهم : إنه يقر لخصمه بالنصف فينفر به وهما متداعيان للنصف الآخر فيقسم بينهما ، فجوابه : إن استحقاق خصمه للنصف لم يكن مستنداً إلى إقراره له به . بل النصف له سواء أقر له به خصمه ، أو نازعه فإقراره . 
إنما زاده تأكيداً ويد كل منهما مثبته لنصف المدعي وأحدهما يقول لصاحبه : ليس يدك يد عدوان ، والآخر يقول لمدعي النصف : يدك يد عدوان فلو قضينا له بشيء مما بيد خصمه لقضينا له بمجرد قوله ودعواه ، وهذا لا نص ولا قياس والله أعلم . وقال له رجل أكرى نفسي لرجل ألزم له الغرماء . قال : غير هذا أعجب إلي . وسمعته يقول : ما أقل بركة بيع العقار إذا بيع ، وقيل له : ما تقول في رجل اكترى من رجل داراً فوجد فيها كناسة ؟ فقال صاحب الدار : لم يكن هذا في داري ، وقال الساكن : بل قد كان في دارك . فقال : هو على صاحب الدار . سألت أبا عبد الله عن الصائغ يغسل الفضة بدردي الخمر قال : هذا غش يغسل الفضة تكون سوداء فتبيض . أملى علي أبو عبد الله إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحها من سقيمها ، ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن قول بعضهم لبعض مخالفاً . فإن اختلف نظر في الكتاب فأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به ، أو بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ به ، فإذا لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . نظر في قول التابعين فأي قولهم كان أشبه بالكتاب والسنة . أخذ به وترك ما أحدث الناس بعدهم . سمعت أبا عبدالله وسئل عن الرجل يسأل عن الشيء من المسائل فيرشد صاحب المسألة إلى رجل يسأله ، قال له : إذا كان رجلاً متبعاً أرشده إليه فلا بأس . وقال ابن أبي ذئب : ما رأينا بعد أصلح في تدينه وأروع وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين . فدخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهمله أن قال له بالحق وكان يشبه ابن أبي ذئب بسعيد بن المسيب في زمانه . قلت : رجل يقرىء رجلا مائتي آية ، ويقرىء آخر مائة آية . قال : ينبغي له أن ينصف بين الناس قلت : إنه يأخذ على هذا مائتي آية ، لأنه يرجو أن يكون عاملاً به ويأخذ على هذا أقل ، لأنه لم يكن يبلغ مبلغ هذا في العمل ، قال : ما أحسن هذا الإنصاف في كل شيء . وسمعت أبا عبد الله وذكر عنده أبو الوليد فقال : هو شيخ الإسلام . أبو عبد الله عن عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أبي خالد . قال : وذكر له أن موسى لما أخذ الألواح قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم الأولون والآخرون السابقون قال قتادة : هم الأولون في العرض يوم القيامة وهم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة . اجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد . قال : إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها ، قال قتادة : وكان من قبلكم . إنما يقرؤون كتبهم نظراً فإذا رفعوها لم يعوها ولم يحفظوها . وأن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ ما لم يعط الأمم قبلها ، وذكره إلى آخره . 
وسالت أبا عبد الله عن الطعام في أرض العدو إلى متى يأكلون ؟ فقال : إذا بلغوا الدرب ألقوا ما معهم . 
قال ابن هانىء : سألت أبا عبد الله عن الرجل يأخذ عارضيه . قال : يأخذ من اللحية بما فضل عن القبضة . قلت له : فحديث النبي صلى الله عليه وسلم : احفوا الشوارب واعفوا عن اللحى قال : يأخذ من طولها ومن تحت حلقه ، ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه ومن تحت حلقة . قال : ورأيت أبا عبد الله ياخذ من حاجبه بالمقراض . قال : وسألته عن خاتم الحديد . فقال : لا تلبسه . وسئل عن جلود الثعالب . قال : ألبسه ولا تصل فيه . وسئل عن السراويل أحب إليك أم المئزر ؟ فقال : السراويل محدث ، ولكنه أستر . قال ابن هانىء : خرج أبو عبدالله على قوم في المسجد فقاموا له فقال : لا تقوموا لأحد فإنه مكروه قال : وكنت مع أبي عبد الله في مسجد الجامع فصلياً ، ثم رجعنا فقعدنا واستراح وأنا معه فجاء رجل كأنه محموم . فقال : يا أبا عبد الله إني كنت شارب مسكر فتكلمت فيك بشيء ، فاجعلني في حل . فقال : أنت في حل إن لم تعد . قلت : يا أبا عبدالله ، لم قلت له لعله يعود . قال : ألم تر إلى ما ، قلت له : إن لم يعد فقد اشترطت عليه ، ثم قال : ما أحسن الشرط إذا أراد أن يعود فلا يعود إن كان له دين . قلت : وهذا صريح في جواز تعليق الإبراء على الشرط وهو الصواب . وقال ابن هانىء : قال رجل لأبي عبد الله أوصني فقال : أعز أمر الله حيث كنت يعزك الله . وقال لي : يا إسحاق ما أهون الدنيا على الله عز وجل ، قال الحسن : أهينوا الدنيا فوالله إني لأهنأ ما يكون حين تهان . وقيل له : ما معنى الحديث : لا يقم أحد لأحد ، فقال : إذا كان على جهة الدنيا مثل ما روى معاوية فلا يعجبني . قيل له : يكون الرجل حاجاً فيأتيه الناس وفيهم المشايخ . أيقوم له ؟ قال : قد قام النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر . وفي المعانقة احتج بحديث أبي ذر النبي صلى الله عليه وسلم عانقه . وسألته عن الرجل يلقى الرجل أيعانقه ؟ قال : نعم ، قد فعله أبو الدرداء ومحوت قدامه لوحاً بثوبي ، فقال : لا تملأ ثيابك سواداً امح اللوح برجلك . وجئته بكتاب من خراسان ، فإذا عنوانه لأبي عبد الله أبقاه الله فأنكره وقال : إيش هذا ، قال ابن هانىء دفع إلي أبو عبد الله يوماً في المسجد الجامع ثلاث قطع فيها قريب من دانقين أعطيها ، وأشار إلى رجل فجاء معي حتى وقف عليه فدفعها إليه وهو ينظر إلي ، فلما أن دخل المسجد وصلينا الفريضة إذا نحن بالسائل يقول : والله ما دفع إلي اليوم شيء ، ولا وقع بيدي اليوم شر من حرماني الطريق ، قال لي أبو عبد الله : ألم تر ذلك السائل ويمينه بالله عز وجل . يروى عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم إن صح لو صدق السائل ما أفلح من رده ، وقال لي أبو عبد الله يكذبون خير لنا لو صدقوا ما وسعنا حتى نواسيهم بما معنا. وما رأيته تصدق في مسجد الجامع غير تلك المرة . ففي هذا جواز الصدقة على سؤال المساجد فيها . 
ووجوب المواساة عند الحاجة وجواز رواية الحديث الضعيف فقلنا باشتراط الصحة .
فصل : إذا سبح أحد في مسألة فهل هو تقرير لما سأله عنه أم لا 
إذا سبح أحد في مسألة . فإن كان السائل سأله عن تحريمها أو كراهتها فهو تقرير لما سأله عنه لقول ابن منصور له : يكره التحريش بين البهائم . قال : سبحان الله أي لعمري ، وإن سبح جواباً للسائل . فإن كان قرينة ظاهرة في التحريم حمل عليه وإلا احتمل وجهي التحريم والكراهة ، وإن قال : لا ينبغي فهو للتحريم ، وإن قال : ينبغي ذلك . فهل هو للوجوب أو الاستحباب على وجهين ؟ والصواب النظر إلى القرينة . قال : إسحاق بن منصور ، قلت لأحمد المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة . قال : إن طاف طوافين فهو أجود ، وإن طاف طوافاً واحداً فلا بأس ، قلت : كيف هذا . قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما رجعوا من منى لم يطوفوا بين الصفا والمروة . وكذلك قال لي في رواية ابنه عبد الله إلا أنه لم يزل يذكر الدليل ، وكذلك نقل عنه ابن مشيش ، وقال ابن منصور : قلت لأحمد : إذا علم من الرجل الفجور أيخبر به الناس ؟ قال : بل يستر عليه إلا أن يكون داعية وزاد إسحاق يخبر به عند الحاجة في تعديل ، أو تجريح ، أو تزويج . قلت : تكره الخضاب بالسواد . قال : أي والله مكروه ، قال إسحق ، كما قال شديداً ، إلا أن يريد به قريباً لأهله ولا يغر به امرأة ، قلت : يكره أن يقول الرجل للرجل فداك أبي وأمي . قال : يكره أن تقول جعلني الله فداك ، ولا بأس أن يقول : فداك أبي وأمي ، قال إسحاق كما قال : قال حرب باب من تزوج امرأة ولم يدخل بها ، فجاءت بولد . قال أحمد في رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها ، وإنها ولدت ولداً أنه لا يلزمه قال ابن منصور . قلت لأحمد : في كم تعطى الدية . قال : لا أعرف فيه حديثاً . إلا إذا كانت العاقلة تقدر أن تحملها في سنة فلا أرى به بأساً ، ويعجبني ذلك . قال إسحاق في ثلاث سنين كل سنة ثلث ، لأنه وإن لم يكن الإسناد متصلاً عن عمر فهو أقوى من غيره .
ومن مسائل ابن بدينا محمد بن الحسين 
سمعت أبا عبد الله سئل تحضر الجمعة والجنازة ونخاف الفوت . فبايهما نبدأ ؟ قال : نبدأ بالجنازة . كذا فيه وهو غلط من الكاتب . وإنما الصواب نبدأ بالجمعة حدثني أبو بكر الأشرم قال : قلت لأبي عبد الله ، روى شعبة عن قتادة عن أنس أنه كره إذا اعتق الأمة أن يتزوجها . قال : نعم إذا أعتقها لوجه الله كره له أن يرجع في شيء منها . فأما إن أعتقها ليس لوجه الله إنما أعتقها ليكون عتقها صداقها فجائز ، وروى بإسناده عن صهيب . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تزوج امرأة ونوى أن يذهب بصداقها لقي الله وهو زان .
ومن مسائل أبي علي الحسن بن ثواب 
قال : قلت الرجل يقال له : أشهد أن هذه فلانة ، قال : إذا كانت ممن قد عرف اسمها ودعيت فذهبت وجاءت فليشهد ، وإن كان لا يعلم ما اسمها فلا يشهد . قلت : ولا يجوز أن يقول الرجل للرجل : أشهد إذا كان عنده ثقة ، إن هذه فلانة فيشهد على شهادة ذلك الرجل ، قال : إذا عرفت فاشهد قلت : رجل رهن داراً عند رجل فتصدق بها في المساكين ، قال : ليس هذا بمنزلة العتق لا يجوز . 
قلت : رجل زنى بامرأة أبيه تحرم عليه امرأته قال : نعم ، ومعنى هذا القول إن يكون رجل تزرج امرأة وابنه بنتها ، ثم وطىء الابن أم زوجته . قلت : رجلاً حفر بئراً . قال : إن كان مما أخذه به السلطان فلا يضمن وإن كان مما أراد بها النفع لداره ، أو ليحدث فيها الشيء ضمن وضمن الحفار معه إذا جاء به إلى طريق وهو يعلم مثله لا يكون ملكاً له . فحفر له شاركه في الضمان قلت : فإن كان حفر نصفها في حده ، ونصفها في فنائه فوقع فيها رجل . قال : يضمن ولا يضمن الحفار . قلت : فإن أخذ الحفار . قال : إن علم أن هذا الذي حفر لم يكن له ضمن . وإن قال : جئت إلى شيء أظن أنه ملك لهذا فليس عليه شيء ، قيل له : فما ترى في رجل حفر بئراً قامة فجاء آخر فحفرها حتى وصل الماء ، فوقع فيها رجل لمن يلزم الضمان ؟ قال : بينهما . قلت : ما ترى في المرأة تحج أو تسافر من غير محرم ؟ قال : أعوذ بالله ، قلت : ترى إن حجت من غير محرم يبطل . قال : أعوذ بالله إن حجها جائز لها . ولكنها أتت غير ما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : ما تقول في رجل مملوك له أب حر وأولاد أحرار من امرأة حرة مات العبد ولاء ولده لمن قال لموالي أمه . قلت : إن بعضهم يزعم أن الجد يجر ولاءهم ، قال : ليس هذا ذاك الذي يجر الجد ولاءهم . إنما ذلك في رجل مملوك وله أب مملوك ، وأولاد أحرار مات الرجل المملوك والجد مملوك ، ثم إن الرجل عتق فهو يجر ولاءهم ، لأنه عتق بعد موت ابنه . قيل له : ما ترى في رجل حفر في داره بئراً . فجاء آخر فحفر في داره بئراً إلى جانب الحائط الذي بينه وبينه فجرت هذه البئر بماء تلك البئر ؟ قال : لا تسد هذه من أجل تلك هذه في ملك صاحبها .
ومن مسائل أبي بكر أحمد بن محمد بن صدقة 
قال : سمعت أبا عبد الله وسئل عن رجل قال : بسم الله التحيات . فقال : لا تقل بسم التحيات ، ولكن لتقل التحيات لله . وسئل عن الرجل يشهد وهو رديء اللفظ قال : يكتبه هو عنده . فقال : فإن ودعت الشهادة أصلاً أتم ، ثم قال : إن كان يضر بأهل القرية ومثله يحتاج إليه . فلا يفعل وسئل عن مسجد إلى جنب رجل ، ومسجد آخر كان أبوه يؤذن فيه . أترى أن أصلي في المسجد الذي إلى جنبي . قال . إن كان عهد جميعاً فكلما بعد فهو خير . وسئل عن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا إغرار في الصلاة ولا تسليم ، قال : الإغرار عندنا أن يسلم منها ولا يكملها . وأما التسليم فلا أدري ، قيل له : حديث ابن عمر أنه كان يحتجم ولا يتوضأ . قال : لا يصح ، لأن عمر كان يتوضأ من الرعاف . ائ سئل عن الرجل يعطي أخاه ، أو أخته من الزكاة . فقال : نعم إذا كان لا يخاف مذمتهم ، وإن كان قد عودتهم فأعطهم . 
وسئل رجل توضأ بأقل من مد ، واغتسل بأقل من صاع ، فقال : ما سمعنا بأقل من مد النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بالصاع وتوضأ بالمد . 
وسئل عن الرجل يموت ، يقول : وارثي فلان . فقال له : كيف هذا وارثك فلان . وفلان أقرب إليك منه ببطن . قال : ليس ذاك مرادي فلان جده كان دعياً وينكر ذلك أهل القرية والجيران . وفي السامع المستفاض أن هذا الذي زعم أنه جده دعي وارث أقرب إليه يقبل قوله . قال : لا يقيل قوله الولد للفراش . 
وسئل عن المجوشية تكون تحت أخيها ، أو أبيها فيطلقها . قال : أو يموت عنها فيرفعان إلى المسلمين ألها مهر . قال أحمد : لم يسلما . قال : لا . فال : فليس لها مهر . 
وسئل عن الدرهم إذا رأيته مطروحاً آخذه ، قال : لا تأخذه . فإن أخذه يعرفه سنة للخبر . 
وسئل عن أحاديث وهب بن منبه عن جابر كيف هي . قال : أرجو ولم يكن إسماعيل يحدث بها ونحن ثمة ، وكتبت أنا عن إبراهيم بن عقيل بن معقل شيخاً كبيراً حديثين منها ، ولم يكن إسماعيل يحدث وأرجو وعقيل بن معقل أحب إلي من عبد الصمد . 
وسئل عن رجل حلف بصدقة ما يملك فقال : هذه يمين ، فقيل له ثلاثين حجة ، قال : لا أفتي فيه بشيء ، وسئل عن الرجل يعزي الرجل يصافحه قال : ما أذكره ما سمعت . 
وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا تأتوا النساء طروقاً . قال : نعم يؤذيهن قال بكتاب ، قال : نعم والله لما بلغ المقابر خلع نعليه ورأيته لما حثى التراب على الميت انصرف ولم يجلس . قال أحمد في رواية المروزي : من اشترى ما يكال وكاله البائع فوجده المشتري زائداً فقد يتغابن الناس بالقليل . فإن كان كثيراً رده إليه . قيل له في القفيز قال : هذا فاحش يرده ، قيل : فكيلحة ونحوه . قال : هذا قد يتغابن الناس بمثله . وقال : في رواية أحمد بن الحسن الترمذي العينة عندنا أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنقد ونسيئة فلا باس ، وقال في رواية صالح بن القاسم وسندي : أكره للرجل أن يكون له عادة غير العينة لا يبيع بنقد . وقال في رواية صالح : في الذي يبيع الشيء على حد الضرورة كأنه يوكل به السلطان لأخذ خراج فيبع فيؤدي لا يعجبني يشتري منه . قال في رواية حنبل : يكره بيع المضطر الذي يظلمه السلطان وكل بيع يكون على هذا المعنى فأحب أن يتوقاه لأنه يبيع ما يسوى كذا بكذا من الثمن الدون . وقال في رواية الميموني ولا بأس بالعربون ، وفي رواية الأشرم . وقد قيل له : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العربان فقال : ليس بشيء ، واحتج أحمد بما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر داراً بشجرة ، فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا . قال الأشرم : فقلت لأحمد : فقد يقال هذا ، قال : أي شيء أقول : هذا عمر رضي الله عنه . وقال حرب لأحمد : ما تقول في رجل اشترى ثوباً ، وقال لآخر انقد عني وأنت شريكي . قال إن لم يرد منفعة ولم يكن قرض جر نفعاً فلا بأس ، قال حرب : وسئل أحمد عن دار بين ثلانة اشترى أحدهم ثلثها بمائة والآخر الثلث الآخر بمائتين والآخر الثلث الآخر بثلاث مائة ، ثم باعوها بغير تعيين مساومة قال الثمن : بينهم بالسوية ، لأن أصل الدار بينهم أثلا ثاً . 
وسئل أحمد مرة أخرى عن ثوب بين رجلين قوم نصفه على أحدهما بعشرين ، ونصه على أحدهما بثلاثين فباعاه مساومة ، فقال . 
قال ابن سيرين : الثمن بينهما نصفين . قال حرب : وهو مذهب أحمد قيل : لم قال إن لكل واحد منهما نصفه . قلت : وإن كان عبداً قال : وإن كان عبداً ، العبد والدابة وكل شيء بهذه المنزلة انتهى . قلت : فإن باعوه مرابحة . فالثمن بينهم على قدر رؤوس أموالهم ، لأن الربح تابع لرأس المال . فإذا كان الربح عشرة في مائة ، فقد قابل كل عشرة درهماً فيقسم الثمن بينهم كما يقسم الربح . وقال صاحب المغني : نص أحمد على أنهما إذا باعاه مرابحة فالثمن بينهما نصفان وعنه رواية أخرى حكاها أبو بكر أنها على قدر رؤرس أموالهما . قال حرب : وسمعت أحمد يقول : يأخذ الرجل من مال ولده ما شاء . قلت : وإن كان الأب غنياً . قال : نعم ، قيل : فإن كان للإبن فرج شبه الأمة قال : أما الفرج فلا وذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك وحديث عائشة إن أولادكم من كسبكم والله أعلم .
فصل فيمن عنده رهون لا يعرف صاحبها 
قال أحمد في رواية أبي طالب فيمن عنده رهون لايعرف صاحبها يبيعها ويتصدق بها ، ولأ يأخذ ما على الرهن إذا باعه . فإن جاء صاحبها غرمها . قال ابن عقيل : ولا أعرف لقوله ، ولا يأخذ ما على الرهن وجهاً مع تجويز بيعها . فإن كان المنع لأجل جهالة صاحبها . فيجب أن يمنع البيع والصدقة بالثمن كما منع من اقتضاء الدين ، وإن لم يمنع من الصدقة والبيع فلا وجه لمنع اقتضاء الدين ، ونقل أبو الحارث في ذلك يبيعه ويتصدق بالفضل ، فإذا جاء صاحبها كان بالخيار بين الأخذ أو الثمن . قلت : فقد اختلفت الرواية عنه في جواز أخذه حقه من تحت يده . قال ابن عقيل : وأصل هاتين الروايتين جواز شراء الوكيل من نفسه . وفيه روايتان كذلك أخذه من تحت يده يخرج عليهما . وقد تضمن نصاه جواز البيع وإن لم يستأذن الحاكم ، وتأولهما القاضي على ما إذا تعذر إذن الحاكم ، قال : وأما إذا أمكن فلا يجوز له ذلك ، لأنه لا ولاية له على مال الغائب لا بولاية عامة ، ولا خاصة ومجرد كون مال الغير في يده لا يوجب الولاية . قال : وقد نص أحمد في رواية أبي طالب : إذا كان عنده رهن وصاحبه غائب وخاف فساده كالصوف ونحوه يأتي إلى السلطان ليأمر ببيعه ، ولا يبيعه بغير إذن السلطان . فهذا النص منه يقضي على ذلك الإطلاق . قلت : والصواب تقرير النصين . والفرق بين المسألتين ظاهر ، فإن في الثانية صاحب الرهن موجود . ولكنه غائب . فليس له أن يتصرف في مال الغائب بغير وكالة ، أو ولاية وهو لا يأمن شكايته ومطالبته إذا قدم وهذا بخلاف ما إذا جهل صاحب المال ، أو آيس من معرفته ، فإن المعنى الذي في حق الغائب الموجود مفقود في حق هذا . والله أعلم .
ومن مسائل أسمد بن خالد البراثي 
قال : سألت أبا عبد الله . فقلت : إذا فاتتني أول صلاة الإمام فأدركت معه من آخر صلاته فما اعتد به أول صلاتي . فقال لي : تقرأ فيما مضى يعني الحمد وسورة ، وفي القعود تقعد على ابتداء صلاتك . ومن خط القاضي أيضاً نقل مهنا عن أحمد في أسير في أيدي الروم مكث ثلاث سنين يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان يعيد . قيل له : كيف قال شهراً على أثر شهر كما يعيد الصلوات . ونقل عبد الله عنه في الرجل يكبر تكبيرة الافتتاح قبل الإمام هذا ليس مع الإمام يعيد الصلاة . إنما أمره بالإعادة ولم يجعله منفرداً بالصلاة ، لأنه يرى الائتمام بمن ليس بإمام ، لأنه إذا كبر قبله فليس بإمام له ولم تصح صلاة الإنفراد ، لأن النية قد بطلت فإن صلى نفسان ينوي كل واحد منهما أنه يأتم بصاحبه لم تصح صلاتهما ، لأنه ائتم بغير إمام . فإن صلى نفسان كل واحد منهما نوى أنه أمام صاحبه لم تصح صلاتهما أيضاً ، لأنه نوى الإمامة بمن لا يأتم به فهو كما لو نوى الائتمام بغير إمام . نقل الحسن بن علي بن الحسن : سألت أبا عبد الله عن الرجل يكبر خلف الإمام يخافت أو يعلن به . قال : لا نعرف فيه شيئاً . إنما الحديث إذا كبر فكبروا . قال القاضي : ظاهر كلامه التوقف عن جهر المأموم بذلك ويجب أن يكون السنة في ذلك الإخفات في حقه كسائر الأذكار في حقه ، ولأن الإمام إنما يجهر ليعلم المأموم بدخوله في الصلاة وركوعه . وإلا فالسنة الإخفات لسائر الأذكار غير القراءة انتهى . 
من خط القاضي أبي يعلى مما اتقاه من شرح مسائل الكوسج لأبي حفص البرمكي 
قال أبو حفص : إذا ترك التشهد أن صلاته تجزئه ولا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني أن تركهما عامداً أعاد الصلاة وإن تركهما ناسياً فصلاته جائزة وعليه سجود السهو . وقال : سجود السهو عندنا واجب إلا أن الصلاة لا تبطل بتركه ، قال : ومن الإبدال عندما ما يكون غير واجب وإن كان مبدله واجباً مثل النكاح واجب وجعل النبي صلى الله عليه وسلم البدل منه الصيام وهو غير واجب . قال تعالى : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين [ آل عمران : 43 ] ، فبدأ بالسجود قيل : ذلك في غير شريعتنا لكل جعلاً منكم شرعة ومنهاجاً ، ولأن الركوع يسمى سجوداً ، والسجود ركوعاً . بدليل حديث عائشة صلى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف ركعتين في كل ركعة سجدتين يريد ركوعين . وفي حديث أبي هريرة : من أدرك من العصر سجدة يريد ركعة وقال تعالى : وخر راكعاً وأناب [ ص : 24 ] ، يريد ساجداً . قال أحمد : وإن انغمس في الماء لا يجزئه حتى يتوضأ . قال أبو حفص : إن كان اغتساله لغير الجنابة لا يجزئه من وضوئه وإن نوى الوضوء ليس عليه الترتيب . وإذا خرج من الماء أخرج رأسه قبل وجهه ، ولأن الغسل لا يقوم مقام المسح والمنغمس في الماء غير ماسح . بل غاسل فلا يجزئه وإن تب الأعضاء في جوف الماء فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن خرج رأسه من الماء ، ويكون قد تمضمض واستنشق أولاً ، صح وضوؤه قال أحمد : إذا علم رجلاً الوضوء لا يجزئه يريد بهذا إذا لم ينو الوضوء لنفسه ، لأن أبا داود روى عنه إذا علم رجلاً الوضوء ونوى أجزأه ، لأن عثمان وعلياً رضي الله عنهما جلسا يعلمان الناس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لهما طهوراً . عن أحمد ثلاث روايات في الجنب هل يحتاج إلى وضوء . 
إحداهن : يجزئه الغسل بلا وضوء . 
الثانية : يجزئه الغسل عن الوضوء إذا نواه . 
الثالثة: لا يجزئه حتى يتوضأ. 
قلت : قد استشكل بعض الأصحاب الرواية الأولى وهب الصحيحة دليلاً ، لأن حكم الحدث الأصغر قد اندرج في الأكبر وصار جزءاً منه ، فلم ينفرد بحكم ، لا سيما وكل ما يجب غسله من الحدث الأصغر يجب عمله في الأكبر وزيادة . فهذه الراوية هي الصحيحة . وبهذه الطريق كان الصحيح . أن العمرة ليست بفريضة لدخولها في الحج والنبي صلى الله عليه وسلم علق الطهر إفاضة الماء على جميع الجسد ولم يسترط وضوءاً ، وفعله النبي جبت لبيان أكمل الغسل . قال أبو حفص : إن قيل : أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد المضمضة والاستنشاق بالذكر عن الوجه . فقال : إن العبد إذا تمضمض واستنشق خرجت ذنوبه من فيه ومنخريه فإذا غسل وجهه ، الحديث قيل : لا يمنع ذلك أن يكونا من الوجه كما قال : يطوفون بينها وبين حميم آن [ الرحمن : 44 ] فلم يمنع تمييزه بين الحميم وبين جهنم أن يكون من جهنم ، ولأنه أفردهما لأنه خص الوجه بمعنى آخر وهو خطايا النظر ، ولأنه يمكن فعلهما في حال فجمع بينهما في الذكر . ولا يمكن جمعهما مع الوبر ، في الاستعمال فافردا بالذكر . وإنما لم يجب غسل باطن العينين ، لأنه يورث العمى فسقط للمشقة وفيهما في الغسل روايتان : احداهما : لا يجب للمشقة ، والأخرى يجب العدم التكرار . واختلف أصحابنا في المبالغة في الاستنشاق فقال ابن أبي علي : هي غير واجبة ، لأنها تسقط في صوم التطوع . 
وقال أبو إسحاق : هي واجبة . ولا يدل سقوطها في الصوم على سقوط فرضها في غيره ، لأن سفر التطوع يسقط الجمعة ولا تسقط في غير السفر . وأجاب أبو حفص بأن الجمعة فيها بدل وليس من المبالغة بدل ، وأجاب أبو إسحاق بأنه قد يسقط الفرض بالتطوع ، ولا بدل كالسفر يسقط بعض الصلاة . قال : إن قيل : يلزم أن يجعل ما خلف الأذن من البياض من الرأس قيل يقول : إنه منه قيل : يلزم أن يجوز الاقتصار من التقصير في شعر الأذن . قيل : عندنا يلزم استيعاب الرأس بالأخذ من جميع شعره ، والمرأة تقصر من طرف شعرها أنملة ، لأن شعرها منسبل . فهو يأتي على شعرها . قيل : يلزم أن يجوز الاقتصار بالمسح عليهما في الوضوء ، قيل : في المسح روايتان أحداهما استيعاب الجميع والأخرى البعض ، ولا يجوز الاقتصار على الأذنين إجماعاً. وقال : صفة مسح المرأة أن تمسح من وسط رأسها إلى مقدمه ، ثم من وسط رأسها إلى مؤخره على استواء الشعر ، وكذا الرجل إذا كان له شعر . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح من مقدمه إلى مؤخره . يجزي في المذي النضح ، لأنه ليس بنجس لقوله صلى الله عليه وسلم : ذاك ماء الفحل ولكل فحل ماء ، فلما كان ماء الفحل طاهراً وهو المني كان هذا مثله ، لأنهما ينشئان من الشهوة . قال قوله صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم من منامه ، إشارة إلى نوم الليل ، لأن المنام المطلق إشارة إلى الليل ، ولأنه قال : باتت يده ، والبيوتة لا تكون إلا بالليل كقوله تعالى : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون [ الأعراف : 97 ] ، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون [ الأعراف : 98 ] ، فخص البيات بالليل ، ثم ذكر النهار . قال أحمد : بئس الدرهم الأبيض على غير وضوء أرجو يحتمل أن يكون سهل لحاجة الناس إلى المعاملة به وتقليبه . وقال أحمد في الرجل : يجامع أهله في السفر ، وليس معه ماء لا أكره له ذلك ، قد فعله ابن عباس ، روي أنه تيمم وصلى بمتوخئين ثم التفت إليهم . فقال : إني أصبت من جارية رومية ثم تيممت وصليت بكم . احتج للتيمم لا يجوز بغير تراب بقوله تعالى : فتيمموا صعيداً طيباً [ النساء : 43 ] ، قال : فإن قيل النبي صلى الله عليه وسلم سمى المدينة طيبة وطابة وكانت سبخة . قيل : سماها طيبة ، لأنها طابت له وبه لا أن هذا الاسم استحقته الأرض . قال في الدم ، أكثر الروايات : إن الفاحش ما يستفحشه الإنسان في نفسه ، وقد قال : ههنا بالذراع والشبر ، ولا يدل ذلك على أن ما دونه ليس بفاحش ، لأنه قال في مسائل المروزي : خمس بزقات من دم ، وإنما لم يوقت في ذلك ، لأن التوقيت لم يأت عمن تقدم . روي عن ابن عمر أنه تيمم والماء منه على غلوة أو غلوتين ، ثم دخل المصر وعليه وقت أي غسل : روى وهب بن الأجدع عن علي أن النبي قال : لا صلاة بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية ، قيل : يحتمل أنه يعني وقت العصر ، لأنه روي أنه نهى عن الصلاة بعد العصر أي فعل الصلاة قوله : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر فيه ضعف ويريد بذلك الأسفار في نفس الصلاة فيكون قد ابتدأها بعدما طلع الفجر ، وأسفر بها بتطويل القراءة ، أبو بكر قرأ بهم البقرة في الفجر وقال : لو طلعت ما وجدتنا غافلين ، قلت للناس : في هذا الحديث أربع طرق : 
إحداها : تضعيفه وهي طريقة أبي حفص وغيره . 
الثانية : حمله على الأسفار بها في ليالي الغيم والليالي المقمرة خشية الصلاة قبل الوقت . 
الثالثة : إن الأسفار المأمور به الأسفار بها استدامة وتطويلاً لها لا ابتداء وهذه أصح الطرق ، ولا يجوز حمل الحديث على غيرها . إذ من المحال أن يكون تأخيرها إلى وقت الأسفار أفضل وأعظم للأجر . والنبي صلى الله عليه وسلم يواظب على خلافه هو وخلفاؤه الراشدون من بعده . وتفسير هذا الحديث يؤخذ من فعله وفعل خلفائه وأصحابه ، فإنهم كانوا يسفرون باستدامتها لا بابتدائها وهو حقيقة اللفظ . 
فإن قوله : أسفروا بها الباء للمصاحبة . أي أطيلوا إلى وقت الأسفار . وفهم هذا المعنى من اللفظ أقوى من فهم معنى آخر ، والشروع فيها إلى وقت الأسفار . ولو قدر أن اللفظ يحتمل المعنيين احتمالاً مساوياً لم يجز حمله على المعنى المخالف لعمله ، وعمل خلفائه الراشدين والله أعلم . 
الطريقة الرابعة : إن تأخيرها أفضل وحملوا الأسفار بها على تأخرها إلى وقت الأسفار . قال : دليل الجمع للمطير روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال : كان أهل المدينة إذا جمعوأ بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة صلى معهم ابن عمر . وروي عن ابن الزبير مثله . قال : وروي عن أحمد الشفق الحمرة حضراً وسفراً وعنه البياض سفراً و حضراً . قال : احتج من قال بطهارة الكلب بقوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء [ النور : 45 ] ، وإطلاق الماء يقتضي الطهارة . وقيل : لا يمنع أن يقلب الله عينها إلى النجاسة كالعصير يتخمر ، والماء ينقلب بولاً . 
سئل أحمد عن جيران المسجد ، قال : كل من سمع النداء . وسئل يؤم الرجل أباه . قال : أي والله يؤم القوم اقرأهم . واحتج أبو حفص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ورأيتني في جماعة من الأنبياء إلى أن ذكر إبراهيم قال : فصليت بهم . عن أحمد في النفخ قال : أكرهه شديداً إلا أني لا أقول بقطع الصلاة وليس هو بكلام . وعنه أن النفخ يقطع الصلاة وعلى الروايتين هو مكروه . صلاة الضحى قيل عثمان ، وما أحد يسبحها . قيل : وليس في ترك الصحابة ما يمنع من فعلها فقد فعلها صلى الله عليه وسلم وقتاً وتركها وقتاً . وهذا اختيار أحمد أن لا يداوم عليها . قال : إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة وجب أن يقوم الإمام . ولا يسبقوه ، ثم يقوموا وإذا لم يكن في المسجد أيضاً قاموا فانتظروه قياماً ، وقد روى أبو هريرة قال : أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله : ثم ذكر أنه لم يغتسل . فقال بيده للناس مكانكم ، وأما قوله : لا تقوموا حتى تروني ، فنقول : إذا لم يكن في المسجد ، جاز أن يقوموا . إذا قال : قد قامت الصلاة ينتظرونه قياماً لحديث أبي هريرة ، وإذا كان في المسجد قاموا ولم يتقدموه ، لأنه قال : حتى تروني أي قائماً . اختار أحمد حديث عمر في الاستفتاح . وقد روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بصحيح ، لأن رواية علي بن علي الرقاعي عن أبي المتوكل الباجي عن أبي سعيد ، وقد قال أحمد علي بن علي : لا يعبأ به شيئاً حديث البراء أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، ثم لا يعود . قال أحمد : لم يعد من كلام وكيع . قال : لا يختلف المذهب في اللحن الذي هو مخالفة الإعراب لا يبطل الصلاة . واختلف قوله إذا ختم آية رحمة بآية عذاب على روايتين أحدهما عليه الإعادة ، والثانية لا ووجهها ما روى قابوس بن أبي ظبيان عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون . قال : فأكثروا . فقال : إن له قلبين ألا تسمعون إلى قوله والآية في الصلاة . قال ابن عباس : لا يؤم الغلام حتى يحتلم وإن قيل : يلزم عليك إمامته إذا كان ابن عشر ، لأنه خوطب بالصلاة عندك . قيل : الخبر الزم ذلك في النظر إن قيل . فقد أم عمرو بن سلمة وهو غلام قيل : سمي غلاماً وهو بالغ . ورواية أنه كان له سبع سنين فيه رجل مجهول فهو غير صحيح ، الكوسح قلت : يؤم القوم وفيهم من يكره ذلك قال : إذا كان رجلاً أو رجلين . فلا حتى يكونوا جماعة ثلاثة فما فوقه . قال أبو حفص : جعل الحكم للكثير في الكراهة ، لأن الحكم للأغلب . روى أنس : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم أنا ويتيم لنا وأم سليم خلفنا يحتمل أن يكون كان بالغاً ، ويحتمل أن يكونا صبين . أما إذا كان أحدهما بالغاً فعلى حديث ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود وأحدهما غير بالغ فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلمز الكوسج . قلت : إذا دخل والإمام راكع يركع قبل أن يصل إلى الصف قال : إذا كان وحده وظن أنه يدرك فعل واحتج أبو حفص بحديث أبي بكرة . 
فإن قيل : فقد نهاه صلى الله عليه وسلم قيل : نهاه عن شدة السعي قبل الإشارة في الصلاة . قال : قد أشار النبي صلى الله عليه وسلم اجلسوا إذا كان يفهمهم شيئاً من أمر صلاتهم . الصلاة لغير القبلة وهو لا لي يعلم بم علم . قال : يستدير . قلت : يعيد ما صلى . قال لا أبو حفص : دليله أهل قبا قوله صلى الله عليه وسلم : فليصل إلى سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته إن قيل : فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم خنق شيطاناً وهو يصلي . قيل : يحتمل أنه خنقه يمنة أو يسرة . قال أحمد : لا يعجبني أن ينقص وتره وعنه الجواز لحديث عثمان و ابن عباس وأسا مة رخصاً فيه . قلت : إن رجلاً قال : يا رسول البه إني أعمل العمل أسره فيطلع عليه فيعجبني . قال : لما أسر العمل فأظهر الله له الثناء الحسن فأعجبه فلم يعب ذلك أن الرجل يعجبه أن يقال فيه الخير لا بأس أن يعجب الإنسان ما قيل عنه من الخير إذا كان مقصده في عمله الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المؤمن تسره حسنة . قوله صلى الله عليه وسلم : إذا نسي أحدكم صلاة فليصلها إذا ذكرها لوقتها من الغد محمول على النسخ بحديث عمران بن حصين سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره إلى قوله : فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا : يا رسول الله نقضيها لميقاتها من الغد قال : لا أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم . 
قال ابن مسعود : لا يقصر إلا حاج أو غاز يحمل على ما شاهده من الرسول ، لأن أسفاره لم تكن إلا في حج أو غزو . واختلفت الرواية في صلاة النائم ، فروي عنه على جنب وعنه مستلقياً ورجلاه إلى القبلة . تجب الصلاة على الصبي عند تكامل العشر . لا كما يقول مخالفنا عند تكامل الخمس عشرة . قلت : رجل وضع يديه على فخذيه في الركوع ، أو وضع إحدى يديه على ركبتيه ولم يضع الأخرى . قال أحمد : أرجو أن يجزئه . قال أبو حفص : معنى هذه المسألة إذا كان ذلك من علة . أما من غير علة فلا لما روي عن سعد ، كنا نطبق . ثم أمرنا أن نضع الأيدي على الركب وابن مسعود لم يبلغه ذا وكان يطبق . ولو أن رجلاً لم يبلغه فعمل بالمنسوخ كابن مسعود لم تبطل صلاته ، ولزمه ذلك من منذ وقت علم . إذا سها في صلاته عشرين مرة يكفيه سجدتان لحديث عمران بن حصين . فإنه حصل منه سهو كثير واكتفى بسجدتين من ذلك ، أنه جلس في الثالثة ساهياً وسلم ساهياً ، وسؤالهم له ساهياً ودخوله الحجرة ساهياً . إذا أدرك إحدى سجدتي السهو يقضي السجدة ، ثم يقوم فيقضي ما فاته وإنما لم يجز تأخيرها إلى آخر صلاته . بل يقضيها معه لقوله : وما فاتكم فاقضوا وقد فاتته سجدة فيجب أن يسجدها لا زيادة عليها . رجلان نسي أحدهما الظهر أمس والآخر أول أمس ، قال أحمد : يجمعان جميعاً من يوم واحد وأيام متفرقة . وعنه في رواية صالح أنهما لا يجمعان من أيام متفرقة . وجه رواية الكوسج أن صلاتهما يجمعهما اسم ظهر وليس بينهما اختلاف هذا قول أبي حفص وجه رواية صالح ما ذكره الشريف أبو جعفر من أن ظهر يوم واحد في حكم الجنس الواحد ، ومن يومين في حكم الجنسين . بدليل أنه قد سقط ظهر أحدهما بما لا يسقط به ظهر الآخر . وهو ظهر يوم الجمعة . وبقية الأيام تسقط بظهر مثلها . وهذا معدوم في اليوم الواحد . وهذا فرق صحيح وقد ذكرناه بعينه إذا كان عليه كفارتان من جنسين إنه يفتقر إلى التعيين . قال في رجلين صليا جميعاً ائتم كل واحد منهما بصاحبه يعيدان جميعاً ، والدليل عليه أنه لم يصل واحد منهما معتقد للإمامة قال : ولو أن رجلاً ائتم برجل ، ولم ينو ذلك الرجل أن يكون أمامه يجزي للإمام ويعيد هو دليله . إن الإمامة لا تصح إلا بنية . فإن قيل : ابن عباس ائتم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل ، وكان قد ابتدأها لنفسه قيل النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره هو إمام . كيف تصرفت أحواله إلا أن ينقل نفسه فيصير مأموماً . قال الكوسج : قلت : يكره لهؤلاء الخياطين الذين في المساجد . قال : لعمري شديد دليله عمر رأى رجلين يتبايعان في المسجد . فقال : هذا سوق الآخرة . 
فأخرجا إلى سوق الدنيا . قضاء الركعتين بعد العصر خصوصاً له صلى الله عليه وسلم بدليل حديث أم سلمة ، يا رسول الله أنقضيها إذا فاتتنا . 
قال : لا ، الفرق بين الإسلام يصح في الأرض المغصوبة دون الصلاة ، لأن الإسلام لا يفتقر إلى مكان بخلاف الصلاة . المسلم إذا اعتق عبده النصراني فهل عليه جزية على روايتين وجه سقوطها أن ذمته ذمة سيده . كراهته للمعتكف أن يعتكف في خيمة إلا أن يكون برداً ، لأن الخيمة تضيق المسجد ، والنبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في زمان بارد في قبة وخيمة يدل عليه قوله : إنى رأينني أسجد في صببحتها في ماء وطين فعلم أن الزمان بارد لوجود المطر في اتيان المستحاضة ، قال : لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها وليس أنه أباح ذلك إذا طال ، ومنع ذلك إذا قصر ، ولكنه أراد أنه إذا طال علمت أيام حيضها من أيام استحاضتها يقيناً . وهذا لا تعلمه إذا قصر ذلك . قوله في المرأة تشرب دواء يقطع الدم عنها قال : إذا كان دواء يعرف فلا بأس . قال أبو حفص : معناه عندي اذا ابتليت بالاستحاضة الشديدة فهو مرض لا بأس بشرب الدواء . أما الحيض فلا ، لأن الحيض كتبه الله على بنات آدم . وإنما تلد إذا كان حيضها موجوداً ، ولا جائز أن يتعرض لما يقطع الولد . 
في إتيان الحائض قال أحمد : لو صح الحديث كنا نرى عليه الكفارة . وقال أبو حفص : إن لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم . فقد صح عن ابن عباس ومذهب أحمد الحكم بقول الصحابي إذا لم يخالف قال : واختياري ما قال الكوسج إنه مخير في الدينار أو النصف دينار . قوله في أكثر الحيض أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوماً . يحتمل أن يكون ذكره ، لأنه قوله ويمكن أن يكون على طريق الحكاية وإلا شبه عندي أن يكون قوله لا يختلف إنه خمسة عشر يوماً . وإنما أخبر عن السبع عشرة أنه سمعه لا أنه يقلده . 
قوله في الطهر أنه على قدر ما يكون فليس عنده أن لأقله جداً كما ليس لأكثره حد وكل شيء لأكثره حد ليس لأقله حد . فإن قيل : ينبغي إد كان ليست لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج . قيل ، العدة ليس من هذا ، لأن قوله ثلاثة قروء يريد الإقراء الكاملة . وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شريح . وقوله في الصبي : لا يزوج لا يكون ولياً حتى يحتلم ، وعنه ابن عشر يزوج ويتزوج آخر المنتقي من خط القاضي مما انتقاه من شرح مسائل الكوسج لأبي حفص قال : ومبلغه ستة أجزاء .
فصل : إذا كان الرهن غلاماً فاستعمله أو ثوباً فلبسه وضع من دين الراهن بقدر ما انتفع به من الرهن 
قال أحمد في رواية الحسن بن ثوبان : إذا كان الرهن غلاماً فاستعمله المرتهن أو ثوباً فلبسه وضع عنه قدر ذلك ، قال أصحابنا : يعني أنه يضع من دين الرهن بقدر ما انتفع من الرهن ، ونقله عنه أيضاً . أذا كان الرهن داراً فقال المرتهن : أنا أسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي تنتقل فتصير ديناً وتتحول عن الرهن . وهذا نص منه على أن الراهن إذا أجر العين المرهونة للمرتهن خرجت عن الرهن ، وبقي دينه بلا رهن هذا معنى قوله تنتقل فتصير ديناً أي يبقى حقه في الذمة فقط ، ولا يتعلق برقبة الدار وتخرج الدار عن كونها رهناً . ونقل عنه بكر بن محمد إذا رهن جارية فسقت ولد المرتهن وضع عنه بقدر ذلك يعني وضع عن الراهن من الدين بقدر أجرة مثلها لرضاع ولد المرتهن .
فصل فيما إذا قال الراهن للمرتهن إن جئتك بحقك إلى كذ وإلا فالراهن لك 
إذا قال الراهن للمرتهن : إن جئتك بحقك إلى كذا . وإلا فالرهن لك بالدين الذي أخذته منك . فقد فعله الإمام أحمد في حجته ومنع منه أصحابه . قالوا : نص في رواية حرب على خلافه . فقال : باب الرهن . يكتب شراء ، قيل لأحمد . المتبايعان بينهما رهن فيكتبان شراء فكرهه كراهة شديدة . وقال : أول شيء أنه يكذب هو رهن ويكتب شراء فكرهه جداً . قال : ابن عقيل ومعنى هذا أن المرتهن يكتب شراء لوافقة بينة وبين الراهن إن لم يأته با أحق إلى وقت كذا يكون الرهن مبيعاً . فهو باطل من حيث تعليق البيع على الشرط ، وحرام من حيث أنه كذب أكل مال بالباطل . قلت : وهذا لا يناقض فعله وهذا شيء ، وما فعله شيء . فإن الراهن والمرتهن قد اتفقا على أنه رهن ، ثم كتبا أنه عقد تبايع في الحال وتواطئا على أنه رهن فهو شراء في الكتابة رهن في الباطن . فأين هذا من قولهما ظاهراً وباطناً إن جئتك بحقك في محله . وإلا فهو لك بحقك ، ألا ترى أن أحمد قال : هذا كذب . ومعلوم أن العقد إذا وقع على جهة الشرط فليس بكذب . وليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط والحق جوازه . فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً . وهذا لم يتضمن واحداً من الأمرين . 
فالصواب جواز هذا العقد وهو اختيار شيخنا على عادته حمل ذلك وفعل إمامنا . قال أحمد في رواية أبي طالب إذا ضاع الرهن عند المرتهن لزمه . قال ابن عقيل وهذه الرواية بظاهر ما تعطي أن الرهن مضمون . إلا أن شيخنا على عادته حمل ذلك على التعدي لأجل نصوص أحمد على أن الرهن أمانة وعادته تأويل الرواية الشاذة لأجل الروايات الظاهرة . وهذا عندي لا يجوز إلا بدلالة فأما صرف الكلام عن ظاهره بغير دلالة تدل . فلا يجوز كما لا يجوز في كلام صاحب الشرع . انتهى كلامه .
فصل في حكم الاستمناء باليد 
!ذا قدر الرجل على التزوج أو التسري حرم عليه الاستمناء بيده . قال ابن عقيل : قال : وأصحابنا وشيخنا لم يذكروا سوى الكراهة لم يطلقوا التحريم . قال : وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوة له تحمله على الزنا حرم عليه الاستمناء ، لأنه استمتاع بنفسه والآية تمنع منه ، وإن كان متردد الحال بين الفتور والشهوة ولا زوجة له ولا أمة ولا ما يتزوج به كره . ولم يحرم وإن كان مغلوباً على شهوته يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز له ذلك نص عليه أحمد . وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم وإن كانت امرأة لا زوج لها ، واشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا : يجوز لها اتخاذ الأكرنبج وهو شيء يعمل من جلود على صورة الذكر فتستدخله المرأة أو ما أشبه ذلك من قثاء وقرع صغار . قال : والصحيح عندي أنه لا يباح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرشد صاحب الشهوة إذا عجز عن الزواج إلى الصوم . ولو كان هناك معنى غيره لذكره . وإذا اشتهى وصور في نفسه شخصاً أو دعي باسمه . فإن كان زوجة أو أمة له فلا بأس إذا كان غائباً عنها ، لأن الفعل جائز ولا يمنع من توهمه وتخيله وإن كان غلاماً أو أجنبية كره له ذلك ، لأنه إغراء لنفسه . بالحرام وحث لها عليه وإن قور بطيخة أو عجيناً أو أديماً أو نجشاً في صنم أو آلية. فأولج فيه فعلى ما قدمنا من التفصيل قلت : وهو أسهل من استمنائه بيده . وقد قال أحمد فيمن به شهوة الجماع : غالباً لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق انثياه اطعم هذا لفظ ما حكاه عنه في المغني ، ثم قال : أباح له الفطر ، لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض يخاف على نفسه الهلاك لعطش ونحوه . وأوجب الإطعام بدلاً من الصيام وهذا محمول على من من لا يرجو إمكان القضاء . فإن رجا ذلك فلا فدية عليه . والواجب انتظار القضاء وفعله إدا قدر عليه لقوله : فمن كان منكم مريضاً [ البقرة : 184 ] ، الآية وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء . فإن أطعم مع يأسه ، ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه . لم لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه واحتمل أن يلزمه القضاء ، لأن الإطعام بدل اياس . وقد تبينا ذهابه فاشبه المعتدة بالشهور لليأس إذا حاضت في أثنائها .

من خاف أن تنشق مثانته من الشبق أن تنشق أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان فإنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره 
روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثابته من الشبق ، أو تنشق انثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه . قال : وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره ، كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة . فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها ، وكذلك الكافرة ويجوز وطئها فيما دون الشرج . فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره فعندي أنه لا يحوز ، لأن الضرورة إذا رفعت حرم ما وراءها كالشبع من الميتة ، بل ههنا آكد ، لأن باب الفروج آكد في الحظر من الأكل . قلت : وظاهر كلام أحمد جواز الوطء ، لأنه أباح له الفطر والإطعام ، فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولاً واحداً . فلو اتفق ذلك لمحرم أخرج ماءه ولم يجز له الوطء .
فصل : إن استدام شبق الصائم جميع الزمان سقط القضاء وعدل إلى الفدية 
فإن كان شبق الصائم مستداماً جميع الزمان سقط القضاء ، وعدل إلى الفدية ، كالشيخ والشيخة . وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قضى في الزمن الآخر ولا فدية هنا ، لأنه عذر غير مستدام فهو كالمريض ذكر ذلك في الفصول .
حكم القيام إلى الجنازة 
قوله : في المقنع وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها . يعني : الجنازة لم أر هذا في كلام أحمد . وقد قال : وإن قام لم أعبه ، وإن قعد فلا بأس . وقال الميموني في مسائله سمعته يقول : إذا تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع . كذا ، قال أبو هريرة وأبو سعيد ، وإذا رآها قام قال : كان هذا أكثر في الخبر من عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يروونه ، ثم قال الميموني تسمية من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى جنازة قام لها عثمان بن عفان . سعيد بن زيد . عامر بن ربيعة . قيس بن سعد . سهل بن حنيف ، زيد بن ثابت . أخو زيد بن ثابت . أبو سعيد الخدري . أبو هريرة ، أبو موسى الأشعري ، ابن عباس ، حسن وحسين فهؤلاء اثنا عشر من الصحابة رضي الله عنهم ، ثم ساق الميموني أحاديثهم كلها بإسناده ، وقال حرب في مسائله قلت : لأحمد : الرجل يرى الجنازة . أيقوم لها ؟ فقال : قد روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ثم قعد . وكان ابن عمر يقوم وسهل أبو عبد الله فيه . وقال أبو داود في مسائله : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن القيام إذا رأى الجنازة . قال : إن لم يقم أرجو وإن قام أرجو ، قيل : القيام أفضل عندك ، قال : لا . وقال في رواية ابن هانىء : إذا رأى الجنازة فقام . فلا بأس ، وإن لم يقم فلا بأس . قال ابن هانىء : وسئل يعني أحمد بن حنبل عن الرجل يموت فيوصي أن يدفن في داره قال : يدفن في مقابر المسلمين ، وإن دفن في داره أضر بالورثة والمقابر مع المسلمين . أعجب إلي ، وقال في روايته : أكره أن يجعل على القبر تراباً من غيره . قال : وسئل عن الحائض تغسل المرأة الميتة . قال : لا يعجبني أن تغسل الحائض شيئاً من الميت ، والجنابة أيسر من الحيض . قال : وسئل عمن غسل الميت أعليه غسل ؟ أم الوضوء ؟ قال : يتوضأ وقد أجزاه . قال : وسألته هل عليه من غسل الميت غسل ؟ قال : عليه الوضوء فقط . واتبع أحمد في ذلك آثار الصحابة فإنه صح عن ابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة الأمر بالوضوء منه ، ولا يحفظ عن صحابي خلافهم وهو قول حذيفة وعلي أيضاً . وقال الجوزجاني : حدثنا يزيد بن هارون . أنا مبارك بن فضالة عن بكر بن عبد الله المزني ، عن علقمة بن عبد الله المزني . قال : غسل أباك يعني أبا بكر بن عبد الله أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بايع نبي الله تحت الشجرة . فما زادوا على أن شمروا أكمتهم ، وجعلوا قمصهم تحت حجرهم وتوضؤوا ولم يغتسلوا ، وفي الموطأ مالك عن عبد الله بن أبي بكر . أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر غسلت أبابكر الصديق حين توفي ، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين والأنصار فقالت : إني صائمة . وإن هذا اليوم شديد البرد . فهل علي من غسل ؟ قالوا : لا . قال : إسماعيل بن سعيد . قلت لأحمد بن حنبل : أرأيت إن كان الميت كافراً ؟ قال : عليه الغسل لحديث علي يعني على غاسله الغسل : وهو قول أبي أيوب . قال الجوزجاني وأقول : إن هذا وهم منهما ، وذلك أنه ليس في حديث علي أنه غسل أبا طالب .
فصل فيمن يعمل الخير ويهدي نصفه لأبيه أو لأمه 
قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه ، أو لأمه أرجو . وقال الميت : يصل إليه كل شيء من الخير لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صومك وأن تتصدق لهما مع صدقتك انتهى . ولا يشترط تسمية المهدي إليه باسمه بل يكفي النية . نص عليه في رواية ابنه عبد الله . لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه .
فصل 
قال الكوسج : قلت لأحمد . قال الحسن في الرجل يقول لامرأته . أنت طالق إن شاء الله كان يلزمه . فقال أحمد : أما أنا فلا أقول فيه شيئاً . قلت : لم ؟ قال : الطلاق ليس هو يمين ، قلت : وكذلك العتق ، قال : نعم .
أحكام الوطء في الدبر 
في أحكام الوطء في الدبر فمنها - أنه من الكبائر . ومنها أنه يوجب القتل إذا كان من غلام نص عليه أحمد في إحدى الروايتين . 
والثانية حده حد الزاني كقول مالك و الشافعي : فإن كان من زوجة أو أمة أوجب التعزير ، وفي الكفارة وجهان : 
أحدهما عليه كفارة من وطىء حائضاً اختاره ابن عقيل . والثاني : لا كفارة فيه وهو قول أكثر الأصحاب ومنها أن للزوجة أن تفسخ النكاح به ذكره غير واحد من أصحابنا . وإن كان من امرأة أجنبية . فاختلف أصحابنا في حده فالذي قاله أبو البركان وأبو محمد وغيرهما : حده حد الزاني . وقال ابن عقيل في فصوله : فإن كان الوطء في الدبر في حق أجنبية وجب الحد الذي أوجبناه في اللواط وعلى هذا . فحده القتل بكل حال وإن كان في مملوكه . فذهب بعض أصحابنا أنه يعتق عليه وأجراه مجرى المثلة الظاهرة وهو قول بعض السلف . قال النسائي في سننه الكبير : الإباحة للحاكم أن يقول للمدعى عليه : احلف قبل أن يسأله المدعي . انبأ هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فقال الأشعت في والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود دار فجحدني فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله : ألك بينة فقلت : لا . فقال لليهودي : احلف . فقلت : والله إذا يحلف فيذهب حقي . فأنزل الله إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً [ آل عمران : 77 ] ، الآية . قال النسائي : لا نعلم أحداً تابع أبا معاوية على قوله . فقال لليهودي : احلف انتهى . ويسوغ للحاكم أن يقول له : احلف إذا قصد به الزجر والتخويف ، أو كان يعلم أن المدعي قاصداً لتحليفه ، أو كان يعلم أن المدعى عليه بريء من الدعوى ، فإنه في قصده الصور الثلاث قد أعان على البر والتقوى وظهور الحق ، وأكثر أوضاع الحكام ورسومهم لا أصل لها في الشريعة . والله المستعان .
مسائل فقهية في مذهب أحمد 
إذا كانت دابة ترضع ولد غيرها . هل يجوز لها الإفطار كما لو كان ولدها ؟ قال ابن عقيل في فصوله : جارية جاءت إلى الشيخ أبي نصر بن الصباغ . وأنا حاضر . فتحصل من الجواب أنها تستبيح الإفطار ، لأن أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق فهو كإفطار المسافر في المضاربة يستبيح كالمسافر بمال نفسه . وفارق العمل في الصنائع الشاقة ، لأنها إذا بلغ منها الجهد إلى حد يبيح في حق نفسه إباحة في عمل غيره ، وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإفطار لم يبح في حقه ، ولا حق غيره . 
قال أحمد في رواية ابن ماهان : لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده . فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى فتأوله القاضي . وقال : يحتمل أنه أراد بالتسري ههنا التزويج وسماه تسرياً مجازاً ، ويكون للسيد الرجوع فيما ملكه عبده . وهذا نظير تأويل الشيخ أبي محمد النكاح بالتسري في مسألة تزويج عبده بأمته . وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب : ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري . فإن تسرى بغير إذنه أخذها منه ، وإذا باع العبد وله سرية فهي لسيده ولا يفرق بينهما لأنها بمنزلة المرأة انتهى كلمه . وهذا يرد قول الأصحاب أن التسري مبني على الملك وإنه إذا لم يملك لم يتسر ويرد قولهم أن للسيد انتزاع سريته منه ويرد قولهم إنه إذا باعه رجعت السرية إلى سيده ولا يطأها العبد . قال أحمد في رواية ابن هانىء وحرب ويعقوب بن لحيان . إذا زوج عبده من أمته ، ثم أعتقها لا يجوز أن يجتمعا حتى يجدد النكاح . 
فاستشكل معنى هذه الرواية . فقال : وعن أحمد : إن عتقا معاً انفسخ النكاح ومعناه والله أعلم . أنه إذا وهب لعبده سرية أو اشترى له سرية وأذن له في التسري بها ، ثم أعتقهما جميعاً صارا حرين وخرجت من ملك العبد فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد ، هكذا روى جماعة من أصحابه فيمن وهب لعبده سرية ، أو اشترى له سرية ، ثم أعتقها لا يقربها إلا بنكاح جديد ، واحتج على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر . أن عبداً له كان له سريتان فأعتقهما وأعتقه فنهاه أن يقربهما إلا بنكاح جديد . قلت : وهذا التأويل بعيد جداً من لفظ أحمد . فإن هؤلاء الثلاثة إنما رووا المسألة عنه بلفظ واحد وهو أنه زوج عبده أمته ، ثم قوله حتى يجدد النكاح مع قوله زوج صريح في أنه نكاح لا تسر . وعنه في هذه المسألة ثلاث روايات هذه إحداهن . والثانية لهما الخيار نص عليه في رواية الأشرم . والثالثة أنهما على نكاحهما نص عليه في رواية محمد بن حبيب ، وحكاه أبو بكر في زاد المسافر ثلاث روايات منصوصات في مسألة التزويج وللبطلان وجه دقيق وهو أنه إنما زوجها بحكم ملكه لهما ، وقد زال ملكه بخلاف تزويجها بعبد غيره وبين المسألتين فرق . ولهذا في وجوب المهر في هذه المسألة نزاع ، فقيل : لا يجب بحال وقيل : يجب ويسقط والمنصوص أنه يجب ويتبع به بعد العتق بخلاف تزويجها بعبد الغير والله علم . 
قوله : في المقنع وإن باعه السلعة برقمها أو بألف دينار ذهباً وفضة ، أو بما ينقطع به السعر ، أو بما باع به فلان أو بدينار مطلق . وفي البلد نقود لم يصح . أما الرقم فقد نص على صحة البيع به . فقال حرب : سألت أحمد عن بيع الرقم فلم ير به بأساً ، وأما البيع بالسعر فقد اختلفت الرواية عنه فيه ، فقال في رواية ابن منصور في الرجل يأخذ من الرجل السلعة يقول : أخذتها منك على سعر ما تبيع لم يجز ذلك ، وحكى شيخنا عنه الجواز نصاً . وأما البيع بدينار مطلق وفي البلد نقود . فقال في رواية الأشرم ، في رجل باع ثوباً بكذا وكذا درهماً أو اكترى دابة بكذا وكذا . واختلفا في النقد فقال له : نقد الناس بينهم . قيل له : نقد الناس بينهم مختلف . قال له : قال ابن عقيل : فظاهر هذا جواز البيع بثمن مطلق مع كون النقود مختلفة . وإنما يكون لهم أدناها . وقال الأشرم : باب الرجل يأخذ من الرجل المتاع ولا يقاطعه على سعره ، سئل أبو عبد الله عن الرجل يأخذ من البقال الوقية من كذا ، والرطل من كذا ، ثم يحاسبه أيجوز له أن يقول : اكتب ثمنه على ولا يعطيه على المكان ؟ قال : أرجو أن يجوز ، لأنه ساعة أخذه إنما أخذه على معنى الشراء ليس على معنى السلف . إنما يكره إذا كان على معنى السلف . فإذا قاطعه بقيمته يوم أخذه قيل له : فإن لم يدرك قيمته يوم أخذه قال : يتحرى ذلك وسألته مرة أخرى . فقلت : رجل أخذ من رجل رطلاً من كذا ومنا من كذا ، ولم يقاطعه على سعره ولم يعطه ثمنه . أيجوز هذا ؟ قال : ليس على معنى البيع أخذه قلت : بلى قال : فلا بأس . ولكنه إذا حاسبه أعطاه على السعر يوم أخذه لا يوم حاسبه . قال إسحاق بن هانىء سألت أبا عبد الله عن الرجل يفجر بالمرأة ، ثم يتزوجها . قال : لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت ، لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولداً من غيره . قلت : وما علمه أنها قد تابت . 
قال : يريدها على ما كان أرادها عليه . فإن امتنعت فهي تائبة . قلت : وهذا التفات من أحمد إلى القرائن ولدلائل الحال وجواز إبهام غير الحق قولاً وفعلاً ليعلم به الحق وهذه اقتداء بنبي الله سليمان بن داود حيث قال في الحكومة بين المرأتين في الصبي : ائترفي بالسكين أشقه بينكما، ومن تراجم النسائي على حديث هذا التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعل ليستبين به الحق وهذا الذى قاله أحمد : اتبع فيه ابن عمر فإنه قال : يريدها على نفسها فإن طاوعته لم تتب وإن أبت فقد تابت . وأنكر الشيخ في المغني هذا جداً . وقال : لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنا ، ويطلبه منها ، ولأن طلبه ذلك إنما يكون في خلوة . ولا تحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن فكيف يحل في مراودتها على الزنا ، ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن يعود إلى المعصية . فلا يحل التعرض بمثل هذا ، ولأن التوبة من سائر الذنوب بالنسبة إلى سائر الأحكام . وفي حق سائر الناس على غير هذا الوجه فكذا هذا . وقول ابن عمر وأحمد أفقه فإن التوبة لما كانت شرطاً في صحة النكاح لم يكن بد من تحققها، ولا سبيل له إلى العلم بها إلا بذلك ، أو بأن يأمر غيره . بمراودتها ، ولا ريب أن المفاسد المذكورة أقرب إلى الغير إذ لا غرض له في نكاحها بخلاف الخاطب فإن إرادته لنكاحها وعزمه عليه يمنعه من معاودة ما يعود على مقصوده بالإبطال .
فائدة في تحقيق حديث وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته 
الذي وقع في صحيح البخاري وأكثر كتب الحديث وابعثه مقام محموداً الذي وعدته ووقع في صحيح ابن خزيمة والنسائي بإسناد الصحيحين من رواية جابر وابعثه المقام المحمود ، ورواه ابن خزيمة عن موسى بن سهل الرملي ، وصدقه أبو حاتم الرازي . وباقي الإسناد شرطهما ، ورواه النسائي عن عمر بن منصور عن علي بن عباس . والصحيح ما في البخاري لوجوه : 
أحدها : اتفاق أكثر الرواة عليه . 
الثاني : مرافقته للفظ القرآن . 
الثالث : إن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم لقوله كتاب أنزلناه إليك مبارك [ ص : 29 ] ، وقوله : وهذا ذكر مبارك أنزلناه [ الأنبياء : 50 ] ، وقوله : وهذا كتاب مصدق [ الأحقاف : 12 ] ، ونظائره . 
الرابع : إن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين وحذفها يقتضي إطلاقاً وتعدداً كما في قوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة [ البقرة : 201 ] ، ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة ، كما دلت عليه الأحاديث فكان في التنكير على الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف . 
الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديماً وتأخيراً وتعريفاً وتنكيراً . كما يحافظ على معانيه وعنه ومنه قوله وقد بدأ بالصفا ، ابدأوا بما بدأ الله به ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ، ثم باليدين اتباعاً للفظ القرآن ومنه قوله في حديث البراء بن عازب : آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، موافقة لقوله : يا أيها النبي إنا أرسلناك [ الأحزاب : 45 ] ، وعلى هذا فالذي وعدته إما بدل ، وإما خبر مبتدأ محذوف ، وإما مفعول فعل محذوف ، وإما صفة لكون مقاماً محموداً قريباً من المعرفة لفظاً ومعنى فتأمله : قال أحمد في رواية ابن هانىء : لا تجوز شهادة من أيسر ولم يحج وليس به زمانة ، ولا أمر يحبسه عنه . وقال : لا تجوز شهادة الوالد لولده ، ولا الولد لوالده إذا كانوا يجرون الشيء لأنفسهم . وقال : تجوز شهادة الغلام إذا كان ابن اثني عشر سنة أو عشر سنين ، وأقام شهادته جازت شهادته . وقال ابن هانىء : سمعت أبا عبد الله يقول : لا يعجبني أن يعدل القاضي ، لأن الناس يتغيرون ولا يدري ما يحدث . وسئل عن الرجل يعدل الرجل فقال : ما يعجبني يعدله ، لأنه لا يدري ما يحدث والناس يتغيرون . وسئل متى يعدل الرجل ؟ فقال : قال إبراهيم : إذا لم تظهر منه ريبة يعدل . 
ولأصحابه فيما إذا سئل عن مسألة فأجاب فيها بحكاية قول من بعد الصحابة وجهان : أحدهما : أن يكون مذهباً له ، والثاني : لا .
فائدة في الفرق بين الشك والريب 
الفرق بين الشك والريب من وجوه : 
أحدها : أنه يقال شك مريب ولا يقال ريب مشكك . 
الثاني : أن يقال رابني أمر كذا ولا يقال شككني . 
الثالث : أنه يقال رابه يريبه إذا أزعجه وأقلقه . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد مر بظبي خافت في أصل شجرة لا يريبه أحد ولا يحسن هنا لا يشككه أحد . 
الرابع : أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو في غروبها ، أو دخول الشهر ، أو وقت الصلاة هو مرتاب في ذلك وإن كان شاكاً فيه . 
الخامس : إن الريب ضد الطمأنينة واليقين فهو قلق واضطراب وانزعاج . كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار . 
السادس : يقال رابني مجيئه وذهابه وفعله ، ولا يقال : شككني . فالشك سبب الريب فإنه يشك أولاً فيوقعه شكه في الريب . 
فالشك مبتدأ الريب كما أن العلم مبتدأ اليقين . 
ومما انتقاه القاضي في شرح أبي حفص لمبسوط أبي بكر الخلال . أحمد في رواية أحمد بن الحسين يغسل يده ثلاثاً ، ثم يستنجي ثم يغسل يده ، ثم يتوضأ. قال أبو حفص : قد بينا عن أبي عبد الله غسل اليد في الطهارة في ثلاثة مواضع : أحدها : قبل الاستنجاء ، والثاني : غسل اليد اليسرى بعد الاستنجاء ، والثالث : عند ابتداء الوضوء . وقال في الرجل يستجمر ويعرق في سراويله إذا استجمر ثلاثة فلا بأس يحتمل أن يحمل على ظاهرها فيكون الموضع قد طهر بالاستجمار ولا يضر العرق ويحتمل أن يأول على أنه عرق غير موضع الحدث ، أو عرق فلم يصب ذلك الموضع سراويله . وهذا القول أولى ، لأن الموضع عفي عنه تخفيفاً . فإذا نال الموضع رطوبة وجب إزالة الأثر كما تجب إزالة العين ونجس ما لاقاها كالعين . قلت : اختلف أصحابنا في أثر الاستجمار هل هو نجس معفو عنه ؟ أو طاهر على وجهين ؟ وعلى ما اختاره أبو حفص تصير المسألة على ثلاثة أوجه . 
وقوله الذي اختاره ضعيف جداً مذهباً ودليلاً وعملاً . فإن الصحابة لم يكن أكثرهم يستنجي بالماء وإنما كانوا يستجمرون صيفاً وشتاء . والعادة جارية بالعرف في الإزار ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسله وهو يعلم موضعه ولا كانوا هم يفعلونه مع أنهم خير القرون وأتقاهم لله ، ولا أعلم أحداً من أصحابنا اختار ما اختاره أبو حفص وهو خلاف نص أحمد والله أعلم . واختلف قوله إذا لم يجمع المستنجي بين الأحجار . والماء أيهما أولى بالاستعمال ؟ فنقل الشالنجي أنه قال إن لم يكن مع الأحجار ماء فالأحجار أحب إلي . والوجهه فيه أن ابن عمر كان لا يمس ذكره بالماء ، وروى أبو عبد الله عن اسماعيل بن أمية عن نافع . 
قال : كان ابن عمر لا يغسل أثر المبال واستعمال الحجارة أتت في الأخبار . روى حرب الكرماني والحسن بن ثواب تضعيف الأخبار في الاستنجاء بالماء . وقال في حديث معاذة ، عن عائشة عن قتادة لم يرفعه ، ولأن المستجمر لا تلاقي يده النجاسة وعنه هما سواء ، وعنه الماء أفضل جاء في البول من التغليظ ما لم يأت في الكلب اختلف قوله إذا لم يقدروا أن يصلوا في السفينة قياماً جماعة وأمكنهم الصلاة فرادى قياماً . فهل يصلون جلوساً جماعة ؟ وعنه في رواية حرب يصلي كل انسان على حدته . وقال في رواية الفضل بن زياد تصلي وحدك قائماً . ووجهه أن القيام آكد ، لأنه لو صلى قاعداً مع قدرته على القيام لم يجزئه . ولو صلى منفرداً مع قدرته على الجماعة أجزأ. والقول الآخر تخريجاً على قوله إن الإمام إذا صلى جالساً يصلي من خلفه جلوساً . فقد أجاز للمأموم الصلاة جالساً لأجل الجماعة . قال القاضي ، قلت : أنا ولأنا أسقطنا القيام لعدم الستارة . فكذا الجماعة واختلف قدله في صفة جلوس العريان في صلاته فعنه يجعل قيامه تربعاً . قال القاضي : قلت : أنا كالمريض والمتنفل وعنه يتضامون ، لأنهم إذا تضاموا كان أستر لعوراتهم والمتربع يفضي بفرجه إلى السماء ولا يمكنه وضع يده على فرجه لئلا تنتقض طهارته . واختلف قوله إذا توارى بعضهم عن بعض فصلوا قياماً فعنه لا بأس وعنه أنه قال : يصلي العريان قاعداً يجعل قيامه متربعاً . فقد ذكر عرياناً واحداً أنه يصلي قاعداً . وهدا أصح في مذهبه ، لأن ستر العورة آكد عنده من القيام ، لأن مذهبه في العراة يصلون جلوساً ، ولأن ستر العورة يراد للصلاة . ألا ترى أنه لا يجوز للخالي أن يصلي مكشوف العورة ، ولا إذا كان جيبه واسعاً ينظر إلى عورته ولحيته كبيرة تحول بينه وبين النظر .
حكم الاستدارة في المحمل 
حديث : يا رسول الله عندي دينار ، قال : أنفقه على بيتك إلى الخامس ، قال : أنت أبصر ، قيل لعله أشار إلى أنه قبل الخامس في حكم الفقير . فلما أخره أن معه خامساً والدينار كان عندهم اثنا عشر درهماً . فقد ملك قيمة خمسين درهماً من الذهب ، وزاد عيها ففوض الأمر إليه في الصدقة في الخامس دون ما قبله . فهذا يؤيد حديث من سأل وله ما يغنيه قيل وما يغنيه قال : خمسون درهماً ، الحديث والله أعلم . 
قال أبو حفص : واختلف قوله في الاستدارة في المحمل فروى محمد بن الحكم عنه من صلى في محمل فإنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة ، لأنه يمكنه أن يدور وصاحب الراحلة والدابة لا يمكنه ، والحجة أمر الله تعالى باستقبال القبلة حيث كان المصلي وذلك ممكن في المحمل ، كما في السفينة بخلاف الدابة تسقط لعدم الإمكان ، وروى عنه أبو طالب أنه قال : الاستدارة في المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه ، لأن الاستدارة في المحمل شديد على الجمل فجاز تركها ، كما جاز في الراحلة لأجل المشقة على الراكب . واختلف قوله في السجود في المحمل . فروى عنه عبد الله ابنه أنه قال : وإن كان محملاً فقدر أن يسجد في المحمل سجد . وروى عنه الميموني إذا صلى على محمل أحب إلى أن يسجد ، لأنه يمكنه وعنه الفضل بن زياد يسجد في المحمل إذا أمكنه . ووجهه أنه تعالى أمر بالسجود . وإنما سقط عن المصلي على الراحلة لعدم الإمكان . وروى عنه جعفر بن محمد السجود على المرفقة إذا كان في المحمل ، ربما اشتد على البعير ، ولكن يومىء ويجعل السجود أخفض من الركوع ، وكذا روى عنه أبو داود ووجهه المشتقة على البعير . قلت : الذي أوجب هذا أن الصحابة لم يكن سفرهم ولا حجهم في المحامل ، وإنما حدث في زمن الحجاج فالصلاة فيها دائرة الشبه بين الصلاة في السفينة والصلاة على الرحل . فمن راعى شبهها بالسفينة أوجب الاستقبال ، لأن المحمل بيت سائر في البر ، كما أن السفينة بيت سائر في البحر . ومن راعى مشقة الاستدارة على المصلي والبعير أسقط الاستقبال وهو الأقيس والله أعلم .
حكم السجود في المحمل 
قال المروزي : كان أبو عبد الله إذا سلم من المكتوبة ركع ركعتين قبل التراويح وجهه ما روي عن علي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين . إلا الفجر والعصر ظاهره العموم في رمضان وغيره . ولا يترك ذلك لأجل التراويح ، لأن كلاً منهما مقصود . وروى أحمد بن الحسين صليت مع أبي عبدالله في شهر رمضان التراويح فكان إذا صلى العتمة لا يصلي حتى يقوم إلى التراويح . قال الخلال : لم يضبط هذا وإن كان قد ضبط ما رواه فوجهه أنه جعل التراويح ، أو الركعتين قبل ركعة الوتر موضع الركعتين بعد المكتوبة . قال حنبل : كان أبو عبد الله يصلي معنا . فإذا فرغنا من الترويحة جلس وجلسنا ، وربما تحدث ويسأل عن الشيء فيجيب ، ثم يقوم فيصلي ، ثم يدعو بعد الصلاة بدعوات ، ثم يوتر ، ثم ينصرف . وقال الفضل : رأيت أحمد يقعد بين التراويح ويردد هذا الكلام لا إله إلا الله وحده لا شريك له أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وجلوس أبي عبد الله للاستراحة ، لأن القيام إنما سمي تراويح لما يتخلله من الاستراحة بعد كل ترويحة ، واختلف قوله في تأخير التراويح إلى آخر الليل فعنه إن أخروا القيام إلى آخر الليل فلا بأس به . كما قال عمر فإن الساعة التي تنامون عنا أفضل ، ولأنه يحصل قيام بعد رقدة قال الله تعالى : إن ناشئة الليل [ المزمل : 6 ] ، الآية . وروى عنه أبو داود لا يؤخر القيام إلى آخر الليل سنة المسلمين أحب إلى وجهه فعل الصحابة ، ويحمل قول عمر على الترغيب في الصلاة آخر الليل ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل لا أنهم يؤخرونها . ولهذا أمر عمر من يصلي بهم أول الليل قال القاضي : قلت : ولأن في التأخير تعريضاً بأن يفوت كثيراً من الناس هذه الصلاة لغلبة النوم . واختلف قوله في القيام ليلة العيد في الجماعة فروى عنه حنبل ، أما قيام ليلة الفطر فما يعجبني ما سمعنا أحداً فعل ذلك إلا عبد الرحمن وما أراه ، لأن رمضان قد مضى . وهذه ليلة ليست منه وما أحب أن أفعله ، وما بلغنا من سلفنا أنهم فعلوه وكان أبو عبد الله يصلي ليلة الفطر المكتوبة ، ثم ينصرف ولم يصلها معه قط . وكان يكرهه للجماعة . الفضل بن زياد شهدت أحمد ليلة الفطر وقد اختلف الناس في الهلال فصلى المكتوبة ، وركع أربع ركعات . وجلس يستخبر خبر الهلال . فبعث رسولاً . فقال : اذهب نحو أبي إسحاق فاستخبر خبر الهلال فلم يزل جالساً ، ونحن معه حتى رجع الرسول فقال : قد رئي الهلال فانتقل أحمد ، ثم قام فدخل منزله وعنه أبو طالب أنه قال في الجماعة : يقومون ليلة العيد إلى الصباح يجمعون ، قال : من فعل ذلك هو زيادة خير . كان عبد الرحمن بن الأسود يعتكف فيقوم ليلة العيد إلى الصباح من فعله فحسن . ومن لم يفعله فليس عليه شيء اهـ . لما روى مالك بن دينار عن سالم عن ابن عمر . كان يحيى ليلة العيد عبد الرحمن بن الأسود كان يصلي بقومه في شهر رمضان ، وكان يقرأ بهم القرآن كل ليلة . قال أبو عبد الله في الرجل : يصلي شهر رمضان يقوم فيوتر بهم وهو يريد يصلي بقوم آخرين يشتغل بينهم بشيء يأكل ، أو شرب أو يجلس ، رواه المروزي وذلك ، لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة فيشتغل بينهم بشيء ليكون فصلاً بين وتره وبين الصلاة الثانية . وهذا إذا كان يصلي بهم في موضعه ، أما في موضع آخر فذهابه فصل ولا يعيد الوتر ثانية . لا وتران في ليلة ، وقال أبو عبد الله في الرجل يجيء والإمام يوتر في شهر رمضان فيلحق معه ركعة إن كان الإمام يفصل بينهم بسلام أجزأته الركعة التي لحق وإذا كان لا يسلم في الثنتين يقضي مثل ما صلى ثلاثاً . إذا فرغ قام يقضي ولا يقنت قوله ولا يقنت يحتمل ، لأنه قد قنت مع الإمام فلا يقنت كما لو سجد للسهو معه لا يسجد آخر صلاته ويحتمل ، لأنه أدرك آخر صلاته فلا يقنت في أولها . محمد بن بحر رأيت أبا عبد الله في شهر رمضان . وقد جاء فضل بن زياد القطان فصلى بأبي عبد الله التراويح وكان حسن القراءة ، فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد فخرج أبو عبد الله فصعد درجة المسجد فنظر إلى الجمع . فقال : ما هذا تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها . فصلى بهم ليالي ، ثم صرفه كراهية لما فيه ، يعني من إخلاء المساجد وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده ، قال أحمد في الرجل : يترك الوتر متعمداً هذا رجل سوء ، يترك سنة سنها رسول الله هذا ساقط العدالة إذا ترك الوتر متعمداً ، روى هذه المسألة هارون بن عبد الله البزاز ، ونقل أبو طالب وصالح من ترك الوتر متعمداً هذا رجل سوء وذلك لقول الله فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : 63 ] ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، واختلف قوله : إذا أوتر بعد طلوع الفجر هل يوتر بواحدة أو بثلاث ؟ فعنه الميموني ، قال : إذا استيقظ وقد طلع الفجر . ولم يكن تطوع ركع ركعتين ، ثم يوتر بواحدة ، لأن الركعتين من وتره ، ونحوه الأشرم و أبو داود ، ووجهه أن الوتر اسم للثلاث ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بها ، ولأنه وقت لفعل الوتر وكان وقتاً للثلاث . ونقل يوسف بن موسى يوتر بواحدة وذلك نقل أحمد بن الحسين في الرجل يفجؤه الصبح ولم يكن صلى قبل العتمة ، ولا بعدها شيئاً . يوتر بواحدة ولا يصلي قبلها شيئاً ووجهه . قوله صلى الله عليه وسلم : صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة فجعل ما قبلها من صلاة الليل وأمر بالمبادرة بواحدة ، ولأن ما بعد طلوع الفجر لا يجوز فيه إلا ركعتا الفجر . وإنما أجزنا الوتر لتأكده . واختلف قوله في اختياره الوتر . فروى عنه أبو بكربن حماد أنه قال : اذهب إلى حديث أبي هريرة أوصاني خليلي ثلاث الحديث . وعنه الميموني : لست أنام إلا على وتر . وعنه الفضل بن زياد . قال آخره : أفضل فإن خاف رجل أن ينام أوتر أول الليل . قال أبو حفص : وإنما يكون الوتر آخر الليل أفضل في غير شهر رمضان . فأما في شهر رمضان فالوتر أول الليل تبع للإمام أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى مع إمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ، قال أحمد : إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة رواه أبو داود والفضل بن زياد ، ودليله ابن مسعود كان يقنت في الوتر إذا فرغ من القراءة كفر ورفع يديه ، ثم قت . واختلف قوله في قدر القيام في القنوت فعنه بقدر إذا السماء انشقت [ الإنشقاق : 1 ] ، قال : هذا قليل يعجبني أن يزيد . وعنه كقنوت عمر ، وعنه كيف شاء وجه الأولى أنه وسط من القيام . والثانية فعل عمر . والثالثة إن طريقه الاستحباب فسقط التوقيت فيه نقل يوسف بن موسى عنه لا بأس أن يدعو الرجل في الوتر بحاجته ، وروى عنه علي بن أحمد الأنماطي أنه قال : يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت . قال أحمد : يدعو الإمام ويؤمن من خلفه ، وعنه أبو داود إذا لم يسمع صوت الإمام يدعو أبو حفص ، لأن التأمين لما يسمعون قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمن الإمام فأمنوا ، وعنه إذا دعا وامنوا فجيد وإن دعا ودعوا فلا بأس كل موسع . وجهه أن المؤمن داع قال تعالى : قد أجيبت دعوتكما [ يونس : 89 ] ، وكان هارون مؤمناً ، قال : يجهر الإمام بالقنوت ولم ير أن يخافت إذا قنت البتة . لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقنوت بدليل أن أصحابه كانوا يؤمنون . وروى أبو عبد الله حدثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن جعفر عن أبي عثمان صليت خلف عمر بن الخطاب فقنت بعد الركوع ورفع يديه في قنوت ورفع صوته بالدعاء حتى سمع من وراء الحائط . وعن أبي أنه جهر بالقنوت . وعن معاذ القارىء أنه جهر المروزي . كان أبو عبد الله في دعاء الوتر لم يكن يسمع دعاءه من يليه . هذا يدل على أنه كان مأموماً والمأموم لا يجهر . مهنا سئل أحمد عن الرجل يقنت في بيته أيعجبك يجهر بالدعاء في القنوت ، أو يسره . قال : يسره ، وذلك أن الإمام إنما يجهر ليؤمن الماموم . عبد الله قلت لأبي : يمسح بهما وجهه . قال : أرجو أن لا يكون به بأس . وكان الحسن إذا دعا مسح وجهه . وقال : سئل أبي عن رفع الأيدي في القنوت يمسح بهما وجهه . قال : لا بأس يمسح بهما وجهه . قال عبد الله : ولم أر أبي يمسح بهما وجهه . فقد سهل أبو عبد الله في ذلك وجعله بمنزلة مسح الوجه في غير الصلاة ، لأنه عمل قليل ومنسوب إلى الطاعة واختيار أبي عبد الله تركه . قال حنبل : قلت لأبي عبد الله : ما أحب إليك ما يتقرب به العبد من العمل إلى اللة ؟ قال : كثرة الصلاة والسجود ، وأقرب ما يكون العبد من الله إذا عفر وجهه له ساجداً . يعني بهذا إذا سجد لله على التراب في هذا بيان أن الصلاة أفضل أعمال الخير . وروى عنه المروزي أنه قال : كل تسبيح في القرآن صلاة إلا موضع واحد قال : وإدبار النجوم [ الطور : 49 ] ، ركعتين قبل الفجر وأدبار السجود [ ق : 40 ] ، ركعتين بعد المغرب . قال أبو حفص : والحجة في تفضيل الصلاة على سائر أعمال القرب قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة [ البقرة : 45 ] ، وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها [ طه : 132 ] ، وكان حذيفة إذا أحزنه أمر صلى . وقال : أعني على نفسك بكثرة السجود ، وقال : أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها ، وقال : جعلت قرة عيني في الصلاة ولأنها تختص بجمع الهمة وحضور القلب والانقطاع عن كل شيء سواها بخلاف غيرها من الطاعات . ولهذا كانت ثقيلة على النفس . نقل عنه محمد بن الحكم في الرجل يفوته ورده من الليل لا يقرأ به في ركعتي الفجر كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفهما لكن يقرأ إذا أصبح أرجو أن يحسب له بقيام الليل ، اختلفت الرواية في الركعتين بعد الظهر فعنه الأثرم يصليهما في المسجد . ووجهه حديث أم سلمة في الركعتين بعد العصر . ظاهره أنهم شغلوه عز، صلاة الركعتين في المسجد . الفضل بن زياد رأيت أحمد لا يصلي بعد المكتوبة شيئاً في المسجد إلا مرة بعد الظهر كان يوماً نادراً . ووجهه حديث عائشة كان يصلي قبل الظهر أربعاً في بيتي ، ثم يخرج فيصلي بالناس ، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين . والله أعلم .
فصل في مسائل فقهية عن الامام أحمد 
أبو الصقر عنه : لا بأس أن يجهر الرجل بالقراءة بالليل ، ولا يجهر بالنهار في التطوع . وقال في الرجل : يصلي بقوم صلاة الفريضة فمرت به آيات العذاب . فقال : أستجير بالله من النار مضت صلاته ولا يعيد الصلاة . وقال في الرجل : يصلي ويأتي على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة . قال : إن كان تطوعاً صلى عليه ، وإن كان في الفريضة فلا . واختلف قوله في المداومة على صلاة الضحى . فعنه قال : ما أحب أن أداوم عليها وفد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وقال ؟ ربما صليت . وربما لم أصل . 
ووجهه ما روى أبو هريرة قال : ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الضحى قط إلا مرة ، قال الميموني : قال أحمد : ما سمعناه إلا من وكيع وإسناده جيد روى عنه موسى بن هرون الخطاب قال : مر بي أحمد بن حنبل ومعه المروزي وأنا في المسجد قبل الزوال أصلي الضحى ، لأني كنت شغلت عنها فوقف علي فقال : ما هذه الصلاة وليس هذا وقت الظهر ، قال : قلت يا أبا عبد الله هذه ركعات كنت أصليها ضحى فشغلت عنها إلى هذا الوقت . قال : لا تتركها ولو ذكرتها بعد العتمة . ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم : أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل . وقال في رواية مهنأ وعبد الله : صلاة التسبيح لم يثبت عندي فيها حديث . وقال في رواية أبي الحارث : صلاة التسبيح حديث ليس لها أصل ما يعجبني أن يصليها يصلي غيرها . وقال علي بن سعيد : ذكرت لأبي عبد الله حديث عبد الله بن مرة من رواية المستمر بن الريان ، فقال المستمر : شيخ ثقة وكأنه أعجبه الأثرم عنه في الركتين قبل المغرب . 
قال : أحاديث جياد ، أو قال : صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الصحابة والتابعين . فس شاء صلى بين الآذان والإقامة . وعنه الفضل بن زياد ما فعلته قط إلا مرة ، فلم أر الناس عليه فتركتها . وقال في رواية حنبل : السنة أن يصلي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته . كذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال السائب بن يزيد : لقد رأيت الناس في زمان عمر بن الخطاب إذا انصرفرا من المغرب انصرفوا جميعاً . حتى لا يبقى في المسجد أحد كان لا يصلون بعد المغرب ، يعني حتى يصيروا إلى أهلهم ، فإن صلى الركعتين في المسجد . هل يجزئه ؟ اختلف قوله : روى عبد الله أنه قال : بلغني عن رجل سماه أنه قال : لو أن رجلا صلى الركعتين في المسجد بعد المغرب ما أجزأه . وقال : ما أحسن ما قال هذا الرجل ، وما أجرد ما أسرع . ووجهه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في البيوت . وقال له المروزي : من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصياً . قال : ما أعرف هذا . 
قلت له : يحكى عن أبي ثور أنه قال : هو عاص . قال : لعله ذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوها في بيوتكم ووجهه أنه لو صلى الفرض في اليت وترك المسجد أجزأه ، فكذا السنة في المسجد ، قلت : ليس هذا وجهه عند أحمد . وإنما وجهه أن السنن لا يشترط لها مكان معين ولا جماعة فتفعل في المسجد والبيت والله أعلم . قال في رواية الميموني والمروزي يتحب أن لا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن تصلهما كلام . وقال الحسن بن محمد : رأيت أحمد سلم الإمام من صلاة المغرب قام ولم يتكلم ، ولم يركع في المسجد . وتكلم قبل أن يدخل الدار . وجه الكراهة قول مكحول . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ركعتين بعد المغرب يعني قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين . ولأنه يصل النفل بالفرض . وقال أحمد في رواية حرب ويعقوب وابراهيم بن هانىء : إن ترك ركتي المغرب لا يعيدهما. إنما هما تطوع المروزي رأيت أبا عبد الله يركع فيما بين المغرب والعشاء ، المروزي عنه في رجل يريد سفراً فيقصر يوماً ، ثم ببدو له فيرجع فيتم ، وجاءه رسول الخليفة رده من بعض الطريق في الليل فأتم الصلاة . فقيل له : أليس نحن مسافرون ؟ قال : أما الساعة فلا . وكان نحواً من سبع فراشخ ، محمد بن الحكم عنه في الرجل يخرج إلى بعض البلدان يتنزه ، أو إلى بلد يتلذذ فيه لير يطلب فيه حجاً ولا عمرة ولا تجارة ما يعجبني أن يقصر الصلاة . والوجه أن الأصل الإتمام فلا يجوز أن ينقص الفرض لطالب النزهة والله أعلم .
اختلف قوله في المسافر يرد على أهله لا يريد المقام 
إن لم يكن مع الملاح أهله وكان يسافر ويرجع إلى أهله قصر الصلاة ، قال في رواية حرب : إن لم يتم المكاري في أهله ما يقضي رمضان يقضي في السفر ، وذلك أن هذه حال ضرورة والقضاء عليه فرض . اختلف قوله في المسافر يرد على أهله لا يريد المقام فروى عنه عبد الله ، لو أن مسافر أورد على أهله أمسك عن الطعام ، وأتم الصلاة إلا أن يكون ماراً ، وكذا نقل الكوسج في رجل خرج مسافراً فبدا له فرجع في حاجة إلى بيته ليأخذها فأدركته الصلاة وهو مسافر ويقصر إذا لم يكن له أهل وهو أهون ، لأنه على نية السفر فوروده على أهله لم يخرجه عن حكم السفر . وعنه صالح في رجل خرج مسافراً فبدا له فرجع في حاجة إلى بيته فأدركته الصلاة يتم ، لأن ابن عباس قال : إذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم . والوجه في حديث ابن عباس ، ولا يصح حمله على ما إذا نوى المقام ، لأنه إذا نوى المقام في غير أهله لزمه الإتمام ، ولأنه لو أنشأ السفر من بلده لم يجز له القصر حتى يفارق منزله كذا بعد رجوعه لحاجة عنه المروزي ركعتا الفجر والمغرب لا يدعهما في السفر . عنه صالح والكوسج . إذا نوى المسافر المقام وهو في للصلاة يتم ، وإن قعد في الركعتين حتى يخرج بتسليم ووجهه أنه قد صار مقيماً .
مسألة : إذا أجمع أن يقيم إحدى وعشروين صلاة مكتوبة قصر فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم والدليل على ذلك 
الأثرم عنه إذا أجمع أن يقيم إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر . فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم ، واحتج بحديث جابر وابن عباس قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة . وكذا نقل ابن الحكم . ونقل المروزي إذا عزم على مقام إحدى وعشرين صلاة فليتم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الغداة يوم التروية بمكة ، وكذلك نقل حرب إذا دخل إلى قرية نوى أن يقيم أربعة أيام وزيادة صلاة أتم . وكذا نقل ابن أصرم وصالح والكوسج ، إذا أزمع على إقامة أربعة أيام وزيادة صلاة يتم في أول يوم . واحتج بحديث جابر . قال أبو حفص : هذه الرواية ليست مستقصاة والأدلة مستقصاة أنه لا يلزمه إلا تمام بالعزيمة على إقامة أربعة أيام ، وزيادة صلاة حتى ينوي أكثر من ذلك ، فكيف يقول إذا أزمع على إقامة أربع وزيادة صلاة أتم . ويحتج بحديث جار في هذا المقدار ، وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد . قيل له : يا أبا عبد الله يحكون إنك تقول : إذا أجمع على إقامة أكثر من أربعة وصلاة أتم . فقال : لا يفهمون النبي صلى الله عليه وسلم أجمع على إقامة أربع وصلاة فقصر . ونقل عنه أيوب بن إسحاق بن سافري أنه قال : إن أزمع على إقامة خمسة أيام يتم وما دون ذلك يقصر . قال أبو حفص : ليس في هذا خلاف لذلك ، لأنه إذا أوجب الإتمام بإقامة أكثر من أربعة أيام ، وزيادة صلاة فبخمسة أيام أولى أن يوجب الإتمام . وقوله : ما دون ذلك يقصر يحتمل أن يكون أراد به الأربعة أيام وزيادة صلاة ، لأنها دون الخمسة أيام ، ويحتمل أن يكون ذكره لليوم الخامس ، لأن الصلاتين بعد الأربعة أيام من اليوم الخامس لا أنه أراد إكمال اليوم الخامس . وقد بين ذلك في رواية طاهر بن محمد التميمي فقال : إذا نوى إقامة أربعة أيام وأكثر من صلاة من اليوم الخامس أتم . فقد بين مراده من ذكر اليوم الخامس أنه بعضه ، لأنه أكثر من مقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قصر فيه الصلاة . قال القاضي ، وظاهر كلام أبي حفص هذا أن المسألة على رواية واحدة ، وإن مدة الإقامة ما زاد على إحدى وعشرين صلاة وتأول بقية الروايات . واحتج في ذلك بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة صبح رابعة فصلى بها الغداة ، وخامسه وسادسه وسابعه أربعة أيام كوامل ، وزاد صلاة لأنه صلى الغداة يوم التروية بمكة بالأبطح وخرج يوم الخامس إلى منى فصلى الظهر بمنى وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام ، وقد أجمع على إقامتها . ويجوز أن يحمل كلام أحمد على ظاهره فيكون في قدر الإقامة ثلاث روايات . 
إحداها : ما زاد على إحدى وعشرين اختارها الخرقي وأبو حفص . 
الثانية : ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة لأنها مدة تزيد على الأربعة فكان بها مقيماً . دليله إذا نوى زيادة على إحدى وعشرين . 
الثالثة : ما نقص عن خمسة أيام ولو بوقت صلاة ، لأنها مدة تنقص عن خمسة أيام فكان في حكم السفر دليله مدة إحدى وعشرين أو عشرين ، واختلف قوله في صلاة الكسوف بغير إذن الإمام فروى عنه يعقوب بن حسان لا بأس به . وقال المروزي : قلت لأبي عبد الله بن مهدي عن حماد بن يزيد : قال : بلغ أيوب أن سليمان التيمى لما أنكسفت الشمس صلى في مسجده فبلغ أيوب فأنكر عليه . فقال : إنما هذه للأئمة . فقال أبو عبد الله : إلى هذا نذهب في كسوف الشمس الأئمة يفعلون ذلك . وعنه محمد بن الحكم يستحب العتاقة في صلاة الكسوف ، واختلف قوله في خروج الناس للاستسقاء بغير إمام ، فعنه أحمد بن القاسم إن لم يخرج الإمام لا تخرجوا . وعنه الميموني إن أخرجهم الإمام خرجوا وإلا فيخرجون لأنفسهم يستسقون لا بأس بذلك . فإن قلنا : يخرجون بغير إمام . فهل يصلون جماعة ؟ أو يستسقون وينصرفون ؟ فعنه الميموني يخرجون لأنفسهم يستسقون ما يعجبني يصلي بهم بعضهم وعنه حرب أنه قال في أهل قرية : ليس فيها وال خرجوا يستسقون يصلي بهم إمامهم جماعة . قال : أرجو أن لا يضيق هذا آخر ما وجدته من هذا المنتقى . فائدة لا يكون الجحد إلا بعد الاعتراف بالقلب واللسان ومنه قوله تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : 14 ] ، ومنه : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ الأنعام : 33 ] ، عقيب قوله : فإنهم لا يكذبونك [ الأنعام : 33 ] ، ومنه : وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون [ العنكبوت : 49 ] ، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون [ العنكبوت : 47 ] ، وعلى هذا لا يحسن استعمال الفقهاء لفظ الجحود في مطلق الإنكار في باب الدعاوى وغيرها ، لأن المنكر قد يكون محقاً فلا يسمى جاحداً .
فائدة : لا يكون الجحد الا بعد الاعتراف بالقلب واللسان 
قال إسحاق بن هانىء : تعشيت مرة أنا وأبو عبد الله ، وقرابة لنا ، فجعلنا نتكلم وهو يأكل وجعل يمسح عند كل لقمة يده بالمنديل ، وجعل يقول عند كل لقمة : الحمد لله وبسم الله ، ثم قال لي : أكل وحمد خير من أكل وصمت .
اختلاف النحاة في جواز أن يقال لفظ البعض والكل 
منع كثير من النحاة أن يقال البعض والكل ، لأنهما اسمان لا يستعملان إلا مضافان . ووقع في كلام الزجاج وغيره ، بدل البعض من الكل . وجوز أبو عبيدة أن يكون بمعنى الكل . كما جوز ذلك في الأكثر . فالأول كقوله : يصبكم بعض الذي يعدكم [ غافر : 28 ] ، والثاني كقوله : وأكثرهم كاذبون [ الشعراء : 223 ] ، ولا دليل له في ذلك ، لأن قوله : بعض الذي يعدكم [ غافر : 28 ] ، من خطاب التلطف ، والقول اللين . وأما وأكثرهم كاذبون [ الشعراء : 223 ] ، فلا يمنع أن يكون فيهم من يصدق في كثير من أقواله إذا عرف هذا . فقالت طائفة : البعض للجزء القليل والكثير والمساوي وفي هذا نظر . إذ إطلاق لفظ بعض العشرة على التسعة مما يحتاج إلى نقل واستعمال . والظاهر أنه قريب من البعض معنى كما هو قريب منه لفظاً . وليس في عرف اللغة والتخاطب إذا قال : خذ بعض هذه الصبرة أن يأخذها كلها إلا حفنة منها ، ولا لمن يجيئك في أيام الشهر كلها إلا يوماً واحداً هو يجيء في بعض أيام الشهر . قال أحمد في رواية حنبل : حديث عائشة : لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ، يريد الغضب . وقال في رواية أبي داود حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة . لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس : أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً ، وأهل المدينة يسمون ثلاثاً البتة . وقال في رواية أحمد بن أصرم : إن أبا عبد الله سئل عن حديث ركانة في البتة . فقال : ليس بشيء . وقال في رواية أبي الحارث في رجل غصب رجلاً على امرأته فأولدها ، ثم رجعت إلى زوجها وقد أولدها . لا يلزم زوجها الأولاد . وكيف يكون الولد للفراش في مثل هذا . وقد علم أن هذه في منزل رجل أجنبي وقد أولدها في منزله . إنما يكون الولد للفراش إذا ادعاه الزوج ، وهذا لا يدعي فلا يلزمه . 
وقال أحمد في رواية إسحاق بن منصور : إذا زوج السيد عبده من أمته ، ثم باعها يكون بيعها طلاقها . كقول ابن عباس : ورواية أكثر أصحابه عنه لا يكون طلاقاً . وقال أحمد في رواية أبي طالب : لا أعلم شيئاً يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد . فمن احتج بهذه الاية ، والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ المؤمنون : 5 ] ، وأي ملك للعبد فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من اشترى عبداً وله مال فالمال للسيد جعل له مالاً هذا يقوي التسري . وابن عباس وابن عمر أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية ، لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنزل القرآن على رسول الله وهم يعلمون فيما أنزل قالوا : يتسرى العبد إذا ثبت هذا . فقد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم : يتسرى العبد في ماله هو ماله ما لم يأخذه سيده منه . . وقال في رواية جعفر بن محمد وحرب : ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري . فان تسرى بغير إذنه أخذها منه ، وإذا باع العبد وله سرية هي لسيده ولا يفرق بينهما ، لأنها بمنزلة المرأة ، فقد فرق أحمد بين أن يتبع العبد فتكون السرية للسيد ولا يفرق بينها وبين العبد ، وعلل بأنها بمنزلة الزوجة وبين أن يبقى العبد على ملكه فليس له أخذ السرية منه إذا أذن له ، كما لو أذن له في التزويج ليس له أن يفرق بينه وبين امرأته . وعلى كلا النصين مشكل وله فقه دقيق . 
وقال في رواية ابن منصور : إذا تزوج الحرة على الأمة يكو ن طلاقاً للأمة لحديث ابن عباس . قال أبو بكر : مسألة ابن منصور مفردة . وقال في رواية أبي ألحارث : إذا تزوج امرأة فشرط أن لا يبيت عندها إلا ليلة الجمعة . فإن طالبته كان لها المقاسمة ، وإن أعطته مالاً واشترطت عليه أن لا يتزوج عليها يرد عليها المال إذا تزوج . ولو دفع إليها مالاً على أن لا تتزوج بعد موته فتزوجت ترد الماء إلى ورثته . 
وقال في رواية أحمد بن القاسم : الأمة إذا كان زوحها حراً فعتقت فلا خيار لها ، لأن الحديث عندنا . إن زوج بريرة كان عبداً فاجعل الرواية هكذا ولا أزيل النكاح إلا في الموضع الذي أزالته السنة . وهذا ابن عباس ، وعائشة يقولون : إنه عبد وعليه أهل المدينة وعملهم . وإذا روى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو أصح ما يكون ، وليس يصح أن زوج بريرة كان حراً إلا عن الأسود وحده ، وأما غيره فيقول : إنه عبد . 
قال أحمد في رواية حنبل لا يكنى ولده بأبي القاسم ، لأنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه . وقال في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن الحديث : تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي هو أن يجمع بين اسمه وكنيته أو يفرد أحدهما . فقال آخر الحديث تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وهذا موافق لرواية حنبل . وقال ابن منصور . قلت لأحمد : تكنى المرأة . قال : نعم عائشة كناها النبي صلى الله عليه وسلم أم عبد الله . وقال في روايته أيضاً : عمر كره أن يكنى بأبي عيسى . وقال في رواية حنبل لا بأس أن يكنى الصبي . قال النبي صلى الله عليه وسلمه : يا أبا عمير وكان صغيراً . وقال في رواية الأثرم : وسئل عن الرجل يعرف بلقبه . قال : إذا لم يعرف إلا به قال أحمد الأعمش : إنما يعرفه الناس هكذا . فسهل في مثل هذا إذا كان قد شهر به . وقال ابن منصور قلت لأحمد : رجل نذز أن يذبح نفسه . قال : يفدي نفسه إذا حنث بذبح كبشاً . قال إسحاق كما قال . وقال أيضاً . قلت لأحمد : من مات ولم يحج فهو من جميع المال . قال : إذا كان مال كثير واجب على الورثة أن ينفذوا ذاك ، وأما إذا كان مال قليل ، فإنما هو شيء ضيعه ليس هذا مثل الزكاة . وقال أيضاً : قلت له طواف المكي قبل المغرب . قال أحمد : لا يخرج من مكة حتى يودع البيت . 
وقال أحمد في رواية ابن منصور : يكره أن يقول للرجل جعلني الله فداك . ولا بأس أن يقول : فداك أبي وأمي . وقال مهنا : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنام على قفاها . فقال : يكره لها ذلك ، قلت : فإذا ماتت فكيف يصنعون في غسلها . فقال : إنما كره لها أن تنام على قفاها في حياتها ، وليس ذلك في الموت . وقال في رواية ابن منصور : يكره الجلوس بين الشمس والظل أليس قد نهى عنه ، وقال إسحاق بن راهويه : قد صح الخبر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . ولكن لو ابتدأ وجلس فيه كان أهون . وقال في رواية أبي طالب وسألته : يكنى الرجل أهل الذمة فقال : قد كنى النبي صلى الله عليه وسلم أسقف نجران وعمر. قال : يا أبا حسان لا بأس به . وقال في روأية يعقوب بن لحيان وسأله عن النورة والحجامة والأربعاء فكرهها . قال : وبلغني عن رجل أنه تنور واحتجم فأصابه المرض قلت : كأنه تهاون قال : نعم . وقال في رواية مهنا في الرجل : تأتيه المرأة المسحورة فيطلق عنها السحر . قال : لا بأس . وحدثنا إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة . قال : سألت سعيد بن المسيب عن المرأة تأتي الرجل فيطلق عنها السحر . فقال : لا بأس ، فقلت لأحمد : أحدث بهذا عنك . قال : نعم . وقال في رواية المروزي : حممت فكتب لي في الحمى بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومحمد رسول الله يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ، وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبريتك إله الحق آمين ، وقال في رواية عبد الله يكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام أو شيء نظيف لا إله إلا الله الحليم الكريم . سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرونها . لم يلبثوا إلا عشية ، أو ضحاها كأنهم يرون ما يوعدون . لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، ثم تسقى وينضح بما بقي دون سرتها . وقال في روايه الكوسج : يكره التفل في الرقية ولا بأس بالنفخ . وقال في رواية صالح : الحقنة إذا كانت لضرورة فلا بأس . وقال في رواية المروزي : الحقنة إن اضطر إليها فلا بأس . قال المروزي : ووصف لأبي عبد الله ففعل . وقال إسحاق بن هانىء : رأيت أبا عبدالله إذا كان يوم الجمعة يصلي ، حتى يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول . فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن ، فإذا أخذ في الآذان قام فصلى ركعتين أو أربعاً يفصل بينهما بالسلام . فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد ، ثم يخرج منه فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلي فيه ركعتين ، ثم يجلس وربما صلى أربعاً ، ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعتين أخريين فتلك ست ركعات على حديث علي .
إنكار ابن تيمية على من ظن من الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين 
ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض المال صار في ذمته للمدين مثله ، ثم يقع التقاض منهما والذي أوجب لهم هذا إيجاب المماثلة بين الواجب ووفائه ليكون قد وفى الدين بالدين . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا : بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ، ولا حاجة إلى أن يقدروا في ذمة المستوفي ديناً ، والدين في الذمة من جنس المطلق الكلي ، والعين من جنس العين الجزئي . فإذا ثبت في ذمته دين مطلق كلي كان المقصود منه الأعيان الشخصية الجزئية فأي معين استوفاه حصل به مقصوده لمطابقته للكل مطابقة الأفراد الجزئية .
فائدة تشتمل على مسائل فقهية عن الإمام أحمد 
قال أحمد في رواية صالح في المضارب ، إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال . ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح محيط بأجرة مثله فيذهب . قال : وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ، ثم استحسنت . وقال في رواية الميموني : أستحسن أن يتيمم لكل صلاة . ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماء ، وقال في رواية المروزي : يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها ، فقيل له : كيف تشتري ممن لا يملك ، فقال : القياس كما يقول . ولكن هو استحسان . 
واحتج بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها وهذا بشبه ذاك . وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضاً وزرعها الزرع لرب الأرض وعليه النفقة . وليس هذا شيئا يوافق القياس استحسن أن يدفع إليه نفقته ، وقال في رواية أبي طالب : أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئاً خلاف القياس قالوا : نستحسن هذا وندع القياس فيدعون الذين يزعمون أن الحق بالاستحسان . قال : وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه . فقال القاضي : ظاهر هذا يقتضي إبطال القول بالاستحسان . وأنه لا يجوز قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه . وجعل المسألة على روايتين ، ونصر هو وأتباعه رواية القول بالإستحسان ونازعهم شيخنا في مراد أحمد من كلامه . وقان : مراده أبي استعمل النصوص كلها ولا أقيس على أحد النصين قياساً يعارض النصر الآخر . كما يفعل من ذكره حيث يقيسون على أحد النصين ، ثم يستثنون موضع الإستحسان إما لنص ، أو لغيره . والقياس عندهم موحب العلة فينقضون العلة التي يدعون صحتها مع تساويها في محالها ، وهذا من أحمد بين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة . وإن انتقاضها مع تساويها في محالها يوجب فسادها . ولهذا قال : لا أقيس على أحد النصين قياساً ينقضه النص الآخر . وهذا مثل حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أراد أحدكم أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ هن شعره ولا من بشرته شيئاً ، مع حديث عائشة : كنت أفتل قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نبعث به وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم والناس في هذا على ثلاثة أقوال : منهم من يسوي بين الهدي والأضحية في المنع ويقول : إذا بعث الحلال هذا صار محرماً ، ولا يحل حتى ينجر كما روى عن ابن عباس وغيره ، ومنهم من يسوي بينهما في الأذن ، ويقول : بل المضحي لا يمنع عن شيء كما لا يمنع باعث الهدي فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد و أحمد بن حنبل وغيرهما عملوا بالنصين . ولم يقيسوا أحدهما على الآخر . وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث . لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الناس قعوداً ، إذا صلى إمامهم قاعداً ، ثم لما افتتحوا الصلاة قياماً أتمها بهم قياماً فعمل بالحديثين ولم يقس على أحدهما قياساً ينقض الآخر ويجعله منسوخاً كما فعل غيره . قلت : وكذلك فعل في حديث الأمر بالوضوء من لحوم الإبل وترك الوضوء مما مست النار عمل بهما ولم يقس على أحدهما قياساً يبطل الآخر ويجعله منسوخاً . 
وكذلك فعل في أحاديث المستحاضة ونظائرها ، ثم القائلون بالاستحسان . منهم من يقول : هو ترك الحكم إلى حكم أولى منه ومنهم من يقول : هو أولى القياسين . وقال القاضي : الحجة التي نرجع إليها في الاستحسان هي الكتاب تارة ، والسنة تارة ، والإجماع تارة ، والاستدلال يترجح بعض الأصول على بعض ، فالاستحسان لأجل الكتاب كما في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر إذا لم يجد مسلماً . ومما قلنا فيه بالإستحسان السنة فيمن غصب أرضاً وزرعها الزرع لرب الأرض ، وعلى صاحب الأرض النفقة لحديث رافع بن خديج والقياس أن يكون الزرع لزارعه . ومما قلنا فيه بذلك الإجماع ، جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات . والقياس أن لا يجوز ذلك لوجود الصفة المضمومة إلى الجنس وهي الوزن . إلا أنهم استحسنوا فيه الإجماع انتهى . قال شيخنا : ومن ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعته على أبيه دون أمه بالنص والإجماع . قلت : إلا خلافاً شاذاً في مذهب أبي حنيفة وغيره بإيجابها على الأبوين كالجد والجدة . وكذلك يقولون : إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع على خلاف القياس والاستحسان يرجع إلى تخصيص العلة بل هو نفسه كما قاله أبو الحسن البصري و الرازي وغيرهما ، والمشهور عن الشافعية منع تخصيصها وعن الحنفية القول بتخصيصها . ولأصحاب أحمد قولان وحكيتا روايتين عن أحمد وحكى خصيص العلة مذهب الأئمة الأربعة وهو الصواب ، والقاضي وابن عقيل يمنعون تخصيص العلة مع قولهم بالاستحسان ، وأبو الخطاب يختار تخصيص العلة مع قوله بالاستحسان . وفرق القاضي بين التخصيص والاستحسان . بأن التخصيص منع العلة عملها في حكم خاص ، والاستحسان ترك قياس الأصول للنصوص أي مخالفة القياس لأجل النص كما في شهادة أهل الذمة وإجارة الظئر وإعطاء الزرع لمالك الأرض ونظائره كحمل العاقلة دية الخطأ .
فصوله عظيمة النفع جداً في إرشاد القرآن والنسخة إلى طريق المناظرة وتصحيحها ، وبيان العلل المؤثرة والفروق المؤثرة ، وإشارتها إلى إبطال الدور ، والتسلسل بأوجز لفظ وأبينه ، وذكر ما تضمناه من التسوية بين المتماثلين والفريق بين المختلفين ، والأجوبة عن المعارضات ، وإلغاء ما يجب الغاؤه من المعاني التي لا تأثير لها ، واعتبار ما ينبغي اعتباره ، وإبداء تناقض المبطلين في دعاويهم وحججهم وهو كنوز القرآن 
وأمثال ذلك وهذا من كنوز القرآن التي ضل عنها أكثر المتأخرين فوضعوا لهم شريعة جدلية فيها حق وباطل . ولو أعطوا القرآن حقه لرأوه وافياً بهذا المقصود كافياً فيه مغنياً عن غيره ، والعالم عن الله من آتاه الله فهماً في كتابه . والنبي صلى الله عليه وسلم أول من بين العلل الشرعية ، والمآحذ والجمع والفرق والأوصاف المعتبرة والأوصاف الملغاة وبين الدور والتسلسل وقطعهما . فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن البعير يجرب فتجرب لأجله الإبل فقال : من أعدى الأول كيف اشتملت هذه الكلمة الوجيزة المختصرة البينة على إبطال الدور والتسلسل . وطالما تفيهق الفيلسوف وتشدق المتكلم وقرب ذلك ، بعد اللتيا والتي في عدة ورقات فقال : 
من أوتي جوامع الكلم فمن أعدى الأول ففهم السامع من هذا أن أعداء الأول إن كان من أعداء غيره له فإنه لم ينته إلى غاية فهو التسلسل في المؤثرات ، وهو باطل بصريح العقل ، وإن انتهى إلى غاية ، وقد استفادت الجرب من إعداء من جرب به له فهو الدور الممتنع . وتأمل قوله في قصة ابن اللتبية أفلا جلس في بيت أبيه وأمه ، وقال : هذا أهدى لي كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية . والأصولي ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجوداً وعدماً كان العمل سببها وعلتها ، لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية . وإنما وجدت بالعمل فهو علتها . وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : في اللقطة وقد سئل عن لقطة الغنم فقال : إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب ، فلما سئل عن لقطة الإبل غضب وقال : ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر ، ففرق بين الحكمين باستغناء الإبل واستقلالها بنفسها دون أن يخاف عليها الهلكة في البربة واحتياج الغنم إلى راع وحافظ وإنه إن غاب عنها فهي عرضة للسباع بخلاف الإبل . فهكذا تكون الفروق المؤثرة في الأحكام ، لا الفروق المذهبية التي إنما يفيد ضابط المذهب . وكذلك قوله في اللحم الذي تصدق به على بريرة هو عليها صدقة ولنا هدية ففرق في الذات الواحدة وجعل لها حكمين مختلفين باختلاف الجهتين إذ جهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها . وكذلك الرجلان اللذان عطسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما ، ولم يشمت الآخر . فلما سئل عن الفرق . أجاب : بأن هذا حمد الله والآخر لم يحمده . فدل على أن تفريقه في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثرة فيها . وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في الميتة إنما حرم منها أكلها كيف تضمن التفرقة بين أكل اللحم واستعمال الجلد . وبين أن النص إنما تناول تحريم الأكل وهذا تحته قاعدتان عظيمتان إحداهما : بيان أن التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان غير مجمل وإنه غير مراد به من كل عين ما هي مهيأة له . وفي ذلك الرد على من زعم أن ذلك يتضمن لمضمر عام وعلى من زعم أنه مجمل . والثانية : قطع إلحاق استعمال الجلد بأكل اللحم . وإنه لا يصح قياسه عليه فلو أن قائلاً قال : وإن دلت الآية على تحريم الأكل وحده فتحريم ملابسة الجلد قياساً عليه كان قياسه باطلا بالنص ، إذ لا يلزم من تحريم الملابسة الباطنة بالتعدي تحريم ملابسة الجلد ظاهراً بعد الدباغ . ففي هذا الحديث بيان المراد من الآية . وبيان فساد الحاق الجلد باللحم . وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لأبي النعمان بن بشير وقد خص ابنه بالنحل : أتحب أن يكونوا في البر سواء كيف تجده متضمناً لبيان الوصف الداعي إلى شرع التسوية بين الأولاد وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض . فكما أنك تحب أن يستووا في برك ، وأن لا ينفرد أحدهم ببرك وتحرمه من الآخر . فكيف ينبغي أن تفرد أحدهما بالعطية وتحرمها الآخر ؟ وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب فقال : وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، كيف تجده متضمناً لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون ، وهي : أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي ؟ فعلل النبي صلى الله عليه وسلم عصمة دمه شهوده بدراً دون الإسلام العام ، فدل على أن مقتضى قتله كان قد وجد وعارض سبب العصمة وهو الجس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن عارض هذا المقتضى مانع منع من تأثيره وهو شهوده بدراً . وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها . وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس ، لأنه ليس ممن شهد بدراً . وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدراً . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد سأله عن القبلة للصائم : فقال أرأيت لو تمضمضت الحديث فتحت هذا الغاء الأوصاف التي لا تأثير لها في الأحكام وتحته تشبيه الشيء بنظيره وبإلحاقه به . وكما أن الممنوع منه الصائم إنما هو الشرب لا مقدمته وهو وضع الماء في الفم ، فكذلك الذي منع إنما هو الجماع لا مقدمته وهي القبلة . فتضمن الحديث قاعدتين عظيمتين كما ترى . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ، وقد سئل عن الحج عن الميت فقال للسائل : أرأيت لو كان عليه دين أكنت قاضيه ، قال : نعم ، قال فدين الله أحق بالقضاء فتضمن هذا الحديث بيان قياس الأولى . وأن دين المخلوق إذا كان يقبل الوفاء مع شحه وضيقه . 
فدين الواسع الكريم تعالى أحق بأن يقبل الوفاء . ففي هذا أن الحكم إذا ثبت في محل الأمر ، وثم محل آخر أولى بذلك الحكم فهو أولى بثبوته فيه . ومقصود الشارع في دلك التنبيه على المعاني والأوصاف المقتضية لشرع الحكم والعلل المؤثرة . وإلا فما الفائدة في ذكر ذلك ، والحكم ثابت بمجرد قوله . ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الولد في قصة وليدة زمعة بعبد بن زمعة عملا بالفراش القائم ، وأمر سودة أن تحتجب منه عملاً بالشبه المعارض له فرتب على الوصفين حكميهما وجعله أخاً من وجه دون وجه . 
وهذا من ألطف مسالك الفقه ولا يهتدي إليه إلا خواص أهل العلم والهم عن الله ورسوله . وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في التشهد . وقد علمهم أن يقولوا : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، ثم قال : فإذا قلتم ذلك أصأبت كل عبد صالح لله في السماء والأرض ، كيف قرر بهذا عموم اسم الجمع المضاف وأغنانا صلى الله عليه وسلم عن طريق الأصوليين وتعسفها ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ، وقد سئل عن زكاة الحمر . فقال : لم ينزل علي فيها إلاهذه ألآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره [ الزلزلة : 7 ] ، فسمى الآية جامعة أي عامة شاملة . باعتبار اسم الشرط فدل على أن أدوات الشرط العموم وهذا في مخاطبته صلى الله عليه وسلم ومحاورته أكثر من أن يذكره . وإنما يجهله من كلامه صلى الله عليه وسلم من لم يحط به علماً . 
وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلاماً أسود فأنكر ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ألك إبل قال : نعم . قال : فما لونها ، قال : أسود ، قال : هل فيها من أورق . قال : نعم . قال : فأنى له ذلك ، قال عسى أن يكون نزعه عرق . قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق كيف تضمن الغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ، ومخالفة الولد للأبوين فيه . وإن مثل هذا لا يوجب ريبة وأن نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس . والله خالق الإبل وخالق بني آدم وهو الخلاق العليم ، فكما أن الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين ، فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين . وإن ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بني ءادم . فهذه من أصح المناظرات والإرشاد إلى اعتبار ما يجب اعتباره من الأوصاف وإلغاء ما يجب الغاؤه منها . وإن حكم الشيء حكم نظيره . وإن العلل والمعاني حق شرعاً وقدراً .
فصل : إذأ تأملت القرآن اطلعت فيه من أسرار المناظرة على ما يشفي ويكفي وأمثلة ذلك 
وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكراً وافياً اطلعت فيه من أسرار المناظرات ، وتقرير الحجج الصحيحة ، وإبطال الشبه الفاسدة ، وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه . فمن ذلك قوله تعالى : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون [ البقرة : 11 ] ، فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين . فقال لهم المؤمنون : لا تفسدوا في الأرض فأجابهم المنافقون بقولهم : إنما نحن مصلحون ، فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ، ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وإن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد . فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن أسجل على المنافقين أربع اسجالات ، أحدها تكذيبهم ، والثاني : الإخبار بأنهم مفسدون ، والثالث : حصر الفساد فيهم بقوله هم المفسدون . والرابع : وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم البتة بكونهم مفسدين . وتأمل كيف نفى الشعور عنه في هذا الموضع ، ثم نفى عنهم العلم في قولهم أنؤمن كما آمن السفهاء [ البقرة : 13 ] ، فقال : ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [ البقرة : 13 ] ، فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم . وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسداً ولا شعور له بفساده البتة . مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به . وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه . 
وكذلك كونه سفيهاً والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه . فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني . فنفى العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفي الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه . فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل ، وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحاً والشر خيراً . وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضاً ، فإن المؤمنين قالوا لهم : آمنوا كما آمن الناس فأجابهم المنافقون بقولهم : أنؤمن كما آمن السفهاء [ البقرة : 13 ] ، وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله ورسوله وإن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم ، ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده . 
فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا . إنما يجب علينا موافقة العقلاء ، وأما السفهاء الذين لا عقل لهم يميزون به بين النافع والضار ، فلا يجب علينا موافقتهم . فرد الله تعالى عليهم وحكم للمؤمنين واسجل على المنافقين بأربعة أنواع . 
أحدها : تسفيههم . 
الثاني : حصر السفه فيهم . 
الثالث : نفي العلم عنهم . 
الرابع : تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من الإخبار عن سفه أهل الإيمان . 
وخامس أيضاً : وهو تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه . 
ومن ذلك قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 21 ] ، إلى قوله : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين [ البقرة : 24 ] ، فهذا استدلال في غاية الظهور ، ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله ، وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى . توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر ، وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة ، والذل والخضوع والحب إلا له ، ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض . فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله . وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار . فثبت صحة ذلك ضرورة فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه فصدرها تعالى بقوله : يا أيها الناس [ البقرة : 21 ] ، وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم ثم قال : اعبدوا ربكم [ البقرة : 21 ] ، فأمرهم بعبادة ربهم وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته ، لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمه وإحسانه وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا وكل ذرة من العبد فمملوكة له ملكاً خالصاً حقيقياً ، وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه . فعبادته له وشكره إياه واجب عليه ولهذا قال : اعبدوا ربكم [ البقرة : 21 ] ، ولم يقل إلهكم . والرب هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح . والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له . ثم قال : الذي خلقكم [ البقرة : 21 ] ، فنبه بهذا أيضاً على وجوب عبادته وحده وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم . كما قال في غير موضع من القرآن : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [ الزخرف : 87 ] ، فإذا كان هو وحده الخالق ، فكيف لا يكون وحده المعبود وكيف يجعلون معه شريكاً في العبادة . وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق . وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية . ثم قال : والذين من قبلكم [ البقرة : 21 ] ، فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم . وإنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ، ولا في خلقكم ، وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته ، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ، ونعوت جلاله فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله ووحدانيته في صفاته فلا شبيه له فيها ، ولا في أفعاله فلا شريك له فيها . ثم ذكر المطلوب من خلقهم وهو أن يتقوه فيطيعونه ، ولا يعصونه ويذكرونه . فلا ينسونه ويشكرونه ، ولا يكفرونه فهذه حقيقة تقواه . وقوله : لعلكم تتقون [ البقرة : 63 ، 179 ، 183 وغيرها ] ، قيل : إنه تعليل للأمر . وقيل : تعليل للخلق ، وقيل : المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته . وقيل : المعنى خلقكم لتتقوه وهو أظهر لوجوه : 
أحدها : إن التقوى هي العبادة والشيء لا يكون علة لنفسه . 
الثاني : إن نظيره قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : 56 ] . 
الثالث : إن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله : لعلكم تتقون [ البقرة : 63 ، 79 ، 183 وغيرها ] ، تعليلاً للأمر بالعبادة . 
ونظيره قوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 183 ] ، فهذا تعليل لكتب الصيام ، ولا يمتنع أن يكون تعليلاً للأمرين معاً وهذا هو الأليق بالآية والله أعلم . ثم قال تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم [ البقرة : 22 ] ، فذكر تعالى دليلاً آخر متضمناً للاستدلال بحكمته في مخلوقاته ، فالأول متضمن لأصل الخلق والإيجاد ، ويسمى دليل الاختراع والإنشاء . والثاني متضمن للحكم المشهودة في خلقه ويسمى دليل العناية والحكمة . وهو تعالى كثيراً ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن ونظيره قوله تعالى : الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم [ البقرة : 22 ] ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار [ إبراهيم : 32 ، 33 ] ، فذكر خلق السموات والأرض ، ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها . ونظيره قوله تعالى : أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون من جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً [ النمل : 60 ، 61 ] ، إلى آخر الآيات على أن في هذه الآيات من الأسرار والحكم ما يحسب عقول العالمين . أن يفهموه ويدركوه ، ولعله أن يمر بك إن شاء الله التنبيه على رائحة يسيرة من ذلك . ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون [ البقرة : 164 ] ، وهذا كثير في القرآن لمن تأمله . وذكر سبحانه في آية البقرة قرار العالم وهو الأرض وسقفه وهو السماء ، وأصول منافع العباد وهو الماء الذي أنزله من السماء . فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه ، ونبه تعالى بجعله للأرض فراشاً على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها فجعلها فراشاً ومهاداً وبساطاً وقراراً ، وجعل سقفها بناء ، محكماً مستوياً لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب . ثم قال : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون [ اليقرة : 22 ] ، فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها وظفر العقل بها بأول وهلة ، وخلوصها من كل شبهة وريبة ، وقادح وإن كل متكلم ومستدل ومحجاج . إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه ، فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن . فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد أي إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال . فكيف يجعلون له أنداداً . وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله . فلما قرر نوعي التوحيد انتقل إلى تقرير النبوة فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين [ البقرة : 23 ] ، إن حصل لكم ريب في القرآن وصق من جاء به . وقلتم إنه مفتعل فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه . وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم . ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى إن الذين راموا معارضته . كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته ، فهو كمن أظهر طيباً لم يشم أحد مثل ريحه قط . وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله ، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة . وقالوا : قد جئنا بمثل ما جئت به ، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهاناً وعظمة وجلالة . وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال : وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين [ البقرة : 23 ] ، كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته أجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ، ولا تبق منهم أحداً حتى تستعين به . فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلاً إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله والنبي صلى الله عليه وسلم : يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول : لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبداً ، فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل الأحباب . فلو قدروا على الاتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة وأيتام الأولاد وقتل النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته . وتقرير النبوة بهذه الآية له وجوه متعددة . هذا أحدها ، وثانيها : إقدامه صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالاً عاماً إلى يوم القيامة إنهم لن يفعلوا ذلك أبداً . فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى . وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك . وثالثها : النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته ، فرد من أفراد إعجازه . وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه ، وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغه خبره ولو لم يفهمه ، ولم يتأمله ، فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور كثير من المتكلمين وتقصيرهم في بيان إعجازه ، وأنهم لن يوفوه عشر معشار حقه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها ، وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته ، وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام ، وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب ، إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله .
تابع فصل : إذأ تأملت القرآن اطلعت فيه من أسرار المناظرة على ما يشفي ويكفي وأمثلة ذلك 
فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة ، فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره ، وقد أخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبتت صحة ذلك يقيناً . فقال تعالى : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين * وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار [ البقرة : 24 ] ، الآية فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين من إثبات خالق العالم وصفته ووحدانيته ورسالة رسوله والمعاد الأكبر . ومن ذلك قوله تعالى : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها [ البقرة : 26 ] ، الآية وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن ، وقالوا : إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة ، فلو كان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة . فأجابهم الله تعالى بأن قال : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها [ البقرة : 26 ] ، فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها ، إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل واضحاده كان من أحسن الأشياء . والحسن لا يستحيا منه ، فهذا جواب الاعتراض فكان معترضاً اعترض على هذا الجواب ، أو طلب حكمة ذلك فأخبر تعالى عماله في ضرب تلك الأمثال من الحكمة وهي إضلال من شاء وهداية من شاء ، ثم كان سائلاً سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك . فأخبر تعالى عن حكمته وعدله وإنه وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض [ البقرة : 26 ، 27 ] ، فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سبباً ، لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى . ومن ذلك قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون [ البقرة : 28 ] ، فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله أمر مستقر في الفطر والعقول . وإنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة، فذكر تعالى أربعة أمور ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم ، والرابع منتظر موعود به وعد الخلق . الأول : كونهم كانوا أمواتاً لا أرواح فيهم . بل نطفاً وعلقاً ومضغة مواتاً لا حياة فيها . 
الثاني : أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة . 
الثالث : أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة . 
الرابع : إنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول ، ويكذب بالرابع . وهل الرابع الأطور من أطوار التخليق . فالذي أحياكم بعد إن كنتم مواتاً ، ثم أماتكم بعد أن أحياكم ما الذي يعجزه عن إحيائكم بعدما يميتكم . وهل إنكاركم ذلك إلا كفر مجرد بالله ؟ فكيف يقع منكم بعد ما شاهدتموه ؟ فقي ضمن هذه الآية الاستدلال على وجود الخالق وصفاته وأفعاله وعلى المعاد . ومن ذلك قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال : إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون [ البقرة : 30 ، 31 ، 32 ، 33 ] . فهذه كالمناظرة من الملائكة والجواب عن سؤالهم كأنهم قالوا : إن استخلفت في الأرض خليفة كان منه الفساد وسفك الدماء ، وحكمتك تقتضي أن لا تفعل ذلك وإن جعلت فيها فتجعل فيها من يسبح بحمدك ويقدس لك ونحن نفعل ذلك . فأجابهم تعالى عن هذا السؤال بأن له من الحكمة في جعل هذا الخليفة في الأرض ما لا تعلمه الملائكة وإن وراء ما زعمتم من الفساد مصالح وحكماً لا تعلمونها أنتم ، وقد ذكرنا منها قريباً من أربعين حكمة في كتاب التحفة المكية ، فاستخرج تعالى من هذا الخليفة وذريته الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين وعمر بهم الجنة وميز الخبيث من ذريته من الطيب فعمر بهم النار . 
وكان من ضمن ذلك من الحكم والمصالح ما لم يكن للملائكة تعلمه . ثم إنه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خصه به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريماً له ، وتعظيماً له وإظهاراً لفضله ، وفي ضمن ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله . فمنها امتهحانهم بالسجود لمن زعموا أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء فأسجدهم له وأظهر فضله عليهم لما أثنوا على أنفسم وذموا الخليفة كما فعل سبحانه ذلك بموسى لما أخبر عن نفسه أنه أعلم أهل الأرض فامتحنه بالخضر وعجزه معه في تلك الوقائع الثلاث . وهذه سنته تعالى في خليقته وهو الحكيم العليم . ومنها خبره لهذا الخليفة وابتداؤه له بالإكرام والإنعام لما علم مما يحصل له من الانكسار والمصيبة والمحنة فابتدأه بالجبر والفضل ، ثم جاءت المحنة والبلية والذل وكانت عاقبتها إلي الخير والفضل والإحسان . فكانت المصيبة التهي لحقته محفوفة بإنعامين إنعام قبلها ، وإنعام بعدها ولذريته المؤمنين نصيب مما لأبيهم . فإن الله تعالى أنعم عليهم بالإيمان ابتداء . وجعل العاقبة لهم فما أصابهم بين ذلك من الذنوب والمصائب فهي محفوفة بأنعام قبلها ، وإنعام بعدها فتبارك الله رب العالمين . ومنها استخراجه تعالى ما كان كامناً في نفس عدوه إبليس من الكبر والمعصية الذي ظهر عند أمره بالسجود ، فاستحق اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامناً في نفسه عند إظهاره ، والله تعالى كان يعلم منه ولم يكن ليعاقبه ويلعنه على علمه فيه . بل على وقوع معلومه فكان أمره بالسجود له مع الملائكة مظهراً للخبث والكفر الذي كان كامناً فيه ، ولم تكن الملائكة تعلمه فأظهر لهم سبحانه ما كان يعلمه وكان خافياً عنهم من أمره فكان في الأمر بالسجود له تكريماً لخليقته الذي أخبرهم بجعله في الأرض وجبراً له وتأديباً . للملائكة وإظهاراً لما كان مستخفياً في نفس إبليس ، وكان ذلك سبباً لتمييز الخبيث من الطيب . وهذا من بعض حكمه تعالى في إسجادهم لآدم . ثم أنه سبحانه ، لما علم آدم ما علمه ، ثم امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلمون فأنبأهم به آدم ، وكان في طي ذلك جواباً لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنه يفسد فيها ويسفك الدماء فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان في ظنهم .
فصل في ذكر مناظرة إبليس عدو الله في شأن آدم وإبائه من السجود له ، وبيان فسادها 
وقد كرر الله تعالى ذكرها في كتابه ، وأخبر فيها أن امتناع إبليس من السجود كان كبراً منه وكفراً ومجرد إباء ، وإنما ذكر تلك الشبهة تعنتاً ، وإلا فسبب معصيته الاستكبار والآباء والكفر وإلا فليس في أمره بالسجود لآدم ما يناقض الحكمة بوجه . وأما شبهته الداحضة وهي أن أصله وعنصره النار وأصل آدم وعنصره التراب ، ورتب على ذلك أنه خير من آدم ، ثم رتب على هاتين المقدمتين أنه لا يحسن منه الخضوع لمن هو فوقه وخير منه فهي باطله من وجوه عديدة : 
أحدها : أن دعواه كونه خيراً من آدم داعوى كاذبة باطلة ، واستدلاله عليها بكونه مخلوقاً من نار وآدم من طين استدلال باطل ، وليست النار خيراً من الطين والتراب ، بل التراب خير من النار ، وأفضل عنصراً من وجوه : 
أحدها : أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب . 
الثاني : أن طبعها الخفة والحدة والطيش والتراب طبعه الرزانة والسكون والثبات . 
الثالث : أن التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوان وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم وآلات معايشهم ومساكنهم والنار لا يتكون فيها شيء من ذلك . 
الرابع : أن التراب ضروري للحيوان لا يستغني عنه البتة ، ولا عن ما يتكون فيه ومنه والنار يستغني عنها الحيوان البهيم مطلقاً ، وقد يستغني عنها الإنسان الأيام والشهور فلا تدعوه إليها الضرورة فأين انتفاع الحيوان كله بالتراب إلى انتفاع الإنسان بالنار في بعض الأحيان . 
الخامس : أن التراب إذا وضع فيه القوت أخرجه أضعاف أضعاف ما وضع فيه ، فمن بركته يؤدي إليك ما تستودعه فيه مضاعفاً ولو استودعته النار لخانتك وأكلته ولم تبق ولم تذر . 
السادس : أن النار لا تقوم بنفسها ، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به يكون حاملاً لها . والتراب لا يفتقر إلى حامل ، فالتراب أكمل منها . 
السابع : أن النار مفتقرة إلى التراب ، وليس بالتراب فقر إليها فإن المحل الذي تقوم به النار لا يكون إلا مكوناً من التراب ، أو فيه فهي الفقيرة إلى التراب وهو الغني عنها . 
الثامن : أن المادة الابليسية هي المارج من النار وهو ضعيف يتلاعب به الهوى فيميل معه كيفما مال . ولهذا غلب الهوى على المخلوق منها فأسره وقهره ، ولما كانت المادة الآدمية التراب وهو قوي لا يذهب مع الهوى أينما ذهب قهر هواه وأسره ورجع إلى ربه فاجتباه واصطفاه فكان الهوى الذي مع المادة الآدمية عارضاً سريع الزوال فزال وكان الثبات والرزانة أصلياً له فعاد إليه . وكان إبليس بالعكس من ذلك فرجع كل من الأبوين إلى أصله وعنصره آدم إلى أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الرديء . 
التاسع : أن النار وإن حصل بها بعض المنفعة والمتاع فالشر كامن فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها ولولا القاسر والحابس لها لا فسدت الحرث والنسل ، وأما التراب فالخير والبر والبركة كامن فيه كلما أثير وقلب ظهرت بركته وخيره وثمرته فأين أحدهما من الآخر . 
العاشر : أن الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه ، وأخبر عن منافعها وخلقها . وإنه جعلها مهاداً وفراشاً وبساطاً وقراراً وكفاناً للأحياء والأموات ، ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائب ما أودغ فيها . ولم يذكر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا موضعاً ، أو موضعين ذكرها فيه بأنها تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بنار الآخرة ، ومتاع لبعض أفراد الإنسان وهم المقوون النازلون بالقوا وهي الأرض الخالية ، إذا أنزلها المسافر تمتع بالنار في منزله . فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن . 
الحادي عشر : إن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه خصوصاً ، وأخبر أنه بارك فيها عموماً فقال : أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين [ فصلت : 9 ] ، فهذه بركة عامة . وأما البركة الخاصة ببعضها فكقوله : ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين [ الأنبياء : 71 ] ، وقوله : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة [ سبأ : 18 ] ، وقوله : ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها [ الأنبياء : 81 ] ، وأما النار فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلاً ، بل المشهور أنها مذهبة للبركة ماحقة لها فأين المبارك فى نفسه المبارك فيما وضع فيه إلى مزيل البركة وما حقها ؟ 
الثاني عشر : إن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه ، ويسبح له فيها بالغدو والآصال عموماً ونيته الحرام الذي جعله قياماً للناس مباركاً فيه ، وهدى للعالمين ، خصوصا ولو لم يكن في الأرض إلا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفاً وفضلاً على النار . 
الثالث عشر : إن الله تعالى أودع في الأرض من المنافع والمعادن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوانات وأمتعتها والجبال والجنان والرياض والمراكب البهية ، والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئاً منه ، فأي روضة وجدت في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين فوارة ، أو نهر مطرد ، أو ثمرة لذيذة ، أو زوجة حسنة أو لباس وسترة . 
الرابع عشر : إن غاية النار أنها وضعت خادمة لما في الأرض ، فالنار إنما محلها محل الخادم لهذه الأشياء المكمل لها فهي تابعة لها خادمة فقط . إذا استغنت عنها طردتها وأبعدتها عن قربها ، وإذا احتاجت إليها استدعتها استدعاء المخدوم لخادمه ، ومن يقضي حوائجه . 
الخامس عشر : إن اللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين تراباً ممتزجاً بماء فاحتقره ، ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي ، والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم هذا ، وكم يجيء من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة ، فلو تجاوز نظره صورة الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل ، وإذا استقريت الوجوه التي تدلك على أن التراب أفضل من النار ، وخير منها وجدتها كثيرة جداً ، وإنما أشرنا إليها إشارة ، ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل ، أن النار خير من الطين لم يلزمه من ذلك أن يكون المخلوق منها خيراً من المخلوق من الطين . فإن القادر على كل شيء يخلق من المادة المفضولة من هو خير ممن خلقه من المادة الفاضلة ، والاعتبار بكمال النهاية لا ينقص المادة . فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ، ولم يعبر منها إلى كمال الصورة ونهاية الخلقة . فأين الماء المهين الذي هو نطفة ومضغة واستقذار النفوس له إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خلقاً وخلقاً ، وقد خلق الله تعالى الملائكة من نور ، وآدم من تراب ومن ذرية آدم من هو خير من الملائكة ، وإن كان النور أفضل من التراب ، فهذا وأمثال مما يدلك على ضعف مناظرة اللعين وفساد نظره وإدراكه . وإن الحكمة كانت توجب عليه خضوعه لآدم فعارض حكمة الله وأمر برأيه الباطل ، ونظره الفاسد ، فقياسه باطل نصاً وعقلاً وكل من عارض نصوص الأنبياء بقياسه ورأيه فهو من خلفائه وأتباعه ، فنعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة من هذا البلاء الذي ما رمى العبد منه ، ولأن يلقي الله بذنوب الخلائق كلها ما خلا الإشراك به أسلم له من أن يلقى الله وقد عارض نصوص أنبيائه برأيه ، ورأي بني نجسه . وهل طرد الله إبليس ولعنه ، وأحل عليه سخطه وغضبه إلا حيث عارض النص بالرأي والقياس ، ثم قدمه عليه والله يعلم أن شبه عدو الله مع كونها داحضة باطلة أقوى من كثير من شبه المعارضين لنصوص الأنبياء بآرائهم وعقولهم . فالعالم يتدبر سر تكرير الله لهذه القصة مرة بعد مرة وليحذر أن يكون له نصيب من هذا الرأي والقياس وهو لا يشعر . فقد أقسم عدو الله أنه ليغوين بني آدم أجمعين إلا المخلصين منهم . وصدق تعالى ظنه عليهم وأخبر أن المخلصين لا سبيل له عليهم . والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة والمحبة والإجلال والطاعة لله والمتابعة والانقياد لنصوص الأنبياء . فيجرد عبادة الله عن عبادة ما سواه ، ويجرد متابعة رسوله وترك ما خالفه لقوله دون متابعة غيره ، فليزن العاقل نفسه بهذا الميزان قبل أن يوزن يوم القدوم على الله . والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فصل : من ذلك قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً إلخ 
ومن ذلك قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون [ البقرة : 80 ] ، فهذا مطالبته لهم بتصحيح دعواهم وترديد لهذه المطالبة بين أمرين لا بد من واحد منهما ، وقد تعين بطلان أحدهما فلزم ثبوت الآخر ، فإن قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة خبر عن غيب لا يعلم إلا بالوحي . . فأما أن يكون قولاً على الله بلا علم فيكون كاذباً ، وأما أن يكون مستنداً إلى وحي من الله وعهد عهده إلى المخبر ، وهذا منتف قطعاً فتعين أن يكون خبراً كاذباً قائله كاذب على الله تعالى .
فصل : ومن ذلك قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم 
ومن ذلك قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض [ البقرة : 83 ، 84 ] ، فهذه حجة من الله احتج بها على أهل الكتاب فإنه كان قد أخذ عليهم الميثاق ، أن لا يقتل بعضهم بعضاً ، ولا يجليه عن دياره ، وأن يفدي بعضهم بعضاً من الأسر ، فهذه ثلاث عهود خالفوا منها عهدين ، وأخذوا بالثالث فقتل بعضهم بعضاً ، وأخرجه من دياره ، ثم فادوا أسراهم ، لأن الله أمرهم بذلك . 
فإن كنتم قد فاديتم الأسارى ، لأن الله أمركم بفدائهم فلم قتلتم بعضكم بعضاً وأخرجتموهم من ديارهم ، والله قد نهاكم عن ذلك . 
والأخذ ببعض الكتاب يوجب عليكم الأخذ بجميعه . فكيف تكفرون ببعض الكتاب ، وتؤمنون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا . ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب . وما الله بغافل عما يعملون .
فصل : ومن ذلك قوله تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم 
ومن ذلك قوله تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون [ البقرة : 87 ] ، فهذا هو الذي تسميه النظار والفقهاء التشهي والتحكم فيقول أحدهم لصاحبه : لا حجة لك على ما ادعيت سوى التشهي والتحكم الباطل . فإن جاءك ما لا تشتهيه دفعته ورددته . وإن كان القول موافقاً لما تهواه وتشتهيه . إما من تقليد من تعظمه ، أو موافقة ما تريده قبلته وأجزته فترد ما خالف هواك ، وتقبل ما وافق هواك . وهذا الاحتجاج والذي قبله مفحمان للخصم لا جواب له وعليهما البتة ، فإن الأخذ ببعض الكتاب يوجب الأخذ بجميعه والتزام بعض شرائعه يوجب التزام جميعها ، ولا يجوز أن تكون الشرائع تابعة الشهوات ، إذ لو كان الشرع تابعاً للهوى والشهوة لكان في الطباع ما يغني عنه ، وكانت شهوة كل أحد وهواه شرعاً له ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن [ المؤمنون : 71 ] .
فصل : ومن ذلك قوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون عن الذين كفروا الآية 
ومن ذلك قوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ البقرة : 89 ] ، فهذه حجة أخرى على اليهود في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا يحاربون جيرانهم من العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره فيفتح لهم وينصرون . فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به وجحدوا نبوته ، فاستفتاحهم به وجحد نبوته مما لا يجتمعان . فإن كان استفتاحهم به ، لأنه نبي كان جحد نبوته محالاً ، وإن كان جحد نبوته كما يزعمون حقاً كان استفتاحهم به باطلاً . فإن كان استفتاحهم به حقاً فنبوته حتى وإن كانت نبوته كما يقولون باطلاً فاستفتاحهم باطل . وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه البتة ، ويمكن تقريرها على صور عديدة : 
منها : أن يقال قد أقررتم بنبوته قبل ظهوره باستفتاحكم به فتعين عليكم الإقرار بها بعد ظهوره . 
الثانية : أن يقال كنتم تستفتحون به ، وذلك إقرار منكم بنبوته قبل ظهوره استناداً إلى ما عندكم من العلم بظهوره ، فلما شاهدتموه وصار المعلوم معايناً بالرؤية ، فالتصديق به حينئذ يكون أولى فكفرتم به عند كمال المعرفة ، وآمنتم به حين كانت غيباً لم تكمل فآمنتم به على تقدير وجوده وكفرتم به عند تحقق وجوده فأي تناقض وعناد أبلغ من هذا . 
الثالثة : أن يقال إيمانكم به لازم لاستفتاحكم به ووجوده الملزوم بدون لازمه محال . 
الرابعة : أن يقال استفتاحكم به هل كان عن دليل أو لا عن دليل . فلا بد أن يقولوا : كان عن دليل ، وحينئذ يجب طرد الدليل والقول بموجبه حيث وجد ، فأما أن يقال بموجبه في موضع ويجحد موجبه في موضع أقوى منه . فمن أبطل الباطل . 
الخامسة : أن يقال إن كان الاستفتاح به تصديقاً للنبي الذي أخبر بظهوره وقامت البراهين على صدقه فالإيمان به متعين تصديقاً للنبي الأول . أيضاً وإن كان ترك الإيمان قبل ظهوره تكذيباً للنبي الأول فترك الإيمان به بعد ظهوره أشد تكذيباً . فأنتم في كفركم به مكذبون للنبي الأول والثاني ، وهذا من أحسن الوجوه . 
السادسة : أن يقال إن كان الاستفتاح به حقاً لما ظهر على يد النبي المبشر به من المعجزات ، فالإيمان به عند ظهوره يكون أقوى لانضمام المعجزات التي ظهرت على يده وهي تستلزم لصدقه إلى المعجزات التي ظهرت على يد النبي المبشر به ، فقويت أدلة الصدق وتظافرت براهينه . 
السابعة : أن يقال : أحد الأمرين لازم ، ولا بد إما خطأكم في استفتاحكم به ، وإما في كفركم وتكذيبكم به ، فإنهما لا يمكن اجتماعهما فأيهما كان خطأ ؟ كان الآخر صواباً . لكن استفتاحكم به مستند إلى الإيمان بالنبي الأول فهو مستند إلى حق فتعين أن يكون كفرهم به هو الباطل ، ولا يمكن أن يقال : إن التكذيب به هو الحق والاستفتاح به كان باطلاً ، لأنه يستلزم تكذيب من أقررتم بصدقه ولا بد . 
الثامنة : أن يقال التصديق به قبل ظهوره هن لوازم التصديق بالنبي الأول ، والتكذيب به حينئذ كفر . فالتصديق به بعد ظهوره كذلك ، وإن كان التكذيب به قبل ظهوره مستلزماً للكفر بالنبي الأول فهو بعد ظهوره أشد استلزاما . فلا يجتمع التكذيب به والإيمان بالنبي الأولى أبداً لا قبل ظهوره ولا بعده . أما قبل ظهوره فباعترافكم ، وإما بعد ظهوره فلأن دلالة صدقه حينئذ أظهر وأقوى كما تقدم بيانه . 
التاسعة : أن يقال الاستفتاح به تصديق وإقرار بنبوته وتكذيبه جحد وكفر بها والإيمان والتصديق برسالة الرجل الواحد ، والتكديب والجحد بها مستلزم للكفر . ولا بد فإنه يستلزم أحد الأمرين ، إما التصديق بنبوة من ليس بنبي ، وإما جحد نبوة من هو نبي ، وأيهما كان فهو كفر . وقد أقررتم على أنفسكم بالكفر ، ولا بد فلعنة الله على الكافرين . 
العاشرة : تقرير الاستدلال بطريقة استسلاف المقدمات المؤاخذة بالاعتراف ، فيقال لهم : ألستم كنتم تستفعتحون به ، فيقولون : بلى ، فيقال : أليس الاستفتاح به إيمان به . فلا بد من الاعتراف بذلك ، فيقال : أفليس ظهور من كنتم تؤمنون به قبل وجوده موجباً عليكم الإيمان به ، فلا بد من الاعتراف ، أو العناد الصريح وليس لأعداء الله على هذه الوجوه اعتراض البتة . سوى أن قالوا هذا كله حق . ولكن ليس هذا الموجود بالذي كنا نستفتح به ، وهذا من أعظم البهت والعناد فإن الصفات والعلامات التي فيه طابقت ما كانت عندهم مطابقة المعلوم لعلمه فإنكار أن يكون هو ، إنما يكون جحداً للحق وإنكار له باللسان والقلب يعرفه . ولهذا قال تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ البقرة : 89 ] ، فأغنى عن هذه الوجوه والتقريرات كلها قوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ البقرة : 89 ] ، والمادة الحق يمكن إبرازها في الصور المتعددة وفي أي قالب أفرغت وصورة أبرزت ظهرت صحيحة ، وهذا شأن مواد براهين القرآن في أي صورة أبرتها ظهرت في غاية الصحة والبيان ، فالحمد لله المانبالهدى على عباده المؤمنين .
فصل : ومن تأمل قول تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم وجد فيه برهاناً عظيماً على صدقه إلخ 
وتأمل قوله تعالى في هذه الآية : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم [ البقرة : 101 ] ، كيف تجد تحته برهاناً عظيماً على صدقه وهو مجيء الرسول الثاني بما يطابق ما جاء به الرسول الأول ، ويصدقه مع تباعد زمانهما وشهادة أعدائه وإقرارهم له بأنه لم يتلقه من بشر ولهذا كانوا يمتحنونه بأشياء يعلمون أنه لا يخبر بها إلا نبي ، أو من أخذ عنه وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد البتة ، ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيل إلى الطعن عليه ولعارضوه بمثل ما جاء به . والمقصود أن مطابقة ما جاء به لما أخبر به الرسول الأول من غير مواطأة ولا تشاعر ولا تلقى منه ، ولا ممن أخذ عنه دليل قاطع على صدق الرسولين معاً . 
ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع به أنه صادق في شهادته صدقاً لا يتطرق إليه شبهة فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ، ولم يتواطأ معه فيخبر بنظير تلك الشهادة سواء مع القطع بأنه لم يجتمع به ، ولا تلقاها عن أحد اجتمع به فهذا يكفي في صدقه ، إذا تجرد الإخبار فكيف إذا اقترن بأدلة يقطع بها بأنه صادق أعظم من الأدلة التي اقترنت بخبر الأول فيكفي في العلم بصدق الثاني مطابقة خبره لخبر الأول . فكيف إذا بشر به الأول ، فكيف إذا اقترن بالثاني من البراهين الدالة على صدقه نظير ما اقترن بالأول وأقوى منها والله أعلم .
تابع فصل : ومن تأمل قول تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم وجد فيه برهاناً عظيماً على صدقه إلخ 
ومن ذلك قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين [ البقرة : 91 ] ، هذه حكاية مناظرة بين الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبين اليهود لما قال لهم : آمنوا بما أنزل الله [ البقرة : 91 ] ، فأجابوه بأن قالوا : نؤمن بما أنزل علينا [ البقرة : 91 ] ، ومرادهم بهذا التخصيص أن نؤمن بالمنزل علينا دون غيره ، فظهرت عليهم الحجة بقولهم هذا من وجهين دل عليهما قوله تعالى : ويكفرون بما وراءه وهو الحق [ البقرة : 91 ] ، إلى آخر الآية . قال : إن كنتم قد أمنتم بما أنزل عليكم لأنه حق فقد وجب عليكم أن تؤمنوا بما جاء به محمد ، لأنه حق مصدق لما معكم . وحكم الحق الإيمان به أين كان ومع من كان فلزمكم الإيمان بالحقين جميعاً ، أو الكفر الصراح . وفي قوله : ويكفرون بما وراءه وهو الحق [ البقرة : 91 ] ، نكتة بديعة جداً وهي أنهم لما كفروا به . وهو حق لم يكن إيمانهم بما أنزل عليهم لأجل أنه حق . فإذا لم يتبعوا الحق فيما أنزل عليهم . ولا فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم لو آمنوا بالمنزل عليهم أنه حق لآمنوا بالحق الثاني وأعطوا الحق حقه من الإيمان . ففي ضمن هذه الشهادة عليهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الأول ، ولا بالثاني . وهكذا الحكم في كل من فرق الحق فآمن ببعضه وكفر ببعضه . كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض ، وكمن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض لم ينفعه إيمانه بما كفر به حتى يؤمن بالجميع . ونظير هذا التفريق تفريق من يرد آيات الصفات وأخبارها ، ويقبل آيات الأوامر والنواهي . فإن ذلك لا ينفعه ، لأنه آمن ببعض الرسالة وكفر ببعض ، فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة له فالشبهة التي عرضت لمن رد بعض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن لا تكون نافعة وإن كانت هذه عذراً له . فشبهة من كذب بعض الأنبياء مثلها . وكما أنه لا يكون مؤمناً حتى يؤمن بجميع الأنبياء ، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميعهم ، فكذلك لا يكون مؤمناً حتى يؤمن بجميع ما جاء به الرسول . فإذا آمن ببعضه ورد بعضه فهو كمن كفر به كله . فتأمل هذا الموضع واعتبر به الناس على اختلاف طوائفهم ، يتبين لك أن أكثر من يدير الإيمان بريء من الإيمان . ولا حول ولا قوة إلا بالله . 
الوجه الثاني : من النقض قوله : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين [ البقرة : 91 ] ، ووجه النقض أنكم إن زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم وبالأنبياء الذين بعثوا فيكم فلم قتلتموهم من قبل وفيم أنزل إليكم الإيمان بهم وتصديقهم ، فلا آمنتم بما أنزل إليكم ، ولا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم كأنه توقع منهم الجواب بأنا لم نقتل من ثبتت نبوته ، ولم نكذب به ، فأجيبوا على تقدير هذا الجواب الباطل منهم بأن موسى قد جاءكم بالبينات وما لا ريب معه في صحة نبوته ، ثم عبدتم بعد غيبته عنكم وأشركتم بالله وكفرتم به . وقد علمتم نبوة موسى وقيام البراهين على صدقه فقال : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون [ البقرة : 92 ] ، فهكذا تكون الحجج والبراهين ومناظرات الأنبياء لخصومهم ومن ذلك قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [ البقرة : 94 ] ، كانوا يقولون : نحن أحباء الله ولنا الدار الآخرة خالصة من دون الناس ، وإنما يعذب منا من عبد العجل مدة ، ثم يخرج من النار وذلك مدة عبادتهم له . فأجابهم تبارك وتعالى عن قولهم : إن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة بالمطالبة وتقسيم الأمر بين أن يكون لهم عند الله عهد عهده إليهم ، وبين أن يكونوا قد قالوه عليه ما لا يعلمون ، ولا سبيل لهم إلى ادعاء العهد فتعين الثاني وقد تقدم . ثم أجابهم عن دعواهم خلوص الآخرة لهم بقوله : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [ البقرة : 109 . الجمعة : 6 ] ، لأن الحبيب لا يكره لقاء حبيبه ، والابن لا يكره لقاء أبيه ، لا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به . بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه ، فحيث لم يحب ذلك ولم يتمنه فهو كاذب في قوله مبطل في دعواه ونظير هذا قوله في سورة المائدة رداً عليهم قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم [ المائدة : 18 ] ، يعني أن الأب لا يعذب ابنه والحبيب لا يعذب حبيبه . وههنا نكتة لطيفة جداً . قل : من ينتبه لها . ونحن نقرها بسؤال وجواب . فإن قيل : معلوم أن الأب قد يؤدب ولده إذا أذنب ، والحبيب قد يهجر حبيبه إذا رأى منه بعض ما يكره . قيل : لوتأملت أيها السائل قوله : قل فلم يعذبكم بذنوبكم [ المائدة : 18 ] ، لعلمت الفرق بين هذا التعذيب ، وبين الهجران والتأديب ، فإن التعذيب بالذنب ثمرة الغضب المنافي للمحبة . فلو كانت المحبة قائمة كما زعموا لم يكن هناك ذنوب يستوجبون عليها العذاب من المسخ قردة وخنازير ، وتسلط أعدائهم عليهم يستبيحونهم ويستعبدونهم ويخربون متعبداتهم ويسبون ذراريهم . فالمحب لا يفعل هذا بحبيبه ولا الأب بابنه . 
ومعلوم أن الرحمن الرحيم لا يفعل هذا بأمة إلا بعد فرط إجرامها وعتوها على الله ، واستكبارها عن طاعته وعبادته . وذلك ينافي كونهم أحبابه فلو أحبوه لما ارتكبوا من غضبه وسخطه ما أوجب لهم ذلك ، ولو أحبهم لأدبهم ولم يعذبهم ، فالتأديب شيء والتعذيب شيء والتأديب يراد به التهذيب والرحمة والإصلاح والتعذيب للعقوبة ، والجزاء على القبائح فهذا لون وهذا لون وفي ضمن هذه المناظرة معجزة باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي أنه في مقام المناظرة مع الخصوم الذين هم أحرص الناس على عداوته وتكذيبه وهو يخبرهم خبراً جزماً ، أنهم لن يتمنوا الموت أبداً ، ولو علموا من نفوسهم أنهم يتمنونه لوجدوا طريقاً إلى الرد عليه . بل ذلوا وغلبوا وعلموا صحة قوله ، وإنما منعهم من تمني الموت معرفتهم بما لهم عند الله من الخزي والعذاب الأليم بكفرهم بالأنبياء وقتلهم لهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : فهلا أظهروا التمني وإن كانوا كاذبين فقالوا : فنحن نتمناه . قيل : وهذا أيضاً معجزة أخرى وهي أن الله تعالى حبس عن تمنيه قلوبهم وألسنتهم فلم ترده قلوبهم ، ولم تنطق به ألسنتهم تصديقاً لقوله : ولن يتمنوه أبداً ، [ البقرة : 95 ] ، ومن ذلك قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ البقرة : 111 ] ، هذه دعوى من كل واحد من الطائفتين أنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهما ، فقالت اليهود : لا يدخلها إلا من كان هوداً . وقالت النصارى : لا يدخلها إلا من كان نصرانياً ، فاختصر الكلام أبلغ اختصار وأوجزه مع أمن اللبس ، ووضوح المعنى فطالبهم الله تعالى بالبرهان على صحة الدعوى فقال : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ البقرة : 111 ] ، وهذا هو المسمى سؤال المطالبة بالدليل . فمن ادعى دعوى بلا دليل يقال له هات برهانك إن كنت صادقاً فيما ادعيت ويحتج بهذه الآية من يقول بلزوم النافي الدليل كما يلزم المثبت ، وحكوا في ذلك ثلاث مذاهب . ثالثها : يلزمه في الشرعيات دون العقليات واستدلالهم بالآية لا يصح ، لأن الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرد . بل ادعوا دعوى مضمونها اثبات دخولهم هم الجنة ، وإن غيرهم لم يدخلها ، فطولبوا بالدليل الدال على هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات وصاحب هذه الدعوى يلزمه الدليل باتفاق الناس ، وإنما الخلاف في النفي المجرد . ولو استدل هؤلاء بقوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة [ البقرة : 80 ] ، لكان أقرب مع كونه متضمناً للنفي والإثبات ، لكن الدعوى فيه إنما توجهت إلى النفي . ومقصود الكلام أنا لا نعذب بعد تلك الأيام . فلم ينكر عليهم اعترافهم بالتعذيب تلك الأيام . بل دعواهم أنهم لا يعذبون بعدها ، وذلك نفي محض فلذلك قلنا إن الاستدلال بها أقرب من هذه الآية . وبعد فالتحقيق في مسألة النافي هل عليه دليل أن النفي نوعان . 
نوع مستلزم لإثبات ضد المنفي فهذا يلزم النافي فيه الدليل كما نفى الإباحة فإنه يطالب بالدليل قطعاً ، لأن نفيها يستلزم ثبوت ضد من أضدادها ، ولا بد من دليل ، وكذلك نفي التعذيب بالنار بعد الأيام المعدودة يستلزم دخول الجنة والفوز بالنعيم ، ولا بد له من دليل . 
النوع الثاني : نفي لا يستلزم ثبوتاً كنفي صحة عقد من العقود ، أو شرط أو عبادة في الشرعيات ونفي إمكان شيء ما من الأشياء في العقليات ، فالنافي أن نفي العلم به لم يلزمه دليل ، وإن نفي المعلوم نفسه وأدعى أنه منتف في نفس الأمر فلا بد له من دليل . ومن ذلك قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه [ البقرة : 116 ] ، إلى قوله كن فيكون [ البقرة : 117 ، آل عمران : 47 ، 59 ، النحل : 10 ] ، فرد عليهم سبحانه دعواهم له اتخاذ الولد ونزه نفسه عنه ، ثم ذكر أربع حجج على استحاله اتخاذه الولد . 
أحدها : كون ما في السموات والأرض ملكاً له ، وهذا ينافي أن يكون فيهما ولد له ، لأن الولد بعض الوالد وشريكه فلا يكون مخلوقاً له مملوكاً له ، لأن المخلوق مملوك مربوب عبد من العبيد والابن نظير الأب . فكيف يكون عبده تعالى ومخلوقه ومملوكه بعضه ونظيره . فهذا من أبطل الباطل . وأكد مضمون هذه الحجة بقوله : كل له قانتون [ البقرة : 116 ] ، فهذا تقرير لعبوديتهم له ، وأنهم مملوكون مربوبون ليس فيهم شريك ولا نظير ولا ولد . فإثبات الولد لله من أعظم الإشراك به . فإن المشرك به جعل له شريكاً من مخلوقاته مع اعترافه بأنه مملوك كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، فكانوا يجعلون من أشركوا به مملوكاً له عبداً مخلوقاً . والنصارى جعلوا له شريكاً هو نظير وجزء من أجزائه . كما جعل بعض المشركين الملائكة بناته فقال تعالى : جعلوا له من عباده جزءا [ الزخرف : 15 ] ، فإذا كان له ما في السموات والأرض عبيد قانتون مربوبون مملوكون . استحال أن يكون له منهم شريك ، وكل من أقر بأن لله ما في السموات ، وما في الأرض لزمه أن يقر له بالتوحيد ، ولا بد . ولهذا يحتج سبحانه على المشركين بإقرارهم بذلك كقوله : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون [ المؤمنون : 84 ] ، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في موضعه . 
الحجة الثانية : قوله تعالى : بديع السموات والأرض [ البقرة : 117 ] ، وهذه من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه . 
ولهذا قال في سورة الأنعام : بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد [ الأنعام : 101 ] ، أي من أين يكون لبديع السموات والأرض ولد . ووجهه تقرير هده الحجة أن من اخترع هذه السموات والأرض مع عظمهما وآياتهما وفطرهما وابتدعهما فهو قادر على اخترع ما هو دونهما ، ولا نسبة له إليهما البتة . فكيف يخرجون هذا الشخص بالعين عن قدرته وإبداعه ويجعلونه نظيراً وشريكاً وجزءاً . مع أنه تعالى بديع العالم العلوي والسفلي وفاطره ومخترعه وبارئه . فكيف يعجزه أن يوجد هذا الشخص من غير أب حتى يقولوا إنه ولده . فإذا كان قد ابتدع العالم علويه وسفليه . فما يعجزه ويمنعه عن إبداع هذا العبد وتكوينه وخلقه بالقدرة التي خلق بها العالم العلوي والسفلي فمن نسب الولد لله فما عرف الرب تعالى ولا آمن به ولا عبده ، فظهر أن هذه الحجة من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه ، وإن شئت أن تقرر الاستدلال بوجه آخر وهو أن يقال : إذا كان نسبة السموات والأرض وما فيهما إليه ، إنما هي بالاختراع والخلق والإبداع أنشأ ذلك وأبدعه من العدم إلى الوجود ، فكيف يصح نسبة شيء من ذلك إليه بالبنوة وقدرته على اختراع العالم وما فيه لم تزل ، ولم يحتج فيها إلى معاون ولا صاحب ولا شريك . وإن شئت أن تقررها بوجه آخر فتقول : النسبة إليه بالبنوة تستلزم حاجته ، وفقره إلى محل الولادة ، وذلك ينافي غناه وانفراده بإبداع السموات والأرض . وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله : قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض [ يونس : 68 ] ، فكمال قدرته وكمال غناه وكمال ربوبيته يحيل نسبة الولد إليه ونسبته إليه تقدح في كمال ربوبيته وكمال غناه وكمال قدرته . ولذلك كان نسبة الولد إليه مسبة له تبارك وتعالى . كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله تعالى شتمني عبدي ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك . أما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد ، وأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وقال عمر بن الخطاب في النصارى : أذلوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر ، وقال تعالى : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم [ الكهف : 4 ، 5 ] ، الآية ، وأخبر تعالى أن السموات كادت تنفطر من قولهم هذا وتنشق الأرض منه وتخر الجبال هداً . وما ذاك إلا لتضمنه شتم الرب تبارك وتعالى والتنقص به ونسبة ما يمنع كمال ربوبيته وقدرته وغناه إليه . 
الحجة الثالثة : قوله تعالى : وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون [ غافر : 86 ] ، وتقرير هذه الحجة أن من كانت قدرته تعالى كافية في إيجاد ما يريد إيجاده بمجرد أمره . وقوله : كن فأي حاجة به إلى ولد وهو لا يتكثر به من قلة ، ولا يتعزز به ولا يستعين به ، ولا يعجز عن خلق ما يريد خلقه . وإنما يحتاج إلى الولد من لا يخلق ولا إذا أراد شيئاً قال له : كن فيكون . وهذا المخلوق العاجز المحتاج الذي لا يقدر على تكوين ما أراده . وقد ذكر تعالى حججاً أخرى على استحالة نسبة الولد إليه فنذكرها في هذا الموضع . فمنها كمال علمه وعموم خلقه لكل شيء ، واستحالة نسبة الصاحبة إليه فقال تعالى في سورة الأنعام : بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة [ الأنعام : 111 ] ، الآية . فأما منافاة عموم خلقه لنسبة الولد إليه فظاهر فإنه لو كان له ولد لم يكن مخلوقاً بل جزءاً ، وهذا ينافي كونه خالق كل شيء ، وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين يقولون بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة شر من النصارى . وإن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقاً لله وقوله : أخبث من قول النصارى ، لأن النصارى أخرجوا عن عموم خلقه شخصاً واحداً ، أو شخصين . ومن قال بقدم العالم فقد أخرج العالم العلوي والسفلي والملائكة عن كونه مخلوقاً لله والنصارى لم يصل كفرهم إلى هذا الحد . وأما منافاة عدم المصاحبة للولد فظاهر أيضاً ، لأن الولد إنما يتولد من أصلين فاعل ومحل قابل يتصلان اتصالاً خاصاً . فينفصل من أحدهما جزء في الآخر يكون منه الولد فمن ليس له صاحبة كيف يكون له ولد ، ولذلك لما فهم عوام النصارى أن الابن يستلزم الصاجة لم يستنكفوا من دعوى كون مريم إلهة وإنها والدة الإله إلا له عيسى ، فيقول عوامهم : يا والدة الإله اغفري لي ، ويصرح بعضهم بأنها زوجة الرب ، ولا ريب أن القول بالإيلاد يستلزم ذلك ، أو إثبات إيلاد لا يعقل ولا يتوهم . 
فخواص النصارى في حيرة وضلال وعوامهم لا يستنكفون أن يقولوا بالزوجة والإيلاد المعقول تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً ، والقوم في هذا المذهب الخبيث أضل خلق الله فهم كما وصفهم الله بأنهم قد ضلوا من قبل ، وأضلوا كثيراً ، وضلوا عن سواء السبيل . وأما منافاة عموم علمه تعالى للولد فيحتاج إلى فهم خاص ، وتقريره أن يقال لو كان له ولد لعلمه ، لأنه بكل شيء عليم و هو تعالى لا يعلم له ولداً فيستحيل أن يكون له ولد لا يعلمه ، وهذا استدلال بنفي علمه للشيء على نفيه في نفسه . إذ لو كان لعلمه فحيث لم يعلمه فهو غير كائن . ونظير هذا قوله تعالى : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم [ يونس : 18 ] ، الآية فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء بنفي علم الرب تعالى بهم المستلزم لنفي المعلوم ، ولا يمكن أعداء الله المكابرة وأن يقولوا : قد علم الله وجود ذلك ، لأنه تعالى إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده فهو يعلم نفسه وصفاته ويعلم مخلوقاته التي دخلت في الوجود وانقطعت والتي دخلت في الوجود وبقيت والتي لم توجد بعد . وأما شيء آخر غير مخلوق له ولا مربوب فالرب تعالى لا يعلمه ، لأنه مستحيل في نفسه فهو يعلمه مستحيلاً لا يعلمه واقعاً إذ لو علمه واقعاً لكان العلم به عين الجهل ، وذلك من أعظم المحال . فهذه حجج الرب تبارك وتعالى على بطلان ما نسبة إليه أعداؤه المفترون عليه فوازن بينها ، وبين حجج المتكلمين الطويلة العريضة التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع . فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة إن كنت بصيراً ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً ، فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه وما أودعه من حججه وبيناته عن شقاشق المتكلمين وهذيانات المتهوكين . فلقد عظمت نعمة الله على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [ العنكبوت : 51 ] .
فصل : ومن ذلك قوله تعالى : وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا 
ومن ذلك قوله تعالى : وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا [ البقرة : 135 ] ، فأجيبوا عن هذه الدعوى بقوله : قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين [ البقرة : 135 ] ، وهذا الجواب مع اختصاره ، قد تضمن المنع والمعارضة . أما المنع فما تضمنه حرف . بل من الإضراب أي ليس الأمر كما قالوا . وأما المعارضة ففي قوله ملة إبراهيم حنيفاً أي أتتبع أو يتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ، وفي ضمن هذه المعارضة إقامة الحجة على أنها أولى بالصواب مما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية ، لأنه وصف صاحب الملة بأنه حنيف غير مشرك ومن كانت ملته الحنيفية والتوحيد فهو أولى بأن يتبع ممن ملته اليهودية والنصرانية . فإن الحنيفية والتوحيد هي دين جميع الأنبياء الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه . وهو الفطرة التي فطر الله عليها عباده فمن كان عليها فهو المهتدي ، لأن من كان يهودياً أو نصرانياً فإن الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة والإجلال والتعظيم والمحبة والذل . والتوحيد يتضمن إفراده بهذا الإقبال دون غيره . فيعبد وحده ويحب وحده ويطاع وحده ، ولا يجعل معه إلهاً آخر فمن أولى بالهداية صاحب هذه الملة أو ملة اليهودية والنصرانية ، ولا يبقى بعد هذا للخصوم إلا سؤال واحد . وهو أن يقولوا : فنحن على ملته أيضاً لم نخرج عنها وإبراهيم وبنوه كانوا هوداً أو نصارى فأجيبوا عن هذا السؤال بأنهم كاذبون فيه وأن الله تعالى قد علم أنه لم يكن يهودياً ولا نصرانياً فقال تعالى : أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى [ البقرة : 14 ] الآية ، وقرر تعالى هذا الجواب في سورة آل عمران بقوله : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً [ آل عمران : 67 ] ، إلى قوله : والله ولي المؤمنين [ آل عمران : 68 ] ، فإن قالوا : فهب أن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً فنحن على ملته وإن انتحلنا هذا الاسم . فأجيبوا عن هذا بقوله تعالى : قولوا آمنا بالله [ البقرة : 136 ] ، إلى قوله : ونحن له مسلمون [ البقرة : 133 ، 136 . آل عمران : 84 ] ، فهذه للمؤمنين . ثم قال : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا [ البقرة : 137 ] ، وإن أتوا من الإيمان بمثل ما أتيتم به فهم على ملة إبراهيم وهم مهتدون وإن لم يأتوا بإيمان مثل إيمانكم فليسوا من إبراهيم وملته في شيء . وإنما هم في شقاق وعداوة فإن ملة إبراهيم الإيمان بالله وكتبه ورسله وأن لا يفرق بين أحد منهم فيؤمن ببعضهم ، ويكفر ببعضهم . فمن لم يأت بمثل هذا الإيمان فهو بريء من ملة إبراهيم مشاق لمن هو على ملته . وقوله تعالى : قل أأنتم أعلم أم الله [ البقرة : 140 ] ، أي الله تعالى يعلم ما كان عليه إبراهيم والنبيون من الملل . وأنهم لم يكونوا يهوداً ولا نصارى . فالله تعالى يعلم ذلك . فلو كانوا يهوداً أو نصارى والله تعالى لا يعلم ذلك لكنتم أعلم من الله بهم . هذا مع أن عندكم شهادة وبينة من الله بما كان إبراهيم وبأن هذا النبي على ملته . 
ولكنكم كتمتم هذه الشهادة عن اتباعكم فلم تؤدوها إليهم مع تحققكم لها ، ولا أظلم ممن كتم شهادة استشهده الله بها فهي عنده من الله . إلا أنه كتمها من الله فالمجرور متعلق بما تضمنه الظرف الذي هو عنده من الكون والحصول .
فصل : ومن ذلك قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس إلى قوله : صراط مستقيم 
ومن ذلك قوله تعالى : سيقول السفهاء [ البقرة : 142 ] ، إلى قوله : صراط مستقيم [ البقرة : 142 ، 213 ] ، هذا سؤال من السفهاء أورده على المؤمنين و مضمونه أن القبلة الأولى وإن كانت حقاً فقد تركتم الحق وإن كانت باطلاً . فقد كنتم على باطل ، ولفظ الآية وإن لم يدل على هذا . فالسفهاء المجادلون في القبلة قالوه فأجاب الله تعالى عنه بجواب شاف بعد أن ذكر قبله مقدمات تقرره وتوضحه . والسؤال من جهة الكفار أوردوه على صور متعددة ترجع إلى شيء واحد فقالوا : ما تقدم . وقالوا : لو كان نبياً ما ترك قبلة الأنبياء قبله . وقالوا : لو كان نبياً ما كان يفعل اليوم شيئاً وغداً خلافه . وقال المشركون : قد رجع إلى قبلتكم . فيوشك أن يرجع إلى دينكم . وقال أهل الكتاب : لو كان نبياً ما فارق قبلة الأنبياء وكثر الكلام وعظمت المحنة على بعض الناس . كما قال تعالى : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله [ البقرة : 143 ] . وتأمل حكمة العزيز الحكيم ولطفه وإرشاده في هذه القصة لما علم أن هذا التحويل أمر كبير كيف وطأه ومهده وذلله بقواعد قبله فذكر النسخ وإنه إذا نسخ شيئاً أتى بمثله أو خير منه . وإنه قادر على ذلك فلا يعجزه ، ثم قرر التسليم للرسول ، وإنه لا ينبغي أن يعترض عليه ويسأل تعنتاً . كما جرى لموسى مع قومه ، ثم ذكر البيت الحرام وتعظيمه وحرمته وذكر بانيه وأثنى عليه وأوجب اتباع ملته فقرر في النفوس بذلك توجهها إلى البيت بالتعظيم والإجلال والمحبة ، وإلى بانيه بالإتباع والموالاة والموافقة وأخبر تعالى أنه جعل البيت مثابة للناس يثوبون إليه ، ولا يقضون منه وطراً . فالقلوب عاكفة على محبة دائمة الاشتياق إليه متوجهة إليه ، حيث كانت ، ثم أخبر أنه أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهيره للطائفين والقائمين والمصلين وإضافة إليه بقوله : إن طهرا بيتي وهذه الإضافة هي التي أسكنت في القلوب من محبته والشوق إليه ما أسكنت ، وهي التي أقبلت بأفئدة العالم إليه . فلما استقرت هذه الأمور في قلوب أهل الإيمان وذكروا بها فكأنها نادتهم ان استقبلوه في الصلاة ، ولكن توقفت على ورود الأمر من رب البيت . فلما برز مرسوم فول وجهك شطر المسجد الحرام تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والراسخون في الإيمان بالبشرى والقبول . وكان عيداً عندهم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كثيراً ما يقلب وجهه في السماء ينتظر أن يحول الله عن قبلة أهل الكتاب فولاه الله القبلة التي يرضاها وتلقى ذلك الكفار بالمعارضة وذكر الشبهات الداحضة وتلقاه الضعفاء من المؤمنين بالإغماض والمشقة فذكر تعالى أصناف الناس عند الأمر باستقبال الكعبة وابتدأ ذلك بالتسلية لرسوله وللمؤمنين عما يقول السفهاء من الناس ، فلا تعبأوا بقولهم فإنه قول سفيه ، ثم قال : قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [ البقرة : 142 ] ، فأخبر تعالى أن المشرق والمغرب له . وأنه رب ذلك فأين ما تعبد له عبادة بأمره إلى أي جهة كانت فهم مطيعون له كما قال : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله [ البقرة : 115 ] ، فلم يصل مستقبل الجهات بأمره إلا له تعالى . فإذا كنتم تصلون إلى غير الكعبة بأمره ، ثم أمركم أن تصلوا إليها فما صليتم إلا له أولاً وآخراً وكنتم على حق في الاستقبال الأول والآخر ، لأن كليهما كان بأمره ورضاه فانتقلتم من رضاه إلى رضاه ، ثم نبه على فضل الجهة التي أمرهم بالاستقبال إليها ثانياً بأنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم كما هداكم للقبلة التي جعلها قبلتكم وشرعها لكم ورضيها ، ولكن أمركم باستقبال غيرها أولاً لحكمة له في ذلك . وهو أن يعلم سبحانه من يتبع الرسول ويدور معه حيثما دار ، ويأتمر بأوامره كيف تصرفت . وهو العالم بكل شيء . ولكن شاء أن يعلم معلومه الغيبي عياناً مشاهداً فيتميز بذلك الراسخ في الإيمان المسلم للرسول المنقاد له . ممن يعبد الله على حرف فينقلب على عقبه بأدنى شبهة . فهذا من بعض حكمه في أن جعل القبلة الأولى غير الكعبة . فلم يشرع ذلك سدى ولا عبثاً ، ثم أخبر سبحانه أنه كما جعل لهم أوسط الجهات قبلة بتعبدهم . فكذلك جعلهم أمة وسطاً فاختار القبلة في الجهات للأمة الوسط في الأمم . ثم ذكر أن هذا التفضيل والاختصاص ليستشهدهم على الأمم فيقبل شهادتهم على الخلائق يوم القيامة ، ثم أجاب تعالى عما سأل عنه المؤمنون من صلاتهم إلى القبلة الأولى ، وصلاة من مات من إخوانهم قبل التحويل فقال : وما كان الله ليضيع إيمانكم [ البقرة : 143 ] ، وفيه قولان : أحدهما ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس . بل يجازيكم عليها، لأنها كانت بأمره ورضاه . والثاني : ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها . وأكثر السلف والخلف على القول الأول وهو مستلزم للقول الآخر . ثم ذكر منته على رسوله واطلاعه على حرصه على تحويله عن قبلته الأولى فقال : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 144 ] ، ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب بأنهم يعلمون أنه الحق من ربهم ، ولم يذكر للضمير مفسراً غير ما في السياق وهو الأمر باستقبال المسجد الحرام وإن أهل الكتاب عندهم من علامات هذا النبي أن يستقبل بيت الله الذي بناه إبراهيم في صلاته ، ثم أخبر تعالى عن شدة كفر أهل الكتاب . بأنهم لو أتاهم الرسول بكل آية ما تبعوا قبلته . ففي ذلك التسلية له وتركهم وقبلتهم ، ثم برأه من قبلتهم فقال : وما أنت بتابع قبلتهم [ البقرة : 145 ] ، ثم ذكر اختلافهم في القبلة وإن كل طائفة منهم لا تتبع قبلة الطائفة الأخرى ، لأن القبلة من خواص الدين وإعلامه وشعائره الظاهرة فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم . 
فأخبر تعالى في هذه الجمل الثلاث بثلاث اخبارات تتضمن براءة كل طائفة من قبلة الطائفة الأخرى . وتتضمن الإخبار بأن أهل الكتاب لو رأوا كل آية تدل على صدق الرسول لما تبعوا قبلته عناداً وتقليداً لآبائهم . وإنهم وإن اشتركوا في خلاف القبلة الحق فهم مختلفون في باطلهم . فلا تتبع طائفة قبلة الأخرى فهم متفقون على خلاف الحق مختلفون في اختيار الباطل . وفي هذه الآية أيضاً تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على لزوم قبلتهم ، وأنه لا يشتغل بما يقوله أهل الكتاب ارجعوا إلى قبلتنا فنتبعكم على دينكم . 
فإن هذا خداع ومكر منهم . فإنهم لو رأوا كل آية تدل عن صدقك ما تبعوا قبلتك ، لأن الكفر قد تمكن من قلوبهم فلا مطمع للحق فيها ، وليست أيضاً بتابع قبلتهم فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم ، وكذلك هم أيضاً مختلفون فيما بينهم فلا يتبع أحد منهم قبلة الآخر فهم مختلفون في القبلة . ولستم أيها المؤمنون موافقين لأحد منهم في قبلته . بل أكرمكم الله بقبلة غير قبلة هؤلاء المختلفين . اختارها الله لكم ورضيها ، وأكد تعالى هذا المعنى بقوله : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين [ البقرة : 145 ] ، فهذا كله تثبيت وتحذير من موافقتهم في القبلة وبراءة من قبلتهم كما هم براء من قبلتك وكما بعضهم بريء من قبلة بعض . فأنتم أيها المؤمنون أولى بالبراءة من قبلتهم التي أكرمكم الله بالتحويل عنها ، ثم أكد ذلك بقوله : الحق من ربك فلا تكونن من الممترين [ البقرة : 147 ] ، ثم أخبر تعالى عن اختصاص كل أمة بقبلتهم فقال : ولكل وجهة هو موليها [ البقرة : 148 ] ، وأصح القولين إن المعنى هو متوجه إليها أي موليها وجهه فالضمير راجع إلى كل . وقيل إلى الله أي الله موليها إياه وليس بشيء ، لأن الله لم يول القبلة الباطلة أبداً ولا أمر النصارى باستقبال الشرق قط ، بل هم تولوا هذه القبلة من تلقاء أنفسهم وولوها وجوههم وقوله : فاستبقوا الخيرات [ المائدة : 48 ، البقرة : 148 ] ، مشعر بصحة هذا القول أي إذا كان أهل الملل قد تولوا الجهات فاستبقوا أنتم الخيرات ، وبادروا إلى ما اختاره الله لكم ، ورضيه وولاكم إياه . ولا تتوقفوا فيه أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً يجمعكم من الجهات المختلفة ، والأقطار المتباينة إلى موقف القيامة كما تجتمعون من سائر الجهات إلى جهة القبلة التي تأمونها . فهكذا تجتمعون من سائر أقطار الأرض إلى جهة الموقف الذي يؤمه الخلائق وهذا نظير قوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات [ المائدة : 48 ] ، وأخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدد شرائعهم ومناهجهم . كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجهتهم وقبلتهم . فقال : ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا [ البقرة : 148 ] ، وتحت هذا سر بديع يفهمه من يفهمه وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع . والقبل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله وأوصل إليه ، لأنه كما أن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده . وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم . فمرجعهم إلى رب واحد ، وإله واحد . فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا ، فلا يعبدون غيره ، ولا يدينون بغير دينه . إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة . فإذا كان أكثر الناس قد أبى ذلك إلا كفوراً وذهاباً في الطرق الباطلة وعبادة غيره ، وإن دانوا غير دينه فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون للخيرات ، وبادروا إليها ، ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر . فتأمل هذا السر البديع في السورتين . وفي قوله : فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون [ المائدة : 48 ، الأنعام : 164 ] ، سر آخر أيضاً وهو ان الاختلاف دليل على يوم الفصل وهو اليوم الذي يفصل الله فيه بين الخلائق وبين لهم حقيقة ما اختلفوا فيه فنفس الاختلاف دليل على يوم الفصل والبعث . وقد أوضح ذلك قوله تعالى في سورة النحل : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقاً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين [ النحل : 38 ، 39 ] ، فذكر تعالى حكمتين بالغتين في بعثه الأموات بعدما أماتهم . 
إحداهما : أن يبين للناس الذين اختلفوا فيه . وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم والذي حصل في الدنيا بيان إيماني اختص به بعضهم . 
الحكمة الثانية : علم المبطل بأنه كان على كاذباً وإن كان على باطل ، وأن نسبة أهل الحق إلى الباطل من افترائه وكذبه وبهتانه . فيخزيه ذلك أعظم خزي . فتأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة . بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق . وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى . وهو معنى كونه خلق السموات والأرض ، وما بينهما بالحق ، ولم يخلق ذلك باطلاً . بل خلقه خلقاً صادراً عن الحق مشتملاً على الحق . فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها . فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية . فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته فمصدر خلقه تعالى ، وأمره عن كمال علمه وحكمته وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمة كله ومصلحة وحقاً . ولهذا قال تعالى : وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [ النمل : 6 ] ، فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته ، وما كان كذلك كان صدقاً وعدلا وهدى وإرشاداً ،وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت : أألد وأنا عجوز [ هود : 72 ] ، قالوا : كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم [ الذاريات : 30 ] ، وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر . وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله . وإن لقاءه حق لا ريب فيه ، ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك . بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد ، لأنها شهادة حال لا يقبل كذباً فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقاً حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته ، وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه . وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على اثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلاً ، ولا عبثاً ، ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ، ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل . إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقه . وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقراً في عقولهم ، وإن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته . وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان ، إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة ، وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار . وقد بينت في موضع آخر أن كل حركة تشاهد على اختلاف أنواعها فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد بطريق سهلة واضحة برهانية ، وكذلك ذكرت في رسالة إلى بعض الأصحاب بدليل واضح . أن الروح مركوز في أصل فطرتها وخلقتها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله . وأن الإنسان لو استقصى التفتيش لوجد ذلك مركوزاً في نفس روحه وذاته وفطرته . فلو تأمل العاقل الروح وحركتها فقط . لاستخرج منها الإيمان بالله وصفاته ، والشهادة بأنه لا إله إلا هو والإيمان برسله وملائكته ولقائه ، وإنما يصدق بهذا من أشرقت شمس الهداية على أفق قلبه وانجابت عنه سحائب غيبه ، وانكشف عن قلبه حجاب إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [ الزخرف : 23 ] ، فهنالك يبدو له سر طال عنه اكتتامه ويلوح له صباح هو ليله وظلامه فقف الآن عند كل كلمة من قوله تعالى: إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون [ الجاثية : 3 ، 4 ، 5 ] ، ثم تأمل وجه كونها آية وعلى ماذا جعلت آية أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعددة وكذلك سائر ما في القرآن من هذا النمط كآخر آل عمران وقوله في سورة الروم ومن آياته إلى آخرها ، وقوله في سورة النمل : قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى [ النمل : 59 ] ، إلى آخر الآيات وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن ، وكقوله في سورة الذاريات : وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون [ الذاريات : 20 ، 21 ] ، وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون [ يوسف : 105 ] فهذا كله من الحق الذي خلقت به السموات والأرض وما بينهما وهو حق مقارن لوجود هذه المخلوقات سطور في صفحاته يقرأه كل موفق كاتب ، وغير كاتب كما قيل : 
تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل 
وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل 
وأما الحق الذي هو غاية خلقها فهو غاية تراد من العباد وغاية تراد بهم فالتي تراد منهم أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله عز وجل ، وأن يعبدون لا يشركوا به شيئاً فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم ومطاعهم ومحبوبهم قال تعالى : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [ الطلاق : 12 ] ، فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه ، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده . 
وقال تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : 56 ] ، فهذه الغاية هي المرادة من العباد وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده . وأما الغاية المرادة بهم في الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب ، قال تعالى : ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [ النجم : 31 ] ، وقال تعالى : إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى [ طه : 15 ] ، وقال تعالى : ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ، وقال تعالى : إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ، إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون [ يونس : 3 ، 4 ] ، فتأمل الآن كيف اشتمل خلق السموات والأرض وما بينهما على الحق أولاً وآخراً ووسطاً ، وأنها خلقت بالحق وللحق وشاهدة بالحق . وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [ المؤمنون : 115 ] ، ثم نزه نفسه عن هذا الحسان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال : فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم [ المؤمنون : 116 ] ، وتأمل ما في هذين الاسمين وهما الملك الحق من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه . إذ هو مناف لكمال ملكه ، ولكونه الحق . إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره . وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره . والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره فمن ظن أنه خلق خلقه عبثاً لم يأمرهم ولم ينههم . فقد طعن في ملكه ، ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [ الأنعام : 91 ] ، فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه ، وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة . فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره ، وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها . فكما أن ذاته الحق فقوله الحق . ووعده الحق . وأمره الحق . 
وأفعاله كلها حق وجزاءه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق . فمن أنكر شيئاً من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقاً يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه . فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثاً ، وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم . كما قال تعالى : أيحسب الإنسان أن يترك سدى [ القيامة : 36 ] ، قال الشافعي رحمه الله : مهملاً لا يؤمر ولا ينهى . وقال غيره : لا يجزي بالخير والشر . ولا يثاب ولا يعاقب . والقولان متلازمان . 
فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي ، والآخر ذكر غاية الأمر والنهي وهو الثواب والعقاب ، ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك : ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى [ القيامة : 38 ] ، فمن لم يتركه وهو نطفة سدى . بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي . وهي العلقة ، ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشراً سوياً . فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له . فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات . كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله ، فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه ، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه . وإنه الملك الحق المتعالي عن أن يخلقها عبثاً ويتركها سدى بعد كمال خلقها ، وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ، ولم ينههم على ألسنة رسله ، وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولاً . 
بأن خلق السموات والأرض باطل فقال تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار [ ص : 27 ] ، فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولاً ، ولم يجعل لهم أجلاً للقائه كان ذلك ظناً منهم أنه خلق خلقه باطلاً ، ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأنهم أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلاً ، وأنهم لما علموا ذلك ، وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه . فذكروا في دعائهم هذين الأمرين فقالوا : ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار [ آل عمران : 191 ، 192 ] ، فلما علموا أن خلق السموات والأرض يستلزم الثواب والعقاب تعوذوا بالله من عقابه ، ثم ذكروا الإيمان الذي أوقعهم عليه فكرهم في خلق السموات والأرض فقالوا : ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا [ آل عمران : 193 ] ، فكانت ثمرة فكرهم في خلق السموات والأرض الإقرار به تعالى وبوحدانيته وبدينه وبرسله وبثوابه وعقابه ، فتوسلوا إليه بإيمانهم الذي هو من أعظم فضله عليهم إلى مغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وإدخالهم مع الأبرار إلى جنته التي وعدهموها ، وذلك تمام نعمته عليهم فتوسلوا بإنعامه عليهم أولاً إلى انعامه عليهم آخراً ، وتلك وسيلة بطاعته إلى كرامته وهو إحدى الوسائل إليه . وهي الوسيلة التي أمرهم بها في قوله : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة [ المائدة : 35 ] ، وأخبر عن خاصة عباده أنهم يبتغون الوسيلة إليه إذ يقول تعالى : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب [ الإسراء : 57 ] ، على أن في هاتين الآيتين أسراراً بديعة ذكرتها في كتاب التحفة المكية في بيان الملة الإبراهمية ، فأثمر لهم فكرهم الصحيح في خلق السموات والأرض . إنها لم يخلقها باطلاً ، وأثمر لهم الإيمان بالله ورسوله ودينه وشرعه وثوابه وعقابه والتوسل إليه بطاعته والإيمان به . وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرة من بحر لا ساحل له فلا تستطله فإنه كنز من كنوز العلم لا يلائم كل نفس ولا يقبله كل محروم ، والله يختص برحمته من يشاء .
تابع فصل : ومن ذلك قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس إلى قوله : صراط مستقيم 
ولنرجع إلى ما كنا بصدده من الكلام في ذكر محاجة أهل الباطل للمسلمين في القبلة ونصر الله لهم بالحجة عليهم . وقد رأيت لأبي القاسم السهيلي في الكلام على هذه الآيات فصلاً أذكره بلفظه قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم للبراء بن معرور قد كنت على قبلة لو صبرت عليها . يعني لما صلى إلى الكعبة قبل الأمر بالتوجه إليها ، ولم يآمره بالإعادة ، لأنه كان متأولاً . قلت : ونظير هذا أنه لم يأمر من أكل في نهار رمضان والإعادة لما ربط الخيطين في رجليه وأكل حتى تبيناً له لأجل التأويل . ونظيره أنه لم يأمر أبا ذر بإعادة ما ترك من الصلاة مع الجنابة إذ لم يعرف شرع التيمم للجنب .فقال : يا رسول الله إني تصيبني الجنابة فأمكث الشهر والشهرين . لا أصلي يعني في البادية . فقال : أين أنت عن التيمم . ونظيره أيضاً . أنه لم يأمر المسيء في صلاته بالإعادة في الوقت ، لأنه لم يؤد فرض وقته مع بقائه بخلاف ما تقدم له . ونظيره أيضاً أنه لم يأمر المتمعك في التراب كما تتمعك الدابة لأجل التيمم بالإعادة مع أنه لم يصب فرض التيمم ونظيره أيضاً ، أنه لم يأمر معاوية بن الحكم السلمي بإعادة الصلاة . وقد تكلم فيها بكلام أجنبي ليس من مصلحتها . ونظيره أيضاً أنه لم يضمن أسامة قتيله بعد إسلامه بقصاص ولا دية ولا كفارة . ولا تجد هذه النظائر مجموعة في موضع . فالتأويل والاجتهاد في إصابة الحق منع في هذه المواضع من الإعادة والتضمين وقاعدة هذا الباب أن الأحكام . إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو وبلوغها إليه . فكما لا يترتب في حقه قبل بلوغه هو ، فكذلك لا يترتب في حقه بلوغها إليه ، وهذا مجمل عليه في الحدود أنها لا تقام إلاعلى من بلغه تحريم أسبابها ، وما ذكرناه من النظائر يدل على ثبوت ذلك في العبادات والحدود . ويدل عليه أيضاً في المعاملات قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [ البقرة : 278 ] ، فأمرهم تعالى أن يتركوا ما بقي من الربا وهو ما لم يقبض ، ولم يأمرهم برد المقبوض ، لأنهم قبضوه قبل التحريم فأقرهم عليه . بل أهل قبا صلوا إلى القبلة المنسوخة بعد بطلانها ولم يعيدوا ما صلوا . بل استداروا في صلاتهم وأتموهم ، لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم . وفي هذا الأصل ثلاثة أقول للفقهاء وهي لأصحاب أحمد . هذا أحدها وهو أصحها وهو اختيار شيخنا رضي الله عنه . والثاني أن الخطاب إذا بلغ طائفة ترتب في حق غيرهم ، ولزمهم كما لزم من بلغه . وهذا اختيار كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم . الثالث الفرق بين الخطاب الابتدائي والخطاب الناسخ ، فالخطاب الابتدائي يعم ثبوته من بلغه وغيره ، والخطاب الناسخ لا يترتب في حق المخاطب إلا بعد بلوغه . والفرق بين الخطابين أنه في الناسخ مستصحب لحكم مشروع مأمور به بخلاف الخطاب الابتدائي ذكره القاضي أبو يعلى في بعض كتبه ونصوص القرآن والسنة تشهد للقول الأول وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة . وإنما أشرنا إليها إشارة . قال أبو القاسم ، وفي الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس ، وهو قول ابن عباس يعني قوله للبراء : لقد كنت على قبلة وقالت طائفة ما صلى إلى بيت المقدس إلا منذ قدم المدينة سبعة عشر شهراً ، أو ستة عشر شهراً . فعلى هذا يكون في القبلة نسخان نسخ سنة بسنة ، ونسخ سنة بقرآن . وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة فروى عنه من طرق صحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس ، وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس . فلما كان صلى الله عليه وسلم يتحرى القبلتين جميعاً لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة . ولذلك والله أعلم قال الله تعالى في الآية الناسخة : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 149 ] ، أي من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها ، فاستقبل الكعبة كنت مستدبراً بيت المقدس أو لم تكن ، لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه . قال وتدبر قوله : ومن حيث خرجت فول وجهك [ البقرة : 149 ] ، وقال لأمته : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 144 ، 150 ] ، ولم يقل حيث ما خرجتم وذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان إمام المسلمين فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم ، وكان ذلك واجباً عليه . إذ كان الإمام المقتدى به ، فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى أولم يكن حكم غيره ، هكذا يقتضي الخروج . ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليه . قلت : ويظهر في هذا معنى آخر وهو أن قوله : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 144 ، 150 ] ، خطاب عام له صلى الله عليه وسلم ولأمته يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض وقوله : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 150 ] ، خطاب بصيغة الأفراد والمراد هو والأمة كقوله : يا أيها النبي اتق الله [ الأحزاب : 1 ] ، ونظائره وهو يفيد الأمر باستقبالها من أي جهة ومكان خرج منه . وقوله : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 144 ، 150 ] ، يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية . بل أطلق غايته كما عم مبدأه . فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج ، أو غير ذلك . فهو مأمور باستقبال المسجد الحرام هو والأمة وفي أي بقعة كانوا من الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله . فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا ، وفي غايته إلى حيث انتهوا . وفي حال استقرارهم حيث ما كانوا فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاث التي لا ينفك منها العبد فتأمل هذا المعنى ، ووازن بينه ، وبين ما أبداه أبو القاسم . يتبين لك الرجحان والله أعلم بما أراد من كلامه . وإنما هو كد إفهام أمثالنا من القاصرين فقوله : من حيث خرجت [ البقرة :150 ] ، يتناول مبدأ الخروج وغايته له ، وللأمة وكان أولى بهذا الخطاب ، لأ ن مبدأ التوجه على يديه كان وكان شديد الحرص على التحويل . وقوله : وحيث ما كنتم يتناول أماكن الكون كلها له وللأمة ، وكانوا أولى بهذا الخطاب لتعدد أماكن أكوانهم وكثرتها بحسب كثرتهم ، واختلاف بلادهم وأقطارهم ، واستدارتها حول الكعبة شرقاً وغرباً ويمناً وعراقاً . فكان الأحسن في حقهم أن يقال لهم : وحيث ما كنتم أي من أقطار الأرض في شرقها وغربها وسائر جهاتها . ولا ريب أنهم أدخل في هذا الخطاب منه صلى الله عليه وسلم . فتأمل هذه النكت البديعة . فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا . والله أعلم . قال أبو القاسم ، وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات ، لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس . اليهود ، لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم ، وأهل الريب والنفاق اشتد انكارهم له ، لأنه كان أول نسخ نزل . وكفار قريش . قالوا : ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه ، كما رجع إلى قبلتنا ، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه ، فيقولون : يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل ، وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل ، وآثر عليها قبلة اليهود . فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم [ البقرة : 150 ] ، على الاستثناء المنقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون . وقال : الحق من ربك فلا تكونن من الممترين [ البقرة : 147 ] ، أي من الذين شكوا وأمتروا . ومعنى الحق من ربك أي الذي أمرتك به من التوجه إلى البيت الحرام . هو الحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك فقال : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم [ البقرة : 144 ] ، وقال : وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون [ البقرة : 146 ] ، أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ، ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب الناسخ والمنسوخ . قال : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنسبة ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم ايليا . كما يعظمها أهل بيته . قال : فسرت معه وهو ولي عهد . 
قال : ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان هو جالس فيه : والله إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون والنصارى لعجباً كذا رأيته . والصواب اليهود . قال خالد بن يزيد : أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأقرأ التوراة . فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم . ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة . فلما غضب الله عز وجل على بني إسرائيل رفعه . فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم . وروى أبو داود أيضاً . أن يهودياً خاصم أبا العالية في القبلة فقال أبو العالية : أن موسى كان يصلي عند الصخرة ، ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته ، وكانت الصخرة بين يديه . وقال اليهودي بين وبينك مسجد صالح النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو العالية : فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة انتهى . قلت : وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة وهي أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوقيف من الله . بل كان عن مشورة منهم واجتهاد . أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ، ولا في غيره باستقبال المشرق أبداً . وهم مقرون بذلك ، ومقرون أن قبلة المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة ، وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة . 
وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم . وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبداً . والمسلمون شاهدون عليهم بذلك . 
وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة . وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا ، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة ، وصلوا إليه ، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة . وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام يعظمونه ويحجون إليه ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله . وقلت : هو قبلة باطلة مبتدعة ، فقال مشار إليه في دينهم . هذه هي القبلة الصحيحة ، واليهود أخطأوها ، لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عيناً ، ثم ذكر نصاً يزعمه من التوراة في استقباله . فقلت له : هذا خطأ قطعاً على التوراة ، لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل . فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها . وإنما تلقيتموها عنهم . وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها ، وليس هذا فيها فقال لي : صدقت . إنما هو في توراتنا خاصة . قلت له : فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض . قد كتموا هذا النص ، وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموه أنتم وحفظتم النص به ، فلم يرجع إلى الجواب . قلت : وهذا كله مما يقوى أن يكون الضمير في قوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها [ البقرة : 148 ] ، راجعاً إلى كل أي هو موليها وجهه . ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها . الثاني : أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضميرعليه في الآية . وإن كان مذكوراً فيما قبلها ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون كل رد الضمير إلى غير من هو أولى به ، ومنعه من القريب منه اللاحق به . الثالث : أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال هو موليه اياها هذا وجه الكلام . كما قال تعالى : نوله ما تولى [ النساء : 115 ] ، فوجه الكلام أن يقال : ولاه القبلة لا يقال ولي القبلة إياه فتأمله . وقول أبي القاسم : أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثاً رداً على الطوائف الثلاث . ليس بالبين ، ولا في اللفظ إشعار بذلك والذي يظهر فيه أنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه . فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخاً للاستقبال الأول . فقال : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 144 ] ، ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم حيث يجدونه في كتبهم ، كذلك ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم . وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته ولا هو أيضاً بتابع قبلتهم ، ولا بعضهم بتابع قبلة بعض ، ثم حذره من اتباع أهوائهم ، ثم كرر معرفة أهل الكتاب به كمعرفتهم بأبنائهم ، وأنهم ليكتمون الحق عن علم ، ثم أخبر أن هذا هو الحق من به فلا يلحقه فيه امتراء ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهه . فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات ، ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ ، ثم أعاد الأمر به غير مكرر له تكرراً محضاً . بل فيضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا . كما أمرهم باستقبالها أولاً حيثما كانوا عند النسخ ، وابتداء شرع الحكم فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتدائه . وبعد المحاجة والمخاصمة والحكم لها وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم ، فذكر الأمر بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له ، فتأمله والله أعلم ، وقوله إن الاستثناء في قوله : إلا الذين ظلموا منهم [ البقرة : 150 ] ، منقطع قد قاله أكثر الناس ووجهه أن الظالم لا حجة له . فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ، يقول : ليس الاستثناء بمنقطع . بل هو متصل على بابه ، وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة ههنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق . 
والحجة في كتاب الله يراد بها نوعان .أحدهما : الحجة الحق الصحيحة كقوله ، وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه [ 
الأنعام : 83 ] ، وقوله : قل فلله الحجة البالغة [ الأنعام : 149 ] ، ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق ، أو بباطل كقوله فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله [ آل عمران : 20 ] ، وقوله : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين [ الجاثية : 25 ] ، وقوله : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه [ البقرة : 258 ] ، وقوله : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم [ الشورى : 16 ] ، وإذا كانت الحجة اسماً لما يحتج به من حق ، أو باطل صح استثناء حجة الظالمين من قوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة وهذا في غاية التحقيق . والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة فلا تخشوهم واخشوني . ومن ذلك قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ البقرة : 170 ] ، فهذه مناظرة حكاها الله بين المسلمين والكفار . فإن الكفار لجأوا إلى تقليد الآباء وظنوا أنه منجيهم لإحسانهم ظنهم بهم فحكم الله بينهم بقوله : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ البقرة : 170 ] ، وفي موضع آخر : أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير [ لقمان : 21 ] ، وفي موضع آخر : قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم [ الزخرف : 24 ] ، فأخبر عن بطلان هذه الحجة ، وأنها لا تنجي من عذاب الله ، لأن تقليد من ليس عنده علم . ولا هدى من الله ضلالة وسفه . والمعنى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلدونهم ، ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدى يقلدونهم أيضاً . وهذا شأن من لا غرض له في الهدى ولا في اتباع الحق . إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحق . والحجة إذاً لزمته ، لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له . وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبائكم فلو كنتم ممن يتبع الحق لاتبعتم ما جئتكم به . فأنتم لم تقلدوا الآباء لكونهم على حق . فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه ، وإنما جعلتم تقليدهم جنة لكم تدفعون بها الحق الذي جئتكم به .
فائدة : ليس من شرط الدليل اندراجه تحت قاعدة كلية وإنما شرطه اللزوم فيما كان بينهما تلازم شرعاً أو عقلاً أو عادة 
ليس من شرط الدليل اندراجه تحت قضية كلية تكون بها جزءاً من قياس شمولي ، ولا استلزامه نظيراً يكون به قياس تمثيل . بل يجوز كونه معيناً مستلزماً لثبوت معين . وإنما شرطه اللزوم فيما كان بينهما تلازم شرعاً ، أو عقلاً ، أو عادة استدل فيه بثبوت الملزوم على ثبوت لازمه ، وبنفي اللازم على نفي ملزمه . فكل ملزوم دليل على لازمه . والعلم بدلالته متوقف على العلم به ، وعلى العلم بلزومه . ولهذا كانت أدلة التوحيد والمعاد والنبوات التي في القرآن آيات ودلالات معينات مستلزمة لمدلولها بنفسها من غير احتياج إلى اندراجها تحت قضية كلية . فالمخلوقات جميعها ، وما تضمنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمة للخالق سبحانه عيناً . بخلاف ما يزعم كثير من النظار ، أنه دليل لقولهم : كل ممكن مفتقر إلى واجب ، وكل محدث مفتقر إلى محدث . فإن هذه القضية الكلية بعد تعبهم في تقريرها ودفع ما يعارضها لا يدل على مطلوب معين وخالق معين ، وإنما يدل على واجب ومحدث ما ، وأما آياته سبحانه وأدلة توحيده ، وما أخبر به من المعاد ، وما نصته من الأدلة لصدق رسله فلا يفتقر في كونها آيات إلى قياس شمولي ، ولا تمثيلي وهي مستلزمة لمدلولها عيناً . والعلم بها مستلزم للعلم بالمدلول لا يختلف عنه . فانتقال الذهن منها إلى المدلول انتقال بين في غاية البيان وهو كانتقال الذهن من رؤية الدخان إلى أن تحته نار ، ومن رؤية الجسم المتحرك قسراً إلى أن له محركاً ، ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها . ونظائر ذلك . فالعلم بمفردات هذه القضايا الكلية أسبق إلى الذهن والحركة من القضية الكلية . بل لا يتوقف دلالتها على القضية الكلية البتة ، وعلم العقل بمدلول الآية المعينة الحسية ، كعلم الحس بتلك الآية لا فرق في العلم بينهما إلا أن الآية تدرك بالحس ، ومدلولها بالعقل . فعلم العقل بثبوت التوحيد والمعاد والنبوات وجزمه بها كجزم الحس بما يشاهده من آياها المشهودة .
الفعل بالنظر إلى التكليف نوعان وبيانهما 
الفعل بالنسبة إلى التكليف نوعان . أحدهما اتفق الناس على جوازه ووقوعه واختلفوا في نسبة إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق . 
والثاني اتفق الناس على أنه لا يطاق . وتنازعوا في جواز الأمر به ، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه ، ولم يثبت بحمد الله أمر اتفق المسلمون على أنه لا يطاق . وقالوا : إنه يكلف به العبد ، ولا اتفق المسلمون على فعل كلف به العبد وأطلقوا القول عليه بأنه لا يطاق ، وللمسألة ثلاثة مآخذ . 
أحدها : أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله . والصواب أنها نوعان : نوع قبله وهي المصححة للتكليف التي هي شرط فيه . ونوع مقارن له فليست شرطاً في التكليف . 
المأخذ الثاني : إن تعلق علم الله سبحانه بعدم وقوع الفعل . هل يخرجه عن كونه مقدوراً للعبد . فمن أخرجه عن كونه مقدوراً . 
قال : الأمر به أمر بما لا يطاق ، ومن لم يخرجه عن كونه مقدوراً لم يطلق عليه ذلك . والصواب أنه لا يخرجه عن كونه مقدوراً . القدرة المصححة التي هي مناط التكليف وشرط فيه . وإن أخرجه عن كونه مقدور القدرة الموجبة للفعل المقارنة له . 
المأخذ الثالث : إن ما تعلق علم الله بأنه لا يكون من أفعال المكلفين نوعان . 
أحدهما : إن يتعلق بأنه لا يكون لعدم القدرة عليه . فهذا لا يكون ممكناً مقدوراً ، ولا مكلفاً به . 
الثاني : ما تعلق بأنه لا يكون لعدم إرادة العبد له . فهذا لا يخرج بهذا العلم عن الإمكان ، ولا عن جواز الأمر به ووقوعه . ولهذا مأخذ رابع وهو من أدقها وأغمضها . وهو أن ما علم الله أنه لا يكون لعدم مشيئته له . ولو شاء للعبد لفعله هل يخرجه عدم مشيئة الرب تعالى له . عن كونه مقدوراً ويجعل الأمر به أمراً بما لا يطاق . والصواب أن عدم مشيئة الرب له لا يخرجه عن كونه ممكناً في نفسه . كما أن عدم مشيئته لما هو قادر عليه من أفعاله لا يخرجه عن كونه مقدوراً له ، وإنما يخرج الفعل عن الإمكان إذا كان بحيث لو أراده الفاعل لم يمكنه فعله ، وأما امتناعه لعدم مشيئته فلا يخرجه عن كونه مقدوراً ويجعله محالاً . فإن قيل : هو موقوف على مشيئة الله وهي غير مقدورة للعبد والموقوف على غير المقدور غير مقدور . قيل : إنما يكون غير مقدور إذا كان بحيث لو أراده العبد لم يقدر عليه فيكون عدم وقوعه لعدم قدرة العبد عليه . فأما إذا كان عدم وقوعه لعدم مشيئته له . فهذا لا يخرجه عن كونه مقدوراً له ، وإن كانت مشيئته موقوفة على مشيئة الرب تعالى . كما أن عدم وقوع الفعل من الله لعدم مشيئته له لا يخرجه عن كونه مقدوراً له. وإن كانت مشيئته تعالى موقوفة على غيرها من صفاته كعلمه وحكمته . فالنزاع في هذا الأصل يتنوع إلى النظر إلى المأمور به ، وإلى النظر إلى جواز الأمر به ووقوعه . ومن جعل القسمين واحداً وادعى جواز الأمر به مطلقاً لوقوع بعض الأقسام التي يظنها مما لا مطاق ، وقاس عليها النوع الذي اتفق الناس على أنه لا يطاق ، وإن وقوع ذلك النوع يستلزم لوقوع القسم المتفق على أنه لا يطاق ، أو على جوازه ، فقد أخطأ خطأ بيناً . فإن من قاس الصحيح المتمكن من الفعل القادر عليه الذي لو أراده لفعله على العاجز عن الفعل ، إما لاستحالته في نفسه ، أو لعجزه عنه لجامع ما يشتركان فيه من كون الاستطاعة مع الفعل . ومن تعلق علم الرب تعالى بعدم وقوع الفعل منهما . فقد جمع بين ما علم الفرق بينهما عقلاً وشرعاً وحساً . وهذا من أفسد القياس وأبطله . والعبد مأمور من جهة الرب تعالى ومنهي . وعند هؤلاء أن أوامره تكليف لما لا يطاق فهي غير مقدورة للعبد وهو مجبور على ما فعله من نواهيه . 
فتركها غير مقدور له . فلا هو قادر على فعل ما أمر به ، ولا على ترك ما ارتكبه مما نهى عنه . بل هو مجبور في باب النواهي مكلف بما لا يطيقه في باب الأوامر ، وبإزاء هؤلاء القدرية الذين يقولون : إن فعل العبد لا يتوقف على مشيئة الله ، ولا هو مقدور له سبحانه وإنه يفعله بدون مشيئة الله لفعله وتركه بدون مشيئة الله لتركه . فهو الذي جعل نفسه مؤمناً وكافراً وبراً وفاجراً ومطيعاً و عاصياً . والله لم يجعله كذلك ، ولا شاء منه أفعاله ، ولا خلقها ، ولا يوصف بالقدرة عليها . وقول هؤلاء شر من قول أولئك من وجه ، وقول أولئك شر من قول هؤلاء من وجه ، وكلاهما ناكب عن الحق حائد عن الصراط المستقيم .
الكلام على لفظ المدائن في قوله تعالى : وابعث في المدائن حاشرين 
قوله تعالى : وابعث في المدائن حاشرين [ الشعراء : 36 ] ، هي جمع مدينة وفيها قولان : أحدهما أنها فعيلة واشتقاقها من مدن وعلى هذا فتهمز ، لأنها فعائل كعقائل وظرائف وبابه . والثاني : أنها مفعلة واشتقاقها من دان يدين ، وأصلها مديونة مفعولة من دان أي مملوكة مذللة لملكها منقادة له . وفعل بها ما فعل بمبيوع حتى صار مبيعاً فعند الخليل ، أنك ألقيت ضمة الياء على الباء فسكنت الياء التي هي عين الفعل ، وبعدها واو مفعول وهي ساكنة . فاجتمع ساكنان فحذفت واو مفعول ، لأنها زائدة فهي أولى بالحذف من العين . قال أبو الحسن الأخفش : المحذوف عين الفعل والباقية هي واو مفعول . وإنما صارت ياء ، لأنهم لما ألقوا ضمة الياء على الباء انضمت الباء وبعدها ياء ساكنة ، فأبدلت الضمة كسرة للياء التي بعدها ، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو واو مفعول بعد أن ألزمت الفاء الكسرة التي حدثت لأجل الياء ، فصادفت واو مفعول ساكنة فقلبتها ياء ورجح قول الخليل بأنهم قالوا : ماء مشيب ، وأرض مميت عليها ، أي ممات عليها ، وغار منيل وهو الذي ينال ما فيه من النوال . وأصل هذه الكلمات مشيوب ومميوت ومنيول . فحذفوا واو مفعول وبقوا عين الفعل . ولا يجوز أن تكون المحذوفة اللام وواو مفعول هي الباقية المنقلبة ياء ، لأن واو مفعول إنما تقلب ياء إذا اعتلت لام الفعل كمرمي ومقضي ، ومقضى عليه ، وإلا فإذا كانت لام الفعل صحيحة بقيت واو مفعول على حلها كمضروب ومقتول . ورجح قول الأخفش بأن واو مفعول جاءت لمعنى ، فحذفها مخل بما جاءت لأجله . 
ألا ترى أنهم يقولون : مررت بقاض فيحذفون الياء الأصلية ويبقون التنوين ، لأنه جاء لمعنى . ورجح أيضاً بأن العين قد أعلت في قال وباع وقيل وبيع ومبيع ومقول . فلما اعتلت بالإسكان والقلب اعتلت بالحذف وواو مفعول لم ينقلب من شيء ، ولم يعتل في الفعل ، فكان إبقاؤها وحذف المعتل أوجب . وأيضاً فإن العين في مقول ومبيع حذفت في قولهم : قل وبع . فلما حذفت ههنا كانت أولى بالحذف في مقول ومبيع . ولمن نصر قول الخليل أن يقول : الساكنان إذا التقيا في كلمة واحدة حرك الثاني منهما . فكذلك إذا حذف أحد الساكنين من كلمة يحذف الآخر منهما . ولمن نصر قول الأخفش أن يقول : هذا الدليل نقلبه عليكم . فنقول : إذا التقى الساكنان في كلمة واحدة . حذف أولهما ، كخف وقل وبع . وقياس الحذف على الحذف أقرب من قياس الحذف على الحركة . 
وأيضاً فكما اعتلت العين بالقلب مع ألف فاعل كقائم وقائل اعتلت بالحذف مع واومفعول . قالت الخليلية : الميم في أول مفعول دالة على أنه اسم مفعول . فتبقى الواو زائدة محضة فتكون أولى بالحذف من الحرف الأصلي : قالت الأخفشية : الميم لا تستقل بالدلالة على المفعولية . فإن مبيعاً يشبه مسيراً ، أو مقيلاً من المصادر ، ولا يتميزان إلا بواو مفعول . فلا سبيل إلى حذفها فصار في المدينة ثلاثة أقوال . أحدها : أنها فعيلة من مدن . والثاني : مفعولة وعينها محذوفة . والثالث : مفعلة وواو المفعول محذوفة . فإن كانت المدائن فعائل تعين همزها كصحائف ، لأن المدة وقعت بعد ألف الجمع . وإن كانت مفعلة فهي كمعيشة فلا تهمز ، لأنها ليست بمدة . فإن قلت : فما تقول في قراءة من قرأ معائش بالهمزة وهي جمع معيشة وياؤها ليست زائدة . بل أصلها الحركة . 
أما مفعلة ، وإما مفعلة ؟ وكذلك ما تقول في همزهم مصائب وهي جمع مصيبة ؟ قلت : أما معائش فكدرت عيش أهل التصريف حتى قال فيها أبو عثمان في تصريفه : وأما قراءة أهل المدينة معائش بالهمز فهي خطأ. فلا يلتفت إليها . فإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيم ، ولم يكن يدري ما العربية وله أحرف يقرأها لحناً نحواً من هذا . وأما مصائب فلقد أصيبوا منها بمصائب . قال المازني : وقد قالت العرب : مصائب فهمزوا وهو من الغلط . قالوا : حلاب السويق وكأنهم توهموا أن مصيبة فعيلة فهمزوها حتى جمعوها . كما همزوا شقائق ، وإنما مصيبة مفعلة من أصاب يصيب فأصلها مصوبة فألقوا حركة الواو على الصاد ، فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة ، فأبدلت ياء . وأكثر العرب يقول : مصاوب فيجيء بها على القياس ، وما ينبغي ، فيقال : ومن المصائب تخطئة العرب ، وأهل المدينة ، ونحن إنما نجهد أنفسنا في استخراج المقاييس لنوافقهم فيما تكلموا به فإذا كان ما ثبت عنهم خطأ ولحناً وخالفناهم فيه لم نكن تابعين لهم . ولا قاصدين لنهج كلامهم . ولا ريب أن المهموز في هذا الجمع هو ما كانت حروف العلة في واحده مدة زائدة كصحيفة ورسالة وعجوز . فإذا همزوا ما كان حرف العلة فيه أصلياً في بعض المواضع تشبيهاً له بما هو فيه بمدة زائدة فأي خطأ يلزمهم ؟ وأي غلط يسجل به عليهم ؟ طالما يخرجون الشيء من كلامهم عن أصله لغرض ما من تشبيه أو تخفيف أوتنبيه . على أنه كان ينبغي أن يكون كذا ولأغراض عديدة . أفتراهم لما صححوا استحوذ فصححوا ما حقه الإعلال كانوا مخطئين . وكذلك لما صححوا استنوق فهلا قتم : إن القوم لما ألقوا الهمزة بعد ألف مفاعل فيها حرف العلة مدة في واحدة لم يستنكروها في معايش ومصايب ، لأن الموضع موضع همز فليست الهمزة بشديدة الغربة في هذا الموضع ، ويا للعحب ! كم في اللغة من قلب وإبدال وحذف غير مقيس . بل هو مسموع سماعاً مجرداً ، ولو تكلم بغيره . لكان غلطاً وخطأ وإن كان مقتضي القياس . وقد ذكر ابن جني من الأمثلة التي زعم أنها وقعت غلطاً في كلامهم ، ثم قال : وإنما يجوز مثل هذا الغلط عليهم لما يستهويهم من الشبه ، لأنهم ليست لهم قياسات يعتصمون بها ، وإنما يخلدون إلى طبائعهم . وأين هذا من كلام الإمام المقدم سيبويه حيث يقول : وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهاً . وهذا من النحاة شبيه من رد الجهمية نصوص الصفات لمخالفتها . أقيستهم ، ومن رد أحاديث الأحكام عند مخالفتها الرأي والمقصود بالأقيسة والاستنباطات فهم المنقول لا تخطئتهه والله الموفق .
الكلام على لفظ استطاع 
استطاع استفعل من طاع يطوع ولم ينطق به ، وإنما نطقوا بالرباعي منه ، فيقال : أطاعه . وقالوا : طوع له أي حسنه له وزينه ، وكأنه جعل نفسه مطيعة لداعيه . فالهمزة من أطاعه همزة التعدية ، والنقل من اللزوم إلى التعدي والتضعيف في طوع لكونه في معنى حسن وزين . وأما السين والتاء في استطاع ، فأما أن تكون للوجود أي وجدته طوعاً لي كاستجدته أي وجدته جيداً واستصوبت كلامه أي وجدته صواباً واستعظمته ، أي وجدته عظيماً . وأما أن تكون للطلب أي طلبت أن يطيعني إذا أمرته ولا يستعصي علي : بل يكون طوع قدرتي . وقد يأتي هذا البناء بمعنى فعل كفر واستقر ومر واستمر . وقد يأتي بمعنى الصيرورة كاستنوق البعير واستحجر الطين وبابهما الفعل اللازم . وقد يأتي موافق تفعل ، كتعظم واستعظم . وأما استعتب فللطلب أي طلب الإعتاب فهو لطلب مصدر الرباعي الذي هو أعتب أي أزال عتبه لا لطلب الثلاثي الذي هو العتب فقوله تعالى : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين [ فصلت : 24 ، الرحمن : 76 ] ، أي وإن يطلبوا اعتابنا وإزالة عتبنا عليهم . ويقال : عتب عليه إذا أعرض عنه وغصب عليه ، ثم يقال : استعتب السيد عبده . أي طلب منه أن يزيل عتب نفسه عنه بعوده إلى رضاه . فأعتبه عبده أي أزال عتبه بطاعته . ويقال : استعتب العبد سيده أي طلب منه أن يزيل غضبه وعتبه عنه . فأعتبه سيده أي فأزال عتب نفسه عنه . 
وعلى هذا فقوله تعالى : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين [ فصلت : 24 ، الرحمن : 76 ] ، أي وإن يطلبوا أعتابنا وهو إزالة عتبنا عنهم فما هم من المزال عتبهم ، لأن الآخرة لا تقال فيها عثراتهم ولا يقبل فيها توبتهم . وقوله : لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون [ النحل : 84 ] ، أي لا يطلب منهم أعتابنا وأعتابه تعالى إزالة عتبه بالتوبة والعمل الصالح . فلا يطلب منهم يوم القيامة أن يعتبوا ربهم فيزيلوا عتبه بطاعته واتباع رسله . وكذلك قوله : فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون [ الروم : 57 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الطائف : لك العتبى هو اسم من الأعتاب لا من العتب أي أنت المطلوب أعتابه ولك علي أن أعتبك وأرضيك بطاعتك . فافعل ما ترضى به عني ، وما يزول به عتبك علي . فالعتب منه على عبده والعتبى والأعتاب له من عبده . فههنا أربعة أمور . 
العتب وهو من الله تعالى . فإن العبد لا يعتب على ربه فإنه المحسن العادل فلا يتصور أن يعتب عليه عبده إلا ، والعبد ظالم ، ومن ظن من المفسرين خلاف ذلك ، فقد غلط أقبح غلط . 
الثاني : الإعتاب وهو من الله ومن العبد باعتبارين فأعتاب الله عبده إزالة عتب نفسه عن عبده ، وإعتاب العبد ربه إزالة عتب الله عليه ، والعبد لا قدرة له على ذلك إلا بتعاطي الأسباب التي تزول بها عتب الله عليه . 
الثالث : الاستعتاب وهو من الله أيضاً ، ومن العبد بالاعتبارين ، فالله يستعتب عباده أي يطلب منهم أن يعتبوه ويزيلوا عتبه عليهم . ومنه قول ابن مسعود . وقد وقعت الزلزلة بالكوفة إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه والعبد يستعتب ربه أي يطلب منه إزالة عتبه . 
الرابع : العتبى وهي اسم الإعتاب . فاشدد يديك بهذا الفصل الذي يعصمك من تخبيط كثير من المفسدين لهذه المواضع . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإما حسن فلعله أن يزداد وإما مسيء فلعله أن يستعتب أي يطلب من ربه إعتابه بتوفيقه للتوبة ، وقبولها منها فيزول عتبه عليه . والاستعتاب نظير الاسترضاء وهو طلب الرضى . وفي الأثر إن العبد ليسترضي ربه فيرضى غنه . وإن الله ليسترضي فيرضي . لكن الاسترضاء فوق الاستعتاب فإنه طلب رضوان الله ، والاستعتاب طلب إزالة غضبه وعتبه وهما متلازمان . 
رجعنا إلى استطاع وفيها خمس لغات هذه إحداها . 
الثانية : اسطاع بحذف تاء استفعال نخفيفاً ومنه قوله تعالى : فما اسطاعوا أن يظهروه [ الكهف : 97 ] . 
الثالثة : اصطاع بالصاد وفيها أمران أحدهما حدف التاء والثاني إبدال السين صاداً لأجل مجاورتها الطاء . 
الرابعة : اسطاع بإدغام التاء في الطاء وهو إدغام على خلاف القياس ، لأن فيه التقاء الساكنين على غير حدهما . 
الخامسة : اسطاع بفتح الهمزة وقطعها وهي أشكلها . فقال سيبويه : السين عوض عن ذهاب حركة العين ، لأن أصله أطوع فنقلت فتحة الواو إلى الطاء ، ثم أعل بقلب واوه ألفاً لتحركها أصلاً ، وانفتاح ما قبلها لفظاً فزيدت السين عوضاً عن ذهاب حركة السين . وتعقب المبرد هذا على سيبويه ، وقال : إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب فأما إذا كان موجوداً في اللفظ فلا ، وحركة العين منقولة إلى الفاء فلم تعدم . وأجيب عن هذا بأن العين لما سكنت وهنت وتهيأت للحدف عند سكون اللام . نحو لم يطع وأطعت فلو بقيت حركتها فيها لما تطرق إليها الحذف . بل كنت تقول : لم يطوع وأطوعت فزيدت السين ليكون عوضاً من هذا الإعلال المتضمن لثلاثة أمور . نقل حركة المتحرك . ووهنه بالسكون . وتعريضه للحذف عند سكون ما بعده ، فجبروا هذا الإعلال بزيادة السين في أوله . ونظير هذا سواء قولهم : إهراق فإن أصله أراق فقلبت عينه ألفاً بعد تسكينها . فصارت عرضة للحذف كقولك : لم يرق وأرقت فأعل بالنقل والقلب والحذف ، فعوضت الهاء في أوله جبراً لإعلاله . وأما أراق . فعلى الأصل . وأما هراق فعلى إبدال الهمزة هاء لمجاورتها في المخرج . ونظيره أيضاً قولهم إهراح في أراح يريح هذا قول البصريين . وقال الفراء أصله استطاع ، ثم حذفوا التاء فعوضوا منها فتح الهمزة وقطعها ، وهذا الذي قاله أقل عملاً وأبعد من التكلف . ورد عليه بأنهم قالوا : اسطاع بكسر الهمزة ووصلها مع حذف التاء ، فلو كان حذف التاء يوجب الفتح والقطع لما عدلوا عنه . وهذا ظلم للفراء فإنه لم يدع لزوم ذلك ، وإنما ذكر أن هذا الحذف مسوغ للفتح والقطع . ويقال : ولو كان ما ذكرتم من الإعلال مسوع لزيادة السين والهاء لأطرد في أقام وأنام وأجادوا ، قال وما لا يحصى . وليس نقضكم عليه بأقل من نقوضه فعلم أن هذه مسوغات لا موجبات .
تابع الكلام على لفظ استطاع 
يقال : مجنون ومغبون ومهروع ومخفوع ومعتوه وممتوه وممته وممسوس . وبه لمص ومصاب في عقله . فهذه عشرة ألفاظ . وأما مخروع فصحفها العامة من مهروع .
الكلام على دلالة الاقتران 
دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوي الأمرين في موطن . فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه ، وافترقا في تفصيله . قويت الدلالة كقوله صلى الله عليه وسلم : الفطرة خمس وفي مسلم عشر من الفطرة ثم فصلها . فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة . والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان . لكن تلك المقدمتان ممنوعتان ، فليست الفطرة بمرادفة للسنة ، ولا السنة في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم هي المقابلة للواجب . بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من طيب بيته ، فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحق عليه إذا كان حقاً مستحباً في اثنين . منها كان في الثالث مستحباً . وأبين من هذا قوله : وبالغ في الاستنشاق فإن اللفظ تضمن الاستنشاق والمبالغة . فإن كان أحدها مستحباً ، فالآخر كذلك . ولقائل أن يكون : اشتراك المستحب . والمفروض في لفظ عام لا يقتضي تساويهما لا لغة ولا عرفاً فإنهما إذا اشتركا في شيء لم يمتنع افتراقهما في شيء . فإن المختلفات تشترك في لازم واحد فيشتركان في أمر عام ويفترقان بخواصهما . فالاقتران كما لا يثبت لأحدهما خاصة لا ينفيها عنه . فتأمله وإنما يثبت لهما الاشتراك في أمر عام فقط ، وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله صلى الله عليه وسلم : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة ، وقوله : لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده فالتعرض لدلالة الاقتران ههنا في غاية الضعف والفساد . فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها ، وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه . وإنما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف مفرداً على مفرد فإنه يشترك بينهما في العامل كقام زيد وعمرو . وأما نحو اقتل زيداً وأكرم بكراً ، فلا اشتراك في معنى . وأبعد من ذلك ظن من ظن أن تقييد الجملة السابقة بظرف أو حال أو مجرور . يستلزم تقييد الثانية ، وهذا دعوى مجردة . بل فاسدة قطعاً . ومن تأمل تراكيب الكلام العربي جزم ببطلانها . وأما موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهراً في التسوية ، وقصد المتكلم ظاهراً في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد . فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح والله أعلم .
تابع الكلام على دلالة الاقتران 
رضي لامه واو ، لأنه من الرضوان وانقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها وقالوا في الماضي المسند إلى اثنين رضيا بالياء ، وجاؤوا إلى المضارع . فقالوا : يرضيان بالياء . والقياس يرضوان إذ لا موجب لقلب الواو ياء . ولكن حملوا يرضيان على رضيا . كما حملوا أعطيا على يعطيان . ولم يقولوا : أعطوا ، وذلك ليجري الباب على سنن واحد ولا يختلف عليهم .
فائدة : امتنعوا عن النطق بأفعال ويله وويحه لأنه لفيف قرون 
إنما امتنعوا من النطق بأفعال ويله وويحه وويسه وويبه ، لأنه لفيف مقرون . فلو وضعوا له فعلاً لوقعت الواو بعد حرف المضارعة ، وذلك يوجب إعلالها بالحذف كبعد ويزن ويثق ووقعت العين وهي حرف علة أيضاً ثالثة . وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإعلالها بالإسكان كيبيع ويحيد فيتوالى عليهم إعلالات في كلمة واحدة وهم لا يسمحون بذلك فرفضوا الفعل رأساً .
فائدة : في قوله تعالى : اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً 
قوله تعالى لإبليس : اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً [ الإسراء : 63 ] أعاد الضمير بلفظ الخطاب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة ، لأنه اجتمع مخاطب وغائب فغلب المخاطب وجعل الغائب تبعاً له . كما كان تبعاً له في المعصية والعقوبة . فحسن أن يجعل تبعاً له في اللفظ وهذا من حسن ارتباط اللفظ بالمعنى واتصاله به ، وانتصب جزاء موفوراً عند ابن مالك على المصدور وعامله عنده المصدر الأول . قال : والمصدر يعمل في المصدر تقول : عجبت من قيامك قياماً ويعمل فيه الفعل نحو قام قياماً واسم الفاعل كقوله : 
فأصبحت لا أقرب الغانيا ت مزدجراً عن هواها ازدجاراً 
واسم المفعول هو مطلوب طلباً . وبعد ففي نصب جزاء قولان آخران . أحدهما : أنه منصوب بما في معنى . فإن جهنم جزاؤكم من الفعل فإنه متضمن لتجازون وهو الناصب جزاء . والثاني أنه حال وساغ وقوع المصدر حالاً ههنا ، لأنه موصوف ذكر الزمخشري هذين القولين . وهذا كما تقول : خذ عطاءك عطاء موفوراً . والذي يظهر في الآية أن جزاء ليس بمصدر ، وإنما هو اسم للحظ والنصيب . فليس مصدر جزيته جزاء ، بل هو كالعطاء والنصيب ولهذا وصفه بأنه موفور أي تام لا نقص فيه ، وعلى هذا فنصه على الاختصاص وهو يشبه نصب الصفات المقطوعة وهذا كما قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب [ النساء : 7 ] ، إلى قوله : نصيباً مفروضاً [ النساء : 7 ، 118 ] ، قال : نصبه على الاختصاص أي أعني نصيباً مفروضاً . ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكدة كقوله تعالى : فريضة من الله [ النساء : 11 ] .
الدليل على أن لفظ المسك مذكر 
المسك مذكر بدليل قولهم أذفر . وقد ظن بعضهم تأنيثه محتجاً بقوله : 
مرت بنا ما بين أترابها والمسك من أردانها نافحة 
ولا يثبت التأنيث بمثل ذلك ، لأنه خبر عن مضاف محذوف أي رائحة المسك ، وهذا يجوز عند أمن اللبس .
فائدة كل صفة نكرة تقدمت عليها انقلبت حالاً 
من كليات النحو كل صفة نكرة تقدمت عليها انقلبت حالاً لاستحالة كونها صفة تابعة مع تقدمها ، فجعلت حالاً ففارقها لفظ الصفة لا معناها . فإن الحال صفة في المعنى : وكل صفة علم قدمت عليه انقلب الموصوف عطف بيان نحو مررت بالكريم زيد ، وكذلك غير العلم . كقولك : مررت بالكريم أخيك ، لأن الثاني تابع له مبين له وكل تابع صلح للبدلية وعطف البيان نظرت فيه . فإن تضمن زيادة بيان فجعله عطفاً أولى من جعله بدلاً وإن لم يتضمن ذلك فجعله بدلاً أولى . مثال الأول قوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين [ المائدة : 95 ] ، وقوله : من شجرة مباركة زيتونة [ النور : 61 ] ، وقوله : إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا [ النبأ : 32 ] .
انقسام الفعل إلى ماض ومضارع وأمر 
الأفعال ثلاثة ماض ومضارع وأمر . فالأمر لا يكون إلا للاستقبال ، ولذلك فلا يقترن به ما يجعله لغيره . وأما وروده لمن هو ملتبس بالفعل فلا يكون المطلوب منه إلا أمراً متجدداً وهو أما الاستدامة . وأما تكميل المأمور به نحو يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، [ النساء : 136 ] ، وأما الماضي فيصرف إلى الاستقبال بعد أدوات الشرط وفي الوعد والإنشاء ونحوه . لا في الخبر كقوله تعالى : إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت [ يوسف : 26 ، 27 ] ، وكقوله : إن كنت قلته فقد علمته [ المائدة : 116 ] ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلمص لعائشة : إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه نظائره كثيرة جداً . ولا يخفى فساد تأويل ذلك بأن المعنى إن ثبت في المستقبل وقوع ذلك في الماضي . أفترى المسيح يقول لربه : إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي فقد علمته . وهل هذا إلا فاسد في الكلام ممتنع من العاقل إطلاقه ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة ، إنما أراد إن كان وجد فيما مضى ذنب فتداركيه بالتوبة . وأما ما يصير به الماضي مستقبلاً . فكقولك : إن أقمت أكرمتك ، وإن زرتني أحسنت إليك . فهذا ماضي اللفظ مستقبل المعنى وللنحاة ههنا مسلكان . أحدهما : أن التغيير وقع لفظ الفعل وكان الموضع للمستقبل فغير إلى لفظ الماضي والأداة هي التي تصرفت في تغييره وهذا اختيار أبي العباس المبرد . والثاني : أن التغيير إنما هو في المعنى . والأداة وردت على فعل ماض فغيرت معناه إلى الاستقبال وهذا هو الصواب ، لأن الأدوات المغيرة للكلم ، إنما تغير معانيها دون ألفاظها كالاستفهام المغير لمعنى ما بعده من الخبر إلى الطلب وكالتمني والترجي والطلب والنفي ونظائره ويتصرف إلى الحال بقرينة الإنشاء كتزوجت وبعتك وطلقتك على أحد القولين في هذه الصيغ . ومن جعلها أخباراً عما قام بالنفس فهي ماضية على بابها . والتحقيق أنها إنشاء للخارج إخبار عما في النفس ، فجهة الخير فيها لا ينافي جهة الإنشاء . وينصرف إلى الاستقبال بقرينة الطلب والدعاء ، كقولك : غفر الله لك ، وأدخلك الجنة ، وأعاذك من النار ، ونحو : عزمت عليك ألا فعلت . 
ويتصرف إليه أيضاً بالوعد عند بعضهم مستشهداً بقوله تعالى ، إنا أعطيناك الكوثر [ الكوثر : 1 ] ، وأشرقت الأرض بنور ربها [ الزمر : 69 ] ، أتى أمر الله [ النحل : 1 ] ، ونحوه وفيه نظر ظاهر للمتأمل وينصرف أيضاً إلى الاستقبال بعطفه على ما علم استقباله كقوله تعالى : يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار [ هود : 98 ] ، ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله [ النمل : 87 ] ، وينصرف إلى الاستقبال أيضاً بالنفي بلا وإن بعد القسم كقوله تعالى : ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده [ فاطر : 41 ] ، وكقول الشاعر : 
ردوا فوالله لا زدناكم أبداً ما دام في مائنا ورد لنزال 
ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية نحو : سواء على أقمت أم قعدت . والصواب أن المراد هنا المصدر المدلول بالفعل وهو أعم من الحال والاستقبال فلم يجيء الاحتمال من جهة الهمزة . بل من جهة القصد إلى المصدر . فإن قلت : فلو اقترن الفعل الواقع بعد أم بلم ، فهل يصلح الماضي للحال والاستقبال ؟ أم يتعين المضي ؟ قلت : ذهب صاحب التسهيل إلى تعيين المضي واحتج بقوله تعالى : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [ البقرة : 6 ] ، والصواب أنه لا يتعين المضي . فإن المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه . فلا فرق بين ذلك ، وبين أن يقال سواء عليهم أأنذرت أم تركت الإنذار . وكذلك لو كان بعد أم جملة اسمية لم يتعين المضي في الفعل . كقوله تعالى : سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [ الأعراف : 193 ] ، وإذا وقع الماضي بعد حرف التحضيض صلح أيضاً للماضي والمستقبل كقوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم [ التوبة : 122 ] ، والصواب أن الماضي ههنا باق على وضعه لم يتغير عنه كقوله تعالى : فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية [ هود : 116 ] ، ويقول : هلا ( اتقيت الله فيما أتيت ) والآية إنما نزلت في غزوة تبوك في سياق ذم المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبر تعالى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كافة ، ثم وبخهم توبيخاً متضمناً للحض على أن ينفر بعضهم ويقعد بعضهم . وأصح القولين أنه ينفر منهم طائفة من السرايا والبعوث ، وتقعد طائفة تتفقه في الدين ، فتتذر القاعدة الطائفة النافرة إذا رجعت إليهم وتخبرهم بما نزل بعدهم من الحلال والحرام والأحكام لوجوه . 
أحدها : أن الآية إنما هي في سياق النفير في الجهاد وتوبيخ القاعدين عنه . 
الثاني : أن النفير إنما يكون في الغزو ولا يقال لمن سافر في طلب العلم أنه نفر ولا استفر ولا يقال للسفر فيه نفير . 
الثالث : أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين . وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم . فالنافرون أهل الجهاد ، والقاعدون أهل التفقه ، والدين إنما يتم بالجهاد والعلم . فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد وطائفة بالتفقه في الدين ، ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها . وأما إذا جعل النفير فيها نفيراً لطلب العلم لم يكن فيها تعرض للجهاد مع إخراج النفير عن موضعه . والذي أوجب لهم دعوى أن النفير في طلب العلم أنهم رأوا الضمير ، إنما يعود على المذكور القريب ، فالمنذرون هم النافرون وهم المتفقهون . وجواب هذا أن الضمير . إنما يرجع إلى الأقرب عند سلامته من معارض يقتضي إلا بعد . وقد بينا أن السياق يقتضي أن القاعد هو المتفقه المنذر للنافر الراجع . والمقصود أن نفر في الآية ماض ، وإنما يفهم منه الاستقبال ، لأن التحضيض يؤذن به . والتحقيق في هذا الموضع أن لفظة لولا وهلا أن تجرد للتوبيخ لم يتغير الماضي عن وضعه . وإن تجرد للتحضيض تغير إلى الاستقبال ، وإن كا إن توبيخاً مشرباً معنى التحضيض صلح للأمرين وإن وقع بعد كلما ، جاز أن يراد به المضي كقوله تعالى : كلما جاء أمة رسولها كذبوه [ المؤمنون : 44 ] ، وإن يراد به الاستقبال كقوله : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها [ النساء : 56 ] ، وقد ظن صاحب التسهيل أنه إذا وقع صلة للموصول جاز أن يراد به الاستقبال محتجاً بقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم [ المائدة : 34 ] ، وهذا وهم منه رحمه الله . والفعل ماض لفظاً ومعنى ، والمراد إلا الذين تقدمت توبتهم القدرة عليهم فخلوا سبيلهم والاستقبال الذي لحظه رحمه الله . إنما هو لما تضمنه الكلام من معنى الشرط . ففيه معنى من تاب قبل أن تقدروا عليه فخلوا سبيله فلم يجيء هذا من قبل الصلة ولو تجردت الصلة عن معنى الشرط لم يكن الفعل إلا ماضياً . وضعاً ومعنى كقوله تعالى : الذين قال لهم الناس [ آل عمران : 173 ] ، ونظائره . وأما قوله : نصر الله امرءاً سمع مقالتي ، فقال صاحب التسهيل أن الاستقبال في سمع جاء من كونه وقع صفة لنكرة عامة وهذا وهم أيضاً . فإن ذلك لا يوجب استقبالاً بحال تقول كم مال أنفقته ، وكم رجل لقيته ، وكم نعمة كفرها أبو جهل ، وكم مشهد شهده علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما جاء الاستقبال من جهة ما تضمنه الكلام من الشرط . فهو في قوة من سمع مقالتي فوعاها نضره الله فتأمله . وكذلك إذا وقع مضافاً إليه حيث صلح للإستقبال إذا تضمنت معنى الشرط كقوله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 149 ، 150 ] ، فلم يأت الاستقبال ههنا من قبل حيث كما ظنه ، وإنما جاء من قبل ما تضمنه الكلام من الشرط . ولهذا لو تجرد من الشرط لم يكن إلا للمضي كقولك : 
اذهب حيث ذهب فلان . وأما قول الشاعر : 
وإني لآتيكم بذكر ما مضى من الأمر واستحباب ما كان في غد 
فلم تكن كان ههنا مستقبلة المعنى لكونها في صلة الموصول بدليل وقوعها للمضي في قوله ما مضى من الأمر ، وإنما جاء الاستقبال من جهة الظرف الذي جعل وقتاً للفعل .
فصل : إذا نفي المضارع بلا فهل يختص بالاستقبال أو يصلح له وللحال مذهبان 
وإذا نفى المضارع بلا ، فهل يختص في الاستقبال أو يصلح له ؟ وللحال مذهبان للنحاة مذهب الأخفش صلاحيته لهما ، ووافقه ابن مالك ، وزعم أنه لازم لسيبويه محتجاً بإجماعهم على صحة قام القوم لا يكون زيد فهو بمعنى إلا زيداً . ومن ذلك قولهم أتحبه أم لا تحبه ؟ وأتظن ذلك أم لا تظنه ؟ لا ريب أنه بمعنى الحال . وقولهم : 
مالك لا تقبل وأراك لا تبالي ، قال تعالى : وما لنا لا نؤمن بالله [ المائدة : 84 ] ، ما لكم لا ترجون لله وقارا [ نوح : 13 ] ، ما لي لا أرى الهدهد [ النمل : 20 ] ما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون [ يس : 22 ] ، وزعم الزمخشري أنه يتخلص بها للاستقبال أخذاً من قول سيبويه ، وإذا قال : هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً . فإن نفيه لا يفعل وهذا ليس صريحاً في اختصاصه بالمستقبل ، فإن لا تنفي الحال والاستقبال ، وهو لم يقل لا تنفي الحال . وإنما أراد سيبويه أن يفرق بين نفي الفعل بما ، ونفيه بلا في أكثر الأمر فقال : وإذا قال هو يفعل أي هو في حال فعل كان نفيه ما يفعل ، وإذا قال : هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً . فإن نفيه لا يفعل ، ومعلوم أن ما لا يخلص الفعل المنفي بها للحال ، و سيبويه قد جعلها في فعل الحال كلا في فعل الاستقبال . فعلم أنه إنما أراد الأكثر من استعمال الحرفين . وتأمل كيف جاء نفي المضارع وهو مرفوع بما ، ولا وهما لا يزيلان رفعه لتشاكل المنفي بالمثبت ، ويقابل مرفوع بمرفوع . والمشاكلة مهمة في كلامهم حتى يغيروا بها بعض الألفاظ كقولهم : أخذه ما قدم وما حدث والغدايا والعشايا ونظائره . وترجح الحال بدخول لام الابتداء عليه نحو : إني لأحبك ، وأما قوله تعالى حكاية عن يعقوب : إني ليحزنني أن تذهبوا به [ يوسف : 13 ] ، وذهابهم مستقبل وهو فاعل الحزن ، ويمتنع أن يكون الفاعل مستقبلاً والفعل حالاً . فزعم صاحب التسهيل . أن هذا دليل على أن اللام لا تخلص للحالية ، واحتج أيضاً بقوله : إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة [ النحل : 24 ] ، ولقائل أن يقول : التخلص إنما يكون باللام المجردة ، وأما إذا اقترن بالفعل قرينة تخلصه للاستقبال لم تكن اللام للحال . وهذا كسوف كما في قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى [ الضحى : 5 ] ، فلولا هذه القرائن لتخلص للحال وهذا كان مع لم كقوله تعالى : وإن لم ينتهوا [ المائدة : 73 ] ، فإن منعت اقتضاء لم للمضي . وأما الآن وآنفاً والساعة فمخلصة للحال خلافاً لبعضهم . واحتج بقوله تعالى : فالآن باشروهن [ البقرة : 187 ] ، والأمر إنما يكون للمستقبل . وقد عمل في الآن . وأجيب عن ذلك بأن الآن هنا هو الزمن المتصل أوله بالحال مستمراً في الاستقبال فعبر عنه بالآن اعتباراً بأوله كقوله تعالى : فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً [ الجن : 9 ] ، والصواب أن الآن في الآية ظرف للأمر والإباحة لا لفعل المأمور به . والمعنى فالآن أبحت لكم مباشرتهن لا أن المعنى . فالآن مدة وقوع المباشرة منكم وترجح الحالية بنفيه بما . وليس وإن كقوله : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم [ الأحقاف : 9 ] ، وكقوله : وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون [ الأنبياء : 109 ] ، ومثال نفيه بليس قول الشاعر : 
ولست وبيت الله أرضى بمثلها ولكن من يمشي سيرضى بما ركب 
وأما قوله : 
فما مثله فيهم ولا كان قبله وليس يكون الدهر ما دام بديل 
فإنما جاء للاستقبال من تقسيم النفي إلى ماض وحال ومستقبل . وقال ابن مالك لا يخلصه النفي بذلك للاستقبال ، واحتج بهذا البيت وبقوله : 
والمرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح وإشفاق وتأميل 
وبقول أبي ذؤيب : 
أودي بني وأودعوني حسرة عند الرقاد وعبر ما تقلع 
وبقول النابغة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : 
له نافلات ما يغب نوالها وليس عطاء اليوم مانعه غداً 
وبقوله تعالى : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي [ يونس : 15 ] ، والتحقيق في ذلك . أن هذه الأدوات تنفي الفعل المبتدئ من الحال مستمر النفي في الاستقبال فلا تنفيه في الحال نفياً منقطعاً عن التعرض للمستقبل ، ولا تنفيه في المستقبل مع جواز التلبس به في الحال فتأمله . وتتخلص للاستقبال لعشرة أشياء حرف تنفيس . أو مصاحبة ناصب . أو أداة ترج . أو إشفاق .كلعل . أو مجازاة أو نوني التأكيد ، أو لو المصدرية كقوله تعالى : ودوا لو تدهن فيدهنون [ القلم : 9 ] ، ومثال الإشفاق قول الشاعر : 
فأما كيس فنجا ولكن عسى يغتر بي حمق لئيم 
الكلام على حديث إنما كنت خليلاً من وراء وراء 
قوله في الحديث الصحيح : إنما كنت خليلاً من وراء رراء يجوز فيه وجهان : فتحهما معاً وهو الأشهر والأفصح ، وهما مبنيان على الفتح للتركيب المتضمن للحرف كقولهم : هو جاري بيت بيت . والمعنى بيته إلى بيتي ، ومنه قولهم همزة بين بين . وفلان يأتيك صباح مساء ويوم يوم . وتركوا البلاد حيث بيث وحاث باث . ووقعوا في حيص بيص . وأصل هذا كله خمسة عشر وبابه . فإن أصله قبل التركيب العطف فركب وبني لتضمنه معنى حرف العطف ، ولا كذلك بعلبك وبابه ، لأن الاسمين في خمسة عشر مقصود دلالتهما قبل التركيب بخلاف بعلبك ، والوجه الثاني بناء وراء وراء على الضم كالظروف المقطوعة عن الإضافة ورجح هذا بعض المتآخرين محتجاً بما أنشده الجوهري في صحاحه بالضم .
مبحث في قولهم : ( البدل على نية تكرار العامل ) 
قولهم : البدل في نية تكرار العامل إن أريد به . أن العامل فيه غير العامل في متبوعه . فلا بد من إعادته إما ظاهراً ، وإما مقدراً ، كما هو مذهب ابن خروف وغيره ، فضعيف جداً وهو مخالف لمذهب سيبويه . فإن الذي دل عليه كلامه . أن العامل فيهما هو الأول ويتعين هذا ، لأن من المبدلات ما يبذل من مجرور ومجزوم ، ولا يعاد عامله فلو كان العامل مقدراً لزم إطراد إضمار الجار والجازم في الإبدال من المجرور والمجزوم وهو ممتنع . والذي أوجب لهم ما ادعوه أمران : 
أحدهما : أنهم رأوا البدل كثيراً ما يعاد معه العامل كقوله تعالى : قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم [ الأعراف : 75 ] ، ولم يروه معاداً مع غيره من التوابع إلا نادراً . 
الثاني : أن البدل هو المقصود بالذكر . والأول في نية الإطراح . فلما كان هو المقصود كان مباشرته بالعامل أولى بخلاف بقية التوابع . فإن المقصود في النعت وعطف البيان والتأكيد هو الأول . والثاني توضيح وتبيين . وأما عطف النسق وإن قصد فيه التابع والمتبوع فالمعطوف فيه ثان تابع لمقصود . فاكتفي فيه بالعامل الأول ، ولا حجة في شيء من ذلك . أما الأول فمجيء البدل خالياً من تكرار العامل أكثر من اقترانه بإعادة العامل . وإنما أعيدت اللام ففي الآية لمزيد البيان والاختصاص . وأن القول من المستكبرين إنما كان للمؤمنين المستضعفين خاصة . ونظير إعادة اللازم ههنا إعادتها في قوله تعالى : تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا [ المائدة : 114 ] ، وإذا كانوا يزيدون اللام في قولهم لا أبالك مع شدة ارتباط المضاف بالمضاف إليه لقصد الاختصاص والتبيين ، فالإتيان بها في مثل هذه الآية أولى وأقوى . ولهذا لم يعد في قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً [ آل عمران : 97 ] ، وفي قوله : لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة [ العلق : 16 ] ، وفي قوله : اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين [ الفاتحة : 6 ] ، ولا في قوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي [ الشورى : 52 ] ، الآية ولا في قوله : ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب [ الفرقان : 79 ] ، ولا في قوله : إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا [ النبأ : 32 ] ، فنظائره أكثر من أن تذكر . وأما استدلالهم بأن المبدل منه في نية الطرح والمقصود مباشرة العامل للمبدل فغير صحيح . فإن الأول مقصود أيضاً . ولكن ذكر توطئة للمبدل منه ، ولم يقصد طرحه ويدل عليه قول الشاعر : 
إن السيوف غدوها ورواحها تركت هوازن مثل قرن الأعضب 
فجعل الخبر للسيوف وألغى البدل وجعله كالمطرح إذ لو لم يلغه لقال تركاً . وإنما يكون الأول في نية الطرح في نوعين من البدل ، وهما بدل البدا والغلط والأكثر فيهما أن يقعا بعد بل والله أعلم .
الكلام على البدل المبدل منه وأقسام البدل 
البدل والمبدل إما أن يتحدا في المفهوم أولاً ، فإن اتحدا فهو المسمى بدل الكل من الكل . وأحسن من هذه التسمية أن يقال بدل العين من العين وبعضهم يقول : بدل الموافق من الموافق ، لأن هذا البدل يجري فيهما لا يقبل التبعيض والكل كقوله تعالى : إلى صراط العزيز الحميد [ سبأ : 6 ] ، وقوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله [ الشورى : 52 ] ، ونحوه وإن لم يتحدا في المفهوم . فأما أن يكون الثاني جزءاً من الأول أو لا فإن كان جزءاً منه فهو بدل البعض من الكل وإن لم يكن جزءه فإما أن يصح الاستغناء بالأول عن الثاني أو لا . فإن صح فهو بدل الاشتمال بملابس . إما وصف ، أو فعل أو ظرف أو مجاور أو مقصود من العين أو يكون مظروفاً للأول ، فالأول كقولك : أعجبني زيد حسنه . والثاني كقولك : أعجبني زيد صلاته . والثالث : أعجبني زيد داره . والرابع : أعجبني زيد ثيابه . والخامس : دعي زيد للطعام أكله . والسادس : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه وهل الأول مشتمل على الثاني ، أو الثاني على الأول ، أو العامل مشتمل عليهما ثلاثة أقوال لا طائل تحتها كلها صحيحة ، لأن الملابسة حاصلة بين الأول والثاني وهي المرادة من الأشتمال . وأما اشتمال العامل عليهما وإن عم سائر أقسام البدل فسمي هذا النوع به ، لأن كل واحد من الأنواع اختص باسمه . فأعطى الاسم العام لهذا النوغ من البدل . وإن لم يصح الاستغناء بالأول فأما أن يكون المتكلم قد قصده ، ثم أراد إطراحه ، أو لم يقصده فإن كان قصده فهو بدل البدا وإن لم يقصده فهو بدل الغلط . 
فمثال الأول أن تقول أعط السائل رغيفاً ، ثم ترق عليه . فتقول : ديناراً . ومثال الثاني أن تقول : أكلت لحماً ، ثم تذكر . فتقول : خبزاً .
فائدة في إبدال الجملة من الجملة والمفرد 
قد تبدل الجملة من الجملة كبدل الفعل من الفعل ، والجملة من المفرد . كقولك : عرفت زيداً أبو من هو . قال ابن جني ومنه قول الشاعر : 
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان 
قال : فكيف يلتقيان بدل من حاجة ، كأنه قال إلى الله أشكو هاتين الحاجتين ، تعذر التقاؤهما ، ويبدل المفرد من المفرد . وأما بدل المفرد من الجملة فلا يتصور إلا أن تكون الجملة في تأويل المفرد . فيصح إبدال المفرد من معناها لا من لفظها كقولك : أزورك يوم يعافيك الله يوم السرور .
تابع فائدة في إبدال الجملة من الجملة والمفرد 
لا يشترط في بدل النكرة من المعرفة اتحاد اللفظين . وشرطه الكوفيون محتجين لقوله تعالى : بالناصية * ناصية [ العلق : 15 - 16 ] ، واحتج البصريون بقول الشاعر : 
فلا وأبيك خير منك إني ليؤذيني التحمحم والصهيل 
فائدة في اشتراك المصدر واسم الفاعل في العمل في الفعل 
يشترك المصدر واسم الفاعل في عملهما عمل الفعل ، ويفترقان في عشرة أحكام . 
الأول : أن اسم الفاعل يتحمل ضميراً مستتراً . نحو : هذا ضارب زيد والمصدر لا يتحمله . فإذا قلت : يعجبني أكل الخبز لم يكن في أكل ضمير . فقيل : لأنه ليس بمشتق والضمير إنما يحمله المشتقات . 
الحكم الثاني : أن المصدر يعمل بمعنى المضي والحال والاستقبال ، لأنه أصل الفعل واسم الفاعل يختص عمله بما إذا كان في معنى الحال والاستقبال ، لأنه يتحمله لشبهه بالفعل المضارع الذي لا يكون إلا لأحدهما . 
الثالث : أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول . كما يسلط الفعل عليهما . واسم الفاعل لا يضاف إلى الفاعل لاستحالة إضافته إلى نفسه . 
الرابع : إن اسم الفاعل يعمل فيما قبله والمصدر لا يعمل فيما قبله . وسر الفرق أن المصدر في تقدير أن والفعل فمعموله من صلته فلا يتقدم عليه بخلاف اسم الفاعل . 
الخامس : أن إضافة اسم الفاعل لا يفيد التعريف إلا إذا كان بمعنى المضي ، وإضافة المصدر تفيد التعريف مطلقاً . 
السادس : أن الألف واللام إذا دخلت على اسم الفاعل كانت موصولة ، وإذا دخلت على المصدر لم تكن موصولة . ومن الفرق عود الضمير عليها من اسم الفاعل دون المصدر . 
السابع : أن المصدر ينعقد منه ومن معموله كلام تام لا يفترق إلى شيء قبله نحو ضربا زيداً واسم الفاعل لا ينعقد منه . ومن معموله كلام تام حتى يعتمد على شيء قبله نحو هذا ضارب زيداً ، وجاءني مكرم عمراً . 
الثامن : أن جهة عمل المصدر كونه أصلاً للفعل وجهة عمل اسم الفاعل كونه فرعاً على الفعل . 
التاسع : أن إضافة المصدر لا يمنع من نصبه مفعوله وإضافة اسم الفاعل تمنع من نصبه مفعوله إلا أن يتعدى فعله إلى أكثر من واحد فينتصب حينئذ . ما عدا المفعول الأول . 
العاشر : أن الألف واللام إذا دخلت على المصدر أذهبت عمله فلم أنكل عن الضرب مسمعاً . شاذ نادر . وإذا دخلت على اسم الفاعل قوت عمله . ولهذا لا يعمل بمعنى المضي . فإن اقترنت به الألف واللام عمل تقول : هذا الضارب زيد أمس وسر الفرق أن الألف واللام فيه موصولة تقوي جانب الفعلية فيه بخلافها في المصدر .
أما ليست من حروف العطف لأربعة أوجه وبيانها 
أما لا تكون من حروف العطف لأربعة أوجه . 
أحدها : أنك تقول ضربت أما زيداً وأما عمراً فتذكره قبل معمول الفعل . فلو كانت أما من حروف العطف . لكنت قد عطفت معمول الفعل عليه وهو ممتنع فلما وقعت إما بين الفعل ومعموله . علم أنها ليست بعاطفة . 
الثاني : أنك تقول : جاءني أما زيد وإما عمرو . فتقع إما بين الفعل والفاعل . ومعلوم أن الفاعل كالجزء من الفعل فلا يصح الفصل بينهما بالعاطف . 
الثالث : أن تقول وأما عمرو فتدخل الواو عليه . ولو كانت حرف عطف لم يدخل عليها حرف عطف آخر ، كما لا تقول : ضربت زيداً وأو عمراً . 
الرابع : أن العطف لا بد أن يكون عطف جملة على جملة أو مفرد على مفرد . وإذا قلت : ضربت أما زيداً وأما عمراً . فأما الأولى لم تعطف زيداً على مفرد ولا يصح عطفه على الجملة بوجه . فالصواب أن حروف العطف تسعة لا عشرة .
الكلام على ( جاءني زيد وعمرو ) 
إذا قلت : جاءني زيد . بل عمرو فله معنيان ، أحدهما : أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وعلى هذا فيكون إضراب نفي . 
والثاني : أنك أثبت لعمر والمجيء كما أثبته لزيد وأتيت ببل لنفي الاقتصار على الأول لا لنفي الإسناد إليه . بل نفي الاقتصار على الإسناد إليه ويسمى إضراب اقتصار . وهذا أكثر استعمالها في القرآن وغيره ، كقوله تعالى : أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر [ الأنبياء : 5 ] ، وكقوله : بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون [ النمل : 66 ] ، ونظائره ويسمى هذا إضراباً وخروجاً من قصة إلى قصة . وإذا قلت : ما جاءني زيد بل عمرو فله معنيان . 
أحدهما : أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وهذا قول الأكثرين . 
الثاني : أنك نفيت المجيء عنهما معاً فنسبت إلى الثاني حكم الأول ، وأنت حكمت على الأول بالنفي ، ثم نسبت هذا الحكم إلى الثاني . والتحقيق في أمر هذا الحرف أنه يذكر لتقرير ما بعده نفياً كان ، أو إثباتاً . فالنظر فيه في أمرين فيما قبله وفيما بعده ، ولما لم يفصل كثير من النحاة بين هذين النظرين وقع في كلامهم تخليط كثير في معناه . فنقول : أما حكم ما بعده فالتقرير والتحقيق وهو شبيه بمصحوب قد وتجريد العناية بالكلام إلى ما بعده أهم عندهم من الاغتناء بما قبله فقوله تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا [ الأعلى : 16 ] ، المقصود تقرير هذه الجملة لا الإضراب عن قوله : قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى [ الأعلى : 14 ] ، وكذلك قوله : كلا بل لا تكرمون اليتيم [ الفجر : 17 ] ، المقصود تقرير هذا النفي وتحقيقه لا الإضراب عن قوله : وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما [ الفجر : 19 ] ، وكذلك إذا وقعت بين جملتين متضادتين أفادت تقرير كل واحدة منهما كقوله : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم [ آل عمران : 169 ] ، فالمقصود تقرير الطلب والخبر ، وكذلك قولك : لا تضرب زيداً . بل اضرب عمراً، وكذلك ما قام زيد . بل قام عمرو فهي في ذلك كله لتقرير جملتين ، وكذلك قوله تعالى : أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون [ الأنعام : 40 ، 41 ] ، المعنى أنكم إذا نزل بكم هذا الأمر العظيم لا تدعون غير الله . بل تدعونه وحده فهو تقرير لترك دعائهم آلهتهم ولدعائهم الإله الحق وحده فيدخل في مثل ذلك على مقرر بعد مقر ، والأول تارة يكون تقريره توطئة للثاني . كقوله تعالى : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً [ الفرقان : 44 ] ، وتارة لا يكون توطئة كقوله تعالى : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً [ الرعد : 41 ] ، وتارة يدخل على كلام مقرر بعد كلام مردود كقوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون [ مريم : 88 ] ، وفي مثل هذا يظهر معنى الإضراب . وليس المراد بهم إضراب عن الذكر . بل الإضراب عن المذكور ونفيه وإبطاله ، وتارة يأتي لتقرير كلام بعد كلام . قد رجع عنه المتكلم إما لغلط ، أو لظهور رأي أو لعروض نسيان ، وذلك كله إما في الأخبار ، وأما في المخبر به ، فمثال الأول أن تقول : أنت عبدي بل سيدي ، ومثال الثاني لاح برق ، بل ضو نار ، ومثال الثالث : خذ هذا . بل هذا ومثال الرابع : شربت عسلاً بل لبناً وتأتي مع التكرار لقصد ما بعدها بالأولوية والذكر دون نفي ما قبلها كقوله تعالى : بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر [ الأنبياء : 5 ] ، فهم لم يقصدوا إبطال ما قبل كل واحدة . بل قصدوا أولوية المتأخر بالقصد إليه . والاعتماد عليه مع ثبوت ما قبله وكذلك قوله تعالى : وما يشعرون أيان يبعثون * بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون [ النمل : 65 ] ، فليس القصد نفي إدراك علمهم في الآخرة ، ولا نفي شكهم فيها ، فتأمله ومن مواردها مجيئها بعد قسم لم يذكر جوابه ، فيتضمن تحقيق ما بعدها وتقريره ، ويتضمن ذلك مع القسم تحقيق ما قصد بالقسم وتقريره .
فائدة في حمل اللفظ على المعنى 
احتمال اللفظ للمعنى شيء ودلالته عليه شيء . فالمطلق بالنسبة إلى المقيدات محتمل غير دال . والعام بالنسبة إلى الأفراد دال .
تابع فائدة في حمل اللفظ على المعنى 
حمل اللفظ على المعنى يراد به صلاحيته له تارة ، ووضعه له تارة . فإن أريد بالحمل الإخبار بالوضع طولب مدعيه بالنقل . وإن أريد صلاحيته لم يكف ذلك في حمله عليه ، لأنه لا يلزم من الصلاحية له أن يكون مراداً به ذلك المعنى هذا إن أريد بالحمل الإخبار عن مراد المتكلم ، وإن أريد به إنشاء معنى يدعيه صاحب الحمل ، ثم يحمل عليه الكلام . فإن ذلك يكون وضعاً جديداً ، فليتأمل هذا من قولهم يحمل اللفظ على كذا وكذا . فكثير من النظار أطلق ذلك ولا يحصل معناها .
فائدة : تجرد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلم ممتنع في الخارج 
تجرد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلم ممتنع في الخارج ، وإنما يقدره الذهن وبفرضه . وإلا فلا يمكن استعماله إلا مقيداً بالمسند والمسند إليه ومتعلقاتهما وأخواتهما الدالة على مراد المتكلم . فإن كان كل مقيد مجازاً استحال أن يكون في الخارج لفظ حقيقة . وإن كان بعض المقيدات مجازاً وبعضها حقيقة . فلا بد من ضابط للقيود التي تجعل اللفظ مجازاً . والقيود التي لا تخرجه عن حقيقته ، ولن يجد مدعو المجاز إلى ضابط مستقيم سبيلاً البتة . فمن كان لديه شيء فليذكره .
تابع فائدة : تجرد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلم ممتنع في الخارج 
منع الدلالة شيء ، ومنع المدلول عليه شيء . فالثاني مستلزم للأول من غير عكس ، فمن منع الدلالة مع تسليم للمدلول عليه ، فانتقل عنه منازعه إلى دليل آخر كان انقطاعاً ، وإن منع المدلول فانتقل عنه المنازع إلى دليل آخر لم يكن انقطاعاً . كما إذا طعن الخصم في شهود المدعي . فأقام بينة أخرى غير مطعون فيها فله ذلك . فينبغي التفطن في المناظرة لذلك .
صرف اللفظ عن ظاهره إلى مجازه لا يتم إلا بعد أربع مقامات 
من ادعى صرف لفظ عن ظاهره إلى مجازه لم يتم له ذلك . إلا بعد أربع مقامات : 
أحدها : بيان امتناع إرادة الحقيقة . 
الثاني : بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفترياً على اللغة . 
الثالث : بيان تعيين ذلك المجمل إن كان له عدة مجازات . 
الرابع : الجواز عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة . فما لم يقم بهذه الأمور الأربعة كانت دعواه صرف اللفظ عن ظاهره دعوى باطلة ، وإن ادعى مجرد صرف اللفظ عن ظاهره ولم يعين له مجملاً . لزمه أمران . أحدهما بيان الدليل الدال على امتناع إرادة الظاهر . 
والثاني جوابه على المعارض .
فائدة تتعلق بصرف اللفظ 
مدعي صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه يتضمن دعواه الإخبار عن مراد المتكلم ومراد الواضع . أما المتكلم . فكونه أراد ذلك المعنى الذي عينه الصارف ، وأما الوضع فكونه وضع اللفظ المذكور دالاً على هذا المعنى . فإن لم تكن دعواه مطابقة كان كاذباً على المتكلم . والواضع بخلاف مدعي الحقيقة ، فإنه إذا تضمنت دعواه إرادة المتكلم للحقيقة ، وإرادة الواضع كان صادقاً . 
أما صدقه على الواضع فظاهر . وأما صدقه على المتكلم معرفة مراد المتكلم . إنما يحصل بإعادته من كلامه وإنه إنما يخاطب غيره للتفهيم والبيان . فمتى عرف ذلك من عادته وخاطبنا له لما هو المفهوم من ذلك الخطاب علمنا أنه مراده منه . وهذا بحمد الله بين لا خفاء فيه .
فائدة تتعلق بصرف اللفظ 
دلالة اللفظ على مدعي المستدل شيء ، ودلالته على بطلان قول منازعه شيء آخر وهما متلازمان إن كان القولان متقابلين تقابل التناقض . فللمستدل حينئذ تصحيح قوله باي الطريقين شاء . وإن تقابلا تقابل التضاد لم يلزم من إقامته الدليل على بطلان مذهب منازعه صحة مذهبه هو بجواز بطلان المذهبين وكون الحق في ثالث . وإن أقام دليلاً على صحة قوله لزم منه بطلان قول منازعه لاستحالة جمع الضدين .
الفرق بين الاستدلال والدلالة 
الاستدلال شيء والدلالة شيء آخر . فلا يلزم من الغلط في أحدهما الغلط في الآخر . فقد يغلط في الاستدلال والدلالة صحيحة كما يستدل بنص منسوخ ، أو مخصوص على حكم فهو دال عليه تناولاً والغلط في الاستدلال لا في الدلالة وعكسه . كما إذا استدللنا بالحيضة الظاهرة على براءة الرحم ، فحكمنا بحلها للزوج ، ثم بانت حاملاً فالغلط هنا وقع في الدلالة نفسها لا في الاستدلال . 
فتأمل هذه الفروق .
تسليم موجب الدليل لا يستلزم تسليم المدعي 
تسليم موجب الدليل لا يستلزم تسليم المدعي إلا بشرطين . 
أحدهما : أن يكون موجبه هر المدعي بعينه أو ملزوم المدعي . 
الثاني : أن لا يقوم دليل راجح ، أو مساو على نقيض المدعي ومع وجود هذا المعارض لا يكون تسليم موجب الدليل الذي قد عورض تسليماً للمدعي . إذ غايته أن يعترف له منازعه بدلالة دليله على المدعي ، وليس في ذلك تعرض للجواب عن المعارض ، ولا يتم مدعاه إلا بأمرين جميعاً .
ما يذكره المجتهد العالم باللغة شيء وما ن له مجملا شيء آخر 
ما يذكره المجتهد العالم باللغة من موضوع اللفظ لغة شيء ، وما يعين له مجملاً خاصاً في بعض موارده من جملة محامله شيء . 
فالأول : حكم قوله فيه حكم قول أئمة اللغة فيقيد بشرطه . والثاني : حكم قوله فيه حكم ما يفتي به فيطلب له الدليل مثاله قوله الباء في وامسحوا برؤوسكم [ المائدة : 6 ] ، للتبعيض . فهذا حمل منه للباء على التبعيض في هذا المورد . وليس هو كقوله ابن السبيل هو المسافر الذي انقطع عن أهله ووطنه ونظائر ذلك . فهذا نقل محض اللغة ، والأول استنباط وحمل ومن لم يفرق بين الأمرين غلط في نظره ، وغالط في مناظرته والله أعلم .
قوله تعالى : بمثل ما آمنتم به وليس له مثل والجواب عنه 
قوله تعالى : بمثل ما آمنتم به [ البقرة : 137 ] ، وليس له مثل . والجواب من أوجه : 
الأول : إن المراد به التبكيت والمعنى حصلوا ديناً آخر مثله وهو لا يمكن . 
الثاني : أن المثل صلة . 
الثالث : أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف ، ولا تحريف . فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف ولا تحريف فقد اهتدوا . 
الرابع : أن المراد إن آمنوا بمثل ما صرتم به مؤمنين . روى ابن جرير أن ابن عباس . قال : قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به . قال عبد الجبار : ولا يجوز ترك القراءة المتواترة . 
فائدة : قوله تعالى : فله عشر أمثالها [ الأنعام : 160 ] ، أنث عدد الأمثال لتأويلها بحسنات ، ومثله قراءة أبي العالية لا ينفع نفساً إيمانها [ الأنعام : 158 ] ، بالتاء والفعل مسند إلى الإيمان ، لكنه طاعة وإثابة في المعنى . 
فائدة : الجهل قسمان : بسيط وهو عبارة عن عدم المعرفة مع عدم تلبس بضد ، ومركب وهو جهل أرباب الاعتقادات الباطلة . 
والقسم الأول هو الذي يطلب صاحبه العلم . أما صاحب الجهل المركب فلا يطلبه . 
فائدة : الأجداث القبور وفيها لغتان بالثاء والفاء أهل العالية تقوله بالثاء ، وأهل السافلة بالفاء . 
فائدة : في النوم فائدتان : إحداهما انعكاس الحرارة إلى الباطن فينهضم الطعام . الثانية : استراحة الأعضاء التي قد كلت بالأعمال . 
فائدة : في صحيح البخاري ما انفرد به من رواية عمران بن حصين أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً قال : إن صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله ن صف أجر القائم ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد قلت : اختلف العلماء هل قوله من صلى قاعداً في الفرض ، أو النفل فقالت طائفة : هذا في الفرض وهو قول كثير من المحدثين واختيار شيخنا . فورد على هذا أن من صلى الفرض قاعداً مع قدرته على القيام فصلاته باطلة ، وإن كان مع عجزه فأجر القاعد مساو لأجر القائم لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً فقال لي شيخنا : وضع صلاة القاعد على النصف مطلقاً . وإنما كمل الأجر بالنية للعجز . قلت : ويرد على كون هذا في الفرض قوله : إن صلى قائماً فهو أفضل . وهذا لا يكون في الفرض مع القدرة ، لأن صلاته قائماً لا مساواة بينها وبين صلاته قاعداً ، لأن صلاته قاعداً والحالة هذه باطلة ، فهذه قرينة تدل على أن ذلك في النفل كما قاله طائفة أخرى . لكن يرد عليه أيضاً قوله : ومن صلى نائماً فإنه يدل على جواز التطوع للمضطجع وهو خلاف قول الأئمة الأربعة مع كونه وجهاً في مذهب أحمد و الشافعي . وقال الخطابي . تأولت الحديث في شرح البخاري على النافلة إلا أن قوله : ومن صلى نائماً يبطل هذا التأويل لعدم جواز التطوع نائماً . وقال في شرح أبي داود أنا الآن أتأوله على الفرض ، وأحمله على من كان القيام مشقاً عليه . فإذا صلى قاعداً مع إمكان القيام ومشقته . فله نصف أجر القائم . وقال ابن عبد البر : اجمعوا على أنه لا يجوز التنفل مضطجعاً . قلت في الترمذي : جوازه عن الحسن البصر . 
وروى الترمذي بإسناده عن الحسن . قال : إن شاء صلى صلاة التطوع قائماً وجالساً ومضطجعاً والله أعلم .
معنى من في قوله تعالى : كل من عليها فان 
قوله تعالى : كل من عليها فان [ الرحمن : 26 ] ، ولم يقل فيها ، لأن عند الفناء ليس الحال حال القرار والتمكين .
فوائد شتى في حكمة فضل يوم عرفة على عاشوراء وفي بيان أن السبت من المجمل وغير ذلك 
إن قيل : لم كان عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين ، قيل فيه وجهان : 
أحدهما : أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام بخلاف عاشوراء . 
الثاني : أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء فضوعف ببركات المصطفى صلى الله عليه وسلم والله أعلم . 
منتخب من الفوائد المنتقية من الرقوم الشرقية
تابع فوائد شتى في حكمة فضل يوم عرفة على عاشوراء وفي بيان أن السبت من المجمل وغير ذلك 
من المجمل لابن فارس السبت من الأيام والجمع أسبت وسبوت . والسبت الدهر . والسبت الراحة . والسبت السير السهل والسبت حلق الرأس ، والسبت الحيرة ، والمسبت المتحير . والسبت ضرب العنق . والسبت الغلام العارم ، قال : يصبح سهلان ويمسي مسبتاً ، والسبت جلود مدبوغة بقرظ .
فائدة 
روى أنه لما حضرت الحطيئة الوفاة قال : لكل جديد لذة غير أنني وجدت جديد الموت غير لذيذ .
فوائد متعددة في لغات إبراهيم وفي لفظ المولى وفي العلوم التابعة والمتقدمة 
في إبراهيم ست لغات : أحدها إبراهيم هي اللغة الفاشية . والثانية : ابراهم ، والثالثة : ابراهم . والرابعة : ابراهم . والخامسة : ابراهام . والسادسة : ابرهم . 
قال عبد المطلب : 
عذت بما عاذ به ابراهم مستقبل الكعبة وهو قائم 
وقال أيضاً : 
نحن آل الله في كعبة لم يزل ذاك على عهد ابراهم 
تابع فوائد متعددة في لغات إبراهيم وفي لفظ المولى وفي العلوم التابعة والمتقدمة 
قال ابن الأثير في النهاية : وقد تكرر ذكر الموالي في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه . وقال في النهاية أيضاً : القنوت في الحديث ويرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت .
تابع فوائد متعددة في لغات إبراهيم وفي لفظ المولى وفي العلوم التابعة والمتقدمة 
العلوم التابعة هي الانفعالية والمتقدمة هي الفعلية . وعلوم الله تعالى فعلية . والانفعالي عليه محال . قال الشيخ : قلت العلم الفعلي هو الذي يتبعه الفعل كمن يعلم مصلحة فيفعلها . والعلم الانفعالي هو الذي ينشأ عن الأسباب كما إذا مر زيد بين يديك . 
فحصل لك العلم بمروره . وقد يكون علماً خالياً عن القسمين كعلمنا بوجود السماء .
تابع فوائد متعددة في لغات إبراهيم وفي لفظ المولى وفي العلوم التابعة والمتقدمة 
القبلة عربية ، والبوس فارسي .
انحصار الأشياء في ثلاثة أقسام 
قال الراغب : الأشياء ثلاثة أقسام . واجب والعقل يقتضيه . وممتنع والعقل ينفيه . وجائز والعقل يتوقف فيه .
فائدة 
قال المازري : المعنى في قول الإنسان : سبحانك اللهم وبحمدك أي بحمدك سبحانك .
بيان عشر حقائق لا تتعلق إلا بمعدوم والخلاف في أهل الربا محرم بين المسلم والحربي أم لا وفي من هل تختص بالعاقل أم لا . 
عشر حقائق لا تتعلق إلا بمعدوم الشرط وجزاؤه والأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة .
تابع بيان عشر حقائق لا تتعلق إلا بمعدوم والخلاف في أهل الربا محرم بين المسلم والحربي أم لا وفي من هل تختص بالعاقل أم لا . 
قال في المحرر : الربا محرم إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما ، ولم يذكر هذه المسألة في المغني . وذكر تحريم الربا مطلقاً . 
وقال أبو حنيفة : لا يحرم الربا في دار الحرب قال الشيخ : قلت : رأيت في تحريم الربا بين المسلم والحربي الذي لا أمان بينهما روايتين منصوصتين .
تابع بيان عشر حقائق لا تتعلق إلا بمعدوم والخلاف في أهل الربا محرم بين المسلم والحربي أم لا وفي من هل تختص بالعاقل أم لا . 
قال تعالى : فمنهم من يمشي على بطنه [ النور : 45 ] ، وكذا على أربع يدل على استعمال من فيمن لا يعقل وفيه وجهان : أحدهما : إن صدر الآية قوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء [ النور : 45 ] ، فاجتمع جميع الدواب ومنهم العالمون كالإنس وغير العالمين كالبهائم . والقاعدة إذا اجتمع من يعقل وغيره غلب من يعقل . فلما وقع التفصيل وقع تفصيلاً للعقلاء فقط . 
الوجه الثاني : أنه قابل من يمشي في قوله : ومنهم من يمشي على رجلين [ النور : 45 ] ، فعدل عن الأصل للمقابلة المطلوبة . وقيل للعالمين أيضاً كقوله : لا أعبد ما تعبدون [ الكافرون : 2 ] ، وأصيب بأن ما هنا مصدرية تقديره ولا أنتم عابدون عبادتي ولا أنا عابد عبادتكم مما عبر بها إلا عمن لا يعقل ، وكذلك أجابوا عن قوله : ونفس وما سواها [ الشمس : 7 ] ، غير أنه أشكل عليهم الضمير في قوله تعالى : فألهمها فجورها وتقواها [ الشمس : 8 ] ، وما المصدرية حرف لا تعود عليها الضمائر والتزم بعضهم عود الضمير عليها أعني المصدرية وهو ضعيف . ومما أول قوله تعالى : وما خلق الذكر والأنثى [ الليل : 3 ] . ومما عسر تأويله قوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : 3 ] ، والنساء يعقلن . قال الشيخ . قلت : ذكر أبو البقاء وغيره ، أنه إنما قيل : ونفس وما سواها [ الشمس : 7 ] ، لأن من لمن يعقل ولا يوصف الله تعالى بهذا الإطلاق . إنما يوصف بالعلم فأتى بما الدالة على مسمى شيء سواها . وأما قوله : ما طاب لكم [ النساء : 3 ] ، فهي لصفات من يعقل . والصفات لا تعقل فهي على أصلها . وأما قوله تعالى : لما خلقت بيدي [ ص : 75 ] ، فقال جماعة من النحاة يعبر بها عن نوع من يعقل : كقوله : لما خلقت بيدي ، ولا يعبر بها عن شخص من يعقل . فلا يقال : جاءني ما عندك . قال الشيخ : قلت : وهذا ضعيف ، لأن آدم شخص لا نوع ، وإنما أتى بما في حقه ليكون اللائمة إلى ترك السجود بمجرد مخالفة الأمر من غير تعلق بغيرها .
فوائد متنوعة في سبب امتناع ما عدا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الشفاعة وفي أقسام الحلولات والخلاف في زيادة الحد إذا شرب في رمضان 
إذا قال : يا مخنث . فليس فيه حد نص عليه . قال الشيخ : قلت : لأن مدلول هذا ليس صريحاً في عمل الفاحشة . بل في زيادة التشبه بالنساء . ومنه الحديث كان يدخل عليهن مخنث .
تابع فوائد متنوعة في سبب امتناع ما عدا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الشفاعة وفي أقسام الحلولات والخلاف في زيادة الحد إذا شرب في رمضان 
قال أبو بكر بن عبد العزيز غلام الخلال : سمعت بعض شيوخنا يقول : إنما امتنع سائر الأنبياء من الشفاعة ، لأنهم عوتبوا قبل الغفران فأحجمهم عن الهجوم عليه . ونبينا عليه السلام غفر له قبل العتاب .
فوائد متنوعة في سبب امتناع ما عدا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الشفاعة وفي أقسام الحلولات والخلاف في زيادة الحد إذا شرب في رمضان 
الحلولات ثلاثة أقسام . حلول الإحاطة كحلول الماء في الكوز . وحلول السريان كحلول السواد في الجوهر . وحلول الغاية والظرفية كحلول النقطة في الخط . قال الشيخ : قلت : حلول الروح في البدن قد يشبه حلول الإحاطة . بمعنى أن البدن محيط بالروح ، لأنه ليس بحلول السريان ولا بحلول الغاية ، فإن لم يكن من حلول الماء في الظرف فهو نوع آخر من الحلول .
تابع فوائد متنوعة في سبب امتناع ما عدا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الشفاعة وفي أقسام الحلولات والخلاف في زيادة الحد إذا شرب في رمضان 
إذا شرب في رمضان زيد الحد عشرين تعزيراً كما فعله علي بالنجاشي نص عليه . وقال أبو بكر : يجلد خمسين أربعين للشرب وعشرة لرمضان .
تابع فوائد متنوعة في سبب امتناع ما عدا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الشفاعة وفي أقسام الحلولات والخلاف في زيادة الحد إذا شرب في رمضان 
لما توفي العباس أحجم الناس عن تعزية ولده عبد الله إجلالاً له وتعظيماً حتى قدم رجل من البادية فأنشده : 
إصبرنكن بك صابرين وإنما صبر الرعية عند صبر الراس 
خير من العباس صبرك بعده والله خير منك للعباس 
قال : فسرى عنه وأقبل الناس على تعزيته .
فوائد شتى في الفرق بين يفترقان ويتفرقان وغير ذلك 
قال أبو عمر غلام شعبة : سأل أبو موسى أبا العباس يعني ثعلباً . هل بين يتفرقان ويفترقان خلاف ؟ قال : نعم . أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل . قال : يقال افترقا بالكلام ، وتفرقا بالأجسام .
تابع فوائد شتى في الفرق بين يفترقان ويتفرقان وغير ذلك 
في الحديث : أصحابي كالنجوم فهذا عام . وفي الصحيح : لا تسبوا أصحابي وهو عموم أيضاً : وفي المأثور : إن الله اختارني واختار لي أصحاباً وهو عام أيضاً ، وفي مسند الترمذي وصححه عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديبن من بعدي فخص الأربعة : وروى الشافعي وغيره : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر فهذه خصوص من خصوص . 
وفي الصحيح أنه قال للمرأة : فإن لم تجديني فأتى أبا بكر وهذا خاص من خاص من خاص في الدرجة الثالثة .
احتجاج المعتزلة على خلق القرآن واستدلالهم والرد عليهم وبه يتم الكتاب 
احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى : خالق كل شيء [ الزمر : 62 - غافر : 62 ] ، ونحو ذلك من الآيات . 
فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه . قال ابن عقيل في الإرشاد ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناوله ، قال : لأن به حصل عقد الإعلام بكونه خالقاً لكل شيء . وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلاً تحت الخبر ، قال : ولو أن شخصاً قال لا أتكلم اليوم كلاماً إلا كان كذباً لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به ، قلت : ثم تدبرت هذا فوجدته مذكوراً في قوله تعالى في قصة مريم : فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا [ مريم : 26 ] ، وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها فقولها : فلن أكلم اليوم إنسيا [ مريم : 26 ] ، به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس ولم يكن ما أخبرت به داخلاً تحت الخبر . وإلا كان قولها هذا مخالفاً لنذرها .

انتهى الكتاب بحمد الله .


